بوعلام دخيسي - لم أصالـحْ....!

أنا لَمْ أُصالـِحْ..!
لَمْ أُصافِـحْ..!
كُنْتُ آخِرَ مَنْ دَرى
أنا طامِعٌ أنْ أُعْذَرا!
قولوا لسيِّدَةِ التُّرابِ لقدْ بَكاكْ
قولوا لها:
لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَحْضُرَ اليَوْمَ
ٱنْظِريهِ إلى غَدٍ
لَمْ يَبْكِ يُتْـمَكِ...
لَمْ تُطاوِعْهُ السُّرى
اليَوْمَ يَبْكي يُتـْمَـهُ
ويقولُ عُذرًا
جارَ أهْلي
فاسْمَحي لي
أنْ أَمُرَّ ولا أراكْ
فَهُوَ الأسيرُ اليَوْمَ
رُدِّي أنتِ بَعْضَ الدَّيْنِ
وابْكي أَسْرَهُ
وتَـجَمْهَري عَصْرًا
وشُدِّي أزْرَهُ..
اليَوْمَ يَوْمُكِ فاخْرُجي
واسْتَنْكِري
واسْتَنْفِري كُلَّ المَدائِنِ والقُرى..
قولي لهُ: لبَّيْكَ!
كَمْ لبّى قَديمًا حينَ نادَيْتِ:
ٱمْنَعوا عَنِّي يَدَا!
هِيَ نَفْسُها
جاءَتْ تُسَلِّـمُ كَيْ تُحاسِبَني غَدَا:
(اُنْظُرْ..!
لقدْ طالَتْ يَداكْ!)
قُومي لِئَلّا يَنْحَنِي
رُدِّي عَلَيْهِ غُصونَهُ
فثِمارُهُ، لَمْ يَسْقِها يَوْمًا لِسَيِّدَةٍ سِواكْ
هُوَ مُجبَرٌ ألّا يُصَلِّي في رِحابِكِ فاعْذُريهِ لِوَهْلَةٍ
ما زِلْتِ دَوْمًا في جَوانِبِهِ
تُصَلِّينَ الفَريضَةَ والنَّوافِلَ
بَعْضَها في شِعْرِهِ
والبَعْضَ في دَمْعٍ يُصِرُّ عَلى الهُطولِ
لأنَّ صَيْفَكِ قاهِرٌ
ولأنَّ سَهْلًا جاوَرَ البَحْرَيْنِ
لا يَحْلو لِمَنْ في البَيْنِ إلّا أخْضَرَا
قُومي لِكَيْ يُعْطَى مِنَ الزَّيْتونِ
ما لَنْ يُعْصَرَا
قُومي وصَلّي خَلْفَهُ
صُومي لِأَجْلِكِ صَوْمَهُ..
هُوَ تائِبٌ مِنْ مَوْتِهِمْ
هُوَ صاخِبٌ في صَمْتِِهِمْ
لا تطْرُديه إذا أتاكْ..
هُوَ عائِدٌ أيضًا إلى حَيْفا
يُفتِّشُ عَنْ خَرائطِ حارَةٍ
حَفِظَتْ قَصائِدَهُ هُناكْ
هُوَ مَقْدِسِيُّ الرُّوحِ
ريفِيُّ الجَوَى..
هُوَ مِنْ جِبالٍ
فاسْأَليهِ مِنَ الحِجارَةِ ما سَيَكْفي
حينَ يُصْرَخُ للنَّجاةِ ولا يَرُدُّ المُعْتَصِمْ
هُوَ مَقدِسِيٌّ
يَشهَدُ البابُ القديمُ
ويَشهَدُ الخَلْدونُ
أنَّ الحُبَّ يَحْفِر في العُروقِ مِنَ القِدَمْ
قُومي لِنَسْألَـهُ معًا:
ــ ألِأنَّ بابَكَ عِنْدَهُمْ
مَنَعوا خُطاكْ؟؟
ــ ألأنَّهُمْ وَجدوكَ بَيْنَ زُقاقِهِمْ
جاؤوا لِيَخْترِقوا حِماكْ؟؟
ألِأنَّهُمْ باعوكَ حُلمًا لا يُباعُ تَبيعُهُمْ ما لا يُباعْ؟
لا تَقْتَرِبْ مِنْ خانِهِمْ
عِشْ بالأصيلِ مِنَ المَتاعْ
عِشْ بالنُّجومِ وبالقَمَرْ
عِشْ بالغَمامِ وبالمَطَرْ..
عِشْ طارِقًا
فالبابُ يُشرَعُ؛ لا يُشاعْ
عِشْ أطْلَسِِيًّا مِثْلَما عَوَّدْتَنا..
زُرْ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ حينَ يَقِلُّ زادُكَ واصْطَبِرْ!
واخْرِقْ سَفينَةَ مَنْ تُحِبُّ نجاتَهُ
واحْرِقْ مَراكبَ مَنْ يُحبُّكَ
وانْتَصِرْ!
القُدْسُ فَاسُكَ والرِّباطْ
و"رَبيعُ" "شَالُومٍ"
يُمزِّقُ كلَّ طِفْلٍ في القِماطْ..
عِشْ عامِرِيًّا
ليسَ عيْبًا أنْ تُجَرِّدَكَ المَلاجئُ مِنْ صَباحِكَ
إنّما عارٌ هُوَ الصُّبْحُ الّذي بايَعْتَ فيهِ المِقْصَلَهْ
لنْ تَسْتَطيعَ الصَّبْرَ
فالعِلْمُ الّذي جَرَّبتَهُ صَعْبُ الجَوى
لَمْ تُكْوَ بالأشواقِ في عُقْرِ الدُّجى
لَمْ تَنتفِضْ للحُزْنِ إلّا مِنْ بَعيدْ
لَمْ تَحْتَرِمْ قَطُّ المَسافَةَ
إنَّها في الحُبِّ أنْ تَبْقى عَلى شَفَةِ الوَريدْ
لَمْ تَخْتَصِرْ بَعْدُ الكَلامْ
لَمْ تَبْنِ بَيْتًا مِنْ رُكامْ
لَمْ يَعْزِلوا يَوْمًا شَوارعَكَ القَديمَةَ بالجِدارِ
فكيفَ تَفْهَمُ ما يُغَرِّدُ في المَواقِعِ حَنْظَلَهْ؟!
لَكَ مِثلُهُ في المَنْعِِ أسْوارٌ تَقُصُّ عَلَيْكَ مِثْلَ أنينِهِ
فانْظُرْ:
أتَبْكي للشَّبيهِ مِنَ القَبيلَةِ
أمْ تُحاوِلُ أنْ تُمثِّلَ
بَعْضَ أدْوارِ الجُنودِ المُخْجِلَهْ؟؟
عِشْ ماضَوِيًّا
ذاكَ أزْكى
حينَ يُفتِي "الأذْكِـياءُ" بِبَيْعِ سَيْفِكَ
ثُمَّ تُرْمى في الشِّباكْ
عِشْ جاهِليًّا
رُبّما حارَبْتَ في صَفِّ الكَرامَةِ
بَعْدَها؛ سَتَعيشُ حَتْمًا أرقـَمِيًّا
حينَ تَفْرَغُ مِنْ هَواكْ
عِشْ قادِسِيًّا
وابْكِ سَعْدًا
واصْطَبِـرْ..!
ها قدْ عَلِمْتَ لِمَ الدُّموعُ تَضافَرَتْ..
ولِمَ الحُروفُ تَبَعَْثَرَتْ...
هِيَ أدْمُعي
ودُموعُ مَنْ لَمْ يَحْزَنوا
راكَمْتُها..
ودَعَوْتُ شَيْطانَ القَصيدَةِ
حينَما قَتَلوا المَلاكْ.



نص من المجموعة الشعرية "حارة عن يمين"،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى