في المغرب، لا تموت الطقوس بسهولة
بل تغيّر جلدها فقط، مثل بوجلود نفسه.
فـسبع بو البطاين، أو بيلماون، لم يكن مجرد شابٍّ يرتدي جلود الأضاحي ويركض خلف الأطفال لإثارة الضحك والفوضى الموسمية، بل كان في عمقه الأنثروبولوجي بقايا ذاكرةٍ جماعية قديمة، أقدم من كثير من الخطب الرسمية والفتاوى المؤقتة.
طقسٌ أمازيغيٌّ قديم، خرج من علاقة الإنسان بالطبيعة والحيوان والخصوبة والخوف من المجهول، ثم وجد نفسه لاحقًا مضطرًا لعبور قرونٍ من إعادة التأهيل العقائدي.
فحين دخل الإسلام إلى شمال إفريقيا، لم يكن الناس مستعدين للتخلّي بسهولة عن كل ما ورثوه من أجدادهم.
ولأن السلطة، عبر التاريخ، تعرف أن اقتلاع العادات أخطر من اقتلاع الأشجار، وقع نوعٌ من التفاوض الحضاري:
أبقوا الطقس ، وغيّروا المناسبة.
احتفظوا بالجلد ،وألصقوا به تكبيرات العيد.
وهكذا، وجد بوجلود نفسه يحصل على بطاقة اندماج ديني بعد أن كان مجرد كرنفالٍ وثنيٍّ قديم.
فبدل أن يُمنع، أُلحق بعيد الأضحى، وكأن الرسالة تقول:
إذا كان لا بد من الرقص بجلود الماعز ,فلنرقص بعد الذبح الشرعي على الأقل!
ولعل الدولة المرابطية، ثم الموحدية، فهمت مبكرًا أن محاربة العقائد لا تتم دائمًا بالسيف وحده، بل أحيانًا بإعادة تدوير الطقوس.
فبعد القضاء على البرغواطيين، الذين مزجوا الدين بالخصوصية المحلية إلى درجة إنتاج إسلامٍ أمازيغيّ النكهة، صار المطلوب ليس فقط هزمهم عسكريًا، بل أيضًا امتصاص الذاكرة الشعبية حتى لا تعود المعارضة من باب الاحتفال.
لذلك بقيت الطقوس… لكن مع تغيير التفسير.
فالناس قد ينسون الكتب، لكنهم لا ينسون المواسم.
والأمر نفسه نجده في طقس زمزم أو الرش الماء، الذي يبدو ظاهريًا مجرد لهوٍ صيفيٍّ بريء، بينما يحمل في العمق بقايا صراعات رمزية قديمة.
فالشيعة، بدورهم، بارعون تاريخيًا في تحويل الذاكرة السياسية إلى طقوس جماهيرية.
ورش الماء عند بعضهم لم يكن بعيدًا عن استحضار عطش الحسين في كربلاء، وكأن الماء هنا ليس ماءً فقط، بل موقفٌ سياسيٌّ سائل.
إنها نفس الفكرة:
حين تعجز العقيدة عن الانتصار الكامل. ،تتحول إلى احتفال.
فالسلطات تريد عيدًا موحدًا
والشعوب تريد الاحتفاظ بذاكرتها
فتخرج النتيجة في شكل رجلٍ يرتدي جلد خروف، يحمل ذيل ماعز، ويرقص على إيقاع الطبول وسط تكبيرات العيد!
إنه الحل الوسط الذي اخترعه التاريخ المغربي:
لا الوثنية اختفت تمامًا
ولا السياسة غادرت الدين
ولا الناس تخلّوا عن فرحتهم القديمة.
ولهذا يبدو بوجلود أحيانًا أذكى من المؤرخين أنفسهم؛
فهو لا يشرح أصله لأحد
ولا يدخل في نقاشات العقيدة
ولا يهتم إن كان المرابطون أو البرغواطيون أو الفقهاء قد اختلفوا حوله
هو فقط يرتدي الجلد،
ويخرج كل سنة ليقول للمغاربة، بطريقته الساخرة:
أنتم تغيّرون السياسة… أما أنا فما زلت هنا!
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
بل تغيّر جلدها فقط، مثل بوجلود نفسه.
فـسبع بو البطاين، أو بيلماون، لم يكن مجرد شابٍّ يرتدي جلود الأضاحي ويركض خلف الأطفال لإثارة الضحك والفوضى الموسمية، بل كان في عمقه الأنثروبولوجي بقايا ذاكرةٍ جماعية قديمة، أقدم من كثير من الخطب الرسمية والفتاوى المؤقتة.
طقسٌ أمازيغيٌّ قديم، خرج من علاقة الإنسان بالطبيعة والحيوان والخصوبة والخوف من المجهول، ثم وجد نفسه لاحقًا مضطرًا لعبور قرونٍ من إعادة التأهيل العقائدي.
فحين دخل الإسلام إلى شمال إفريقيا، لم يكن الناس مستعدين للتخلّي بسهولة عن كل ما ورثوه من أجدادهم.
ولأن السلطة، عبر التاريخ، تعرف أن اقتلاع العادات أخطر من اقتلاع الأشجار، وقع نوعٌ من التفاوض الحضاري:
أبقوا الطقس ، وغيّروا المناسبة.
احتفظوا بالجلد ،وألصقوا به تكبيرات العيد.
وهكذا، وجد بوجلود نفسه يحصل على بطاقة اندماج ديني بعد أن كان مجرد كرنفالٍ وثنيٍّ قديم.
فبدل أن يُمنع، أُلحق بعيد الأضحى، وكأن الرسالة تقول:
إذا كان لا بد من الرقص بجلود الماعز ,فلنرقص بعد الذبح الشرعي على الأقل!
ولعل الدولة المرابطية، ثم الموحدية، فهمت مبكرًا أن محاربة العقائد لا تتم دائمًا بالسيف وحده، بل أحيانًا بإعادة تدوير الطقوس.
فبعد القضاء على البرغواطيين، الذين مزجوا الدين بالخصوصية المحلية إلى درجة إنتاج إسلامٍ أمازيغيّ النكهة، صار المطلوب ليس فقط هزمهم عسكريًا، بل أيضًا امتصاص الذاكرة الشعبية حتى لا تعود المعارضة من باب الاحتفال.
لذلك بقيت الطقوس… لكن مع تغيير التفسير.
فالناس قد ينسون الكتب، لكنهم لا ينسون المواسم.
والأمر نفسه نجده في طقس زمزم أو الرش الماء، الذي يبدو ظاهريًا مجرد لهوٍ صيفيٍّ بريء، بينما يحمل في العمق بقايا صراعات رمزية قديمة.
فالشيعة، بدورهم، بارعون تاريخيًا في تحويل الذاكرة السياسية إلى طقوس جماهيرية.
ورش الماء عند بعضهم لم يكن بعيدًا عن استحضار عطش الحسين في كربلاء، وكأن الماء هنا ليس ماءً فقط، بل موقفٌ سياسيٌّ سائل.
إنها نفس الفكرة:
حين تعجز العقيدة عن الانتصار الكامل. ،تتحول إلى احتفال.
فالسلطات تريد عيدًا موحدًا
والشعوب تريد الاحتفاظ بذاكرتها
فتخرج النتيجة في شكل رجلٍ يرتدي جلد خروف، يحمل ذيل ماعز، ويرقص على إيقاع الطبول وسط تكبيرات العيد!
إنه الحل الوسط الذي اخترعه التاريخ المغربي:
لا الوثنية اختفت تمامًا
ولا السياسة غادرت الدين
ولا الناس تخلّوا عن فرحتهم القديمة.
ولهذا يبدو بوجلود أحيانًا أذكى من المؤرخين أنفسهم؛
فهو لا يشرح أصله لأحد
ولا يدخل في نقاشات العقيدة
ولا يهتم إن كان المرابطون أو البرغواطيون أو الفقهاء قد اختلفوا حوله
هو فقط يرتدي الجلد،
ويخرج كل سنة ليقول للمغاربة، بطريقته الساخرة:
أنتم تغيّرون السياسة… أما أنا فما زلت هنا!
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي