شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة
أحمد رجب شلتوت
يتخذ كتاب "فتحي عبد السميع.. شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة"، الذي أعدّه وحرره أحمد المريخي وقدم له الدكتور محمد فكري الجزار، من تجربة شاعر كبير، مدخلا لمناقشة قضايا قصيدة النثر المصرية، وأزمة التلقي النقدي، وفي تحريره للكتاب نجح أحمد المريخي في إدارة تنوع الأصوات النقدية داخله، وبالتالي تعدد الرؤى والانطباعات والتأويلات، وهذا التنوع يمنحه صورة مركبة للشاعر ولتجربته. كما أن ترتيب القراءات وفق تسلسل الدواوين يسمح بتتبع تطور التجربة الشعرية لعبد السميع عبر الزمن.
النقد الشاعري
وفي تقديمه للكتاب ينطلق محمد فكري الجزار من فكرة أن النص الشعري يتجاوز دائمًا قدرة المناهج النقدية الصارمة على الإحاطة به. فالمناهج تستطيع تحليل اللغة، لكنها لا تستطيع دائمًا الإمساك بـروح التجربة الكامنة خلف النص. ومن هنا تأتي أهمية الشاعر الناقد، لأنه يقرأ النص بوصفه تجربة وجودية وليس مجرد بناء لغوي، هذه الفكرة تجعل من الكتاب، وما حواه من مقاربات لشعر فتحي عبدالسميع بأقلام شعراء، دفاعا ضمنيا عن نوع من القراءة الحدسية والحساسة للنصوص. وبالتالي يرد الاعتبار إلى "الذائقة" كأداة معرفية، فالشاعر، بحسب الجزار، يقرأ التجربة الكامنة وراء اللغة، ولذلك يكون أقرب إلى النص من الناقد الأكاديمي الذي قد يبقى أسيرا للمنهج.
كما ألمح الجزار إلى أن قصيدة النثر المصرية كثيرًا ما وجدت نفسها خارج أدوات النقد التقليدي، مما اضطر الشعراء إلى كتابة القصيدة والدفاع عنها نقديًا في الوقت نفسه. وهذا ما حدث مع جيل السبعينيات وما تلاه، فقد أصبح الشعراء هم الأكثر قدرة على تفسير التحولات الشعرية الجديدة، لهذا فاقتصار القراءات على الشعراء يكشف طبيعة التجربة ذاتها، تجربة تنتمي إلى الشعر بوصفه خبرة وجودية وحساسية إنسانية، أكثر مما تنتمي إلى الموضوع النقدي. وربما لهذا جاءت القراءات، رغم تفاوتها، متقاربة في نبرتها، فربما تعرف الشعراء فيه إلى شيء من ذواتهم.
صمت التفاصيل
ينطبق عنوان الكتاب تماما على تجربة الشاعر ، فأغلب القراءات تلتقي،ـ رغم اختلاف أساليبها، عند فكرة: أن هذا الشاعر منحاز دائمًا إلى الهامشي والمنكسر والمنسي، وإلى التفاصيل الصغيرة التي يحولها شعريًا إلى مركز للرؤية والعالم، فـالكائنات الهشة هي جوهر عالمه الشعري كله. في قصائده نجد العجائز، الموظف الصغير، الطفل الخائف، الفريسة، المرأة المخنوقة، القروي البسيط، وحتى الشاعر نفسه بوصفه كائنًا مهددًا، هذه الشخصيات تظهر كذوات قلقة ومطاردة وضعيفة، تعيش في عالم قاسٍ لا يمنحها اليقين أو الطمأنينة. ولذلك تتكرر في القراءات مفردات مثل: الخوف، المطاردة، الانسحاق، الهشاشة، العتمة، الفقد، والقلق الوجودي.
ويرى "أمجد ريان" في تناوله لديوان "الخيط في يدي"، أن الديوان ينتمي إلى حساسية ما بعد الحداثة، حيث يتخلى الشاعر عن البطولات الكبرى، متجها نحو الجزئي واليومي والهامشي، ولذلك تصبح قصائد مثل "السمكة الوحيدة" أو "عجائز إسماعيل" أو "باب الزنزانة مفتوح" تعبيرًا عن بشر مسحوقين يشعرون دائمًا أنهم ضحايا أو فرائس، وحتى خيط العنكبوت، يتحول شعريًا إلى شيء حميمي يمكن الإمساك به، وهذه القدرة على تحويل الهشاشة والخوف إلى طاقة شعرية هي السمة الأبرز في تجربة الشاعر كلها. ولا تقتصر الكائنات الهشة عنده على البشر، فالبيت يتشقق، والمرآة تتحطم، والخيط يرتعش، والذاكرة تفرغ، حتى الجسد نفسه يظهر هشًا ومتعبًا.
أما التفاصيل الصامتة، فهي الطريقة التي يبني بها فتحي عبد السميع شعره. فمثلا خيط العنكبوت، السعفة، الجميزة، رائحة الطفولة، أكوام القمامة، زغرودة أم، دفتر حضور، بومة عجوز، هذه التفاصيل تبدو عادية وهامشية، لكنها داخل القصيدة تتحول إلى إشارات كثيفة المعنى، ففي قصيدة "الخيط في يدي"، يتحول الخيط من خيط عنكبوت مخيف في الطفولة إلى خيط طائرة ورقية، أي إلى رمز للبراءة والحرية والخيال.
كذلك فإن الصمت نفسه عنصر أساسي في شعره. شخصياته تتحمل بصمت، وفي قصائده لا نجد احتجاجًا مباشرًا أو شعارات، ولكن نجد إحساسًا داخليًا متآكلًا بالخذلان والعزلة. ولهذا تبدو قصيدته مشبعة بما يمكن تسميته الدراما الخافتة. وهذا ما تبرزه أكثر من قراءة، فقصائده تبدو كمشاهد تتحرك فيها شخصيات مهشمة ومطاردة، العجائز، الموظفون الصغار، الرجال المنكسرون، العالم الشعري هنا متوتر دائمًا، لكنه توتر خافت، أشبه بالقلق الداخلي المستمر.
يوضح الكتاب كيف استطاع فتحي عبد السميع أن يخلق معجمًا شعريًا خاصًا به. فقصائده مليئة بالمفردات اليومية والبيئية: البوص، الترعة، الجميزة، المولد، السمكة، البومة، الزنزانة، الطين، العجائز، وهو يحولها إلى علامات رمزية داخل عالم شعري متكامل. وهذا ما يمنح قصيدته فرادتها؛ حيث تنبع من مكان محدد، لكنها لا تنغلق عليه، كما يكشف عن البعد الوجودي العميق في شعر عبد السميع. فخلف التفاصيل اليومية هناك دائمًا إحساس بالهزيمة والاختناق والمطاردة واللاجدوى. كثير من القصائد تقوم على شعور الفريسة، أو الإنسان الذي تحاصره قوى غامضة. في قصائد مثل "باب الزنزانة مفتوح" أو "يقين الفريسة" أو "يريد قتلي" يتحول العالم إلى مساحة تهديد دائم.
ملاحظات أخيرة
وختاما يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات. فالكتاب، وبحكم طبيعته الاحتفائية، يبدى إعجابا مفرطا بالشاعر، بحيث تغيب المسافة النقدية في بعض المقالات. أيضا بعض القراءات أيضًا تقع في التكرار، خاصة فيما يتعلق بموضوعات الطفولة والهشاشة والجنوب، كذلك فإن غلبة النقد الشاعري تجعل بعض النصوص أقرب إلى التأملات الانطباعية. لكن رغم ذلك فالكتاب يمثل وثيقة مهمة لفهم جيل كامل من شعراء قصيدة النثر المصرية الذين كتبوا خارج المركز، وخارج المؤسسات النقدية الكبرى، وراكموا تجاربهم بصمت وعناد.
أحمد رجب شلتوت
يتخذ كتاب "فتحي عبد السميع.. شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة"، الذي أعدّه وحرره أحمد المريخي وقدم له الدكتور محمد فكري الجزار، من تجربة شاعر كبير، مدخلا لمناقشة قضايا قصيدة النثر المصرية، وأزمة التلقي النقدي، وفي تحريره للكتاب نجح أحمد المريخي في إدارة تنوع الأصوات النقدية داخله، وبالتالي تعدد الرؤى والانطباعات والتأويلات، وهذا التنوع يمنحه صورة مركبة للشاعر ولتجربته. كما أن ترتيب القراءات وفق تسلسل الدواوين يسمح بتتبع تطور التجربة الشعرية لعبد السميع عبر الزمن.
النقد الشاعري
وفي تقديمه للكتاب ينطلق محمد فكري الجزار من فكرة أن النص الشعري يتجاوز دائمًا قدرة المناهج النقدية الصارمة على الإحاطة به. فالمناهج تستطيع تحليل اللغة، لكنها لا تستطيع دائمًا الإمساك بـروح التجربة الكامنة خلف النص. ومن هنا تأتي أهمية الشاعر الناقد، لأنه يقرأ النص بوصفه تجربة وجودية وليس مجرد بناء لغوي، هذه الفكرة تجعل من الكتاب، وما حواه من مقاربات لشعر فتحي عبدالسميع بأقلام شعراء، دفاعا ضمنيا عن نوع من القراءة الحدسية والحساسة للنصوص. وبالتالي يرد الاعتبار إلى "الذائقة" كأداة معرفية، فالشاعر، بحسب الجزار، يقرأ التجربة الكامنة وراء اللغة، ولذلك يكون أقرب إلى النص من الناقد الأكاديمي الذي قد يبقى أسيرا للمنهج.
كما ألمح الجزار إلى أن قصيدة النثر المصرية كثيرًا ما وجدت نفسها خارج أدوات النقد التقليدي، مما اضطر الشعراء إلى كتابة القصيدة والدفاع عنها نقديًا في الوقت نفسه. وهذا ما حدث مع جيل السبعينيات وما تلاه، فقد أصبح الشعراء هم الأكثر قدرة على تفسير التحولات الشعرية الجديدة، لهذا فاقتصار القراءات على الشعراء يكشف طبيعة التجربة ذاتها، تجربة تنتمي إلى الشعر بوصفه خبرة وجودية وحساسية إنسانية، أكثر مما تنتمي إلى الموضوع النقدي. وربما لهذا جاءت القراءات، رغم تفاوتها، متقاربة في نبرتها، فربما تعرف الشعراء فيه إلى شيء من ذواتهم.
صمت التفاصيل
ينطبق عنوان الكتاب تماما على تجربة الشاعر ، فأغلب القراءات تلتقي،ـ رغم اختلاف أساليبها، عند فكرة: أن هذا الشاعر منحاز دائمًا إلى الهامشي والمنكسر والمنسي، وإلى التفاصيل الصغيرة التي يحولها شعريًا إلى مركز للرؤية والعالم، فـالكائنات الهشة هي جوهر عالمه الشعري كله. في قصائده نجد العجائز، الموظف الصغير، الطفل الخائف، الفريسة، المرأة المخنوقة، القروي البسيط، وحتى الشاعر نفسه بوصفه كائنًا مهددًا، هذه الشخصيات تظهر كذوات قلقة ومطاردة وضعيفة، تعيش في عالم قاسٍ لا يمنحها اليقين أو الطمأنينة. ولذلك تتكرر في القراءات مفردات مثل: الخوف، المطاردة، الانسحاق، الهشاشة، العتمة، الفقد، والقلق الوجودي.
ويرى "أمجد ريان" في تناوله لديوان "الخيط في يدي"، أن الديوان ينتمي إلى حساسية ما بعد الحداثة، حيث يتخلى الشاعر عن البطولات الكبرى، متجها نحو الجزئي واليومي والهامشي، ولذلك تصبح قصائد مثل "السمكة الوحيدة" أو "عجائز إسماعيل" أو "باب الزنزانة مفتوح" تعبيرًا عن بشر مسحوقين يشعرون دائمًا أنهم ضحايا أو فرائس، وحتى خيط العنكبوت، يتحول شعريًا إلى شيء حميمي يمكن الإمساك به، وهذه القدرة على تحويل الهشاشة والخوف إلى طاقة شعرية هي السمة الأبرز في تجربة الشاعر كلها. ولا تقتصر الكائنات الهشة عنده على البشر، فالبيت يتشقق، والمرآة تتحطم، والخيط يرتعش، والذاكرة تفرغ، حتى الجسد نفسه يظهر هشًا ومتعبًا.
أما التفاصيل الصامتة، فهي الطريقة التي يبني بها فتحي عبد السميع شعره. فمثلا خيط العنكبوت، السعفة، الجميزة، رائحة الطفولة، أكوام القمامة، زغرودة أم، دفتر حضور، بومة عجوز، هذه التفاصيل تبدو عادية وهامشية، لكنها داخل القصيدة تتحول إلى إشارات كثيفة المعنى، ففي قصيدة "الخيط في يدي"، يتحول الخيط من خيط عنكبوت مخيف في الطفولة إلى خيط طائرة ورقية، أي إلى رمز للبراءة والحرية والخيال.
كذلك فإن الصمت نفسه عنصر أساسي في شعره. شخصياته تتحمل بصمت، وفي قصائده لا نجد احتجاجًا مباشرًا أو شعارات، ولكن نجد إحساسًا داخليًا متآكلًا بالخذلان والعزلة. ولهذا تبدو قصيدته مشبعة بما يمكن تسميته الدراما الخافتة. وهذا ما تبرزه أكثر من قراءة، فقصائده تبدو كمشاهد تتحرك فيها شخصيات مهشمة ومطاردة، العجائز، الموظفون الصغار، الرجال المنكسرون، العالم الشعري هنا متوتر دائمًا، لكنه توتر خافت، أشبه بالقلق الداخلي المستمر.
يوضح الكتاب كيف استطاع فتحي عبد السميع أن يخلق معجمًا شعريًا خاصًا به. فقصائده مليئة بالمفردات اليومية والبيئية: البوص، الترعة، الجميزة، المولد، السمكة، البومة، الزنزانة، الطين، العجائز، وهو يحولها إلى علامات رمزية داخل عالم شعري متكامل. وهذا ما يمنح قصيدته فرادتها؛ حيث تنبع من مكان محدد، لكنها لا تنغلق عليه، كما يكشف عن البعد الوجودي العميق في شعر عبد السميع. فخلف التفاصيل اليومية هناك دائمًا إحساس بالهزيمة والاختناق والمطاردة واللاجدوى. كثير من القصائد تقوم على شعور الفريسة، أو الإنسان الذي تحاصره قوى غامضة. في قصائد مثل "باب الزنزانة مفتوح" أو "يقين الفريسة" أو "يريد قتلي" يتحول العالم إلى مساحة تهديد دائم.
ملاحظات أخيرة
وختاما يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات. فالكتاب، وبحكم طبيعته الاحتفائية، يبدى إعجابا مفرطا بالشاعر، بحيث تغيب المسافة النقدية في بعض المقالات. أيضا بعض القراءات أيضًا تقع في التكرار، خاصة فيما يتعلق بموضوعات الطفولة والهشاشة والجنوب، كذلك فإن غلبة النقد الشاعري تجعل بعض النصوص أقرب إلى التأملات الانطباعية. لكن رغم ذلك فالكتاب يمثل وثيقة مهمة لفهم جيل كامل من شعراء قصيدة النثر المصرية الذين كتبوا خارج المركز، وخارج المؤسسات النقدية الكبرى، وراكموا تجاربهم بصمت وعناد.