فاتن فاروق عبدالمنعم - الصليبيون الجدد (12) بزوغ نجم الأيوبيين:

(12)
بزوغ نجم الأيوبيين:

بعد سقوط الرها في يد التركي عماد الدين زنكي، استنفر ذلك الحدث الباباوات بأوروبا بأسرها فقد اعتبروا سقوط الرها بيد الأقذار (المسلمون) يعد سقطة للرب الذي سمح للمسلمين بالانتصار على أبنائه وفي هذه الأثناء كان المسيحيون يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، وبدأ التجهيز للحملة الصليبية الثالثة ونادى الباباوات في العوام بأوروبا أن من أراد الخلاص من المسيحين فعليه الخروج في هذه الحملة، بينما اعتدل الميزان لدى المسلمين وبدأت الدعوة إلى الجهاد لتحرير الأرض التي استولى عليها الصليبيون، وبدأ القائد الجديد نور الدين محمود بتنظيم صفوفه وأثنت عليه كارين أيما ثناء ولم يغب عنها التنظير المتعمد فقالت أن القائد المسلم لابد أن أنيكون متعلم يصطحب معه علماء الدين والمتصوفة والمفكرين كي يشرحوا للمسلمين أهمية الجهاد ووجوبه في حين أن قائد الفرنجة غالبا لا يجيد القراءة والكتابة!! كما أنها أثنت على فكر الجهاد الإسلامي وقصر نظر الحرب الصليبية المقدسة كما أسمتها فالقرآن يحث المسلمون على الاجتهاد والعمل كي يروا ثمرة عملهم بينما المسيحين يرون أن الرب سيكون بجانبهم دائما.
ولما قام نور الدين محمود بالوقوف على أولى درجات الانتصار ووطيء موطيء الحرية بالجهاد أثنت عليه كارين وقالت أن هذا الفعل قد تأخر خمسين عاما وأن هذه هي البداية الصحيحة لاسترداد الأرض المقدسة ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح، نور الدين محمود الذي يسكن حلب ارتآه الصليبيون تهديدا حقيقيا لهم ولأمارتهم لأن انطاكية تبعد عن حلب مسافة خمسين ميلا.
الخائن...بوابة مرور:
الطابور الخامس، المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، نبت شيطان يؤتي أكله كثيرا لدى المحتل ولكن المحتل في لحظة فارقة إذا شعر بعدم جدواهم تخلص منهم أو تخلى عنهم وتركوهم لمصيرهم المحتوم، الخائن كذاب خسيس غدار لا تستطيب نفسه إلا النتن والجيفومن ثملا يؤتمن، هو أسوأ البشر على الإطلاق، عدو صريح أفضل من خائن يظهر لك غير ما يبطن.
نور الدين محمود الذي اعتنق فكر الجهاد ونشره بين العوام أصبح يمثل صداع مزمن للصليبين فكان لابد من تجنيد من يفتح لهم الأبواب المغلقة، شراء معين الدين أونر أمير دمشق صديق الصليبيين الوحيد في العالم الإسلامي وكل ما يشترى بالمال هو رخيص، سهام الأعداء لا تتجه إلا تجاه من هو خطر عليهم وهنا انقسم القادة الصليبيون، بعضهم مدفوعين بغرور الحملة الصليبية الأولى ومقتضى الإيمان المسيحي بأنهم أبناء الرب الذي سيقف بجانبهم ويقهر عدوهم ارتأى وجوب مهاجمة نور الدين محمود بجيشه للقضاء على البذرة التي ستزهر وتصبح شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، نور الدين محمود الشاب في ذلك الوقت هو عم صلاح الدين الأيوبي الذي كان طفلا.
والبعض الآخر ممن يملك الحنكة السياسية ارتأى هذا تهور وأنهم يجب عليهم التريث، ولكن في النهاية تغلب قرار وجوب مهاجمة دمشق فلما رأى معين الدين مدينته محاصرة من حلفائه السابقين وأنهم تخلوا عنه لم يجد بدا من طلب النجدة من خصمه وغريمه نور الدين محمود، في البداية أحرز جيش الصليبيين تقدم ولكنه في النهاية هزم وعاد أدراجه إلى القدس يجر أذيال الخيبة وبذلك انتهت الحملة الصليبية بالفشل الذريع، ومن أبلغ ثمارها انتفاء الهزيمة النفسية التي مني بها المسلمون على مدى خمسين عاماوارتفعت معنوياتهم وكذا ارتفع بريق نور الدين محمود بعد أن وضع الأمة على الطريق.
المنتكسون في زمن الانتكاسات الكبرى:
دأب إعلام الرايات الحمر على الانتقاص المستمر من الإسلام دين وحضارة، ولا غرو فهذا الإفلاس الفكري طبيعي في زمن السقوط في كل شيء، زمن الهزائم الكبرى والتي أبرزها وأكبرها على الإطلاق الهزيمة الداخلية مأثرة المحتل التي يفتخر بها والتي حرص منذ أن حل نابليون بخيله ورجله إلى بلادنا على بثها على مهل في النفوس بصور شتى لدرجة أن فورييه كاتب مقدمة كتاب وصف مصر كتب في المقدمة أن هذا الكتاب ليس فيه أي نفع للمصريين وهم ليسوا إلا ذريعة لكتابة نص بينما نحن نفخر ونفتخر به وبمنجزه إلى الآن.
الهزيمة النفسية هي الأثيرة بالنسبة إلى أي محتل، إشعارك بالعجز تجاهه على كل المستويات كي تصبح معاق داخليا مصاب بشلل رباعي من داخلك فلا تتهور وتفكر في مناهضته أبدا، ألا وقد عم هذا البلاء واستفحل حتى أصبح مرضا عضال عند البعض وعند الكثير مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فقد أضلهم الله بعد ولوغهم في المعاصي، فليس أمامنا سوى العودة إلى نقطة البداية واقتفاء أثر المحتل إلى الخلف للوقوف على أعتاب الحقيقة فلا نقفو أثر ما ليس لنا به علم.
ومن بين ما أثير مؤخرا في الإعلام سب الأمويين والعباسيين ونعتهم بالمستبدين وأنهم تسببوا في مجاعات وإفقار الكثير، المتحدث هو مؤرخ فهل هذا يخيفنا؟ ما يعني أنه رفعت الأقلام وجفت الصحف.
لقد تبرأ الإمام أبي حنيفة النعمان منهم وعارضهم ورفض أن يكون عمودا في فسطاطهم وناله ما ناله منهم لأنهم "ملك عضوض" ولأنهم لم يأتوا إلى الحكم بطرق شرعية من الشورى والبيعة، ولكن أبي حنيفة كان يتطلع إلى الشكل المثالي، إلى الخلافة الراشدة ولم يعش في زماننا ولم ير الأهوال التي نعيشها، ولم ير الذين يلحنون بالقول في زماننا ليمرروا مآربهم الخبيثة والتي هي مبتغى المحتل الأصلي.
الأمويون والعباسيون فتحوا البلاد بأقدامهم، وحموها بدمائهم ولولاهم لكنا عبادا للبشر والحجر من طنجة إلى جاكرتا، الدولة الأموية هي دولة الفتوحات الكبرى كما سماها المستشرقون، والأمويون كانوا يحاربون في أربع جبهات في ذات الوقت وعملوا على أوروبا "كماشة" كما قال جوستاف لوبون، عمرها ستون عاما فقط يسطرون أمجادا تلو الأمجاد.
أما الدولة العباسية فهي دولة العلماء والتراجم بجانب الفتوحات أيضا، ولابد أن المؤرخ يعرف يقينا الخطاب الذي أرسله هارون الرشيد إلى ملك الروم عندما رفض دفع الجزية، فابتدأ الخطاب بالقول:
من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم.
فلماذا لا يقارن المؤرخ بين الأمويين والعباسيين بأمجادهم وبين من يهرولون إلى بلطجي الكباريه ترامب ليدفعوا له الجزية عن يد وهم صاغرون قبل أن يرتد إليه طرفه؟! وكيف لمن يعيش في زمن الانتكاسات الكبرى أن ينتقض من دولة الفتوحات الكبرى؟
لأن الغاية ليس نقض بنيان الأمويين والعباسيين الماثل وإنما نقض الخلافة كنظام إسلامي، فالدول القومية كما قال واضعوها أفلست وأصابها الترهل والعجز، وبعد السقوط المدوي لليبرالية والعلمانية والشيوعية فعيون اثنين مليار مسلم تتطلع إلى الخلافة والتي هي عند المثقف المستنير تخلف ورجعية بينما يقف هو أبناؤه على أبواب السفارات ليحصل على جنسية أمريكا (القوية لأنها ولايات متحدة) أو جنسية أوربية (القوية لأنها موحدة)، والمثقف المستنير كلما تحلل من الإسلام وتعاليمه وشعائره وكان رافضا للإسلام الصحراوي ورافضا للخلافة وكل ما يمت للإسلام بصلة كلما فاض وزاد نوره، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلماذا لا يقارن المؤرخ بين زمن الأمويين والعباسيين وبين زمانه؟ فهل يخشى أن يصاب بالخرس إلى أن يموت؟ يا أيها المؤرخ لو بعث نفر قليل من الأمويين والعباسيين إلى زماننا، لقبل المسلمون نعالهم قبل أقدامهم ولحملوهم على الأعناق باستبدادهم!! فهل تعي هذا؟
وللحديث بقية إن شاء الله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى