محمد مطش - الإسكندرية.. 80 حكاية يكتبها الموج وترويها النساء.

في قلب عروس البحر المتوسط، حيث يتلاقى الموج بالشمس وتتنفس الأزقة أسرار الزمن، تبرز الإسكندرية ليس كمدينة جغرافية فحسب، بل كحالة شعورية ومأوى للأرواح الباحثة عن ذاتها. ومن هذا المنطلق، جاءت فكرة كتاب " نساء الإسكندرية.. حكايات الليل والنهار، الصادر عن ريشة للنشر والتوزيع، ليقدم لوحة فسيفسائية مبهرة، صاغها ببراعة وبقلب الروائي وبعين عالم الاثار المصري حسين عبد البصير لفك شفرات النساء بمدينة الإسكندرية الغراء.

لم يكتفِ الكاتب بتقديم نموذج واحد للمرأة، بل قدم نماذج مصرية أتت من الصعيد والدلتا والنوبة، وأخرى أجنبية من أوروبا وأمريكا والخليج، باحثات عن ذاتهن في مدينة السحر والجمال. في حكايات النهار، يرصد الكاتب وببراعة التوهج والحياة؛ حيث نرى بنت البلد الجدعة في أسواق المنشية التي تدير حياتها بقوة تتحدى الصعاب، ونرى المثقفة والمبدعة في أروقة المكتبة وأتيليه الإسكندرية، حيث يمتزج رقي الماضي بتطلعات العصر الحديث. أما حكايات الليل، فقد استطاع الروائي بمنتهى الدقة والاحترافية في البوح والانكشاف؛ حيث تسكن الأحزان أعماق البحار، ونستمع لأنين الأرواح التي تبحث عن مرفأ آمن وسط صخب المدينة، واحتضاناً لجراح ما برحت تضج بالحياة.

وتتجلى عبقرية عبد البصير في ربطه غير المباشر بين قصص الماضي والحاضر ومن نساء ذات مرجعيات ثقافية مختلفة واجتماعية متباينة. فبصفته خبيراً في الآثار، نلمح في عيون بطلاته كبرياء كليوباترا وإصرار هيباتيا على سبيل السرد والحكي. ونجد الإسكندرية في هذا الكتاب هي البطل الحقيقي؛ هي المدينة والمأوى، وهي المرآة التي تعكس الروح المتعددة لنسائها. كل قصة هي نبض، وكل نظرة هي قراءة جديدة لتاريخ المدينة الذي يمزج بين عبق التراث وعصرنة التمدن الحديث.




جعل الكاتب من أحياء الإسكندرية مسارحاً حية؛ فمن سموحة الراقية إلى بحري الأصيلة، ومن ستانلي برومنسيتها إلى السيوف وزحامها، كانت الرحلة مع النساء بمثابة استكشاف جغرافي ونفسي في آن واحد. استطاع الكاتب أن يقدم الإسكندرية بشكل عصري يتجاوز الصورة النمطية، ليجعل القارئ ينغمس في تفاصيل الحياة اليومية وكأنه يعيش داخل هذه الحكايات.

رواية أو حكايات "نساء الإسكندرية" هي تجربة متميزة قدمت الكثير من الأفكار الحية والمعاني الثمينة لكل فرد يبحث عن ذاته. وفي النهاية، وجب الشكر والتقدير لكل من ساهم في خروج هذا العمل للنور، وعلى رأسهم الدكتور حسين عبد البصير، تلك القامة الفكرية والراجل صاحب الخبرات الحياتية الواسعة، الذي قدم للقارئ وجبة أدبية ممتعة تستحق القراءة والتمعن في كل كلمة ذكرت، وكل حكاية قدمت بشكل بارع وشيق. فقد استطاع ان ينقب عن الكنوز المخبوءة تحت طبقات النفس البشرية. استطاع وباقتدار، مع استخدام كلمات رشيقة وألفاظ عذبة، أن يرصد رحلته في عالم النساء السكندري من خلال 80 حكاية، شبهها الكاتب بأنها انغماس في بحر خفي، تتلاطم أمواجه بين ماضٍ غابر وحاضر متوهج، وبين حب يشق صدر السماء وحزن يسكن في أعماق البحار.

إن هذا الكتاب هو دعوة مفتوحة لكل باحث عن الجمال، ولكل من يريد أن يفهم كيف يمكن لمدينة أن تعيد صياغة أرواح نساؤها، وتجعل من الليل والنهار سيمفونية لا تنتهي من الحكايات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى