علجية عيش.. الكرسي العلمي مالك بن نبي للبحوث و الدراسات: مطالب برقمنة التراث البنّابي

لكرسي العلمي مالك بني نبي وقف على مسار الشيخ عبد الوهاب حمودة الفكري
علاقة روحية ربطت مالك بن نبي بزاوية أوقري بقنزات


بلدية قنزات الواقعة شمال غرب ولاية سطيف ، هي بلدية سياحية بامتياز، تتوفر على كل عناصر السياحة الثلاثة وهي ( السياحة الغابية، و السياحة المعدنية و السياحة الدينية و ما تتوفر عليه من مساجد و زوايا ، و منها زاوية الشيخ أوقري التي تحول إلى مسجد بكل مرافقه مما يجعلها بلدة سياحية بامتياز، و قد زينها المعلم التذكاري لفيلسوف الحضارة مالك بن نبي ، حيث كان يعتكف فيها كفضاء للتأمل و الإبداع ، و فيها يسلم الإنسان نفسه للطبيعة التي تعتبر مكانا للاسترخاء، و التفكير و التأليف و الإبداع
700092310_26875574085437595_9096075133166948941_n.jpg

بالوقوف على الجانب الجغرافي، تقع بلدية قنزات guenzat nath yaala في جبل عالي المحاذي لمرتفع " تلاسوست" يسميه سكانها بالقلعة و تبعد عن عاصمة الولاية الأم" (سطيف ) بحوالي 90 كلم ، و الذهاب إليها يكون مرورا بحمام قرور و بلدية بوقاعة ، كما أن طرقاتها كلها منعرجات، تحيط بها الغابات، و تتميز المنطقة بالهدوء و النظام طرقات نظيفة ، فلا تسمع ضوضاء المركبات سوى حفيف أوراق الشجر و زقزقة العصافير، كما لا تسمع الكلمات البذيئة لأن سكانها محافظون، متدينون و مسالمون، فلا يوجد فيها إجرام أو عصابات أحياء ، وقد أطلقوا عليها اسم "البلدة الآمنة" ، فضلا عن أنها تعتبر منطقة تاريخية، يقول رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية قنزات أن المنطقة قدمت ما يقرب عن 670 شهيدا فداءً للوطني، أما يونس قرار رئيس الجمعية الدينية بزاوية أوقري و بتحفظ شديد يذكر إلى الصراعات التي وقعت بين قادة جبهة التحرير الوطني و الحركة المصالية و التي أدت إلى التصفيات الجسدية لرموز الثورة، أما الجانب السياحي فتعتبر قنزات منطقة سياحية بامتياز، فهي تتوفر على حمّام معدني يسمونه حمّام تلّة لمعالجة أمراض الروماتيزم ، مدعم بمرافق ( مطعم و كافتيريا و فضاء مخصص للأطفال و غير ذلك) ، كما تحظى قنزات بثروة غابية تستحق ان تكون مكانا للاستجمام و الراحة، للإشارة أن بلدية قنزات عرفت بتواجد المسكن للشهيدة مليكة قايد ( ممرضة الثورة) المتواجد بقرية تيمنقاش على بعد 03 كلم من مقر الحماية المدنية المقابلة للعيادة، لا نستثني هنا النقائص التي توجد بمنطقة قنزات في الجانب الاقتصادي غياب المرافق الضرورية للسكان مثل مركز تجاري، و اشار سكان المنطقة إلى بعض مؤسسات التي كانت توفر اليد العاملة لأبناء المنطقة و منها مصنع الخشب بدار الحاج، لكنه توقف بعد أن تعرض للإفلاس، و تم غلقه و هو الآن عبارة عن خرابة، و لم تحرك السلطات البلدية ساكنا في إعادة ترميمه و استغلاله فيما يخدم شباب المنطقة خاصة و هو يعدّ الأول في إفريقيا، كنا تفتقر البلدية إلى مرافق رياضية ماعدا ملعب.

وقفة تاريخية على إنشاء زاوية أوقري بقنزات

حسب البطاقة التقنية يعود تأسيس زاوية أوقري إلى القرن التاسع الهجري، لكن المرجح أنه يعود إلى ماء جاء في الرحلة الورتلانية، و الزاوية يعود تأسيسها سنة 1668م ، على يد الولي الصالح الشيخ محمد أوقري، و تقع غرب عرش بني يعلى بين تلال مرتفع جبل القلعة المحاذي لجبل تلاسوست، تقول المصادر ان عبد الوهاب حمودة أيام الثورة و قد لاذ بالفرار من السلطات الاستعمارية باتجاه الجبل فأسس هذه الزاوية، و قد أعيد ترميمها من طرف حفيده محمد آكلي ، ثم تحولت إلى جامع لتعليم القرآن و أداء الصلوات الخمس ، مع وجود مدرسة قرآنية تمارس نشاطها التربوي و التعليمي تحت وكالة الشيخ الفاضل حمودة عبد الوهاب ابن الشيخ محمد آكلي، و الذي توفي سنة 2017 ، و هي تتكون الآن من عدة مرافق منها 04 مراقد،ـ مائضة للنساء و الرجال، مطبخ و مكتبة صغيرة، تحرص الزاوية على تحفيظ القرآن لـ: 25 طالبا بصفة دائمة و المواد الشرعية و العلوم الشرعية و الحديث و كل ما يحتاجه الطالب في دنياه و آخرته، و تجعله ملما بالمبادئ الإسلامية كما تعلم أداب الحوار و المعاملة واحترام القيم الإسلامية، و لإنجاح هذا المشروع الربّاني أسّس القائمون على هذه الزاوية جمعية دينية لتسيير المسجد ( الجامع) و توفير له المناخ الملائم لأداء رسالته الروحية، حيث تم اعتمادها، و يتمتع الطلبة بنظام داخلي.

دعوة إلى رقمنة التراث البنّابي
700035344_26875585505436453_4202155016698162862_n.jpg

ما ميز جامع أوقري بقنزات هو المعلم التذكاري للمفكر مالك بن نبي الذي تم تشييده يوم 16 ماي من السنة الجارية، من طرف إطارات الجمعية الدينية للزاوية و الكرسي العلمي مالك بن نبي والذي تزامن مع إحياء الذكرى السنوية الأولى لتأسيس الكرسي ، و قد كتب في واجهة هذا النصب التذكاري أن مالك بن نبي اختار ركنا من زاوية أوقري في الموقع الجبلي الذي يمتاز بالهدوء و جمال الطبيعة ليخلو بنفسه و لمدة شهر ونصف من سنة 1968 و كانت زيارته بدعوة من تلميذه الوفي عبد الوهاب حمودة، و والده محمد آكلي رحمهما الله، فضل مالك بن نبي الانسحاب من ضوضاء المدينة و صخبها إلى خلوة منعزلة في هذا المكان ليتفرغ للتأمل الفكري العميق في قضايا النهضة الحضارية و الكتابة في هدوء، و حظي باستقبال كبير من طرق اعيان المنطقة و سكانها و بخاصة الشباب الذين كانوا لا يفارقونه ليستفيدوا من فكره و خبرته، و لم تكن إقامته في الزاوية محطة عابرة بل سجلت تاريخا يضاف إلى سجل المنطقة،

يقول الدكتور عمار طالبي أن مالك بن نبي كان يفضل الاعتكاف بهذا الجامع ليتفرغ للتأليف، و كان يلتقي دوما مع صديقه عبد الوهاب حمودة وهو ما أشار إليه الدكتور عبد الحفيظ بورديم الذي قال أن مالك بن نبي و حمودة كان لهما دور كبير في حل المشكلات الاجتماعية، كانت أوراق قدمها أكاديميون و من عايشوا المرحلة البنّابية ، يقول الدكتور عبد الفتاح داودي أن النصب التذكاري لمالك بن نبي عيد إحياء فكره و السير على نهجه، فالعمل الحضاري في جوهره لا يعرف الانقطاع حين يستمر في المستقبل ليساهم في بناء الدولة ، و الأفكار يضيف الدكتور عبد الفتاح داودي حين تنفصل عن الواقع تستحيل إلى اصنام و لا تستثمر في عملية البناء، فجوهر النهضة لا يمكن بتكديس الأشياء بل بالأفكار، و هذا المبدأ في تكامل الأدوار، أراد مالك بن نبي ان يربط العقل بالروح، و من خلال ورقته قسّم المتحدث محاضرته إلى قسمين تناول فيهما مسار الفاعلية عند مالك بن نبي و أثار الفكر البنابي محاولا ربط الفكرة بالواقع و تحويل الفكرة الدينية من حيز التنظير إلى حيز التطبيق.

كما يرى المحاضر أن تضخم الأنا يقتل الفكرة ، و أن الأفكار لا تعيش إلا إذا كانت مجردة من الذات مقدما عبد الوهاب حمودة نموذجا الذي حاول و مالك بن نبي توطين الفكرة و جعلها ممارسة في الفضاءات الفكرية من أجل صنع الأفكار القادرة على مواجهة التحديات و تشخيص الواقع و تحويل الفكرة من نص إلى واقع، داعيا إلى رقمنة التراث البنّابي، و كان عبد الوهاب حمودة حاضرا بروحه في ورقة الدكتور سعيد معوّل واصفا غياه بالمثقف و العالم الفعّال، مذكرا بعلاقته بهو كيف التقى به أثناء افتتاح جامعة تيزي وزو و الصراع الذي دار بينهم و بين الطلبة المتشبعين بالثقافة اليسارية، و لعل العلاقة الوطيدة بين مالك بن نبي و عبد الهاب حمودة سببها تعلمهم باللغة الفرنسية حيث استوعبا معا الفلسفة الغربية بدءًا من جون بول سارتر و سيمون دو موفوار، السؤال الذي طرحه الدكتور عبد الحفيظ بوردين هو كيف نستفيد من أفكار مالك بن نبي و عبد الوهاب حمودة الذي وصفه الصوفي الإصلاحي و قد واجه كلاهما أي بن نبي و حمودة السياسة الماركسية التي كانت تدعو إلى الابتعاد عن كل الأديان و فصل الدين عن السياسة.

ما يمكن قوله هو أن هذه الشهادات الحية التي قدمها من عايشوا مالك بن نبي و تلامذته، تم جمعها و توثيقها في كتاب بعنوان: عبد الوهاب حمودة بعيون من عرفوه ( شهادات و ذكريات) صدر عن شركة الأصالة للنشر الجزائر في 90 صفحة و الكتاب هو من منشورات الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية بالتنسيق مع مؤسسة آفاق للدراسات و التدريب ، يتحدث الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي و هو رئيس مشروع الكرسي العلمي مالك بن نبي في الصفحة 76 من الكتاب عن لقاء مالك بن نبي بعبد الوهاب حمودة في ذلك السياق التاريخي و الفكري و الذي كما قال كان نقطة تحول حاسمة في مسار حمودة و قد وجد في فكر مالك بن نبي إجابة عميقة عن إشكالات العالم الإسلامي، فانخرط في حلقاته العلمية متأثرا بمنهجه في تحليل مشكلات الحضارة، كان عبد الوهاب حمودة يضيف عبد اللطيف سيفاوي أكثر من مجرد تلميذ، كان رجل الميدان الذي حمل مشروع مالك بن نبي إلى الواقع ، خاصة مساهمته في تأسيس مسجد الطلبة بجامعة الجزائر إضافة إلى تنظيم ملتقيات الفكر الإسلامي التي تحولت إلى فضاء عالمي للحوار الحضاري، و يكشف بن نبي في مذكراته أن حمودة كان وراء ما سمّاه " النصر الإسلامي في الجامعة" ، لكن ما حدث لمالك بن نبي من تآمر عليه لجعله منبوذا في بلده، حدث لرفيقه عبد الوهاب حمودة ، حيث ذكر الدكتور يونس كرار خليفة المرحوم عبد الوهاب حمودة على رأس زاوية العائلة الكثير من خصال الرجل و ذلك في الصفحة 72 من هذا الكتاب لكن الكثير لم يعرفوا قيمته بمن فيهم عشيرته و بلده، موضحا انه رغم القرابة التي كانت تجمعهما، فقد كان أول تعارف بينتهما عبر ملتقيات الفكر الإسلامي، كما لم ينل حقه من الاهتمام حتى لقي ربه بعد إصابته بمرض عضال.

عائدة من قنزات guenzat علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى