عبدالنبي فرج - قراءة ديوان حتى لا تطير الصدف ديوان للشاعر محمد محسن

قطعت قصيدة النثر العربية شوطاً كبيراً وأثبتت جدارتها، وأصبحت هي الشكل المهيمن بعد أن أزاحت قصيدة التفعيلة؛ وذلك بسبب قدرتها على تجديد ذاتها، ولأنها شكل مرن يقبل تعدد الاقتراحات الشعرية في الشكل والمضمون، كما أنها قريبة من الروح؛ لأن بداخلها تكمن طاقة حرة واسعة.
وبعد أن كانت نصوص قصيدة النثر تدور في دوائر مغلقة حول الجسد والأشياء والتفاصيل الصغيرة، شبت عن الطوق وخرجت عن هذه الأطر الضيقة، وأصبحت النصوص الشعرية توليفة معقدة تحمل في باطنها طبقات حافلة باستبطان الذات، والأشياء الصغيرة، والجسد، والقضايا الكبرى، والهموم الاجتماعية الضاغطة، ومناقشة قضايا الفقراء، وتساؤلات وجودية عن مصير الإنسان في عالم شديد القتامة، في مزيج ثري جداً.
ومن التجارب الناضجة في هذا الاتجاه تجربة الشاعر محمد محسن في ديوانه "حتى لا تطير الصدف" الصادر عن مؤسسة أبجد للنشر والتوزيع في العراق.

FB_IMG_1780309591349.jpg

ونستطيع أن نرصد كلمات دالة تفصح عن مكنون الشاعر وحالاته النفسية ومراراته ورغباته، ومن هذه الكلمات: المرأة، الحب، الشهوة، الوجع، الرسائل، كعبة البياض، القبل المحروقة، الحلم، القلب، السقوط، الألم، الضباب، النافذة، أفلام البورنو، تفضحني، الخبز والجنس، السجائر، هزائمي، فاضح، إلخ...
ومن خلال هذه الكلمات التي يدور في فلكها الديوان، نجد أنه ينقسم إلى قسمين:
أولاً: استبطان الذات: من خلال الذاكرة الخاطفة التي تستعيد مراحل عمرية حُرِم فيها من الحب ومن التحقق، وظل فيها مهمشاً؛ لذلك يظل حبيس غرفته يستنزف ذاته، يدخن، ويتجرع يأسه قطرة قطرة، وليس لديه أي رغبة في الخروج من الغرفة التي تحتويه.
ثانياً: المرأة: التي تحتل ذهنه تماماً ويقدمها كصورة وصفية جمالية فريدة تمثل محوراً للكون، فوجودها يمثل بوابة للروح.
خرجين إلي بيت الجيران
تخرج حياتي عن النص بضع دقائق
أري الطقس وردياً
والعمر مشاتل ياسمين
ينمو حول اثرك
ينمو حول اثرك
تنبت النصوص داخل الديوان كرسائل للحبيبة المجهولة التي يعرفها هو وحده؛ إذ ليس لها ملامح مادية مميزة، وكأن هذه الحبيبة ليست من دمٍ ولحمٍ، بل صورة عذرية عن المرأة نبتت من المخيلة ولا وجود حقيقياً لها، بل تحتل الأحلام فقط، ولذلك هي متعددة وحلمية، يكوّنها من ذكريات الطفولة والبيت القديم.
ولذلك، عندما يسقط في المحنة، تذكّره أمه بالحصان الصغير الذي كان يمتلكه وهو طفل؛ ليسافر به إلى حبيبته، ليفاجئنا بأن هذا الحصان هو الوحيد الذي لم يعد له وجود. إنه ضنين في كشف ذاته وتعريتها، وما رغبته في هذا الجزء من النصوص إلا عودة لأيام الطفولة حيث البراءة، وعدم المسؤولية، والبساطة. كما أن المرأة جوهر الكون وكعبة يدور حولها، وحلم ورغبة، وعالم من التفاصيل السيرية المنهكة للروح، وضوء يبرق عندما تثقل الروح بالذكريات التعسة.
اربٌ من أبي وراء الشجر،
كان جزاراً في تربيتي
ذات مرة لم يخرجْ مني دمٌ،
علمتُ قد شاخ.
كتبتُ على كلِ جذعٍ أحبكِ
"إنَّ المزجَ المحكمَ يحتاجُ إلى دربةٍ وذكاءٍ في الشعر؛ لأنه يعبّرُ عن ذلك دون السقوط في السرد المجاني. وبقليلٍ من الصور الخاطفة، صنع مشهدًا بديعًا لقلق الروح. ومن الطبيعي أن تكون المرأةُ هي مدارَ الصراع في مجتمعٍ مغلقٍ ونظامٍ سلطويٍّ قامع، يتراجع فيه اهتمام الذات والمخيلة بالوطن الذي لم يوفر أيَّ حاجةٍ إنسانيةٍ بسيطة، بل تحول إلى أداة قهرٍ للذات؛ لذلك لم يعد يحفل بالوطن."
ت.علمتُ الكبتَ المقنعَ
من أفواهِ المنابرِ
تعلمتُ العادةَ الحبرّيةَ،
وهي تغضُ النظرَ
عن نُطفِ قصائدي.
لا ماءَ يغسلُ خوفي
ولا أنا جاموسٌ يفركُ نفسهُ بالقصبِ
مُشيراً إلى النهرِ.
لهذا ارتبطتُ بالدمى
التي ترتدي ثوباً بلا ثوبٍ.
مُستقبلُ يدي،
يهشُ الذُبابَ عن حِلماتِ التماثيلِ
لتعلمتُ الكبتَ المقنعَ
من أفواهِ المنابرِ
تعلمتُ العادةَ الحبرّيةَ،
وهي تغضُ النظرَ
عن نُطفِ قصائدي.
لا ماءَ يغسلُ خوفي
ولا أنا جاموسٌ يفركُ نفسهُ بالقصبِ
مُشيراً إلى النهرِ.
لهذا ارتبطتُ بالدمى
التي ترتدي ثوباً بلا ثوبٍ.
مُستقبلُ يدي،
يهشُ الذُبابَ عن حِلماتِ التماثيلِ
الطيرانُ نكستي
يا ساحرةً تمشي على نار قلبي،
يا خجولةً مثل خيطٍ ملونٍ بثوبٍ أسودَ.
تلك الحقولُ تسمعُ لولا الترابُ
كم أودُّ مرور طفلٍ يلهو،
يهزُّ أغصانها./
"وأمٌّ رؤومٌ داعمةٌ وسندٌ، تظهر في لحظات المحنة حيث الوصل مستحيل؛ لذلك تُطلق داخله الحلم والخيال حتى تُخفّف عنه محنة الواقع. المرأةُ عالمٌ وشقاءٌ إنسانيٌّ وغربة.
وفي ديوان الشاعر، تستحوذ التفاصيل الحياتية الصغيرة على مساحة كبيرة، لأن الأفق مسدود والوطن برأيه ضائع، ولم يتبقَّ له إلا جسدٌ معذَّبٌ بالرغبات؛ لذا تتناثر في الديوان كلمات مثل: الشوارع، العصافير، الجيران، صفارات المرور، الجدران، جسدي، موسيقى، وجع، الشتاء، والفقراء. كما تمثل المشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الفقراء جزءًا جوهريًا من الديوان دون أن يسقط في المباشرة أو الخطابية، بل جاءت في رصدٍ رثائيٍّ خاطف.
كذلك تسري في الديوان صورٌ سريالية متنوعة معبرة عن عالم عبثي مجنون، وخير تمثيل لها يتجلى في قصيدته التي عَنون بها الديوان: "حتى لا تطير الصدف..."."
يسيل الضوء
من فم الشمس على جسدي
غارق بظلي تحت شجرةٍ
تنبئ الحياة ببدلة بيضاء
ظننته عرساً
لم أظنه كفناً
احلامي يتناولها الاطفال
لا تصلها يدي
لست لصاً يجوب الليل
بين افخاذ الظلام
أنا المسروق بنظرات
طائرٍ تمني ان يصطاده أحدا
تعودت الطيران
السماء مطبات مكتضة
ببائعي الدموع الساقطة
من الادعية المنتشية
بصور الحب والمقابر
نائمة الان حبيبتي
«هو أيضًا يمزج بين حبيبته والموت، الحب والمقابر، السماء والمطبات، العرس والكفن. وهذه التناقضات -أو هذا التقابل- تعمق الشعور بمأساة الشاعر الوجودية.
تصل معاناة الذات الشاعرة وغربتها إلى درجة أن الناس يَرَوْنه مجنونًا يرتدي فوق رأسه كيسًا، ولا يسمح للشمس باختراق هدنته.
ويراوح الشاعر في هذا الديوان بين القصائد الطويلة نسبيًّا، والقصيرة، والشذرات، والمقاطع؛ وكلها تكشف عن جوهر الذات القلقة المعذبة التي تندفع في اتجاهات شتى، إنها قصائد تشبه صاحبها.
في هذا الديوان، نجح الشاعر بفرادة في التعبير عن ضياع الذات في عالم فقير ماديًّا ورمزيًّا، بلغة مكثفة، ناصعة، ودقيقة، يحركها تبعًا للسياق الدرامي والنفسي للذات المتشظية والمتقابلات الضدية، دون أن يسقط في اللغة الإنشائية، وبصور خطافة فاتنة.»

لا أحبُّ مثل عداءٍ لا يجدُ خطاً،
حتى الفجرِ يواصلُ السباق بلا متفرجينَ.
الساعةُ الثامنةُ صباحاً أُقّلبُ جُثتي الجائعةَ،
أقنعُ ذلك النهم بكأسِ عانسٍ
يتظاهرُ بحبّ الوحدة.
من يعرفُ جوع الساعةِ العاشرةِ صباحاً؟
من يُقنعُ الضّحى غيركِ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى