أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٨ أيار من كل عام

١

في المنام :

الليلة ، في المنام طبعا ، رأيت صديقا أردنيا يرتدي بدلة بيضاء . كان قادما ليسلم علي .وكان طويلا جدا يزيد طوله عن مترين وعشرين سم وكان نحيفا نحيفا نحيفا .
ما دلالة الاستقبال ؟
ما دلالة النحافة ؟
ما دلالة الطول الزائد عن حده ؟
سأصحو من نوم عميق وأحتسي البابونج بالنعناع فثمة وجع في الساق . سأشاهد نشرة أخبار الجزيرة وكالعادة لا تروق لي أخبار الشام .
سأغلق التلفاز و..و..سأذهب إلى النوم وأكرر :
" ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوم
يا قوم لا تتكلموا !
إن الكلام ...... محرم
إن الرؤية
إن السماع
إن النظر
إن الغزل
إن ال...
كل شيء محرم ومحرم ومحرم .
صباح الخير .
هل سيأتي يوم يغدو السلام فيه محرما؟
٢٠١٣

٢
" أثقل من رضوى " لرضوى عاشور ، مقاطع من سيرة ذاتية :

هل لدينا في فلسطين تقاليد جامعية؟
ما إن بدأت اليوم بقراءة كتاب " أثقل من رضوى " 2013 من منشورات دار الشروق في القاهرة ، حتى تساءلت إن كانت لدينا تقاليد جامعية ، وإن كان لدى رؤساء جامعاتنا مؤهلات تؤهلهم لأن يكونوا رؤساء جامعات ، بل أساتذة في جامعات ؟
قرأت فصلين من كتاب د . رضوى عاشور أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس بمصر ، وهي زوجة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي ، فأخذت أثير السؤال الذي أثرته ابتداء . هل أنا على صواب أم إنني على خطأ ؟
ربما تكون ظروفنا مختلفة وأوضاعنا أيضا مختلفة ، ولكن ما راق لي حقا كيف أنها وبعض زملائها طالبوا رئيس مصر في حينه بإقالة وزير الداخلية ورئيس الجامعة أيضا ، بسبب تدخل المخابرات في الجامعة .
لقد تساءلت إن كانت رضوى منعت من السفر والمشاركة في مؤتمر لكتابها هذا ، كما حدث معي حين منعت من السفر ، وكما حدث مع زميلي جمال جودة وعبد الفتاح أبو الشكر .
المهم هو ما كتبته رضوى عن مفهوم الجامعة وحرية حركة الأستاذ الجامعي فيها ، ومحاولة إدارة الجامعة إلزام أعضاء هيأة التدريس بحيز خاص لا يغادرونه ، وربما تقصد بقاء عضو هيأة التدريس في مكتبه لساعات لا يغادرها .
كتبت رضوى أن الأستاذ الجامعي قد يغادر مكتبه لحضور مؤتمر أو ندوة ، وقد يجلس في مكتب زميله يتناقشان في قضية علمية أو...فماذا يعني إلزام عضو هيأة التدريس بالجلوس بمكتبه لساعات ؟
هل أذهب بعيدا في تساؤلاتي؟
ما إن بدأت بقراءة كتاب رضوى ، سيرتها ، حتى تساءلت إن كانت لدينا تقاليد جامعية ، وإن كانت لرؤساء جامعاتنا تجربة كافية تؤهلهم لأن يكونوا في مناصبهم ، وقد أكون مخطئا في تساؤلاتي ، قد....
٢٠١٤

٣
النقد الذاتي في المؤسسة اﻷكاديمية :

هل يمارس اﻷساتذة في الجامعات النقد الذاتي ؟
هل ينقدون المؤسسة التي يعملون فيها ؟
وهل تسمح لهم المؤسسة أصلا بهذا ؟
كم من أستاذ جامعي فصل من عمله ﻷنه نقد مؤسسته ؟
وكم من أستاذ عوقب لهذا ، كأن حجبت عنه الترقية أو منع من السفر للمشاركة في مؤتمر !
أعتقد جازما أن مؤسساتنا لا تتقبل النقد ، وهي تحب التطبيل والتزمير والتهريج . من يمارس النقد ، فإنه سوف يغدو نشازا .
ولكن كيف ستتطور المؤسسة الجامعية إن غاب عنها الحس النقدي ؟ بل ما هو مبرر وجودها ؟
حين نقول مثلا إنه لا يجوز لرئيس الجامعة أن يظل رئيسا لها أكثر من دورتين وأنه يحتقر شعبه حين يحتفظ بمنصب الرئيس وهو رئيس وزراء ، فما المشكل وما العجب؟هذا كلام حق ، وهذا لا يخالف حرية الرأي ، وهذا من حق اﻷستاذ الجامعي ، و..و..
أقرأ الآن في كتاب رضوى عاشور " أثقل من رضوى " ، وهي أستاذة جامعية في جامعة عين شمس ، وتمارس قدرا كبيرا من النقد الذاتي .
الكتاب ممتع وجيد وتجدر قراءته بخاصة من أساتذة الجامعات عندنا الذين يخاف أكثرهم من المجاهرة برأيه ، أو أنه يجامل وينافق ويجبن عن قول الحقيقة ، خوفا من أن يضيق عليه .

٤
عيد ميلاد هاديء ، وقدر كبير من الخجل :

اليوم بين محاضرتي القدس والمناهج قادتني قدماي إلى مكتبة الجامعة لإعادة كتاب عبد الله رضوان " البنى السردية في القصة القصيرة " - طبعا الأردنية والفلسطينية ، وهو كتاب عنوانه يوحي بشيء ، وما فيه يقول ما يغاير عنوانه تماما - ، ولما كان لدي فائض من الوقت يقارب الساعة ، فقد سرت باتجاه كافتيريا العاملين التي لا يجلس العاملون فيها . قلت أشرب مشروبا غازيا ( دايت ) .
في إحدى زوايا الكافتيريا كان ثمة فتيات يرتدين زيا شرعيا ، وكن حوالي عشرة تقريبا . كان النادل يحضر لهن المشروبات والكعك و..و..وفجأة وقفن يرددن ، بصوت خافت جدا ، مع المغني الذي علا صوته :
" هابي بيرثدي تو يو
انزل يا جميل عالساحة " .
أنا وحيد ، ولفت ما جرى نظري ، وتحولت إلى بصاص - غالبا ما أقرع نفسي وأقول إنني رجل شرقي فضولي بائس يتدخل فيما لا يعنيه .
كم أراقب نفسي وأجدني شخصا شرقيا متخلفا بامتياز يلتفت إلى الملابس و..و..-
هل شعرت أن الفتيات كن فرحات حقا ؟
وهل احتفلن بعيد ميلاد زميلتهن؟
إحداهن حاولت ، بصوت مرتفع قليلا ، أن تردد مع المغني :
" هابي بيرثدي تويو
انزل يا جميل عالساحة "

ويخيل إلي أنها كانت على قدر من الخجل لا يتصور .
إنهن يردن الفرح والاحتفال ، ولكن ما يهيأ لي أننا نفتعل الفرح ، وأننا حين نفرح ، نفرح فرحا خجولا حزينا .
أنا طبعا لم أكرر :
" هابي بيرثدي تويو "

والطريف أنني أفكر في الكتابة ، يوم عيد ميلادي ، طالبا من معارفي ألا يكتبوا أية عبارة بهذه المناسبة الحزينة ، مناسبة عيد ميلادي .

٥
للتو :

وأنا أتابع أخبار الجزيرة أصغيت إلى خبر عن مباراة الليلة في ميلانو ، بين ريال مدريد واتلاتيكو مدريد ، وكان فحوى الخبر عن أسعار التذاكر في السوق السوداء ، وقد بلغ سعرها ثلاثة آلاف يورو ، يعني ما يعادل راتب خمسة مدرسين في الحكومة و 25 موظفة في رياض الأطفال ، في الضفة الغربية ،
وهناك عرب كثيرون سيحضرون المباراة يشجعون الفريق الملكي ريال مدريد .
من أشجع أنا ؟
- ما شأني أنا ؟
عاش الملك ، مات الملك ، وأنا لا أشاهد الفريق الفلسطيني إطلاقا ، ولا أشجعه كما يشجعه الجزائريون .
ومع ذلك سأتابع المباراة ، ولسان حالي لسان حال المتنبي :

" ليالي بعد الظاعنين شكول طوال "
وليل الضفة والشعب الفلسطيني والعربي طويل و...
" أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
ويجمعني والهم بالليل جامع
نهاري نهار الناس حتى إذا
دجا بي الليل هزتني إليك المضاجع ".
من سيفوز الليلة ؟ الملك أم الشعب ؟
الريال أم اتلاتيكو ؟
الأغنياء أم الفقراء؟
من معه يعطى ويزاد ومن ليس معه يؤخذ منه .- قانون راسمالي .
وسنرى .
28/5/2016

٦
شركات اللصوص :

للتو جاءتني رسالة من شركة اسمها prices
تخبرني أنه تم اشتراكي في الشركة وأنا لم أطلب اشتراكا .
من شهر راجعت الاتصالات في أمر هذه الشركات قليلة الذوق التي تفرض علينا اشتراكا دون طلبنا .
إن اتصلت الآن بجوال فتخصم 5 شيكل .
وبعدين يا جوال . أنتم قلتم إنكم وسطاء فقط.يبدو أنكم شركاء وإلا وجب أن تشترطوا على هذه الشركات ألا تسرق جيوب المواطنين بفرض الاشتراك .
مرة أخرى: عيب .

٧
"سمعتني بالحلج/الحلق خرمتلي/ خزقتلي وذاني/ أذني " :

مثل شعبي أوردته أمس في خربشة من خربشاتي التي حذفتها . وكنت أسمعه من أبي باستمرار . كان أبي أشجع مني باستمرار ولم يخسر الأصدقاء كما أخسرهم . كان شتاما من الدرجة الأولى ، ومع ذلك كان له شعبية ، مثل مظفر النواب .
طبعا لم أكن شجاعا حين حذفتها ولكني أحيانا لا أمتلك شجاعة ناجي العلي وجرأته ولا أحفظ قاموس شتائم ، مع أن الشتيمة في محلها قنطار . أهو المركز الاجتماعي ؟
أحيانا أهادن ، لأنني أدرك أنه لا الجرأة ستصلح الخراب الشامل ولا المهادنة أيضا .
مش زابطة.
أمس كنت انتهازيا .
28/5/2018

٨
دهشة الطبيب الأميركي بإيجاز اللغة العربية :

كيف اختصر المترجم العربي جملة الطبيب الأميركي الطويلة بمفردة " طوبز " ؟
راجع مواطن أردني طبيبا أميركيا لإجراء عملية بواسير خجل من إجرائها في الأردن ، فطلب الطبيب من المترجم أن يبلغ المريض بالتالي :

Tell the patient to go up on the bed and to take off his clothes and to bend forward more than ninety degrees and to stay stable as possible "
هذا الصباح كنت أنظر في رواية اميل حبيبي "اخطية " لأتابع الكتابة عن حيفا ،فقرأت كلمة المحامي حنا نقارة للفلاح صاحب الأرض المنوي مصادرتها ولعلني سأكتب أكثر "خشب "!!
بعض مفردات لها دلالات جمل وهناك مقالات أكتبها أثرى من أبحاث!
28/ 5/2018

٩
في حيفا 19 :

وأنت في حيفا تتذكر الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود.وكان الشاعر اقترب من اليسار وأخذ ينشر في مجلاتهم وعبر عن فقراء المدينة من العمال.
هنا تجول الشاعر ورأى ما أوحى إليه أن يكتب قصيدته "الحمال الميت "
كان الشاعر رأى حمالا ميتا ملقى على قارعة الطريق ولم يأبه الآخرون له ،لأنه انسان فقير ،فكتب:

قد عشت في الناس غريبا
وها قد مت بين الناس موت الغريب
والناس- مذ كانوا- ذوو قسوة
وليس للبائس فيهم نصيب .

وكانت حيفا مدينة عمال أغراب أيضا ،كما لو أنها أخذت هذه الصفة أيضا من يافا "أم الغريب" كما أخذت منها مركز الثقل الاقتصادي زمن الانتداب ومركز الثقل الثقافي زمن دولة أبناء العمومة.
وأنت تقرأ في رواية "اخطية "تلحظ حنين اميل حبيبي إلى زمن العرب ،وتتساءل: أيهما كان مصيبا، الشاعر أم الروائي؟ وتفكر في الأمر.
ما الصورة التي أبرزها اميل لطفولته في حيفا؟
لا بد من العودة إلى "اخطية "تقول ، وتقول لا بد من تفسير للأمر.
هل فكرت وأنت في حيفا أن تزور جامع الاستقلال؟ هل فكرت في أن تكتب عن الشيخ عز الدين القسام أم أنك تركت هذا لزيارة قادمة؟
لعلك في "في حيفا 20" تكتب عن اختلاف الصورة التي ظهرت لحيفا من خلال القصيدة والصورة التي أبرزها اميل لحياته في حيفا في طفولته وتقفل الكتابة التي لن تنتهي.
28/5/2018

١٠
جوخة 7

جوخة الحارثي وثقافة الأسماء :

" لو الأسماء بتنباع وبتنشرى كان سمى الناس خرى " . هذا مثل يقوله الناس في مجتمعنا ، وغالبا ما يبحث الجيل الجديد عن أسماء جديدة وطريفة ، إن لم يكن هؤلاء غير تراثيين وغير متدينين .
ارتبطت الأسماء بالفكر وحال الأمة ، وخيض في الموضوع كثيرا ، ومع ذلك فكل مرحلة لها أسماؤها ، وهذا لا جدال فيه .
في " سيدات القمر " يتوقف شخوصها أمام ظاهرة الأسماء التي تتغير بتغير الظروف والمعطيات .
تسمي ميا ابنتها البكر " لندن " وهو اسم عاصمة ولم يكن أي عماني سمى مولوده باسم العاصمة التي تستعمر دولتها بلاده .
ولميا قصة لم تضأ في الرواية بما فيه الكفاية .
هل أحبت ميا قبل أن تتزوج؟
والاسم لندن له صلة بالموضوع .
كيف تختار ميا لابنتها هذا الاسم ؟ وكيف يوافق زوجها عليه؟ الرجل إذن لا شخصية له .
زوجة عم عبدالله التي تقف إلى جانب ميا في ولادتها تخاطبها بخصوص الاسم :
" ما زلت مصرة على هذا الاسم الغريب للمولودة؟ أحد يسمي بنته لندن ؟ هذه اسم بلاد يا بنتي .. بلاد نصارى .. كلنا متعجبون جدا ، وأظن صحتك الآن تسمح لك بالتفكير مرة ثانية في اسم للبنت ..سمها على اسم أمك سالمة " .
" كانت الأم حاضرة فغضبت : " ليش يا حبة عيني تريدي أن تسميها على اسمي وأنا حية ترزق ... تتفاءلي لي بالموت ؟ .. من أجل أن تخلفني البنت ؟" .استدركت زوجة العم : " حاشا لله ما قصدت .. كثير من الناس يسمون أبناءهم وهم بخير وعافية ... بعيد الشر عنك يا سالمة .. أي اسم غير لندن " .. ولكن ميا تصر على اسم لندن : " ما له اسم لندن ؟ . . حرمة في بلاد جعلان اسمها لندن .. " .
تعترض الشخصيات المحافظة على الأسماء الجديدة غير المألوفة
ولا تروق لها وهو ما يبدو في موقف ظريفة من الأسماء الجديدة :
" بدل ما يسمو حبيبة ومريم وفاطمة يسموا هذي الأسامي مرفت ورباب وناباب وشاكاب وداداب وقلع عين ابليس...دنيا ! وأنت يا ميا من اسمها بنتك ؟ " .
وفي مكان آخر تتهامس زوجة المؤذن وأرملة القاضي يوسف وهما في بيت والدة ميا :
" يا أختي أي رجل هذا يخلي بنته تتسمى هذا الاسم الغريب ؟ ما له شور وحرمته ميا مشتارة به ، لو عنده عزم و شور كان ما يخليها تسميها اسم بلاد النصارى ، لندن ؟ تو حد يسمي بنته اسم بلاد ؟" .
إن ظريفة تحتج على تسمية كنتها شنة لابنتها . اختارت شنة الاسم رشا ولم يحتج ابنها على هذا الاسم الذي لم يرق للأم ، فقد سكت " وولدي مسكين سكت.. ايش بيقول ؟ بتلدغه لو تكلم .. " والتي تلدغه هي زوجته شنة التي تنعتها حماتها ، كما سنلاحظ ، بالأفعى .

والوقوف أمام الأسماء يتكرر في الرواية عموما .
لا يختلف المجتمع العماني في هذا الجانب عن المجتمع الفلسطيني .
ثمة فلسطينيون كانوا أيضا يرفضون أن تختار المرأة الاسم ، ويترك الاختيار لكبير العائلة ولكن هذا تغير أيضا مع الأيام ، ولقد صار يتم بالتوافق بين الزوجين ، وغالبا ما تسمى البنت الأولى على اسم أم والدها ، ولكن بعض أمهات الرجل يرفضن .
وأعتقد أن طرافة الأسماء ، لنا ، في الرواية موضوع يستحق الاهتمام .
أنا من سمى ابنتي روز وفائزة .
اخترت اسم روز لأن الرفيق أبو روز سمى ابنته روز على اسم ( روزا لوكسمبرغ ) وكنت صديقا للرفاق ، وكانت روز على قدر كبير من الصحة والجمال واللطافة . وغالبا ما سبب الاسم لي مشاكل ، إذ كيف أسمي أنا الدارس الأدب العربي ابنتي بهذا الاسم ، علما بأنه اسم معروف في بلادنا .

١١
مدرسة الجاحظ الثانوية /نابلس :

أمس ظهرا وقفت على "دار مية " وتذكرت المعلقات
" يا دار مية بالعلياء فالسند
أقوت وطال عليها سالف الأمد "
ولم أبك على الأطلال ولم أسخر .
درست في مدرسة الجاحظ الثانوية في العامين 1970 - 1972 وحصلت على الرابع في التوجيهي على الضفة الغربية -ذكور واناث - ، والتاسع في المملكة الأردنية - ذكور ، ولا أظن أنني بعد 1972 دخلت إلى المدرسة ثانية .
أمس ظهرا كنت عائدا من مبنى الداخلية إلى الدوار مشيا على الأقدام ، وعرجت على المدرسة ووقفت على بوابتها وأنعمت النظر فيها .
المدرسة تبعث على الاكتئاب ، فالحجارة اسود لونها والساحة لم تعبد ربما منذ زمن طويل والحيطان البادية مطروشة من فترة .
هل حقا درست أنا في هذه المدرسة ؟
شيء واحد جعلني أتقبل الأمر هو ملامحي الجسدية ؛ قوة رجلي ونظري وسمعي وأعضاء أخرى وشعر رأسي أيضا .
كان شعر رأسي أسود فاحما وغزيرا والآن.... يا لها من صلعة صلعتي !
لقد مر على وقفتي سبعةواربعون عاما . هرمنا كم هرمنا !
حال مدارسنا القديمة بائس مع أنني أدفع ضريبة المعارف سنويا ، وحال شوارع المدينة بالويل مع أنني أدفع ضريبة الأملاك عن شقتي ودار أبي .
28 آيار 2019

١٢
الست كورونا ومسك الختام ٩٧ :

وأنا عائد ، مساء أمس ، إلى بيتي انتظر السائق حتى تمتليء الحافلة ، - وهي من نوع " شتل " - بالركاب وعددهم سبعة ، خلافا لما ألفناه في الأسابيع الأخيرة حيث منع السائقون من تحميل أكثر من أربعة في سيارة مثل هذه ، وذلك تطبيقا لسياسة التباعد الجسدي ، حفاظا على السلامة وعدم نقل العدوى ، وعندما سألت السائق إن كان يغامر فيما قام به ، أجابني بأن الجهات المختصة أصدرت قرارا يقضي بعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل سياسة الحجر الصحي ، وذلك اعتبارا من غد ، ونحن قررنا أن ننفذ القرار منذ الثالثة عصرا - أي قبل الموعد .
لم يخل الحديث في الحافلة من الإتيان على فترة الحجر الصحي ومعاناة المواطنين وعدالة توزيع المساعدات وعدمها وفقر الناس وحاجتهم ، وعبر السائق عن فرحه لانتهاء المرحلة الطارئة :
- " اتركونا نشتغل ولا نريد منكم شيئا " خاطب الحكومة من خلال حديثه إلينا .
صباح أمس أصغيت إلى قاريء القرآن عبد الباسط عبد الصمد يقرأ الآية ( إن أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ، فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ) ووجدتني أتذكر آل روتشيلد و آل روكفلر والأشرطة التي استمعت إليها وأتت على ذكرهم وذكر ( بيل غيتس ) أيضا .
كما لو أن العائلتين لهما ال ٩٩ نعجة ولبقية سكان المعمورة نعجة واحدة تسعى العائلتان ، من خلال الكورونا وتبعاتها ، للحصول عليها .
هل ذكرتني الآية الكريمة ب آل روتشيلد و آل روكفلر فقط ؟
هل تذكرت شركة الاتصالات مثلا ؟
هل تذكرت السلطات الحاكمة في كثير من البلدان العربية ؟
هل تذكرت الدولة العبرية منذ تأسيسها حتى اللحظة وحديثها عن ضم مناطق من الضفة الغربية في شهر تموز ؟
وخيل إلي أن لسان حال المذكورين أعلاه هو لسان حال جهنم في القرآن الكريم " هل من مزيد ؟ "
هناك مثل شعبي غالبا ما أكرره في بعض المناسبات وهو " من فقرنا زيدوا غناكم " ، وهناك قول لجبران خليل جبران قرأته في مقال له عنوانه " مستقبل اللغة العربية " أتى فيه على سياسة أميركا ونصه " من معه يعطى ويزاد ، ومن ليس معه يؤخذ منه " ، و آل روكفلر و آل روتشيلد ، والحمد لله ، معهم ، ومع ذلك وحسب سياسة بلدهم يجب أن يعطوا ويزادوا ، ويجب أن يتخلص من الفقراء .
أحيانا أنا أبدو أنهج نهجا أميركيا ومثلي كثيرون من أساتذة الجامعات حيث ندرس مساقات إضافية ونحرم منها من لا وظيفة لهم .
وهذه حكاية سوف أكتب عنها فيما أكتبه من حلقات تحت عنوان " أنا والجامعة " .
يا للعار !
اعتبارا من أمس قالت السلطة الفلسطينية للست كورونا :" باي باي " ، وبقي أن تفتح المعابر ونزور مدن يافا وحيفا وعكا ونشارك في المؤتمرات ويا دار ما دخلتك كورونا .
لعل هذه الحلقة هي مسك الختام .
الأشياء بخواتيمها والألمان يقولون :
Ende Gut alles Gut
٢٨ أيار ٢٠٢٠ .

١٣
أنا والجامعة وآفة التدريس الإضافي ٣٥ :

يرتبط بما كتبته عن تعبئة الفراغات في تدريس المساقات وإجازة التفرغ العلمي عناوين أخرى مثل البحث العلمي والتدريس الإضافي ، فثمة صلة وطيدة بين الأجزاء كما يقول البنيويون .
من العناوين عنوان " التدريس الإضافي " سواء في الجامعة نفسها أو في جامعة أخرى في الوقت نفسه .
والتدريس الإضافي آفة بكل ما تعنيه المفردة من معنى ، ذلك أنها تدفع عضو هيئة التدريس إلى العمل والعمل والعمل دون أن يطور نفسه ويثقفها ويريح جسده وذهنه معا ، فما يحصله الأكاديمي في المراحل الثلاثة التي نال فيها شهاداته من الجامعات أشبه برصيد ثابت في مصرف إن لم تضف إليه كما غزيرا من المعلومات ينفد ، ويصبح الأستاذ الجامعي أشبه بمعلم الصفوف الابتدائية الأولى بعد مرور خمس سنوات على تعليمه .
من خلال عملي في الجامعة بدأت أدرس مواد إضافية فوق العبء التدريسي ، وفي حينه كان العبء اثنتي عشرة ساعة ، منذ عينت . كانت الجامعة في طور تأسيسها تعاني من نقص الكادر التعليمي ، وكانت الضفة الغربية وقطاع غزة يعانيان من قلة حملة الشهادات العليا التي تؤهل أصحابها العمل في جامعة ، وكان يومها لا مفر من " تعبئة الفراغات " وتعليم مساقات ليست من صلب تخصص المدرس .
في العام ١٩٨٢ مثلا كنا ندرس ثماني عشرة ساعة - أي ست ساعات إضافية ، وبلغ الأمر في رئيس القسم أن درس تسع ساعات إضافية أيضا . وكنا نفرح يوم توزيع مكافآت العمل الإضافي فرحنا باستلام رواتبنا الأساسية .
في سنوات التسعينيات والسنوات التي تلتها توسعت الجامعة وازداد عدد طلاب قسم اللغة العربية وكثرت شعب مساق اللغة العربية ، ما جعل العمل الإضافي جزءا أساسيا من برنامج كل عضو من أعضاء هيئة التدريس ، ومثله أيضا التدريس في الفصل الصيفي ، علما بأنه كثر عدد الحاصلين على شهادات عليا الباحثين عن فرصة عمل ، خلافا لما كان في سبعينيات القرن العشرين .
حتى العام ٢٠٠٠ كنت أرفض تدريس ساعات إضافية بخاصة في فصل الصيف ، ما جعلني أنشط علميا وأنجز ثلاثة كتب هي :
- أدب المقاومة ... من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات
- الصوت والصدى .. مظفر النواب وحضوره في الأرض المحتلة .
- أرض القصيدة .. جدارية محمود درويش وصلتها بأشعاره .
بالإضافة إلى كتابة دراسات جمعتها في ثلاثة كتب هي :
- قضايا وظواهر نقدية في الرواية الفلسطينية.
- في مرآة الآخر : استقبال الأدب الفلسطيني في ألمانيا .
- جدل الذات والآخر ، صورة اليهود في الرواية العربية .
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى صرت أدرس في الصيف وتراجع نتاجي العلمي قليلا وأدركت هذا .
حين أنظر فيما أنتجه زملاء لي في جامعتي وفي جامعات أخرى ألاحظ فارقا كبيرا في الإنتاج العلمي وأتساءل :
- أيعود السبب لأنهم درسوا ساعات إضافية ؟
هناك سبب آخر مرتبط بالتدريس الإضافي وهو الأسرة الممتدة في العالم العربي ، فلحسن حظي أو لسوئه أنني لم أوفق في حياتي الأسرية ، ما جعلني أنفق العمر أقرأ وأكتب ، مثل الدكتور عبد العزيز الأهواني صاحب كتاب " ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر " .
في الأسر الممتدة يكون الأب مسؤولا عن زوجته وأولاده وأحفاده أيضا ، فيضطر إلى العمل المضاعف من أجل أن يزوج هذا ويبني لذاك ، وهكذا تجده ينفق وقته في تدريس إضافي وفي تكثير أمواله ، فيبيع الأراضي ويبني الشقق ويعمل في ثلاث جامعات ، وربما يعمل موجها في مدارس ثانوية - حصل هذا تماما ، ولم أنصرف شخصيا لأي عمل خارج الجامعة سوى الكتابة في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية ، وما كتبته كان وثيق الصلة بتخصصي وبما أدرسه . وقد كنت أحيانا موضع تندر من زملائي الذين أثرى قسم منهم من سنة التفرغ وشراء العقار وبيعه .
غالبا ما كنت أكرر :
- إما عالم أو تاجر ، واخترت العلم ، ومنه أثريت علميا وماديا أيضا .
سبب العمل الإضافي لإدارة الجامعة صداعا كبيرا ، إذ غالبا ما كان الباحثون عنه يكيدون لبعضهم ويتذاكون في الحصول على ساعات إضافية ، وسلك قسم منهم سلوكات لا تليق بالشهادة التي يحملونها - إن كانت الشهادة والحصول عليها تغير في السلوك ، وصار قسم منهم على استعداد لأن يدرس أي مساق حتى لو لم يكن في تخصصه أو دائرة اهتمامه ، فانحدرت الأخلاق الأكاديمية إلى مستوى لافت .
ومع أن إدارة الجامعة اجتهدت مرارا في تنظيم العمل الإضافي وحصره بساعات محددة ومنعت من هو عميد أو رئيس قسم أو من هو برتبة أستاذ دكتور من تدريس أكثر من ثلاث ساعات إضافية بما فيها ساعات الإشراف على رسائل الماجستير ، إلا أن القوانين التي كانت تسنها سرعان ما كانت تتجاوز ، وقد كان عدم الصرامة في تطبيقها سبب استقالتي من رئاسة قسم اللغة العربية ، ولعلني أوضح هذا في مكانه .
وغالبا ما كنت أنصح زملائي من قسم اللغة الانجليزية ألا يبالغوا في تدريس ساعات إضافية ، فقد كانوا يدرسون تسع ساعات إضافية كل فصل ، وكنت أطلب منهم أن يكتبوا الأبحاث وينشروها ، فهذا أجدى لهم مع مرور الأيام ؛ علميا وماديا ، ولكنهم لم يستمعوا إلى نصيحتي ، وكانت النتيجة أن قسما منهم ظل برتبة أستاذ مساعد ولم ينجز أي كتاب يفيد فيه حركتنا الأدبية ، كما أن راتبه توقف عند حد معين ، خلافا لراتبي ، ويوم حصلنا على مكافآت نهاية الخدمة كانت مكافأة نهاية خدمتي أكبر بكثير مما حصلواعليه ، وهكذا - أكرر - ربحت علميا وماديا وصارت لي سمعة علمية لم يحققها كثيرون .
الخميس
٢٨ أيار ٢٠٢٠

١٤

ذاكرة أمس ٧٣ :

الغوييم العرب ضرورة ملحة . إنهم " غوي شبات " الدولة .

في روايته " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " ١٩٧٤ يكتب إميل حبيبي عن الأيدي العاملة العربية في بناء الدولة العبرية وحاجة اليهود إليها ، وهو أيضا ما كتبه ( ابراهام يهوشع ) في روايته " العاشق " ، فالعمال العرب لا غنى عنهم ، وكنت أمس أتيت على النداء الذي وجهه الكابتن الإسرائيلي إلى أهل الضفة الغربية يطالب فيه العمال ، ممن يملكون تصاريح عمل ، التوجه إلى أماكن عملهم والابتعاد عن نهج حماس التي قادت قطاع غزة إلى ما قادته إليه .
عندما احتلت العصابات الصهيونية مدينة حيفا في العام ١٩٤٨ طردت سكانها البالغ عددهم ٧٥ ألفا ، وحين اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بن غوريون ) بقائد حملة التطهير يسأله إن كان نظف المدينة من السكان العرب كلهم ، أجابه بأن هناك بضعة آلاف ظلوا مقيمين ، وإذ اقترح بن غوريون طردهم أجابه بأن هناك ضرورة ملحة لوجودهم ، فمن سينظف الشوارع ويعمل في الأفران ويجلب الخضار ؟!
صار وجود العرب ضرورة ملحة لا يمكن الاستغناء عنهم للقيام بأعمال لا يقوم بها اليهود . صاروا ببساطة " غوي شبات " أو " كافر سبت " حسب ترجمة عارف الحسيني للمصطلح ، ولطالما كتبت عن هذا الموضوع .
لماذا إذن يرفع الحكام الاسرائيليون شعار " يهودية الدولة " ويطالبون بطرد العرب ؟ ولماذا لا يطبقون حل " دولة لكل مواطنيها " ، وهو عموما ما ستؤول إليه فلسطين آجلا أم عاجلا ؟
فكرة " غوي شبات " أو " كافر سبت " لها حضورها في الأدبيات الفلسطينية ، ولعلني سأكتب عنها مقال الأحد لدفاتر الأيام في جريدة الأيام الفلسطينية . ولأن مزاجي معكر ، فسوف أقتبس الفقرة الآتية من رواية حبيبي المذكورة ، لعلكم تضحكون فتنامون غير مبتئسين .
في الرسالة التي عنوانها " كيف سبقت العروبة الأصيلة ، بالتشمير ، عصر التشمير " نقرأ الآتي :
" إن آباء زخرون يعقوب اختلفوا يوما :
- هل من الحق ، شرعا ، أن يعاشر الرجل زوجه في السبت ، أم أن الأمر عمل ، مثله مثل بقية الأعمال التي لا تجوز في السبت ، شرعا ؟ فذهبوا إلى الحاخام ليقضي بينهم . هل الأمر عمل أم لذة ؟ ففكر الحكم / الحاخام طويلا ، ثم حكم أنه لذة . فهات برهانك ؟ قال : لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب - الفرادسة !
فضحك يعقوب ؛ لأنه يكره الاشكناز ، وأنا لأنه ضحك ." .
وفي رواية ( يهوشع ) يصف آدم صاحب الكراج يد العامل العربي نعيم بأنها من ذهب .
لماذا إذن تماطل الدولة العبرية ولا تختصر الصراع وتعلنها دولة لكل مواطنيها ؟ لماذا تصر على يهودية الدولة ؟
أمس جلست في مقهيين أربع ساعات أثرثر حول الموضوع وموضوعات أخرى ، ولم تغب الحرب الأخيرة وما عليه أهل غزة في هذه الأيام عن الأحاديث .
في العام ١٩٧٤ أصدر محمود درويش كتابه " وداعا أيتها الحرب .. وداعا أيها السلم " ومنذ ذلك الحين لم نودع الحرب . ما ودعناه فقط هو السلم .
٢٨ / ٥ / ٢٠٢١ .

١٥
" الكابتن الإسرائيلي " و " كافر سبت " الفلسطيني

عادل الاسطة

في أجواء اقتحام الأقصى وحصار حي الشيخ جراح وما جره السلوكان من حرب على قطاع غزة قرأت ، لأول مرة ، ما كتب على صفحة عنوانها " الكابتن الإسرائيلي " وهي صفحة غير صفحة " المنسق الأمني " الإسرائيلي ، وتابعت قسما من تعليقات متابعي الصفحة ، ولاحظت كيف تختلف التعليقات في أيام الحرب عنها في فترة الهدوء ، وليس هذا عموما ما أرمي إليه من هذه الكتابة ، فما أهدف إليه هو خطاب المشرف على صفحة " الكابتن " وما قادني إليه .
يناشد الكابتن الإسرائيلي أبناء الضفة ألا ينجروا وراء سياسة حماس التي جنت على أبناء غزة وتريد أن تخرب على أبناء الضفة ، ويطلب من العمال ، ممن يملكون تصاريح عمل ، أن يعودوا إلى أماكن عملهم . وواضح أن الخطاب يقصد منه التمييز بين أبناء الشعب الفلسطيني وتقسيمه إلى مجموعات مناطقية .
الكلام السابق خيض فيه كثيرا ، وقد يكون ما كتبته إيجازا لما كتب .
شخصيا التفت إلى مناشدة الكابتن الإسرائيلي العمال بالعودة إلى أعمالهم من زاوية أخرى تتجسد في أن الإسرائيليين الذين ينشدون إقامة دولة يهودية غير قادرين على الاستغناء عن غير اليهود ، ذلك أنهم كانوا منذ تأسيس الدولة ، بل وقبل تأسيسها ، بحاجة إلى الغوييم لينجزوا لهم بعض أعمالهم . إنهم بحاجة إلى ( غوي شبات ) وهي عبارة ترجمها الروائي المقدسي عارف الحسيني إلى " كافر سبت " واتخذها عنوانا لروايته الأولى .
لقد أثار النداء في ذهني سلسلة من التداعيات الأدبية أثارتها في الوقت نفسه قراءتي رواية سليم بركات " ماذا عن السيدة اليهودية راحيل ؟" التي أنجزت عنها مقالة الأسبوع الماضي ، ف ( الغوي شبات ) فيها هناك حاضر ، وقد تمثل في المراهق الكردي ( كيهات ) الذي وقع في حب ابنة راحيل ، فعرض من تلقاء ذاته عليهما أن يخدمهما في أيام السبت ، وأن يكون ( غوي شبات ) ، دون أن يسمع بهذه العبارة ودون أن يعرف معناها ، فما عرفه من اللغة العبرية اقتصر على جملة واحدة من عشرة حروف كتبها له الشاب اليهودي سمير دون أن يعرف قصد ( كيهات ) من وراء كتابتها . " أنا أحبك / أني اوهف اوتك " .
لقد كان ( كيهات ) الكردي كافر سبت بمحض إرادته ، ولكن خاب مسعاه .
عبارة ( غوي شبات ) وجدت طريقها إلى الأدب الفلسطيني قبل العام ١٩٤٨ ، فقد كتب حولها الكاتب حنا أبو حنا في مذكراته التي تأخر نشرها عقودا ، وروى قصة حدثت معه صار فيها " كافر سبت " وأدى خدمة ليهودي متدين نسي أن يفتح مفتاح النور الكهربائي في البيت " ولا يحق لي دينيا أن أفعل ذلك الآن . أرجو أن تقدموا لي هذه الخدمة وأجركم عند الله " . كتب حنا العبارة على النحو الآتي " شاباس غوي " .
لم يتوقف إميل حبيبي في " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " أمام العبارة ، ولكنه أورد حكاية ساخرة توضح معناها .
في الرسالة التي عنوانها " كيف سبقت العروبة الأصيلة ، بالتشمير ، عصر التشمير " روى حكاية عن آباء مستوطنة " زخرون يعقوب " بخصوص معاشرة اليهودي زوجته يوم السبت : أهو عمل أم عبادة ؟ وذهبوا إلى الحاخام يقضي بينهم :
- هل الأمر عمل أم لذة ؟
ففكر الحاخام طويلا ، ثم حكم أنه لذة .
- فهات برهانك ؟
قال :
- لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب - الفرادسة .
فضحكنا ، يعقوب لأنه يكره الاشكناز ، وأنا لأنه ضحك " .
الرواية التي لفتت الأنظار إلى العبارة " غوي شبات / كافر سبت " هي رواية عارف الحسيني وفيها توقف مطولا أمام الموضوع ، على الرغم من أن الرواية صدرت في ٢٠١٢ ، وأن سيرة حنا صدرت في٢٠٠٤ . إنها سلطة العنوان من ناحية والخوض في تفاصيل العبارة " غوي شبات " من ناحية ثانية ، فالرواية تفصل ما ورد في سيرة حنا خبرا عاجلا ، بل وتجعل من " غوي شبات " شبه موظف لا يقدم خدمة طوعية ، فالأصل هو ألا يتقاضى مقدم الخدمة أجرة :
" ومن ضمن الأشياء مثلا أنه لا يمكنهم قيادة السيارات أو تشغيل أو إطفاء أي جهاز كهربائي .... لأن كل هذا يعتبر عملا ، والله أمرهم بالراحة يوم السبت ... ولكن في الحالات الطارئة فإنه لا ضير أن يستخدموا خدمات " كافر السبت " ، وهو شخص غير يهودي ، " غوي " على رأيهم ، ليقوم بالعمل ، ولكن دون أن يدفعوا له أو أن يطلبوا منه العمل بشكل مباشر ... " .
هل صار الفلسطينيون في فلسطين التاريخية " غوي شبات " الدولة العبرية ، مع تطور معنى العبارة لتنسجم مع زمن الحداثة - أي الغوي شبات في القرن العشرين والحادي والعشرين ؟
ما دامت الدولة العبرية بحاجة إلى الأيدي العاملة العربية فلماذا لا تفكر جديا بالأمر ، وكانت منذ تأسيسها بحاجة إليهم كما قرأت في كتاب ( إيلان بابيه ) " التطهير العرقي " ٢٠٠٦ ، فعندما احتلت حيفا وهجر أهلها اتصل ( بن غوريون ) بقائد حملة التطهير وسأله إن نظفوا المدينة من سكانها العرب ، وطلب منه أن يطردوا من لم يرحل ، فرد عليه الضابط :
- سيدي ولكن إن فعلنا ذلك فمن سينظف الشوارع ويخبز في الأفران و ... .
المساحة محدودة والكتابة تطول .
٢٨ / ٥ / ٢٠٢١

١٦
كيف انشغلت أمس بعد حروف عبارة " أنا أحبك " بالعبرية لكي اتأكد ان كانت عشرة حروف أم ١١ حرفا .

من أسبوعين في قرية بيتا المحامي عيسى برهم
أمس الجمعة زكريا حمايل في مظاهرة ضد بؤرة استيطانية أقيمت على جبل صبيح
- السفير الفلسطيني في اسبانيا : العمر ٧٤
سفير منذ ١٦ عاما لا يجيد الإسبانية .

١٧
جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية :

في صفحة " مبدعون فلسطينيون " قرأت أن وزارة الثقافة الفلسطينية أعلنت عن جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية للعام ٢٠٢٣ ، فأحلت الرابط للصديق الشاعر عبد الناصر صالح . ربما يحب أن يتقدم لها . Abdelnaser Saleh
شخصيا لم أتقدم منذ العام ١٩٩٦ لجوائز في فلسطين ، ومنذ العام ٢٠٠٢ لجوائز في العالم العربي ، و وأخطأت في العام الماضي لأنني وافقت أن أكون عضو لجنة تحكيم ، إذ خضعت لرغبة الصديقين عبد السلام عطاري و Fakhri Saleh .
حتى اللحظة لم تصرف وزارة الثقافة الفلسطينية مكافآت أعضاء لجنة التحكيم بحجة عدم تحويل المبلغ المخصص ، علما بأنها صرفت مبلغ ٥٥ الف دولار للفائزين . لقد نقصها مبلغ خمسة آلاف دولار تقل قليلا أو تكثر قليلا .
لو تقدمت للجائزة في هذا العام وحصلت عليها فالأرجح أن السلطة الفلسطينية ستزول وتنتهي ، فغالبا ما يحفل صحن الحساء المقدم لي بالعظام ، وكنت كتبت عن هذا من قبل " العظم والشوربة " .
حرصا مني على بقاء السلطة فإنني لن أتقدم أيضا هذا العام لجائزة الدولة التقديرية .
قبل خمسة أعوام عقدت وزارة الثقافة الفلسطينية مؤتمرا طلبت من المشاركين فيه الكتابة عن فدوى طوقان رصدت له مبلغا من المال ليوزع مكافآت على المشاركين وطلبوا منا شهادة براءة ذمة أنجزناها بجهد جهيد ودفع ما علينا من مستحقات ولم تصل المكافآت .
شو قصة وزارة الثقافة الفلسطينية ؟
الحق كل الحق على بلفور ووعده .
مثل وزارة الثقافة الفلسطينية موقع عرب ٤٨ الذي يديره ... .

١٨
غزة ( ٢٣٥ ) :
خربة خزعة في غزة ورفح

هل أخطأ رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) عندما قال في بداية الحرب إنه يخوض حرب وجود ، وإنه تلميذ ( جابوتنسكي ) ؟
اليوم كرر في خطابه أمام الكنيست أنه يعرف ماذا يفعل ، فالحرب له هي حرب وجود وهو لا يفرط في قضية مصير الدولة .
هل ما يجري الآن في غزة يختلف عما جرى في العام ١٩٤٨ ؟ وهل ما يرتكبه الجيش الإسرائيلي الآن هناك بعيد عما ارتكبته العصابات الصهيونية قبل أن تتحول إلى جيش ؟
كم قرية فلسطينية سوتها العصابات الصهيونية بالأرض ؟ وكم مائة ألف فلسطيني هجرت ؟
وأنا أتابع ما تبثه الفضائيات وأشاهد الصور وأشرطة الفيديو التي تلتقط من أرض غزة ، وأقارنه بما كتبه الكاتب الإسرائيلي ( يزهار سميلانسكي ) في قصته " خربة خزعة " ( ١٩٤٩ ) أردد :
- كأننا لا رحنا ولا جينا ( جئنا ) : الطرد و التهجير و القتل و نسف البيوت وعدم السماح بالعودة لمن أرادها .
حتى لو لم تبادر حماس بالهجوم ، فإن ما لنا هو بنظر الصهيونية لهم ، والبلاد الخربة التي صحرها العرب ستكون جميلة .
عندما قرأت رواية عدنية شبلي " تفصيل ثانوي " قلت إنني أقرأ شيئا قرأته من قبل .
في بداية الحرب نعتنا وزير الدفاع الإسرائيلي ( يوآف غالانت ) بأننا حيونات بشرية . نحن في قصة سميلانسكي لسنا أكثر من حيوانات بشرية .
منذ ستة وسبعين عاما والحرب تتواصل ، ولا تفسير آخر لهذه الإبادة والمهلكة والمقتلة في غزة . إننا في نظرهم حيوانات يصطادونها اصطيادا . هكذا فعلوا في ١٩٤٨ وهكذا يفعلون الآن ، والفعل " يصطادون " استخدم في " خربة خزعة " .
في بداية الحرب كتبت في يومياتي عن الشاعر ( رئوبين ) وقصيدته التي كتبها في ثلاثينيات القرن العشرين ، وفيها نعتنا بأننا حيوانات .
والحكاية هي الحكاية .
٢٨ / ٥ / ٢٠٢٤ .

١٩
عما جرى أمس في غزة :

" لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر ،
فالجوع أبو الكفار ،
مولاي !
أنا في صف الجوع الكافر
ما دام الصف الآخر يسجد
من ثقل الأوزار "
" يأكل قط ما يشبع عائلة
في عدن "/ غزة .

مظفر النواب
٢٨ / ٥ / ٢٠٢٥

٢٠
لصوص الوطن وصورة الفلسطيني :

عندما كنت في صباح هذا اليوم ٢٨ / ٥ / ٢٠٢٥ أصغي إلى إذاعة " أجيال " لفت نظري ما قاله مراسلها من قطاع غزة محمد الأسطل .
كان محور الحديث يدور حول ما جرى أمس . لم ينضبط الغزيون ، فانفلتوا أمام نقطة مركز توزيع المساعدات وحصلوا على ما فيه .
قال محمد ان ما جرى هو تشويه لصورة الفلسطيني ، وبرر ما حدث ، فالجائع يريد أن يملأ معدته ، والقمر لم يصبح رغيفا .
أنا تذكرت مظفر النواب في " وتريات ليلية " :
" لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر
فالجوع أبو الكفار ،
مولاي أنا في صف الجوع الكافر
ما دام الصف الآخر يسجد
من ثقل الأوزار " .
مساء قرأت ما كتبه الناشط رياض عواد Riyad Awad مبديا حزنه لتحويلنا إلى سراقين ، وأما أنا فرأيت أن من حولونا إلى لصوص طحين سرقوا منا الوطن .
عموما منذ النكبة الأولى التي فقدنا فيها بلادنا اضطر قسم منا أن يسرق ليطعم أطفاله . كتبت هذا سميرة عزام في قصتها " لأنه يحبهم " وكتب هذا ، قبلها ، غسان كنفاني في قصته " القميص المسروق " .
هل يستوي سارق الوطن وسارق الرغيف ؟
لا فضائل في زمن الاشتباك ، لأن الفضيلة الأولى ، كما كتب غسان في قصته " الصغير يذهب إلى المخيم " ، هي أن تبقى على قيد الحياة ثم يأتي كل شيء ، بعد ذلك ، لاحقا .
هل كان اليهود أنبياء في الحروب التي خاضوها ؟
اقرأوا رواية الكاتب الإسرائيلي ( يورام كانيوك ) " ١٩٤٨ " عما فعلوه في اللد بعد تهجير أهلها . لقد سرقوا كل ما في البيوت ومخازن التجار ، وأمس سرقوا من محلات الصرافة والذهب في الضفة الغربية ما قيمته ثلاثة عشر مليون شيكل .
الكل يسرق إن استطاع إلى السرقة سبيلا ، وما فرضه ( دونالد ترامب ) على دول الخليج ضرب من سرقة أموال الشعوب .
كله حرامي وهناك فرق بين سارق الوطن وسارق الرغيف .
٢٨ / ٥ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى