إبراهيم محمود - لا بد أنه هذيان... "هل تصل القصيدة هذه، صديقي هناك؟"

1785673359238.png




شجرٌ يمر إلى الحديقة
متخماً بالملل السافر
الحديقة تعتّف الصمت المكثف
السور يكاد يخنقها في أصلها
في الجوار ينام الحفار قهراً
في قبر معد لميت لم يمت بعد
مقبرة لم تعد تستقبل موتى لها منذ زمان تليد
المصلون طوتهم سجاداتهم إلى جهة لا قِبلة لها
الظلام أضناه حنين إلى نهاية مرتجاة
يشهق الشجر المطل على خواء معربد
وهو يلمح في مقهى مجاور
وجوهاً تلعب" الشَّدّة "
غارقة في شِدتها
لا أيد ٍ تؤكد يقظة المقهى
ليطلب الشجر
رشفة من بقية ماء عالق
في أسفل مجمَّدته
يكاد يختنق الشجر
من زمن غشي عليه
عند مزبلة تفوح منها رائحة
ذكريات مذبوحة لمن فشلوا
في العبور إلى الحديقة
قربانٌ يبحث عن المضحّي به
دون جدوى
سكين أخيرة تنادي قاتلها المأجور
لمقتلة مقابل مبلغ محترم
عينان تهذيان في وجه لافظ رأسَه
يمشي الشجر وئيد الخطى
عاجزاً عن طرد ذبابة
تجهل لغته الأم
متربصاً بعناد ببقية نبضها
الأرض فاغرة روحها المجهضة
يستصرخ الشجر الحياة التي
أثقل عليها ظلها
وحدة عابثة تقرفصها
كيف لا ظل طائر يحوم حولي؟
" هكذا تردد وتسيح يأساً"
السماء خرقة والنجوم ثقوبها
أي جسد لأرض مقتلعة من سرَّتها
يمكنه طلب الحماية من يد إله
أعياه خلقه
فأبقى يده علّها
تكش الزمن المعرّق عن نظرته الأخيرة
الجبل الملاصق يستبد به احديدابه
لا مطرقة حداد تخيف الخط المعوج
شهرزاد تخنقها حكايتها الأخيرة
وشهريار يهرع فزعاً إلى الشارع
وسيارة الإسعاف على مقربة منه
تسخر من شاربيه المنكسين
لم يعتد ِالشجر احتضاراً كهذا
يصرخ:
هل من قطرة ماء تبللني
قبل رحيلي الصامت الأخير
هل من حطاب ينزع عني سترتي الأخيرة
وبسمة رضيع انتهى أمره
في جنازة طارئة لأمه التي
أنهاها حبل مشيمتها
وحدها صخرة تعاين المشهد الكوني
وهي تترقب تردد " النفخ في الصور"
منذ أكثر من غد لم يطلق سراحه حتى اللحظة
وأنا أنفخ في قصيدة
وأودِعها سراب الآتي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى