محمود البريكان - القاتل...

النضوج المبكر للشعر الحديث
كتب البريكان هذه القصيدة سنة ١٩٤٩, وعبر التدقيق فيها يتضح ذلك التطور والقفزة النوعية التي حدثت في الشعر العربي المعاصر..
على صعيد اخر تبرز القصيدة الاسس الفنية والمضمونية التي ابتكرها البريكان مبكرا ,والتي سيبني عليها اعماله اللاحقة.

--------------
القاتل

صَفِيرُ الخَفِيرِ
يُجَاوِبُهُ مِنْ بَعِيدٍ
صَفِيرُ خَفِيرْ
وَيَجْثُو سُكُونٌ مَديدْ
فَمَا يَتَنَفَّسُ فِيهِ
سِوَى سَاعَةِ الغُرْفَةِ الغَافِيَة
تَرِنُّ بِدَقَّتِهَا الثَّانِيَة
وَتَغْرَقُ فِيهِ.
وَتَبْقَى عَقَارِبُهَا فِي فُتُورٍ
تَدُورْ
كَمَا دَبَّ بَيْنَ القُبُورِ
خَيَالٌ حَزِينْ
يَقُصُّ بِوَقْعِ خُطَاهُ
حَدِيثَ الفَنَاءِ الَّذِي فِي الحَيَاةِ
عَلَى المَيِّتِين..
وَكَانَتْ تُحَشْرِجُ فِي الخَارِجِ
عَوَاصِفُ تَجْتَاحُ سُودَ الدُّرُوبِ بِ
طُوفَانِهَا الهَائِجِ
وَقَطْرُ الرَذَاذٍ الخَفِيفٍ
يُغَشِّي زُجَاجَ النَّوَافِذِ ..فِي نَقَرَاتٍ تَذُوبُ بِعَصْفِ الرِّيَاحِ العَنِيفِ
وَعَيْنَانِ بِالذَّهَبِ الأَخْضَرِ
تَدُورَانِ حَوْلِي ..وَمَا تَبْرَحَانِ
خِلَالَ الزَّوَايَا.. وَحَوْلَ السَّرِيرِ
تُسَمِّرُنِي مِنْهُمَا نَظْرَتَانِ
وَرَاءَ ثُقُوبِ الدُّجَى تَقْدَحَانِ
بِالذَّهَبِ الأَخْضَرِ..
أَزَحْتُ السِّتَارَ
وَفَتَحْتُ نَافِذَتِي البَارِدَة
وَأَلْقَيْتُ طَرْفِي عَبْرَ الطَّرِيقِ:
دُرُوبٌ مُقَطَّبَةٌ هامِدَة
قُشَعْرِيرَةٌ وَسُكُونٌ عَمِيقٌ
كَصَمْتِ القِفَارِ
كَأنَ مِنَ اللَّيْلِ حُلْماً وَبِيلْ
أَفَاءَ المَدِينَةَ ظِلاً ثَقِيلْ
وَخَلَّفَنِي لِلْعَذَابِ الطَّوِيلْ
وَحِيداً مَعَ القِطَّةِ السَّاهِرَة..
حَفِيفٌ
حَفِيفُ رِدَاءٍ!
أتِلْكَ رِيَاحُ الشِّتَاءْ
تُوَسْوِسُ لِلرُّوحِ ؟
وَقْعَ خُطَى!
خُطَى! وَحَفيف ......
أَطَارَق قلِيلْ؟!
وَمَنْ ذَا يَزُورْ؟!
وَقَدْ كَادَ يَمْضِي الهَزِيعُ الأَخِيرُ؟
وَأَحْسَسْتُ كَفَّاً عَلَى كَتِفِي
تَمُوجُ مُثَلَّجَةً قَاسِيَة
فَمَا كُنْتُ أُفْلِتُهَا , لَمْحَةَ الرُّعْبِ , حَتَّى احْتَرَقْتُ بِأَنْفَاسِيه
كَأَنِّي عَلَى آخِرِ هَاوِيَة..
وَسَمَّرَ شَيْءٌ يَدِي
أأَنْتِ؟! أ
ذَلِكَ أَنْتِ؟!
حَسِبْتُكِ مُتِّ
لِمَاذَا أَتَيْتِ إِلَيَّ؟!
لِمَاذَا؟!
وَلِمْلمت أَشُتَّاتَ نَفْسِي
وَلِمَا مَدَدْتُ إِلَيْهَا يَدِي
لَمَسْتُ الفَرَاغَ.. أُيكذِّبُ حِسِّي
وَحدقت.كَانَتْ بِرِفْقٍ وَلِينٍ
تُحَسِّسُ شَعْرِي
وَتَطْوِي وَتَبْسُطُ بَيْنَ جُفُونِي.. وَحَوْلَ الجَبِينِ
أَصَابِعُ.. كالضَّوْءُ وَالظِّلُّ تَسْرِي؟
وَتَرْقُصُ شَفَّافَةً كَالأَثِيرْ
وَتَبْسِمُ بسمتها لِي.. وَتَرْنُو بِوَجْهٍ غَرِيرْ..
فَغَمْغَمْتُ: لَا تَنْظُرِي!
.. سَأَلْتُكِ لَا تَنْظُرِي هَكَذَا!
أَجِئْتِ لكي تَثأري؟
أَجِئْتِ..
وَلَكِنَّنِي بِيَدِي
دَفَنْتُكِ
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ ذَاكَ
كَأَنِّي أَرَاهُ:
رُكُوعِي بِالفَأْسِ وَالمِعْوَلِ
وَحِيداً إِلَى جَانِبِ المَدْخَلِ
بِسِرْدَابِ مَنْزِلِنَا الأَوَّلِ..
وَخَفْقَ الشُّمُوعِ عَلَى صَدْرِكِ
المَدْمِى وَنَاظِرِكِ المُسْبَلِ
وَكَيْفَ دَفَنْتُكِ بَعْدُ هُنَاكَ..
وَمَرَّ الزَّمَانُ
وَعِشْتُ كَمَيْتٍ.. وَيَا لَلنَّدَمْ!
تَنَبَّهْتُ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ
.. وَأَدْرَكْتُ أَنَّكِ لَنْ تَغْفِرِي
وَلَنْ تَشْعُرِي
بِأَنِّي أُكَفِّرُ بِاسْمِ الأَلَمْ

سَكَتُّ.. فَأَوْمَأْتِ لِي
وَرَفَّتْ عَلَيَّ
وَقَالَتْ: ‏(غَفَرْتْ‏)
وَأَحْسَسْتُ أَنَّ يَدَيْهَا تُجَفِّفُ مِنْ أَدْمُعِي.. وَتَبْكِي مَعِي
‏(غَفَرْتُ ‏) . وَمَا مُتُّ.. إِنَّ الثَّرَى
اهِيلَ عَلَى هَيْكَلِي
وَلَكِنَّ رُوحِيَ لَمْ يُقْتَلِ..
فَمِنْ جُثَّتِي الفَانِيَة
سَرَى
إِلَى جُثَّةٍ ثَانِيَة
إِلَى قِطَّةٍ!"
وَتَلَاشَى الصَّدَى
وَغَامَ الخَيَالْ..
وَخُيِّلَ لِي أَنَّ شِبْهَ حفِيفٍ
وَوَقْعَ خُطًى لَا يَزَالْ
يئز صداه المخيف
وَأَحْسَسْتُ شَيْئاً عَلَى جَبْهَتِي
كَقَطْرِ النَّدَى
يَسِيلْ
وَفَتَحْتُ عَيْنِي فِي وَحْشَةٍ
إِذَا بِي عَلَى حَافَةِ الشُّرْفَةِ
وَوَجْهِي البَلِيلُ
عَلَى مِرْفَقِي .. فِي مَهَبِّ الرِّيَاحْ..
- لَعَنْتُكَ كَابُوسَ حُلْمٍ ثَقِيلْ
- أَنَا مُتْعَبٌ ..
وَالصَّبَاحُ
قَرِيبْ ......
وَقُمْتُ إِلَى مَرْقَدِي فِي ارْتِخَاءْ..
أُغَمْغِمُ.. وَارْتَدَّ خَطْوِي .. وَضَاءَ
أَمَامِي بَرِيقٌ بَرِيءٌ غرِيبْ..
وَحَدَّقَ بِي نَاظِرَانْ!
وَرَاءَ شُحُوبِ الدُّجَى يَقْدَحَانِ
بِاللهبِ الأَخْضَرِ
وَقَفْقَفْتُ.. وَانْتَفَضَتْ مُقْلَتَايَ.
. وَعُدْتُ أُحَدِّقُ عَبْرَ الطَّرِيقِ
وَتَمْشِي رُؤَايَ
عَلَى الأَعْصُرِ.
إِلَى ذِكْرِيَاتِ الدَّمِ الأَحْمَرِ
وَدُنْيَا الغَرَامِ الشَّقِيقِ.. إِلَى ذِكْرِيَاتِ الدَّمِ الأَحْمَرِ
إِلَى الدَّمِ..
الدَّمِ..
لَمْ أَشْعُرْ
بِغَيْرِ يَدِي تَتَقَلَّصُ حَوْلِي.. .. وَعَيْنِي عَلَى اللَّهَبِ الأَخْضَرِ
وَلَمَّا انْتَهَيْتُ.. وَأَرْخَيْتُ قَبْضَتِي الضَّارِيَة..
عَنِ القِطَّةِ الدَّامِيَة..
وَأَلْقَيْتُهَا مِنْ عَلِ
إِلَى الشَّارِعِ المَوْحِلِ
زَحَفْتُ إِلَى مَرْقَدِي فَارْتَمَيْتُ
عَلَيْهِ.. حَدَّقْتُ نَحْوَ الجِدَارِ
إِلَى السَّاعَةِ الجَامِدَة
فَأَبْصَرْتُ فِي قَلْبِهَا..وَرَأَيْتُ
عُيُوناً ذَوَاتِ لَظًى وَاخْضِرَارْ..
تُحَدِّقُ فِي نِقْمَةٍ وَاحْتِقَارْ..
إِلَى أَدمُعِي البَارِدَة!

محمود البريكان
٤\١٢\١٩٤٩

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى