عبدالرحيم الخصار - العزلة فرد من العائلة.. منتخبات.

العزلة فرد من العائلة.
جائزة حلمي سالم للشعر.
القاهرة 2022




منتخبات:

أقود قطارا في غرفة
1
أزرع كلمةً في حقل. أسحب موجةً من الماضي وأخرى من فمك، وأروي أرضًا لم يصلها ماء. أرفع شبّابتي في وجه الذئب، وأغني للحملان. أنا الرّاعي السّعيد، أهرعُ إلى نفسي وأحضنُ العشب، أحكي حياتي لسنبلةٍ تغار، ثمّ أتكئ على صخرة وأمشّط شَعر الأيام. وحين يقف الحزنُ قُبالتي، سيلمح بعينيه الذّاويتين في يدي اليسرى حزمةَ قشّ، وفي يدي اليمنى مِذراة.

2
لمن ترفع هذا النشيدَ أيّها الأعمى؟ لمن تدفع عربةً في الظّلامِ وتقودُ نمورا حائرة؟ تمدُّ يدكَ في ضبابٍ كثيفٍ ثم تسحبها، كأنما تريد أن تعيدَ روحا عزيزةً غادرتْ. سِيانَ أن يلمع الضّوء في طريقكَ أو تحتدَّ الدُّجنة. سيانَ أن تُفضي بك الطريق إلى أيكةٍ أو إلى خراب. العالَمُ يجدّف في ماءٍ آسنٍ، وأنت ترقص بمفردكَ في مقبرة.


3
أمدّ يدًا إليكِ ويدًا أخرى إلى العدم. كنتُ نحّاتا، لكن الأزاميل صدِئَتْ. وها أنا شاعرٌ لم يعثر بعدُ على كلماته. أخطو باتجاه غيمة. أحدّقُ في المرايا، ثم أكتب كلمة وداع فينبت فوقها منديل. زاهدٌ في نصيبي من الكنز، وأقايضُ العمرَ بدمعة. نظرتكِ إلى العالَم تحفّها الموسيقى، ونظرتي إليه نظرةُ مقامرٍ عجوز.

4
هذا العالَم يقودُه الحمقى يا رفيقي. وأنت حالمٌ ووحيد. تردّد أغنيةً ماتت، وأنت تسير في حقل ألغام. تدفن أيامكَ في مقبرة، منتظرًا أن تنموَ صخرةٌ عشتَ ترويها. لا يدَ تطرق باب بيتك المنسيّ. لا يد تلوّح لك بمنديل. لا يد تمسح دمعًا يسيل من حقيبتك. وحين يُسبل العالمُ ليلَه، تجلس وحيدًا تفكّر في ضوءٍ لن يأتي، وتحدّق في البرد والدّمارِ والخِذلان.

5
ماذا في يدكَ أيّها الحطّاب؟ قادتكَ الأيام إلى منحدراتها، قدماكَ غارتا في النّسيان، وساعِدك غدَا مِقبضًا لفأس.
على منكبيك شاخت الأعشاش، ومن راحتيكَ يسيل لِحاء شجرة. أحدٌ ما أضرم النّار في غابتك، فيما أنت تسير وئيدًا على ريشٍ قديم. تتهادى في الدخان، وتُحكِم قبضتَك على حياةٍ شائبة.

FB_IMG_1780268213256.jpg

6
أناشدُ الحيرةَ أن تخرجَ من بيتي. أو أخرج أنا وعلى كتفي صُرّةُ الأحلام. طال الأمد بي هنا، ولم يلمع ضوءٌ قصيّ، ولم تأتِ عربةُ السحرة. سأمضي في طريقٍ لها مخالبُ وأنياب، أمضي بهمّة شحّاذٍ فرحان، أصفقُ الشكَّ باليقين، وأبسِطُ للحياة يدي الفارغة.

7
في حمأة النّسيان، جاء إلى البيت، فتح بابًا ونافذتين، حرّك مياها ركدت. ملاكٌ بقبعة سوداءَ وعينين ضيقتين، جلى الغبارَ عن مشكاة، وأشعل الفتيل. أشعل الفتيل ثم فجأة غادر دون أن يوصد الباب. وها أنا جالس قبالةَ ساعة الحائط، يدٌ على الخدّ، قدمان تنمّلتا في هَوْر، وعينان غارقتان في الضباب. ماذا بوسع الكسيح في معركة؟ ماذا بوسع كلمةٍ عزلاءَ أمام طوفان؟ كل تشبيهٍ خدعة. كل استعارة هروب. منذ غادر الملاكُ والتراب يغمر بيتي.

8
ماذا تبقّى لك أيها الجنديّ الهرم؟ غبارٌ أحمرُ ونياشينُ صدئة، ظهرٌ مقوّس وعينان مذعورتان، بذلةٌ معلقة على مشجب قديم، خوذةٌ عليها ذرق طيور. خراطيشُ وكوابيسُ وحذاء من جلد ودم، صورة لزوجة غادرت البيت مع أطفالها، معطف عسكريّ قصير وقناعُ غاز، أربطة وجوارب وضمادات، بناطيل وحمالات بناطيل، مدية وبوصلة وحبل ورفش، منظار ليليّ وقفازات ومصابيح يد، طقمُ أسنانٍ وقداحات وعكّاز. ماذا تبقى لك أيها الجندي الهرم؟ قدمٌ مبتورة تطوف في هواء الغرفة، وحكايات غريبةٌ تلوكها للجدران.
9
هذه الهدأةُ توحي بأن فيضانا سيشقّ الوهاد. رجالٌ مرّوا من هنا بحرابٍ وأعين صقور. حملوا مصائرَ غامضةً ومرّوا. غير أنّ من تقفّى خطاهم لم يجد لهم من أثر. ربما لاذوا بكهفٍ أو مغارة. ربما تعثروا في شِراك. رجالٌ نزعوا الخوف مع ستراتهم في منحدر الماء. وعبروا. عبروا وحرابهم مسنونةٌ صوبَ عينِ الوحش.
10
ومالُ بال هذا الحنين لا يريد أن يسجو؟ يضربُ بحوافره باب غرفتي ويصهل في باحة الدار. كلّهم عرفوا أنّها كانت. كلّهم عرفوا أنها لن تعود. أزح صهيلكَ جهةَ السّهو، وغادر بيتي، أيها الحنين يا نبّاش القبور.

11
كأني شيخٌ في كهف. كأني الكهف. أكتبُ مثل نسرٍ جُنّ. أواري شقاءً في جرّة طين، وأحنو على دمعةٍ تسيلُ من ظلّي. النخوةُ قميصي والعزلةُ فردٌ من العائلة.
12
عن أيّ حجَرٍ تذودُ أيها الجنديّ؟ أنت تقود آخرين إلى ظلامٍ مَا، بينما تقودك الأيّامُ إلى ظلامها. الرّصاصُ الذي اخترق عيونهم اخترقها ليصل إليك. تتوهّمُ أن ماءً بعيدا سيأتي، وأن عشبا دُستَهُ سيمجّد ذكراك. لا نجمةَ مارَتْ في سمائك ولا طير. وفي الحوافّ يلمع الخذلان. اُنجُ بيديك الحائرتين، وبعينيك الشبيهتين بعينيْ ثور. اُنجُ، فحرّاس الغابة أضرموا النيران وفرّوا.

13
شاخت يدكِ أيّتها المرأة، تخدّدتْ. في ليلكِ تمرقُ وعولٌ هاربة من الوحش، ويعلو دخانُ قبيلةٍ مات سيّدُها. تدفعين التراب والأيامَ بمجارفَ من نحاس، وتنادمين الموتى، كما لو أنك حارسةُ مقبرة. هاته المهاوي لم تكن مهاويَ من قبل. إنه الزّمن، الزمنُ بفأسه الضّارية. في الطريق إلى أنفاسك الأخيرة، يلمع خدكِ الأبرشُ وعيناك الجارفتان، وساقاك اللتان كانتا حبليْ ضوء، ونظرتكِ القديمة. نظرتك كانت سفينة غرقتْ وأَغرَقتْ. نظرتكِ كانت مِقصلة.

14
ظلّي واقفٌ وأنا أسير. حيرتي تخطو في الضّباب، ولا أثرَ يُقتفى. رجالٌ سقطوا من سماء غريبة، وآخرون خرجوا من أرضٍ بوار. ثم التقوا في سهب، وانقادوا جميعا إلى ممرات لا تُفضي، حيارى تدفعهم النهاراتُ إلى نهاياتها. لم نأتِ إلى هذا العالم كي نحضنَ الأشجار ونبكي. جئنا لأن آخرين كانوا في انتظارنا، لنربّت على أكتافهم المتعبة، ونرفع أصواتنا وأصواتهم بالغناء. أنا واقف وظلي يسير. يداي تجمدتا من اليأس، وقدماي مثبتتان بغِراء. لكنّ منجما منسيا جنب قلبي لم تصل إليه عربات الحديد بعد، ويوما ما ستشرق شمسٌ ويفيض الذّهبُ على فوهته، ثم تغربُ شمسٌ وينهار.

15
في هذا البيت الجدرانُ تنظر إلى بعضها. الصمت مصباحٌ فوق الباب. تئنّ الشمعدانات وتعانق المشاجب. ومن مرآة في الزّاوية تسيل دمعتان. الحنينُ يذرع الغُرف حائرا، والقسوة تنام على السّرير وتمدُّ ساقيها. المرأة التي كانت تنسج الحِياك وتنفض الغبار عن أحلامها أمسك الموتُ بيديها، أهداها سوارا من نُحاس، رقصا معًا على ضوء شمعة، ثم أسبل عليها ملاءةً بيضاء، وقادها إلى المنحدر.

16
أقود قطارًا في غرفة. الشمس تشرق في ليلي، تشرق من زاوية في السقف. أحلامي القديمة خبأتُها في خزانة. سيأتي يومٌ تتدلى فيه من الخزانة، وتسيل على الأرض. الحب مجنونٌ يمرق من تحت الجسور يجرُّ خلفه ذيلَ معطف، وعلى رأسه قبعة. وحين يقف تحت نافذتك، ليقرأ عليكِ هذيانه القديم، تنهره عجوز ويرميه طفلٌ بالحجارة. أمام بابكِ أصيصٌ وحذاء، وثلاثون عاما من اليأس. اليأسُ ينبح أمام بابكِ وفي عنقه حبل.

17
اُنظري إلى عينيَّ اللتين أتعبهما الليل. ثمّة قصرٌ مهجور، وهضبة تركض عليها غزالة. ثمة حملانٌ تثغو، وعاشق يقرأ قصيدةً على شجرة. فلاحون يجرّون الشمس بالحبال إلى حقولهم، وعجائزُ يغزلن الذكرى. أنا أيضًا هناك. هل رأيتِني أم حال الضّباب بيننا؟ أنا الرجل الكسيح الذي يجلس أمام بيتٍ منسيّ. أدفع حياتي إلى فوهةِ فُرن، وأرفع صوت اسمهان على الغرامافون، صوتَها الذي خرّب أيامي. "صُبَّها من شفتيكَ في شفتيَّ وغرِّق ناظريكَ في ناظريَّ". عيناي بكاءُ الغريب في ليلِ الثّلج. نظرةُ رجلٍ إلى رجل آخرَ يموت. عينايَ غيمتانِ وما مِنْ سماء.
18
ذاهبٌ إلى الحرب بلا عَتاد. أُحيّي متراسا من الحجر، وأرفع النشيد للموتى. أخطو على أرضٍ تميدُ بي. أفرش بساطي في العراء، وأنتظرك أيها العدوُّ الشبح. يتدفّق الماء من يديّ ويُغرق أرضي وأرضك. ثم تمرقُ شمسٌ صغيرة بيننا، فما من أرضٍ وما من ماء. لا حربَ ولا عدوّ. أتحسسُ العدم الرّخوَ من حولي وأستعيد حياةً بلا أوهام. هذا أنا كما ترى: حيرةُ الضّرير أمام أبوابٍ مغلقة.

19
لم يكن ملاكا فوق غيمة، ولا طائرا في قفص. كان رجلا متعبا يجلس على جرفٍ ويرمي صنارةً في الماء. عاد من يومه بلا غنيمة. سار وحيدا في نهارٍ لم تغرب شمسه. جاسَ المدينة بصدريةِ جنديّ ميت. لم يرفع عينيه لأحد. لكنّ حجارةً كثيرة انهالت عليه. فتح فاهُ وتردّد فلم يصرخ. في الطريق إلى بيته وضع قدميه في حقلِ ألغام ونجا. رجلٌ أضجرته تكّةُ الساعات. أضجره حجرُ الآخرين. فمدّ يده إلى حبلٍ في السّقف. نظر إلى صورة معلقة في إطار. وقال لظلّه على الجدار وداعا. دفع كرسيا من تحت قدميه. ثم اختفى.

20
كما لو أنها دمعةٌ تسيلُ من صخرة. كما لو أنها صخرةٌ عالقة في الحلق. ستمرّ الأيام تجرّ بعضها، ثم تنتهي وحيدا في أخدودٍ ضيّق. ستبكي قمصانكَ السوداءُ طويلا، ويرفع خاتمُك الفضيُّ العزاءَ للأوراق. قد يطول نهارك وقد يقصر، لكنّ الليل بعباءته المعتمة سيأتي. سيأتي الليلُ، وستقفزُ معصوبَ العينين إلى الخوف.

21
أسيرُ بمفردي في طريقك، لكنّ وقع أقدامٍ كثيرة يملأ رأسي. أحاذي الطّوارَ حينَ أضيقُ بين مناكبَ لا وجود لها. أفتح مطريّتي على سماءٍ لم تمطر. أتوجس من مصباح خافت في نهاية الدرب. أعرف أني كلما دنوتُ يتوهج الضوء. سيتوارى العالم خلفي، ثم فجأة سيظهر وجهكِ القديم خارجا من جدار الضّباب. وجهكِ يعذّب صمتي. وجهك ماءٌ يغلي في مِرجل. عبرت سنواتٌ كثيرة من يدي إلى يدك. شابت الأيامُ بيننا، وأنا ما أزال عالقا بين مشابك شَعرك.

22
تشرقُ من يدكِ شمس، وتغرب في يدي شمس. القسوة قفّاز في يدٍ غريبة. والحب دخانٌ في بيتٍ مهجور. أنت امرأة يعذبها صمتي، وأنا جنديّ وضع حياته في فوهة مدفع، وأشعل النار في الفتيل. أمسكي هذا العالَم من فروهِ واقذفيه في بركان. تشرق من يدكِ شمس، وتغرب في يدي شمس. لا خوف من حلكةٍ. لاخوف. فكلانا شمس.

23
تعذّبكَ المغنيةُ السّمراء حينَ تنحني بوجع مستعادٍ على المايكروفون. فاكهةٌ غريبة لم تعد تتألم. ملاك أسودُ معلّق في شجرة. هل كانت عينًا تلك التي رمقت عينًا أخرى أغمضها الأبد؟ هل كانت يدا تلك التي امتدت إلى الحبل أم قبضةَ فأس؟ هطل دم غزيرٌ من سماء الجنوب، وسال مطرٌ من عيون الموتى.

24
هذه الكلماتُ طِين، وغيابكِ ماء. ملأتُ البيت بمزاهرَ من فخّار. وها أنا أرمي الحنينَ في دَريئة، وأدسُّ الليلَ في دولاب.

25
من قريتي إلى محطة القطار بالمدينة الجديدة، إلى سينما "ليكس" في شارع الياقوت، إلى فندق "عبر المحيط" قبالة البنك الأبيض، إلى الأدراج والردهة والسرير، يتبعني اسمكِ مثل ظل، مثل جرس في ساحة قديمة، مثل راهب ملحاح، اسمك الذي يطرق بابي بيد لا تكلّ، اسمك الذي يرفع لافتة في شارع الحمقى ويقود مظاهرة، اسمك الذي يصير دمعة في كأس، بسمة في مرآة، ورعشة في شمعدان، اسمك الذي يجرني من درب إلى درب ويربط نظري بالأرصفة.
26
وحين يختفي الجميع، ستجدينني هنا، أستندُ إلى جدارٍ، وأرنو إلى العدم الرّخو، مثل راهبٍ يحرس كنيسته المهجورة.

27
حين تغادرين بيتي يطرق اليأسُ الباب. يجلس على كرسيّ في البهو. يرفع كأسه في وجهي. تعالَ يا نديمي. دع تلك المرأة لحالها. اِقرع كأسكَ بكأسي. ضع كلماتك على المنضدة. رصِّصها أمامي. دع الضوءَ للآخرين. وهذه الكلمات. هذه الكلماتُ يا نديمي اِتبعها إلى ظلامها.

28
القميص يفكّر في صباحٍ كانت نوافذُه مشرعةً على صدرك. صدركِ يزيح الليلَ من الطريق، ويهيلُ الرعشة على أعشاش النسور. صدركِ يهدّئ روع الجدران، ويخفي غيمةً في مراتع القصب. القميص يفكر فيكِ. فيما أنا أتهادى في الريح على حبلِ غسيل.

29
سمكةٌ تسبح في ساعة اليد. مشجبٌ يبكي بمفرده في غرفة بالسطح. يمرّ العُمر مثل قطارٍ سريع تفضي طريقه إلى مقبرة. الزمن رَجلٌ مُقعد وبلا أمل. إذا كانت طريقكَ هي طريقي فقد جُننّا معا. أنا أهذي لأن خلاصي في يد الضباب، لأن الجَمال أقوى من عينيّ، لأنّ صراخي ضاع في السّديم، لأن العالم جارحٌ وأنا هشٌّ ومُرتاب.

30
فكرتُكَ عن الموت تنداحُ مثل ضوء، ثم تعلو مثل موجة. تجثو قبالةَ أوهامك صامتا، وتستعيد أيامك التي نثرَتها ريحٌ في بيدر. فيما يدكَ تنبش بجنون، لتواريَ في التراب حياةً متفحّمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى