١
حالات:رحلة الصيف والشتاء
1- الموظفة الاسرائيلية :
وأنت تقف على شباك التصاريح ، في الجسر ، تمعن النظر في الموظفة الإسرائيلية .
ماذا تفعل ؟
وإلام تنظر ؟
أنت تريد إنجاز الختم ومواصلة الرحلة ، وليس ثمة ما تنظر إليه .
أنت أمام الموظفة وجها لوجه .
لماذا أخذت الشابة الشقراء التي ذكرتك بحنين الشقراء ، لماذا أخذت تصرخ ؟ وماذا قالت أصلا ؟
كانت ترطم بلغتها العبرية معبرة عن غضب ما موجه اليك ربما ، بسبب إمعانك النظر في وجهها . تتذكر رواية ( فيركور ) " صمت البحر " ونظرات الفرنسي وابنته أو قريبته إلى الجندي النازي المزروع في المنزل ، أيام الاحتلال النازي لفرنسا ......
البقية في مقال الأحد في الأيام ، إن شاء الله
٢٠١٤
٢
6 / 6 / 1967:
( حزيران الذي لا ينتهي ) 2
كم رجل وكم امرأة كان في بيت خالتي أم عارف في ذلك اليوم الحزيراني ؟
الرجال في غرفة والنساء في أخرى ، وأتجول في شوارع المدينة .
المدينة شوارعها خالية وأنا أسير ولا أذكر شيئا أكثر من هذا . بحثا عن صيدلية لشراء مسكن لوجع أسنان أمي . وتشغلني أفلام السينما فاتفقد مناظرها وواجهات العرض : سينما العاصي ، سينما غرناطة ، سينما ريفولي .
الناس بإيش وانا بإيش.
طفل في ال13 من عمره والحرب في بداياتها .
سينما وأبحث عن أفلام السينما .
6 / 6 / 1967
٣
الحياة بعد الموت لاسكندر الخوري البيتجالي (1) 1920 :
( 1 )
يراودني ، وأنا أقرأ رواية " الحياة بعد الموت " سؤال مهم هو :
- لماذا اعتدنا اعتبار رواية بيدس الرواية الأولى في الأدب الفلسطيني ، ولم نذكر ، معها ، رواية البيتجالي؟
ان الروايتين صدرتا في العام نفسه ، وكان صاحب " الحياة بعد الموت " كتبها زمن الحكم العثماني ، - أي إن الرواية ، حسب الزمن الكتابي لها ، أسبق من رواية بيدس ، وهي تختلف عنها في أنها لم تختر بيئة غير فلسطينية ، كما هو حال رواية " الوارث " التي تجري أحداثها في القاهرة .
إن الزمن الروائي لكلتا الروايتين هو نفسه تقريبا ، - أي ما بين 1914 - 1918 ، ولكن المكان مختلف ، فرواية " الحياة بعد الموت " تجري أحداثها في فلسطين وحلب في زمن السيطرة العثمانية ، ولكن كاتبها نشرها بعد زوال الحكم العثماني الذي بدت صورته سلبية في المطلق .
كان مؤلف الرواية ، وهو يكتبها ، خائفا من مداهمة الأتراك له في بيته ، ولهذا كان يخفي ، في النهار ، ما كان يكتبه في الليل .
تذكرنا الرواية بالأدب الروسي الكلاسيكي ، وكان مؤلفها قارئا جيدا للآداب العالمية كما كان قارئا للتراث العربي .
الرواية التي تقوم على مصادفات عديدة كثيرة تبدو أحيانا رواية عالم اجتماع ، إذ يتحول المؤلف إلى دارس اجتماعي للمجتمع ومشاكله وما يعانيه ، ولا يكتفي بهذا ، بل إنه يقترح حلولا ، ويبدو المؤلف ميالا للفكر الاشتراكي ، إذ يرى في الاشتراكية حلا لكثير من المشاكل وهو نصير المرأة ، ويدعو إلى تعليمها ومساواتها بالرجل أيضا ، حتى لا تظل عبئا على أهلها .
على غلاف الرواية كتب " رواية تاريخية اجتماعية غرامية " وهو ما هي عليه ، إذ في صفحات منها نقرأ عن بعض المعارك التي دارت في الحرب العالمية الأولى ، كما لو أننا نقرأ في كتب التاريخ .
٢٠١٦
٤
طرفة تثير الابتسام :
وأخيرا ابتسمت أنا الذي لا يبتسم للرغيف السخن .
كنت في إحدى المكتبات المحيطة بالحرم الجامعي حين أتت طالبة وسألت صاحب المكتبة السؤال الآتي :
هل تعمل أبحاثا ؟
الطالبة مكلفة ، من أستاذ ، بكتابة بحث وتريد أن تشتريه لتسلمه للأستاذ .
لقد اعترف لي ، من قبل ، غير طالب أنه فعل هذا . وكانت النتيجة أن منحته صفرا ، وقد رسبت بعض طلبة الماجستير .
أعتقد أن علينا ألا نكلف الطلاب بكتابة الأبحاث إلا من رغب .
بعض طلاب مساق " القدس في الأدب العربي " وافقوا على أن تكون علامة النشاط صفرا ، لأنهم ببساطة لم يقوموا بالنشاط .
على إدارة الجامعة أن تتابع المكتبات المحيطة بالجامعة وأن ترفع قضايا على من يكتبون للطلاب أبحاثا مقابل مبالغ مالية .
هل أنا مصيب؟
- بتعمل أبحاث؟. سألت الطالبة ، فابتسمت أنا للرغيف السخن .
6/ 6 / 2017
٥
لسان حال قطر :
" مين ما كان بتمرجل علينا
بدنا نعرف شو سوينا " .
في حزيران 1967 أخذت إذاعة إسرائيل تبث أغنية صباح -
الشكر لراسم المدهون :
" أبو سمرة زعلان " ،
وأبو سمرة في حينه هو الرئيس جمال عبد الناصر .
هل ما زال العم حمدان على قيد الحياة ؟
( العم حمدان صاحب برنامج من الإذاعة الاسرائيلية كان ينطق فيه العم حمدان باللهجة المصرية :
- " إخواني يا أبناء/ ولد مصر الطيبين : عمكم حمدان ... "
6 / 6 / 2017
٦
في المعابر 12 :" الحقائب المنسية "
لم تستمر حالة الفرح التي انتابت الشاب ، حين غادر المعبر ، طويلا .
لأول مرة أختار ال (باص) ذا العشرين راكبا .
كان أصحاب الحافلات على الجانب الأردني يتسابقون داعين الركاب للسفر معهم . وقد أغراني معاون ال( باص ) ، ذاهبا إلى أنه يحتاج إلى آخر راكب ، وكان صادقا .
أجرة الراكب محددة وهي 4 دنانير فقط .
جلست في المقعد الخلفي الذي يحتاج إلى راكب واحد .
بعد أن انطلق السائق وسار حوالي 20 كلم فطن أحد الركاب إلى أنه نسي حقيبته في المعبر الأردني وهات اجتهادات أبداها الركاب والسائق .
ربما لكل فلسطيني حكايته بخصوص الحقائب ؛ نسيانها واستبدالها وضياعها والعثور عليها والجهد الذي بذله من أجل معرفة مصيرها ( -مرة أوصيت أخي على ديوان محمود درويش " كزهر اللوز أو..أبعد " 2005 ، ونقدته 5 دنانير ثمنه. اشترى لي نسخة من عمان وفقد أخي ، في المعبر ، على الجانب الإسرائيلي ، الحقيبة ولم يستعدها - ).
كان اليوم يوم جمعة وعليه فإن المعبر يغلق بوابته مبكرا ، والشاب سيسافر من المطار ليلا في الثانية والنصف فجرا .
هبط الشاب من الحافلة باحثا عن سيارة تعيده إلى المعبر وكان عليه أن يدفع 20 دينارا ذهابا أما الإياب....إلخ إلخ !!
هل استعاد المسافر حقيبته وسافر على متن الطائرة ؟
في الحافلة سرعان ما نسينا الشاب ، ولهذا سبب يستحق كتابة .
6/6/2018
٧
في المعابر 13 : " إنه رمضان "
تبدو المعابر في شهر رمضان مختلفة . لا أحد من المسافرين يحمل زجاجة ماء أو يدخن سيجارة ، والحمد لله أننا في اليوم الأول من حزيران لا في تموز " حيث تغلي المياه في الكوز " ولا في " آب اللهاب ".
محلات بيع المياه والدخان والأطعمة كانت شبه فارغة ويبدو أن أكثر المسافرين صائمون أو متعاطفون ، وأنا من الأخيرين .
في الحافلة ثمة مشادة كلامية بين أحد الركاب والسائق .
فجأة أخذ أحد الركاب يصرخ في وجه السائق :
- أنا اتفقت مع المعاون أن تقلني إلى العبدلي لا إلى طبربور .
ولم تكن لهجة السائق في إجابته هادئة . أخذ يصرخ وغدونا على عتبة معركة وربيع عربي .
- رمضان كريم يا إخوان .
قلت ، وتابعت :
- مش محرزة .
وكلمة من هنا وثانية من هناك حتى هدأت المعركة وانتهى ربيع الحافلة .
كانت الأوضاع في الأردن بدأت تتوتر ، " والحق كل الحق على السعودية وقطر ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني " ، هتفت في سري ، ولعنت بريطانيا وبلفور واتفاقية سايكس - بيكو .
6/6/2018
٨
في الحافلة :
كنت في الحافلة مهموما بعد مهاتفة مع صديق من وزارة الثقافة ، أخبرته فيها أنني سأهجو الوزارة ، وكان أبو مازن سائق الحافلة يتحدث مع الركاب ويستشهد بالأمثال التي راقت لي :
" ما في مصلحة ما في مرحبا "
و
" يوم إن بدنا إياك ليل نهار بنستناك
ويوم إن ما بدنا إياك روووووووح : " الله معاك ".
وأضاف أبو مازن عبارات أخرى وقال إنه كتب المثل الثاني على مرآة الحافلة كي يقرأه الركاب .
وأنا أهبط من الحافلة قلت لأبي مازن :
- "هو كذلك ".
مؤخرا مررت بتجربة تعزز " ما في مصلحة ما في مرحبا "
وما أكثر ما مررت به من تجارب !
6/6/2018
٩
خساراتي الكبرى :
خساراتي الكبرى كثيرة ، وأكثرها أنني لن أحصل على مكافأة وزارة الثقافة وقدرها 200 دولار أمريكي لا كندي .
منذ سبعة أشهر " عشمتني الوزارة بالحلق وخرمت أنا وداني ، لا الحلق وصل ولا جملت أنا وذاني " .
كل ما في الأمر أنني لم أرسل للوزارة ما احتاجت إليه من متطلبات هي
- السيرة الذاتية ( أرسلتها غير مرة )
- رقم حسأبي في البنك ( ايبان ) وقد أرسلته أربع مرات .
- براءة ذمة . وقد أرسلتها واليوم عرفت أنها تصلح للاستخدام الداخلي فقط وقد أرسلتها في 14/ 1/2018.
و أمس عرفت أن الوزارة تريد مني رخصة مهن - لا أعرف إن كنت نجارا أم بائع اسكيمو أم تمرية أم كونترول باص؟
وقد مارست هذه المهن قبل 44 عاما .
ربما احتاجت الوزارة لاحقا الآتي :
- شهادة طلاق
- شهادة ميلاد روز وفائزة
- شهادة وفاة أبي وشهادة وفاة أمي
- شهادة ميلاد أبي الأصلية من يافا ومثلها شهادة ميلاد أمي وبختم انجليزي أيام الانتداب .
- تاريخ طهوري
- شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه ويجب أن تكون مصدقة من وزارة الخارجية
- شهادة حسن سيرة وسلوك من حركة حماس
- شهادة خلو من مرض الإيدز
- شهادة من الألمان أنني لم أصاحب أكثر من ثمانية نساء
وأنا ماذا سأفعل؟
العمارة التي أبنيها غير مكتملة . قصرت النقود .
لو كان المرحوم ياسر عرفات حيا وكنت فتحاويا لذهبت إليه وخاطبته بالآتي :
- " يا اختيار العمارة ما اكتملت " .
ومن المؤكد أنه سيعطيني شيكا ب 60 ألف دينار .
رحم الله أبا عمار .
طيب ما كانت وزارة الثقافة ريحتنا من البداية وقالت :
- "لا مكافآت مقابل الأوراق " .
على الأقل كان اشترينا بلاطا محليا لا بلاطا من إيطاليا.
أنا الصحيح ما زعلت من الوزارة لأنها مرمطتنا من ستة أشهر . أنا زعلان لأنني لن أكمل البناية .
وزارة تتعامل مع المثقفين بطريقة مزرية الاستغناء عنها أفضل .
هل نحن بحاجة إلى وزارة ثقافة أصلا ؟
أنا أنجز أكثر مما تنجزه الوزارة .
يا لطيف على هذا الغرور . بلا فشخرة ومسخرة . راحت الدولارات.
٢٠١٨
١٠
جوخة 18 :
جوخة الحارثي : الولد سر أبيه / عبيد ينشدون الحرية
تعطي " سيدات القمر " قارئها - كما ذهبت - فكرة عن مجتمع عمان في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين والطبقات الاجتماعية التي كان يتشكل منها ، وهي كما ذكرت أيضا طبقة التجار / الأسياد و الفقراء العبيد .
يستطيع المرء أن يتوقف ، على سبيل المثال ، أمام الصفحات 109 - 112 ليصغي إلى صوت ظريفة في شبه مونولوج / حوار داخلي تحكي قصتها مع زوجها حبيب وابنها سنجر في علاقتهم الثلاثة بالتاجر سليمان ، وتذهب إلى ما أبعد من ذلك حين تقص حكايتها مع العبودية منذ طفولتها وزواجها واختفاء زوجها .
إن هذه الصفحات تبدو سردا مكثفا لحكايتها ولحكاية تجارة الرق والعبودية في تلك السنوات ، وهي حكاية فيها قدر كببر من الأسى ، ولهذا حين يتحرر هؤلاء العبيد يشعرون بالفرح إلا أقلهم ومنهم ظريفة التي تظل تلهج بنعمة سيدها التاجر سليمان وتستكثر احتجاج زوجها حبيب ومن بعده ابنه سنجر .
تلقي ظريفة في البداية اللوم على شنة زوجة سنجر ، ثم تتراجع وتعزو الأمر إلى زوجها فهو من بذر البذرة في رحمها . إن تمرد الابن على عبوديته وترحيبه بقرار تحرير العبيد ليس سببه الأساس زوجته الأفعى وإنما الأب الذي تمرد على وضعه وهرب رافضا العبودية .
" نحن أحرار يا أمي ، أحرار بموجب القانون ، وسنسمي أولادنا كما نشاء " وكنت توقفت من قبل أمام ثقافة الأسماء وطبقيتها .
ترى ظريفة في تمرد ابنها على واقعه ضربا من الجنون " جن ولدك يا ظريفة " والولد سر أبيه الهارب المتمرد:
" إيه يا حبيب ! كلما أردت أن أنساك وشقاءك تكبر بذرتك أمام عيني لتفقأهما . يسمي التاجر سليمان ، الذي رباه وآواه ، وأدخله المدرسة : الشايب الخرفان " .
لقد سيقت ظريفة من افريقيا عبدة وصارت تعيش بعيدة عن بلدها الأصلي . لقد عاشت رحلة مرعبة في حياتها قادتها في النهاية إلى ضرب من الاستقرار الذي فضلته على معاناتها ، ولهذا ظلت تلهج بنعمة سيدها التاجر.
إن تتبع علاقة الأبناء بالآباء في الرواية قد يقول لنا شيئا آخر مختلفا لا يؤكد مقولة " الولد سر أبيه " ، ويمكن النظر في علاقة عبدالله بأبيه سليمان وعلاقة خالد بأبيه عيسى المهاجر ." امتعضت ميا ، قالت إنها لن تعيش طوال حياتها تحت سطوة أمها كما أعيش أنا (عبدالله ) تحت سطوة أبي " ." الفن يا أسماء أنقذني من صياغة أبي لي وفقا لخيالاته ...حين كففت أخيرا عن الحياة في حدود خياله عرفت طعم الحرية .تذوقت كيف يختار المرء الكتب التي يحبها والأصدقاء الذين يحبهم والمدن التي يحبها ، وكيف يتحرر حين يكون نفسه وليس مجرد امتداد أو تجسيد لمخيلة شخص آخر ، حتى لو كان أباه....."
٢٠١٩
١١
أنا كاتب مقروء " دقوا على الخشب " :
أمس كنت في مخيم بلاطة أزور ابنة أختي .
في الشارع الرئيس في المخيم التقيت بالدكتور ابراهيم السلقان وأخيه الأستاذ عدنان زميلي في الجامعة ونوادي المخيمات منذ 1977 .
عيدت عليهما ففوجئت بأن الدكتور ابراهيم يسألني عن شحاذ المخيم الذي أوحى لي بكتابة مقالي هذا الأسبوع في جريدة الأيام الفلسطينية "شحاذ فيينا (ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " وشحاذ المخيم " .
أوضحت للدكتور أنني لم أذكر اسم المخيم تلافيا لإشكالات ، ولعله أراد أن يعرف من هو المتسول ليساعده .
قلت لأخي عما دار بيني وبين الدكتور ، فأخبرني أخي أن الدكتور يساعد أهل المخيم ولهذا سألك .
الدكتور ابراهيم مخلص لعمله والناس تثق به علميا ثقة عالية وكبيرة ، ولإخلاصه لعمله فقد يسر الله له في الرزق .
أيضا وجدت نفسي أتذكر رواية ( هرتسل ) .
في الرواية شخصان أحدهما يحسن للفقراء ، والدكتور ابراهيم يحسن للفقراء ، وثانيهما يرى أن حل مشكلة فقراء اليهود في المنفى يجب أن يتم من خلال الجمعية اليهودية ( اليانس ) ، وأنا لا أحب الإحسان للفقراء وأفضل أن تخصم الدولة من أموالنا المزيد من الضرائب وتعطيهم هي .
على فكرة لي أخ يحسن ، مثل الدكتور ابراهيم ، للفقراء .
خلق سبحانه أخوين ولم يخلق عقلين .
" دقوا على الخشب " .
6 / 6/ 2019
١٢
مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية / 9 حزيران
أكاديميات روائيات ، وفاء أبو شميس - نابلس :
عادل الاسطة
لا أعرف إن كانت هناك دراسة أكاديمية تناول صاحبها فيها ظاهرة الروائيات الأكاديميات في أدبنا العربي .
ثمة أكاديميون عديدون غضوا الطرف عن الدراسة والبحث والتفتوا إلى كتابة الرواية ، وثمة آخرون زاوجوا بين كتابة الرواية وكتابة الدراسات والبحوث العلمية .
يستطيع متابع المشهد الروائي العربي أن يأتي بأمثلة على اولئك وهؤلاء .
الروائي السوري هاني الراهب كان دارسا وباحثا وأستاذا جامعيا ، وغدا يعرف روائيا أكثر منه دارسا وباحثا . ومثله في المشهد الروائي اللبناني الكاتب الياس خوري .
وهناك المنظر النقدي الروائي الجزائري عبد الملك مرتاض . إنه يعرف ناقدا من خلال كتابه ، الصادر عن سلسلة كتاب " عالم المعرفة " ، " في نظرية الرواية " . لقد أصدر مرتاض العديد من الروايات ، ومثله الناقد المغربي حميد لحميداني . لقد كتب قبل بضعة أعوام روايته الأولى .
في المشهد الروائي الفلسطيني يمكن أن يشار إلى العديد من الأسماء . هناك جبرا ابراهيم جبرا وأفنان القاسم وأحمد حرب وابراهيم العلم ومحمد عودة ومحمد أيوب وعزمي بشارة والأسماء عديدة .
إن تحول الناقد إلى كتابة الرواية يجعله يكتب الرواية بوعي نقدي ، وهذا قد تكون له حسناته وقد تكون له مساوئه ، وهو ما يحتاج إلى رصد وتدقيق وتمحيص . ولسوف ألفت نظر أحد طلاب الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية إلى الظاهرة .
لا أرمي هنا إلى دراسة الظاهرة دراسة مدقق ممحص راصد رصدا شموليا ، ولا أرمي إلى التوقف أمام الروائيين الذكور .
مؤخرا فازت بجائزة ( مان بوكر العالمية ) الروائية العمانية جوخة الحارثي المحاضرة في جامعة مسقط/ السلطان قابوس ، وكانت درست الأدب العربي في الجامعات البريطانية .
ليست جوخة الحارثي أول أكاديمية عربية تكتب الرواية إلى جانب أبحاثها ودراساتها ، فهناك من هن أسبق منها ، وهنا يمكن الإشارة إلى الروائية المصرية المعروفة رضوى عاشور .
عرفت عاشور من خلال كتابها " الطريق إلى الخيمة الأخرى : دراسة في أدب غسان كنفاني " .
بعد إصدار هذا الكتاب اتجهت لكتابة الرواية وصارت تعرف روائية بالدرجة الأولى .
كتبت رضوى العديد من الروايات ولا أعرف لها العديد من كتب البحث والدراسة ، وأكثر قراء الأدب العربي قرأوا أعمالها الروائية وقلما قرأوا دراساتها ، وفي مكتبتي لها كتابان نقديان و ست روايات على الأقل . ومن أعمالها المعروفة "ثلاثية غرناطة " و " قطعة من أوروبا " و " الطنطورية " .
في أدبنا الفلسطيني يمكن الإشارة إلى سحر خليفة التي حصلت على الدكتوراه في الأدب ، وهي تعرف روائية ولا تعرف دارسة .لقد صدر لها ما يزيد على 12 رواية ، ولم تنجز كتابا نقديا أو دراسة نقدية يجعلان منها باحثة مرموقة ودارسة لها باع . ظلت سحر خليفة تعرف روائية ، ولم تغد أستاذة جامعية .
ما الذي لفت نظري فلسطينيا إلى الظاهرة؟
في جامعة النجاح الوطنية ثمة أستاذة في قسم اللغة الانجليزية ، تهتم بالرواية ، لا قراءة وحسب ، بل تأليفا وطباعة . وهذه الأستاذة هي وفاء أبو شميس Wafa Abushmais .
قبل أعوام أهدتني وفاء روايتها الأولى " من أجل عينيك الخضراوين " 2016 ، وهي رواية تنهل من البيئة التي عاشت فيها ، وهذا لا يعني بالضرورة التطابق الكامل والتام بين بطلة الرواية وشخصيتها الأساسية وبين الكاتبة التي أدرجت اسمها على غلافها .
وفاء أبو شميس لاجئة فلسطينية عاشت تجربة اللجوء ، وبطلتها كذلك . ثمة تشابه في التجربة ، ولكن التفاصيل تختلف ، فأنا أعرف الكاتبة جيدا ، وعليه لا يمكن الزعم بأن الرواية سيرة ذاتية للكاتبة.
تكتب وفاء عن انتصار ابنة المخيم التي تدرس الطب وتقع في حب نبيل وهو مواطن من المدينة ، ولا يكلل حبهما بنهاية سعيدة إذ ينخرطان في العمل العام .
و يمكن القول إن الرواية سيرة روائية لمخيم ، وهو بالتأكيد مخيم بلاطة الذي أقام فيه لاجئون من يافا ، فالمدينة هذه - يافا - تسترجع من خلال ذاكرة أبنائها .
يمكن إلقاء نظرة على عناوين الرواية الثانوية لأخذ فكرة عن الرواية ذات البناء الروائي الكلاسيكي . وكل عنوان يلخص تقريبا ما كتب تحته ، ولنر العناوين :
2000 نيسان - مخيم اللاجئين - ذكريات الطفولة - انتصار : الطبيبة - مخيم الخيام بعد 1948 - انتصار : الإرادة - اللقاء الأول في معرض التراث - السيد نبيل رجل المواقف والمفاجآت - الست خيرية صاحبةالعروض - نبيل وانتصار في بريطانيا - في بيت الست خيرية - الانتفاضة الأولى: انتفاضة الحجر- انتفاضة الأقصى: الانتفاضة الثانية- ذات العينين الخضراوين - ذكريات الطفولة في المخيم - ذكريات المدرسة ( المرحلة الابتدائية ) - الأوضاع الصحية في المخيم - خدمات وكالة الغوث ( الاونروا ) -ذكريات المدرسة( المرحلة الإعدادية ) - ذكريات المدرسة (المرحلة الثانوية) - فترة السبعينيات - حلم العودة - يافا عروس فلسطين وقلبها النابض - ذكريات ما قبل الهجرة وما بعدها - قبر محمد مشهور - انتصار ذكرى لقاء وذاكرة وطن .
بعد عامين من إصدار وفاء روايتها هذه عن دار الفارابي أصدرت روايتها الثانية " نيكولاس الشرق " ويختلف موضوعها عن موضوع الرواية الأولى ، ولكنه موضوع غير بعيد عن عوالم عاشت فيها الكاتبة .
درست وفاء الأدب الانجليزي وسافرت إلى أميركا وأنفقت هناك عامين ، وهكذا عرفت الغرب ، ومن المؤكد أن ذهنها تفتح على ذلك العالم من خلال الأدب أولا ومن خلال التجربة ثانيا .
عالما الشرق والغرب وتنوعهما وانفتاحهما على بعضهما ، من خلال تجارب فردية انسانية ، ولقاء الشرقي بغربيين في الغرب ، والغربي بشرقيين في الغرب والشرق ، يحضران في الرواية التي يعجب فيها نيكولاس الغربي بالفتاة النابلسية وينشد تأسيس علاقة زوجية معها ، فقد راقت له حياة الشرقيين ، وفشل زواجه من امرأة غربية .
ولم تنشر وفاء روايتيها الأخيرتين وإحداهما عن الحرب الأخيرة على غزة .
وتجربة وفاء تستحق أن يلتفت إليها ، فقد نشرت روايتيها بعد مرور ما يربو على الثلاثين عاما من ممارستها مهنة التدريس ؛ تدريس الأدب الانجليزي .
وسيلحظ قاريء أعمالها انعكاس دراستها على البناء الفني لأعمالها .
ترى ما هو سبب تحول الأكاديميين إلى عالم الرواية وعدم التفرغ الكلي لكتابة الدراسات والنقد الأدبي ؟
أيعود السبب إلى أن النقد الأدبي لا يحقق انتشارا واسعا تحققه الرواية ؟
أيعود السبب إلى أن ما يقرأه الأكاديمي من أعمال روائية لا يروق له ، لأنه لا يراعي أركان الرواية ، فيحاول الناقد أن يقدم أعمالا روائية يعتقد أنها مكتملة ويجب أن تحتذى ؟ علما بأن كثيرا من النقاد حين يكتبون الرواية تكون رواياتهم الأكثر ضعفا وبؤسا وإخفاقا ؟
الجمعة والسبت
7 و8 حزيران 2019
١٣
حزيران الذي لا ينتهي :
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
قبل أربع سنوات أخذت يوميا أسترجع ما بقي عالقا في الذاكرة من حزيران ١٩٦٧ إلى حزيران ١٩٨٢ ، وأنجزت ، على مدار سبعين يوما تقريبا ، شظايا سيرة جعلت عنوانها " حزيران الذي لا ينتهي " .
أول أمس مر الخامس من حزيران ، وكان في ذهني أن أكتب عن " حزيران في الأدب العربي " ولكنني لم أفعل ، فقد استبد بي الكسل ولم أكمل إعادة قراءة رواية حيدر حيدر " حقل أرجوان " التي كنت قرأتها في بداية ثمانينيات القرن العشرين وظل بعض شخوصها راسخين في ذاكرتي .
لقد وجب أن أعيد قراءتها لكي أنجز كتابي الذي أعكف عليه منذ نهاية العام الماضي " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " ، ولقد لاحظت أن الكتابة عن حزيران في " حقل أرجوان " تشغل مساحة واسعة ذكرتني بكتابات نزار قباني ومظفر النواب وعبد الرحمن منيف وسيطرة النزعة المازوخية فيها ، وأشعار توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم التي طغى عليها التفاؤل رغم الهزيمة .
وأنا جالس في البيت لم أسمع صوت الطائرات الأردنية تعبر سماء مخيمنا ، ولم أشاهد دبابات الجيش الأردني تعبر الشارع الرئيس متجهة نحو الجبهة ، ولم أصغ إلى إذاعة صوت العرب يهدر فيها صوت أحمد سعيد يذكر عدد الطائرات الإسرائيلية التي تم إسقاطها ، ولم أشعر بفرح ما لاقتراب عودتنا إلى يافا التي كنا ، كل صباح ، في طابور المدرسة ، نغني من أجل العودة إليها والخلاص من حياة المخيم وحليب الوكالة البارد المر تارة والساخن الحلو طورا أو العكس . وأنا جالس أخذت أفكر في مجلس النساء في رواية عاطف ابوسيف " الحاجة كريستينا " وفي مديرة مدرسة المخيم وداد . والصحيح أنني منذ عام وأنا أفكر في أمر وداد وأتساءل إن كنت شخصيا سأسلك سلوكها ذات يوم .
يوم الخميس ذهبت إلى الجامعة للحصول على براءة ذمة طلبتها مني الدائرة المالية في الجامعة ، حتى أحصل على ما تبقى لي من مستحقات عمل استمر سبعة وثلاثين عاما ، وكان لا بد من أن أسلم مفاتيح مكتبي الذي لم أنتقل منه إلى مكاتب أخرى بعيدة عنه ، ولا أدري لماذا لم أشعر بحزن وأنا أسلم المفاتيح ، قدر ما شعرت بفرح ورضا ولم يلم بي ما ألم بوداد .
في فصل عنوانه " مجلس النساء " يروي الراوي قصص شخصياته النسوية في بيئة المخيم ومنهن مديرة المدرسة وداد التي انتهى عملها لبلوغها السن القانوني فشعرت بحزن كبير ، لأن المدرسة القريبة من بيتها صارت جزءا منها ، لدرجة أنها عرضت على مسؤولي وكالة الغوث أن تظل على رأس عملها ولو بلا راتب ، فماذا ستفعل حين تجلس وحيدة في البيت ؟
وأنا أترك المكتب نظرت إلى رفوف كتبي الكثيرة فيه ، واحترت ماذا آخذ منها . آآخذ نسخ إصداراتي أم آخذ ما اشتريته من مؤلفات الآخرين ؟ ووجدتني أختار ديوان محمود درويش " لا تعتذر عما فعلت " ، وفي الطريق وجدتني أحور في العنوان " لا تعتذر عما كتبت " ، فما كتبته عن المؤسسة مدحا أو هجاء هو ما كنت أشعر به زمن كتابته .
هل فكرت في يوم من أيام السنة المنصرمة التي تقاعدت فيها أن أسلك سلوك وداد ؟
مع أنني لم أنقطع كليا عن الجامعة ، لأنني ما زلت مرتبطا بها ، حيث أشرف على ثلاث رسائل ماجستير قد أحتاج إلى عام آخر لانتهائها إلا أنني لم أشعر بفراغ ، و لم أشعر أنني خسرت " حلما جميلا " ، كما خسر العرب حلمهم في حزيران ١٩٦٧ بتحرير فلسطين .
هل التقاعد حقا أمر مزعج ؟
حتى الآن ما زلت مسرورا به ، ولهذا رفضت غير عرض بالتدريس الإضافي .
وأنا في الطريق من الجامعة إلى البيت التقيت بأحد طلاب الدراسات العليا ، فسألني :
- لماذا لا تدرس مثل بقية زملائك الذين أنهوا عملهم من قبل ؟
فأجبته بأنني لم أوافق على عرض الجامعة بالتدريس الإضافي ( Part time ) ، وهنا نطق الطالب عبارة " يعني فضلة " ، فابتسمت وواصلت طريقي ، ولم يكن ثمة أصوات طائرات ( هوكر هنتر ) أردنية في الجو تشارك في المعارك ، ولا حتى أصوات طائرات ( ميراج ) إسرائيلية تغير على الدبابات الأردنية في وادي التفاح في نابلس التي شهدت معركة استبسال " أبو هاشم " ، لينتهي الفصل الأخير من حرب الأيام الستة ، من حرب حزيران الذي لم ينته ، حزيران الذي لا ينتهي .
فماذا كتب حيدر حيدر في روايته عن تلك الحرب ؟
لا بد من قراءة الرواية فالعبارة تضيق ولم تتسع المساحة .
٦ حزيران ٢٠٢٠
١٤
قبل ثلاثة وخمسين عاما قال توفيق زياد عن هزيمة حزيران ١٩٦٧ :
" كبوة هذي
وكم يحدث أن يكبو الهمام
إنها للخلف خطوة
من أجل عشر
للإمام "
ما زالت الخطوة للخلف وليس ثمة خطوة للأمام .
أين ذهب التفاؤل التاريخي الصادر عن الماركسية وحتميتها التاريخية ؟
ما زال حزيران يكبر وليس ثمة بارقة أمل .
كان ( جورج لوكاتش ) وهو يكتب عن الفرق بين الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية يرى أن الأخيرة قد تؤدي إلى طريق كارثية ، فهي احتمال أكثر منها واقعا .
ما زالت الخطوة للخلف !!
رحم الله الشاعر توفيق زياد .
صباح الخير
خربشات عادل الاسطة
٦ حزيران ٢٠٢٠
١٥
ذاكرة أمس ٨٢ :
حول مقاطعة البضائع الإسرائيلية
أدرجت السيدة Ibtesam Nawajha Jhaish في التعليقات أمس على " ذاكرة أمس ٨١ " صورة لجانب من الدمار الذي ألم بغزة في الحرب الأخيرة ، وقد استنتجت منها - أي الصورة - مدى وحشية الإسرائيليين التي تعبر عن رعبهم من الصواريخ وخوفهم الأبدي من الهزيمة التي تعني انتهاء حلمهم .
خوف الإسرائيليين وانعكاسه في الأدب الفلسطيني سأعود لأكتب عنه غدا ، فقد وعدت عصرا أن أكتب عن المظاهرة التي جرت في نابلس من أجل مقاطعة البضائع الإسرائيلية .
أمس في الحادية عشرة والنصف صباحا مررت بشارع حطين فأصغيت إلى هتيف المظاهرات المشهور يهتف من أجل مقاطعة البضائع الإسرائيلية ، ووجدتني أحشر نفسي وأخاطبه والسائرين معه بالعبارة الآتية :
- اطلبوا من السلطة الفلسطينية أن تمنع وجود البضائع الإسرائيلية في أسواقنا .
لم يرق كلامي للهتيف ولم يرق للسائرين معه ، فسألني إن كنت مع السلطة أو ضدها .
الشعارات التي كان السائرون في المظاهرة يرددونها تمحورت حول الآتي :
كيف نشتري بضائع من يصادر أراضينا ؟
كل شيكل ندفعه ثمنا للبضائع الإسرائيلية يدعم رصاصة توجه إلى صدور أبنائنا ، فأول أمس جرح الجنود الاسرائيليون عشرة شبان فلسطينيين تظاهروا ضد الاستيطان .
الجدل العابر الذي جرى حول شراء البضائع الإسرائيلية يتمحور حول قضية كبيرة لها حضورها منذ ١٩٦٧ ، وبإمكان السلطة الفلسطينية منذ ١٩٩٣ أن تتخذ قرارا بشأنها ، على الرغم من ارتباطها بمعاهدة صلح مع دولة إسرائيل تجيز التبادل الاقتصادي .
الذي لفت انتباهي أن بعض من ساروا في المظاهرة هم ممن يأخذون رواتب من السلطة ، والسلطة تتسلم من إسرائيل أموال المقاصة ، والحكاية تطول .
هل نستطيع ، نحن المحاصرين من البحر إلى النهر ، حقا أن نقاطع البضائع الإسرائيلية ؟ وإن قاطعناها فهل يفشل الجيش الإسرائيلي في توفير ثمن الرصاص الذي يقتل به أبناءنا ؟ وهل ستنهار الدولة الإسرائيلية إن نجحنا في مقاطعتها ؟
إن كانت المقاطعة تنجز ذلك فأنا لست ضد إصدار فتوى وطنية تخون كل من يشتري البضائع الإسرائيلية ؟ - شخصيا لا أشتري إلا القليل جدا منها .
طيب وماذا في المقابل إذا منعت الدولة المصونة عمالنا من العمل في مصانعها ؟
إن جل شبابنا ينشدون الحصول على تصريح عمل ، لكي يتخلصوا من البطالة ويتمكنوا من العيش ؟ هل البرجوازية الفلسطينية مستعدة لأن توفر للعمال كلهم فرص عمل تمكنهم من العيش المقبول ، ولا أقول الكريم ؟
تفضلوا أيها البرجوازيون الفلسطينيون وحلوا المشكلة .
الكتابة في الموضوع طويلة ، وهي قديمة وموجعة .
في بداية سبعينيات القرن العشرين استاءت الشاعرة فدوى طوقان من يوم السبت لأن نابلس كانت فيه تكتظ بالعمال الذين يتبضعون ، وسخرت منهم ، فرد عليها الشاعر فوزي البكري بقسوة ، لأنها لم تعان مما يعاني العمال منه ، فلم تجد لهم عذرا ، وكلما حدثت حرب ندق الكوز بالجرة ونطالب بوقف العمل في المصانع الإسرائيلية ومقاطعة بضائعها - أي والله ، كلما حدثت حرب ندق الكوز في الجرة ، دون أن يكون لدينا بدائل .
الأدبيات التي تناولت الموضوع كثيرة والندوات كثيرة ، " وما أجمل أن ينصحنا الأغنياء بالفقر " يقول العمال الغلابا .
إزالة الاحتلال - الثاني والأول معا - لن يتم إلا بقوة ما أو بنضال طويل ضد عنصرية الدولة العبرية ، ولا أظن أن مقاطعة البضائع هي العامل المقرر . هل غاب عن ذهن المتظاهرين أن سلاح الدولة الإسرائيلية كله يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية بالمجان ؟
حكايتنا مع إسرائيل طويلة وطويلة جدا .
ربما أنا مخطيء وغير موفق في اجتهادي ، ومنذ العام ١٩٦٧ وقسم منا يدعو إلى محاربة العمال الفلسطينيين الذين يعملون في الداخل الفلسطيني ويدعو أيضا إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية ، والطريف أن الباحثين عن فرص عمل هناك يزداد عددهم !!
دبرها يا حكيم الثورة .
هل نسيتم ما كتبته سحر خليفة في روايتيها " الصبار " ١٩٧٦ و " عباد الشمس " ١٩٧٩ / ١٩٨٠ حول الموضوع ؟ وهل نسيتم قصة " الجوع " لغريب عسقلاني ؟ الفدائي ابن الجبهة الشعبية الذي كان يقف ضد من يذهب إلى العمل في الداخل الفلسطيني وجد نفسه ذات صباح يصعد الحافلة ويذهب معهم - أي والله .
لا تذهبوا بعيدا في تفسير كتابتي ، فأنا والله أتمنى للدولة ما تمناه ( اسحق رابين ) لقطاع غزة . هل تذكرون ؟
٦ حزيران ٢٠٢١ .
١٦
مدرسة الفروسية : رواية ابنة صديق الطفولة جلال جودت الأصفر :
جلال جودت الأصفر هو صديقي في مدرسة مخيم عسكر القديم منذ العام ١٩٦٠ وحتى العام ١٩٧٢ . كنا في الصف نفسه منذ الأول الإبتدائي حتى الثالث الإعدادي ، وفي الأول الثانوي في مدرسة الملك طلال صار كل منا في شعبة ، ثم اختار كل منا بعد ذلك فرعا مختلفا ؛ اختار الفرع العلمي فدرس في المدرسة الصلاحية ، وذهبت إلى الجاحظ أدرس الأدب ، واجتزنا التوجيهي معا ودرسنا في الجامعة الأردنية فلم يعجبه تخصص العلوم . سافر إلى القاهرة ليدرس الهندسة ، والتقينا مرة مرتين حين زار مخيم عسكر القديم قبل أن يعمل في الأردن لسنوات قليلة ثم استقر في السعودية لعقود قبل أن يقيم منذ ثلاث سنوات في اسطنبول .
بعد انقطاع ما يقارب خمسة واربعين عاما تواصلنا من جديد عبر الماسنجر . أعلمني صديق الطفولة أن ابنته تكتب الرواية وأنها أصدرت رواية " مدرسة الفروسية " وأرسلها إلي بصفتي أكتب النقد .
الأديب الدكتور عبد الرحمن عباد كتب مقدمة للرواية ، فقد التقت به زينب جلال الأصفر في القدس بواسطة خالتها إحسان عطية وتعرفت إليه .
عرفت من المقدمة والتمهيد أن زينب زارت القدس وليس لدي معلومات عن إقامتها فيها وكم مكثت . وأنا أنظر في خريطة الرواية لاحظت أنها اخترعت عالما افتراضيا كما اخترع عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا في روايتهما المشتركة " عالم بلا خرائط " مدينة عمورية ، وكما اخترع غيرهم من الكتاب عوالم وهمية مكانا لرواياتهم . وأنا أقرأ الفصل الأخير من الرواية تساءلت :
- ماذا تعني فلسطين للجيل الفلسطيني الذي ولد في المنفى وفيه ترعرع وكبر ؟
- لماذا لم تكتب زينب عن القدس التي زارتها ، وهي مدينة أمها ؟ إن ما أعرفه أن صديق طفولتي تزوج امرأة مقدسية ؟
- هل من صلة بين الأدب الفلسطيني والأدب الياباني ؟ فادباؤنا تأثروا بالأدب الغربي ودحضوا الأدب العبري . هل تأثروا بأدب دول آسيوية ؟
- ماذا تعني فلسطين للجيل الذي نشأ في بيئة إسلامية وتربى تربية إسلامية ؟ فصديقي جلال أقام عقودا في السعودية وترسخت هناك ثقافته الدينية وربى أبناءه تربية دينية تماما .
- هل حقا أننا لا نعيش الا معادا مكرورا وأن حركة التاريخ تراوح في مكانها ؟ فزينب تصدر روايتها ببيت الشعر الآتي :
" الدهر كالدهر والأيام واحدة
والناس كالناس والدنيا لمن غلبا " .
والكلام يطول .
الطريف هو أنني في الشهر الماضي قرأت ديوان شعر الأسير أحمد العارضة " خلل طفيف في السفرجل " ، وأحمد هو ابن صديقي تيسير العارضة رحمه الله وهو أيضا من مخيم عسكر القديم ولكن ما كتبه هو المولود في نابلس والمحكوم بالسجن المؤبد يختلف وتختلف رؤيته .
إنني حقا أفكر في كتابة أحفاد اللاجئين الفلسطينيين ؛ موضوعاتها وتوجهاتها ورؤاها .
٦ / ٦ / ٢٠٢٣ .
١٧
غزة ( ٢٤٤ ) :
شاتيلا وصبرا في مدرسة السردي في مخيم النصيرات
أمس لم تكن أخبار المعارك لافتة . أخبار عمليات المقاومة شحيحة حتى لتظن أن توقف الحرب بات وشيكا ، وأن هدنة ما تلوح في الأفق على الرغم من تصريحات سامي أبو زهري التي اتضح منها رفض حماس لما ورد في خطاب ( جو بايدن ) .
أمس لم أقرأ عن تدمير دبابات أو جرافات أو تفخيخ بيوت . الخبر الوحيد الذي قرأته عن عمليات قتالية اقتصر على قنص جندي إسرائيلي ، وظل ما حدث في قاعدة إسرائيلية في النقب شبه غامض ، فلم يتضح سبب الانفجار الذي أوقع جرحى بعضهم جراحه
خطيرة .
وعندما نبه صحفي إلى تحركات قوات إسرائيلية تتقدم باتجاه مخيم النصيرات طلب أسامة أبو عاصي من الناس ألا يأخذوا أقواله على محمل الجد ، ولم تمر ساعتان حتى بدأ أسامة نفسه يكتب عن مجزرة ترتكب بحق نازحين يقيمون في مدرسة السردي في المخيم . خمسة صواريخ أصابت ثلاثة صفوف وأعداد المرتقين تتزايد باستمرار . سبعة . عشرة . ثلاثون ولم تنته الإسعافات ولم يخلص العد ، والمشاهد التي تبث تقول إن ثمة مذبحة كبيرة ارتكبت .
هل يعود السبب إلى إعلان حماس رفضها مبادرة بايدن ؟
ومتى احتاجت الدولة العبرية إلى سبب ؟
أردت أن أكتب عن بعوضة محمود درويش وبعوضة د.آلاء القطراوي وبعوض مخيم النصيرات الذي كتب عنه Osama Abu Asi فجاء جيش شعب الله المختار ليفعل فعله ، لا في مص دم النازحين والمقيمين ، بل في إراقته ، وعيد الأضحى يقترب والقرابين فلسطينية .
في أيلول ١٩٨٢ صحونا قبل يوم من أول أيام عيد الأضحى على أخبار مذبحة شاتيلا وصبرا . هل احتفلنا يومها بالعيد ؟
وعندما كتب محمود درويش في " مديح الظل العالي " :
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
قلنا :
- لعلها آخر المجازر .
هل خطر ببالنا أنها ( بروفة ) لما سيجري في فطاع غزة في العامين ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ .
المؤذن يؤذن لصلاة الفجر ويتلو آيات من الذكر الحكيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وأمس سار المستوطنون بحشود كبيرة في شوارع القدس وأدوا طقوس شعائرهم في البراق / حائط المبكى .
اليوم هو اليوم الأخير من الشهر الثامن لبدء الحرب التي تحولت إلى مقتلة ومهلكة وإبادة وغدا هو اليوم الأول من الشهر التاسع ، فهل ستضع الحرب فيه أوزارها ؟
٦ / ٦ / ٢٠٢٤
١٨
غزة ( ٢٤٤ ) :
ماذا عن الذباب في غزة ؟
قرأنا عن البعوض ، وسوف أكتب لاحقا .
محمود درويش :
هل تنبأ الشاعر بما يسود غزة في الأشهر الثمانية الماضية :
{ ذباب أخضر } :
المشهد هو هو ، صيف وعرق ، وخيال
يعجز عن رؤية ما وراء الأفق . واليوم
أفضل من الغد . لكن القتلى هم الذين
يتجددون . يولدون كل يوم . وحين يحاولون
النوم يأخذهم القتل من نعاسهم إلى نوم
بلا أحلام . لا قيمة للعدد . ولا أحد
يطلب عونا من أحد . أصوات تبحث عن
كلمات في البرية ، فيعود الصدى واضحا
جارحا : لا أحد . لكن ثمة من يقول :
" من حق القاتل أن يدافع عن غريزة
القتل " . أما القتلى فيقولون متأخرين :
" من حق الضحية أن تدافع عن حقها في
الصراخ " . يعلو الأذان صاعدا من وقت
الصلاة إلى جنازات متشابهة : توابيت
مرفوعة على عجل ، تدفن على عجل ... إذ لا
وقت لإكمال الطقوس ، فإن قتلى آخرين
قادمون مسرعين ، من حارات أخرى . قادمون
فرادى أو جماعات .. أو عائلة واحدة لا
تترك وراءها أيتاما وثكالى . السماء رمادية
رصاصية والبحر رمادي أزرق . أما لون
الدم فقد حجبته عن الكاميرا أسراب من
ذباب أخضر " .
ماذا كتب الفرنسي ( جان جينيه ) في العام ١٩٨٢ عن الذباب صبيحة يوم مجزرة شاتيلا وصبرا يوم ذهب إلى هناك .؟
هل استوحى محمود درويش هذه الكتابة من نص جينيه " أربع ساعات في شاتيلا "؟
اليوم سمعت في الأخبار عن بداية تفشي مرض الكوليرا في غزة .
٦ / ٦ / ٢٠٢٤
١٩
غزة 609 :
حسب صفحة مؤمن مقداد معتمدا على " حدشوت بزمان " العبري فإن هناك حدثا أمنيا صعبا في خان يونس . الطائرات الإسرائيلية تنقل الجرحى إلى المشافي .
في الصباح قرأت عن هجوم إسرائيلي هناك .
في ١٩٨٨ كتب محمود درويش قصيدته " عابرون في كلام عابر " ومنها :
" منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى - ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا .. وانصرفوا " .
لقد أخذوا حصتهم وأكثر ولم ينصرفوا .
عيد أضحى دموي ، وكانت الليلة في الضاحية الجنوبية لبيروت دموية .
متى سيشبع ( دراكولا ) من دماء الآخرين ؟
٦ / ٦ / ٢٠٢٥
٢٠
وليد دقة " بائع التذاكر " 7 :
دلالة العنوان
في صفحة ٩٤ و ٩٥ نقرأ مدلول دال العنوان الذي يعود ويتوسع فيه لاحقا في الصفحات ٢١١ و ٢١٢ و ٢١٣ .
يكتب وليد عن الأمية الوطنية التي تجبره على أن يكرر نفسه مع كل جيل ، شاعرا بالإحباط الذي يزداد حين يسود خطاب مضاد يجزيء الهوية الفلسطينية . بدلا من الحديث عن هوية فلسطينية لأبناء الشعب الفلسطيني كله صرنا نحكي عن فلسطيني وفلسطيني حسب البقعة الجغرافية التي يقيم فيها الفلسطيني ، وربما اختار الله له الرحمة قبل أن يصغي إلى تجزيء جديد بدأ يسود مع طوفان الأقصى " أنا غزاوي " .
كان وأقرانه ممن لم يحالفهم الحظ وبقوا في السجون ، ممن يدركون الهوية وأهميتها ، أشبه ب " بائع التذاكر " في محطة قطارات ضخمة :
" يأتي جيل ، ويذهب جيل وأنا أكرر الكلمات نفسها . ولأنني أعرف من التجربة وجهة المسافرين ، أناولهم تذاكرهم قبل أن ينطقوا اسم المدينة والمحطة التي يقصدونها . إنه التكرار أو هي علكة بغل [ علكة بغي ] وطني عنيد ، أو هو ربما تعلم البغلنة - الصبر ، لأن اليأس ظل رفاهية لا أملكها " ( ٩٥ )
يعود وليد ليكتب تحت الدال " بائع التذاكر " ويحكي عن تجربته في الحركة الوطنية الفلسطينية . كيف بدأت وإلى أين انتهت . بدأ يقاتل من أجل فلسطين ثم اختصرت هذه بمناطق محددة ولم يلتفت إليه وإلى أسرى آخرين من فلسطين التاريخية .
كيف كان الثوري في زمن الثورة - زمن الطهارة ، وكيف غدا في زمن التنسيق الأمني- زمن الصفقات . لقد وجد نفسه بين زمنين وباع التذاكر فيهما .
" أنا بائع التذاكر ذاك ... أعرف أنني ما عدت أجيد قراءة الوجوه ، ولا أعرف وجهة المسافرين وغايتهم ... أنا بائع التذاكر بدأت عملي مجانا في زمن حركات التحرر ،ف أجدت لغتها إلى أن ألصقوا بكل شيء تسعيرة ، فغدا للشرف ثمن وللمروءة والأمانة والصدق سعر شأن أي بضاعة أخرى كالكعكة والنعال والواقي الذكري "
" محطتنا لم تعد مجرد ممر للمسافرين ، وإنما ملجأ للنشالين وتجار المخدرات والهاربين من شرطة الهجرة وهم في وطنهم ، ومن جاعوا في زمن التنسيق الأمني فلجؤوا إلى المحطة حتى يقدم لهم حساء مجاني كان قد طبخ بدموع أطفالهم وزوجاتهم وعلى نار حرقة قلوب الأمهات ... أنا بائع التذاكر أعترف أنني ما عدت أتقن عملي .. "
والذي تخلص إليه مما يريد قوله هو كيف بدأت الثورة وكيف انتهت " من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ، من تحرير فلسطين إلى غزة أريحا أولا ، ومن جماهير الأرض المحتلة إلى جماهير الضفة الغربية وقطاع غزة ، ومن تحرير الأسرى كلهم إلى الفصل بين أسرى مناطق ومناطق ، فلم يعد ينظر إلى الأسرى الفلسطينيين من مناطق ١٩٤٨ الذين سجنوا من أجل الوطن وبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية ، لم يعد ينظر إليهم على أنهم أسرى فلسطينيون ، بل أسرى إسرائيليون تحل مشكلتهم في الكنيست الإسرائيلي ، ولهذا لم يحرر وليد وآخرون ، وهكذا تم التخلي عنهم . إنه تجزيء الهوية الفلسطينية ، وهذا ما أحزنه حقا .
خربشات الجمعة ٥ / ٦ / ٢٠٢٦
عادل الأسطة عادل الاسطة
[ ملاحظة : أرجح أن قوله " علكة بغل " هي من محفوطه لسطر شعري لمظفر النواب ، وكنت أحفظه أيضا كذلك ، ولكني عندما قرأت القصيدة قراءة تكوينية ونظرت في طبعات مختلفة ذهبت إلى أن العبارة " علكة بغي " فالبغي تظل تعلك العلكة ، وهو في تكراره الحديث عن الهوية صار أيضا يكرر ] .
حالات:رحلة الصيف والشتاء
1- الموظفة الاسرائيلية :
وأنت تقف على شباك التصاريح ، في الجسر ، تمعن النظر في الموظفة الإسرائيلية .
ماذا تفعل ؟
وإلام تنظر ؟
أنت تريد إنجاز الختم ومواصلة الرحلة ، وليس ثمة ما تنظر إليه .
أنت أمام الموظفة وجها لوجه .
لماذا أخذت الشابة الشقراء التي ذكرتك بحنين الشقراء ، لماذا أخذت تصرخ ؟ وماذا قالت أصلا ؟
كانت ترطم بلغتها العبرية معبرة عن غضب ما موجه اليك ربما ، بسبب إمعانك النظر في وجهها . تتذكر رواية ( فيركور ) " صمت البحر " ونظرات الفرنسي وابنته أو قريبته إلى الجندي النازي المزروع في المنزل ، أيام الاحتلال النازي لفرنسا ......
البقية في مقال الأحد في الأيام ، إن شاء الله
٢٠١٤
٢
6 / 6 / 1967:
( حزيران الذي لا ينتهي ) 2
كم رجل وكم امرأة كان في بيت خالتي أم عارف في ذلك اليوم الحزيراني ؟
الرجال في غرفة والنساء في أخرى ، وأتجول في شوارع المدينة .
المدينة شوارعها خالية وأنا أسير ولا أذكر شيئا أكثر من هذا . بحثا عن صيدلية لشراء مسكن لوجع أسنان أمي . وتشغلني أفلام السينما فاتفقد مناظرها وواجهات العرض : سينما العاصي ، سينما غرناطة ، سينما ريفولي .
الناس بإيش وانا بإيش.
طفل في ال13 من عمره والحرب في بداياتها .
سينما وأبحث عن أفلام السينما .
6 / 6 / 1967
٣
الحياة بعد الموت لاسكندر الخوري البيتجالي (1) 1920 :
( 1 )
يراودني ، وأنا أقرأ رواية " الحياة بعد الموت " سؤال مهم هو :
- لماذا اعتدنا اعتبار رواية بيدس الرواية الأولى في الأدب الفلسطيني ، ولم نذكر ، معها ، رواية البيتجالي؟
ان الروايتين صدرتا في العام نفسه ، وكان صاحب " الحياة بعد الموت " كتبها زمن الحكم العثماني ، - أي إن الرواية ، حسب الزمن الكتابي لها ، أسبق من رواية بيدس ، وهي تختلف عنها في أنها لم تختر بيئة غير فلسطينية ، كما هو حال رواية " الوارث " التي تجري أحداثها في القاهرة .
إن الزمن الروائي لكلتا الروايتين هو نفسه تقريبا ، - أي ما بين 1914 - 1918 ، ولكن المكان مختلف ، فرواية " الحياة بعد الموت " تجري أحداثها في فلسطين وحلب في زمن السيطرة العثمانية ، ولكن كاتبها نشرها بعد زوال الحكم العثماني الذي بدت صورته سلبية في المطلق .
كان مؤلف الرواية ، وهو يكتبها ، خائفا من مداهمة الأتراك له في بيته ، ولهذا كان يخفي ، في النهار ، ما كان يكتبه في الليل .
تذكرنا الرواية بالأدب الروسي الكلاسيكي ، وكان مؤلفها قارئا جيدا للآداب العالمية كما كان قارئا للتراث العربي .
الرواية التي تقوم على مصادفات عديدة كثيرة تبدو أحيانا رواية عالم اجتماع ، إذ يتحول المؤلف إلى دارس اجتماعي للمجتمع ومشاكله وما يعانيه ، ولا يكتفي بهذا ، بل إنه يقترح حلولا ، ويبدو المؤلف ميالا للفكر الاشتراكي ، إذ يرى في الاشتراكية حلا لكثير من المشاكل وهو نصير المرأة ، ويدعو إلى تعليمها ومساواتها بالرجل أيضا ، حتى لا تظل عبئا على أهلها .
على غلاف الرواية كتب " رواية تاريخية اجتماعية غرامية " وهو ما هي عليه ، إذ في صفحات منها نقرأ عن بعض المعارك التي دارت في الحرب العالمية الأولى ، كما لو أننا نقرأ في كتب التاريخ .
٢٠١٦
٤
طرفة تثير الابتسام :
وأخيرا ابتسمت أنا الذي لا يبتسم للرغيف السخن .
كنت في إحدى المكتبات المحيطة بالحرم الجامعي حين أتت طالبة وسألت صاحب المكتبة السؤال الآتي :
هل تعمل أبحاثا ؟
الطالبة مكلفة ، من أستاذ ، بكتابة بحث وتريد أن تشتريه لتسلمه للأستاذ .
لقد اعترف لي ، من قبل ، غير طالب أنه فعل هذا . وكانت النتيجة أن منحته صفرا ، وقد رسبت بعض طلبة الماجستير .
أعتقد أن علينا ألا نكلف الطلاب بكتابة الأبحاث إلا من رغب .
بعض طلاب مساق " القدس في الأدب العربي " وافقوا على أن تكون علامة النشاط صفرا ، لأنهم ببساطة لم يقوموا بالنشاط .
على إدارة الجامعة أن تتابع المكتبات المحيطة بالجامعة وأن ترفع قضايا على من يكتبون للطلاب أبحاثا مقابل مبالغ مالية .
هل أنا مصيب؟
- بتعمل أبحاث؟. سألت الطالبة ، فابتسمت أنا للرغيف السخن .
6/ 6 / 2017
٥
لسان حال قطر :
" مين ما كان بتمرجل علينا
بدنا نعرف شو سوينا " .
في حزيران 1967 أخذت إذاعة إسرائيل تبث أغنية صباح -
الشكر لراسم المدهون :
" أبو سمرة زعلان " ،
وأبو سمرة في حينه هو الرئيس جمال عبد الناصر .
هل ما زال العم حمدان على قيد الحياة ؟
( العم حمدان صاحب برنامج من الإذاعة الاسرائيلية كان ينطق فيه العم حمدان باللهجة المصرية :
- " إخواني يا أبناء/ ولد مصر الطيبين : عمكم حمدان ... "
6 / 6 / 2017
٦
في المعابر 12 :" الحقائب المنسية "
لم تستمر حالة الفرح التي انتابت الشاب ، حين غادر المعبر ، طويلا .
لأول مرة أختار ال (باص) ذا العشرين راكبا .
كان أصحاب الحافلات على الجانب الأردني يتسابقون داعين الركاب للسفر معهم . وقد أغراني معاون ال( باص ) ، ذاهبا إلى أنه يحتاج إلى آخر راكب ، وكان صادقا .
أجرة الراكب محددة وهي 4 دنانير فقط .
جلست في المقعد الخلفي الذي يحتاج إلى راكب واحد .
بعد أن انطلق السائق وسار حوالي 20 كلم فطن أحد الركاب إلى أنه نسي حقيبته في المعبر الأردني وهات اجتهادات أبداها الركاب والسائق .
ربما لكل فلسطيني حكايته بخصوص الحقائب ؛ نسيانها واستبدالها وضياعها والعثور عليها والجهد الذي بذله من أجل معرفة مصيرها ( -مرة أوصيت أخي على ديوان محمود درويش " كزهر اللوز أو..أبعد " 2005 ، ونقدته 5 دنانير ثمنه. اشترى لي نسخة من عمان وفقد أخي ، في المعبر ، على الجانب الإسرائيلي ، الحقيبة ولم يستعدها - ).
كان اليوم يوم جمعة وعليه فإن المعبر يغلق بوابته مبكرا ، والشاب سيسافر من المطار ليلا في الثانية والنصف فجرا .
هبط الشاب من الحافلة باحثا عن سيارة تعيده إلى المعبر وكان عليه أن يدفع 20 دينارا ذهابا أما الإياب....إلخ إلخ !!
هل استعاد المسافر حقيبته وسافر على متن الطائرة ؟
في الحافلة سرعان ما نسينا الشاب ، ولهذا سبب يستحق كتابة .
6/6/2018
٧
في المعابر 13 : " إنه رمضان "
تبدو المعابر في شهر رمضان مختلفة . لا أحد من المسافرين يحمل زجاجة ماء أو يدخن سيجارة ، والحمد لله أننا في اليوم الأول من حزيران لا في تموز " حيث تغلي المياه في الكوز " ولا في " آب اللهاب ".
محلات بيع المياه والدخان والأطعمة كانت شبه فارغة ويبدو أن أكثر المسافرين صائمون أو متعاطفون ، وأنا من الأخيرين .
في الحافلة ثمة مشادة كلامية بين أحد الركاب والسائق .
فجأة أخذ أحد الركاب يصرخ في وجه السائق :
- أنا اتفقت مع المعاون أن تقلني إلى العبدلي لا إلى طبربور .
ولم تكن لهجة السائق في إجابته هادئة . أخذ يصرخ وغدونا على عتبة معركة وربيع عربي .
- رمضان كريم يا إخوان .
قلت ، وتابعت :
- مش محرزة .
وكلمة من هنا وثانية من هناك حتى هدأت المعركة وانتهى ربيع الحافلة .
كانت الأوضاع في الأردن بدأت تتوتر ، " والحق كل الحق على السعودية وقطر ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني " ، هتفت في سري ، ولعنت بريطانيا وبلفور واتفاقية سايكس - بيكو .
6/6/2018
٨
في الحافلة :
كنت في الحافلة مهموما بعد مهاتفة مع صديق من وزارة الثقافة ، أخبرته فيها أنني سأهجو الوزارة ، وكان أبو مازن سائق الحافلة يتحدث مع الركاب ويستشهد بالأمثال التي راقت لي :
" ما في مصلحة ما في مرحبا "
و
" يوم إن بدنا إياك ليل نهار بنستناك
ويوم إن ما بدنا إياك روووووووح : " الله معاك ".
وأضاف أبو مازن عبارات أخرى وقال إنه كتب المثل الثاني على مرآة الحافلة كي يقرأه الركاب .
وأنا أهبط من الحافلة قلت لأبي مازن :
- "هو كذلك ".
مؤخرا مررت بتجربة تعزز " ما في مصلحة ما في مرحبا "
وما أكثر ما مررت به من تجارب !
6/6/2018
٩
خساراتي الكبرى :
خساراتي الكبرى كثيرة ، وأكثرها أنني لن أحصل على مكافأة وزارة الثقافة وقدرها 200 دولار أمريكي لا كندي .
منذ سبعة أشهر " عشمتني الوزارة بالحلق وخرمت أنا وداني ، لا الحلق وصل ولا جملت أنا وذاني " .
كل ما في الأمر أنني لم أرسل للوزارة ما احتاجت إليه من متطلبات هي
- السيرة الذاتية ( أرسلتها غير مرة )
- رقم حسأبي في البنك ( ايبان ) وقد أرسلته أربع مرات .
- براءة ذمة . وقد أرسلتها واليوم عرفت أنها تصلح للاستخدام الداخلي فقط وقد أرسلتها في 14/ 1/2018.
و أمس عرفت أن الوزارة تريد مني رخصة مهن - لا أعرف إن كنت نجارا أم بائع اسكيمو أم تمرية أم كونترول باص؟
وقد مارست هذه المهن قبل 44 عاما .
ربما احتاجت الوزارة لاحقا الآتي :
- شهادة طلاق
- شهادة ميلاد روز وفائزة
- شهادة وفاة أبي وشهادة وفاة أمي
- شهادة ميلاد أبي الأصلية من يافا ومثلها شهادة ميلاد أمي وبختم انجليزي أيام الانتداب .
- تاريخ طهوري
- شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه ويجب أن تكون مصدقة من وزارة الخارجية
- شهادة حسن سيرة وسلوك من حركة حماس
- شهادة خلو من مرض الإيدز
- شهادة من الألمان أنني لم أصاحب أكثر من ثمانية نساء
وأنا ماذا سأفعل؟
العمارة التي أبنيها غير مكتملة . قصرت النقود .
لو كان المرحوم ياسر عرفات حيا وكنت فتحاويا لذهبت إليه وخاطبته بالآتي :
- " يا اختيار العمارة ما اكتملت " .
ومن المؤكد أنه سيعطيني شيكا ب 60 ألف دينار .
رحم الله أبا عمار .
طيب ما كانت وزارة الثقافة ريحتنا من البداية وقالت :
- "لا مكافآت مقابل الأوراق " .
على الأقل كان اشترينا بلاطا محليا لا بلاطا من إيطاليا.
أنا الصحيح ما زعلت من الوزارة لأنها مرمطتنا من ستة أشهر . أنا زعلان لأنني لن أكمل البناية .
وزارة تتعامل مع المثقفين بطريقة مزرية الاستغناء عنها أفضل .
هل نحن بحاجة إلى وزارة ثقافة أصلا ؟
أنا أنجز أكثر مما تنجزه الوزارة .
يا لطيف على هذا الغرور . بلا فشخرة ومسخرة . راحت الدولارات.
٢٠١٨
١٠
جوخة 18 :
جوخة الحارثي : الولد سر أبيه / عبيد ينشدون الحرية
تعطي " سيدات القمر " قارئها - كما ذهبت - فكرة عن مجتمع عمان في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين والطبقات الاجتماعية التي كان يتشكل منها ، وهي كما ذكرت أيضا طبقة التجار / الأسياد و الفقراء العبيد .
يستطيع المرء أن يتوقف ، على سبيل المثال ، أمام الصفحات 109 - 112 ليصغي إلى صوت ظريفة في شبه مونولوج / حوار داخلي تحكي قصتها مع زوجها حبيب وابنها سنجر في علاقتهم الثلاثة بالتاجر سليمان ، وتذهب إلى ما أبعد من ذلك حين تقص حكايتها مع العبودية منذ طفولتها وزواجها واختفاء زوجها .
إن هذه الصفحات تبدو سردا مكثفا لحكايتها ولحكاية تجارة الرق والعبودية في تلك السنوات ، وهي حكاية فيها قدر كببر من الأسى ، ولهذا حين يتحرر هؤلاء العبيد يشعرون بالفرح إلا أقلهم ومنهم ظريفة التي تظل تلهج بنعمة سيدها التاجر سليمان وتستكثر احتجاج زوجها حبيب ومن بعده ابنه سنجر .
تلقي ظريفة في البداية اللوم على شنة زوجة سنجر ، ثم تتراجع وتعزو الأمر إلى زوجها فهو من بذر البذرة في رحمها . إن تمرد الابن على عبوديته وترحيبه بقرار تحرير العبيد ليس سببه الأساس زوجته الأفعى وإنما الأب الذي تمرد على وضعه وهرب رافضا العبودية .
" نحن أحرار يا أمي ، أحرار بموجب القانون ، وسنسمي أولادنا كما نشاء " وكنت توقفت من قبل أمام ثقافة الأسماء وطبقيتها .
ترى ظريفة في تمرد ابنها على واقعه ضربا من الجنون " جن ولدك يا ظريفة " والولد سر أبيه الهارب المتمرد:
" إيه يا حبيب ! كلما أردت أن أنساك وشقاءك تكبر بذرتك أمام عيني لتفقأهما . يسمي التاجر سليمان ، الذي رباه وآواه ، وأدخله المدرسة : الشايب الخرفان " .
لقد سيقت ظريفة من افريقيا عبدة وصارت تعيش بعيدة عن بلدها الأصلي . لقد عاشت رحلة مرعبة في حياتها قادتها في النهاية إلى ضرب من الاستقرار الذي فضلته على معاناتها ، ولهذا ظلت تلهج بنعمة سيدها التاجر.
إن تتبع علاقة الأبناء بالآباء في الرواية قد يقول لنا شيئا آخر مختلفا لا يؤكد مقولة " الولد سر أبيه " ، ويمكن النظر في علاقة عبدالله بأبيه سليمان وعلاقة خالد بأبيه عيسى المهاجر ." امتعضت ميا ، قالت إنها لن تعيش طوال حياتها تحت سطوة أمها كما أعيش أنا (عبدالله ) تحت سطوة أبي " ." الفن يا أسماء أنقذني من صياغة أبي لي وفقا لخيالاته ...حين كففت أخيرا عن الحياة في حدود خياله عرفت طعم الحرية .تذوقت كيف يختار المرء الكتب التي يحبها والأصدقاء الذين يحبهم والمدن التي يحبها ، وكيف يتحرر حين يكون نفسه وليس مجرد امتداد أو تجسيد لمخيلة شخص آخر ، حتى لو كان أباه....."
٢٠١٩
١١
أنا كاتب مقروء " دقوا على الخشب " :
أمس كنت في مخيم بلاطة أزور ابنة أختي .
في الشارع الرئيس في المخيم التقيت بالدكتور ابراهيم السلقان وأخيه الأستاذ عدنان زميلي في الجامعة ونوادي المخيمات منذ 1977 .
عيدت عليهما ففوجئت بأن الدكتور ابراهيم يسألني عن شحاذ المخيم الذي أوحى لي بكتابة مقالي هذا الأسبوع في جريدة الأيام الفلسطينية "شحاذ فيينا (ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة " وشحاذ المخيم " .
أوضحت للدكتور أنني لم أذكر اسم المخيم تلافيا لإشكالات ، ولعله أراد أن يعرف من هو المتسول ليساعده .
قلت لأخي عما دار بيني وبين الدكتور ، فأخبرني أخي أن الدكتور يساعد أهل المخيم ولهذا سألك .
الدكتور ابراهيم مخلص لعمله والناس تثق به علميا ثقة عالية وكبيرة ، ولإخلاصه لعمله فقد يسر الله له في الرزق .
أيضا وجدت نفسي أتذكر رواية ( هرتسل ) .
في الرواية شخصان أحدهما يحسن للفقراء ، والدكتور ابراهيم يحسن للفقراء ، وثانيهما يرى أن حل مشكلة فقراء اليهود في المنفى يجب أن يتم من خلال الجمعية اليهودية ( اليانس ) ، وأنا لا أحب الإحسان للفقراء وأفضل أن تخصم الدولة من أموالنا المزيد من الضرائب وتعطيهم هي .
على فكرة لي أخ يحسن ، مثل الدكتور ابراهيم ، للفقراء .
خلق سبحانه أخوين ولم يخلق عقلين .
" دقوا على الخشب " .
6 / 6/ 2019
١٢
مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية / 9 حزيران
أكاديميات روائيات ، وفاء أبو شميس - نابلس :
عادل الاسطة
لا أعرف إن كانت هناك دراسة أكاديمية تناول صاحبها فيها ظاهرة الروائيات الأكاديميات في أدبنا العربي .
ثمة أكاديميون عديدون غضوا الطرف عن الدراسة والبحث والتفتوا إلى كتابة الرواية ، وثمة آخرون زاوجوا بين كتابة الرواية وكتابة الدراسات والبحوث العلمية .
يستطيع متابع المشهد الروائي العربي أن يأتي بأمثلة على اولئك وهؤلاء .
الروائي السوري هاني الراهب كان دارسا وباحثا وأستاذا جامعيا ، وغدا يعرف روائيا أكثر منه دارسا وباحثا . ومثله في المشهد الروائي اللبناني الكاتب الياس خوري .
وهناك المنظر النقدي الروائي الجزائري عبد الملك مرتاض . إنه يعرف ناقدا من خلال كتابه ، الصادر عن سلسلة كتاب " عالم المعرفة " ، " في نظرية الرواية " . لقد أصدر مرتاض العديد من الروايات ، ومثله الناقد المغربي حميد لحميداني . لقد كتب قبل بضعة أعوام روايته الأولى .
في المشهد الروائي الفلسطيني يمكن أن يشار إلى العديد من الأسماء . هناك جبرا ابراهيم جبرا وأفنان القاسم وأحمد حرب وابراهيم العلم ومحمد عودة ومحمد أيوب وعزمي بشارة والأسماء عديدة .
إن تحول الناقد إلى كتابة الرواية يجعله يكتب الرواية بوعي نقدي ، وهذا قد تكون له حسناته وقد تكون له مساوئه ، وهو ما يحتاج إلى رصد وتدقيق وتمحيص . ولسوف ألفت نظر أحد طلاب الدكتوراه في جامعة النجاح الوطنية إلى الظاهرة .
لا أرمي هنا إلى دراسة الظاهرة دراسة مدقق ممحص راصد رصدا شموليا ، ولا أرمي إلى التوقف أمام الروائيين الذكور .
مؤخرا فازت بجائزة ( مان بوكر العالمية ) الروائية العمانية جوخة الحارثي المحاضرة في جامعة مسقط/ السلطان قابوس ، وكانت درست الأدب العربي في الجامعات البريطانية .
ليست جوخة الحارثي أول أكاديمية عربية تكتب الرواية إلى جانب أبحاثها ودراساتها ، فهناك من هن أسبق منها ، وهنا يمكن الإشارة إلى الروائية المصرية المعروفة رضوى عاشور .
عرفت عاشور من خلال كتابها " الطريق إلى الخيمة الأخرى : دراسة في أدب غسان كنفاني " .
بعد إصدار هذا الكتاب اتجهت لكتابة الرواية وصارت تعرف روائية بالدرجة الأولى .
كتبت رضوى العديد من الروايات ولا أعرف لها العديد من كتب البحث والدراسة ، وأكثر قراء الأدب العربي قرأوا أعمالها الروائية وقلما قرأوا دراساتها ، وفي مكتبتي لها كتابان نقديان و ست روايات على الأقل . ومن أعمالها المعروفة "ثلاثية غرناطة " و " قطعة من أوروبا " و " الطنطورية " .
في أدبنا الفلسطيني يمكن الإشارة إلى سحر خليفة التي حصلت على الدكتوراه في الأدب ، وهي تعرف روائية ولا تعرف دارسة .لقد صدر لها ما يزيد على 12 رواية ، ولم تنجز كتابا نقديا أو دراسة نقدية يجعلان منها باحثة مرموقة ودارسة لها باع . ظلت سحر خليفة تعرف روائية ، ولم تغد أستاذة جامعية .
ما الذي لفت نظري فلسطينيا إلى الظاهرة؟
في جامعة النجاح الوطنية ثمة أستاذة في قسم اللغة الانجليزية ، تهتم بالرواية ، لا قراءة وحسب ، بل تأليفا وطباعة . وهذه الأستاذة هي وفاء أبو شميس Wafa Abushmais .
قبل أعوام أهدتني وفاء روايتها الأولى " من أجل عينيك الخضراوين " 2016 ، وهي رواية تنهل من البيئة التي عاشت فيها ، وهذا لا يعني بالضرورة التطابق الكامل والتام بين بطلة الرواية وشخصيتها الأساسية وبين الكاتبة التي أدرجت اسمها على غلافها .
وفاء أبو شميس لاجئة فلسطينية عاشت تجربة اللجوء ، وبطلتها كذلك . ثمة تشابه في التجربة ، ولكن التفاصيل تختلف ، فأنا أعرف الكاتبة جيدا ، وعليه لا يمكن الزعم بأن الرواية سيرة ذاتية للكاتبة.
تكتب وفاء عن انتصار ابنة المخيم التي تدرس الطب وتقع في حب نبيل وهو مواطن من المدينة ، ولا يكلل حبهما بنهاية سعيدة إذ ينخرطان في العمل العام .
و يمكن القول إن الرواية سيرة روائية لمخيم ، وهو بالتأكيد مخيم بلاطة الذي أقام فيه لاجئون من يافا ، فالمدينة هذه - يافا - تسترجع من خلال ذاكرة أبنائها .
يمكن إلقاء نظرة على عناوين الرواية الثانوية لأخذ فكرة عن الرواية ذات البناء الروائي الكلاسيكي . وكل عنوان يلخص تقريبا ما كتب تحته ، ولنر العناوين :
2000 نيسان - مخيم اللاجئين - ذكريات الطفولة - انتصار : الطبيبة - مخيم الخيام بعد 1948 - انتصار : الإرادة - اللقاء الأول في معرض التراث - السيد نبيل رجل المواقف والمفاجآت - الست خيرية صاحبةالعروض - نبيل وانتصار في بريطانيا - في بيت الست خيرية - الانتفاضة الأولى: انتفاضة الحجر- انتفاضة الأقصى: الانتفاضة الثانية- ذات العينين الخضراوين - ذكريات الطفولة في المخيم - ذكريات المدرسة ( المرحلة الابتدائية ) - الأوضاع الصحية في المخيم - خدمات وكالة الغوث ( الاونروا ) -ذكريات المدرسة( المرحلة الإعدادية ) - ذكريات المدرسة (المرحلة الثانوية) - فترة السبعينيات - حلم العودة - يافا عروس فلسطين وقلبها النابض - ذكريات ما قبل الهجرة وما بعدها - قبر محمد مشهور - انتصار ذكرى لقاء وذاكرة وطن .
بعد عامين من إصدار وفاء روايتها هذه عن دار الفارابي أصدرت روايتها الثانية " نيكولاس الشرق " ويختلف موضوعها عن موضوع الرواية الأولى ، ولكنه موضوع غير بعيد عن عوالم عاشت فيها الكاتبة .
درست وفاء الأدب الانجليزي وسافرت إلى أميركا وأنفقت هناك عامين ، وهكذا عرفت الغرب ، ومن المؤكد أن ذهنها تفتح على ذلك العالم من خلال الأدب أولا ومن خلال التجربة ثانيا .
عالما الشرق والغرب وتنوعهما وانفتاحهما على بعضهما ، من خلال تجارب فردية انسانية ، ولقاء الشرقي بغربيين في الغرب ، والغربي بشرقيين في الغرب والشرق ، يحضران في الرواية التي يعجب فيها نيكولاس الغربي بالفتاة النابلسية وينشد تأسيس علاقة زوجية معها ، فقد راقت له حياة الشرقيين ، وفشل زواجه من امرأة غربية .
ولم تنشر وفاء روايتيها الأخيرتين وإحداهما عن الحرب الأخيرة على غزة .
وتجربة وفاء تستحق أن يلتفت إليها ، فقد نشرت روايتيها بعد مرور ما يربو على الثلاثين عاما من ممارستها مهنة التدريس ؛ تدريس الأدب الانجليزي .
وسيلحظ قاريء أعمالها انعكاس دراستها على البناء الفني لأعمالها .
ترى ما هو سبب تحول الأكاديميين إلى عالم الرواية وعدم التفرغ الكلي لكتابة الدراسات والنقد الأدبي ؟
أيعود السبب إلى أن النقد الأدبي لا يحقق انتشارا واسعا تحققه الرواية ؟
أيعود السبب إلى أن ما يقرأه الأكاديمي من أعمال روائية لا يروق له ، لأنه لا يراعي أركان الرواية ، فيحاول الناقد أن يقدم أعمالا روائية يعتقد أنها مكتملة ويجب أن تحتذى ؟ علما بأن كثيرا من النقاد حين يكتبون الرواية تكون رواياتهم الأكثر ضعفا وبؤسا وإخفاقا ؟
الجمعة والسبت
7 و8 حزيران 2019
١٣
حزيران الذي لا ينتهي :
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
قبل أربع سنوات أخذت يوميا أسترجع ما بقي عالقا في الذاكرة من حزيران ١٩٦٧ إلى حزيران ١٩٨٢ ، وأنجزت ، على مدار سبعين يوما تقريبا ، شظايا سيرة جعلت عنوانها " حزيران الذي لا ينتهي " .
أول أمس مر الخامس من حزيران ، وكان في ذهني أن أكتب عن " حزيران في الأدب العربي " ولكنني لم أفعل ، فقد استبد بي الكسل ولم أكمل إعادة قراءة رواية حيدر حيدر " حقل أرجوان " التي كنت قرأتها في بداية ثمانينيات القرن العشرين وظل بعض شخوصها راسخين في ذاكرتي .
لقد وجب أن أعيد قراءتها لكي أنجز كتابي الذي أعكف عليه منذ نهاية العام الماضي " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " ، ولقد لاحظت أن الكتابة عن حزيران في " حقل أرجوان " تشغل مساحة واسعة ذكرتني بكتابات نزار قباني ومظفر النواب وعبد الرحمن منيف وسيطرة النزعة المازوخية فيها ، وأشعار توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم التي طغى عليها التفاؤل رغم الهزيمة .
وأنا جالس في البيت لم أسمع صوت الطائرات الأردنية تعبر سماء مخيمنا ، ولم أشاهد دبابات الجيش الأردني تعبر الشارع الرئيس متجهة نحو الجبهة ، ولم أصغ إلى إذاعة صوت العرب يهدر فيها صوت أحمد سعيد يذكر عدد الطائرات الإسرائيلية التي تم إسقاطها ، ولم أشعر بفرح ما لاقتراب عودتنا إلى يافا التي كنا ، كل صباح ، في طابور المدرسة ، نغني من أجل العودة إليها والخلاص من حياة المخيم وحليب الوكالة البارد المر تارة والساخن الحلو طورا أو العكس . وأنا جالس أخذت أفكر في مجلس النساء في رواية عاطف ابوسيف " الحاجة كريستينا " وفي مديرة مدرسة المخيم وداد . والصحيح أنني منذ عام وأنا أفكر في أمر وداد وأتساءل إن كنت شخصيا سأسلك سلوكها ذات يوم .
يوم الخميس ذهبت إلى الجامعة للحصول على براءة ذمة طلبتها مني الدائرة المالية في الجامعة ، حتى أحصل على ما تبقى لي من مستحقات عمل استمر سبعة وثلاثين عاما ، وكان لا بد من أن أسلم مفاتيح مكتبي الذي لم أنتقل منه إلى مكاتب أخرى بعيدة عنه ، ولا أدري لماذا لم أشعر بحزن وأنا أسلم المفاتيح ، قدر ما شعرت بفرح ورضا ولم يلم بي ما ألم بوداد .
في فصل عنوانه " مجلس النساء " يروي الراوي قصص شخصياته النسوية في بيئة المخيم ومنهن مديرة المدرسة وداد التي انتهى عملها لبلوغها السن القانوني فشعرت بحزن كبير ، لأن المدرسة القريبة من بيتها صارت جزءا منها ، لدرجة أنها عرضت على مسؤولي وكالة الغوث أن تظل على رأس عملها ولو بلا راتب ، فماذا ستفعل حين تجلس وحيدة في البيت ؟
وأنا أترك المكتب نظرت إلى رفوف كتبي الكثيرة فيه ، واحترت ماذا آخذ منها . آآخذ نسخ إصداراتي أم آخذ ما اشتريته من مؤلفات الآخرين ؟ ووجدتني أختار ديوان محمود درويش " لا تعتذر عما فعلت " ، وفي الطريق وجدتني أحور في العنوان " لا تعتذر عما كتبت " ، فما كتبته عن المؤسسة مدحا أو هجاء هو ما كنت أشعر به زمن كتابته .
هل فكرت في يوم من أيام السنة المنصرمة التي تقاعدت فيها أن أسلك سلوك وداد ؟
مع أنني لم أنقطع كليا عن الجامعة ، لأنني ما زلت مرتبطا بها ، حيث أشرف على ثلاث رسائل ماجستير قد أحتاج إلى عام آخر لانتهائها إلا أنني لم أشعر بفراغ ، و لم أشعر أنني خسرت " حلما جميلا " ، كما خسر العرب حلمهم في حزيران ١٩٦٧ بتحرير فلسطين .
هل التقاعد حقا أمر مزعج ؟
حتى الآن ما زلت مسرورا به ، ولهذا رفضت غير عرض بالتدريس الإضافي .
وأنا في الطريق من الجامعة إلى البيت التقيت بأحد طلاب الدراسات العليا ، فسألني :
- لماذا لا تدرس مثل بقية زملائك الذين أنهوا عملهم من قبل ؟
فأجبته بأنني لم أوافق على عرض الجامعة بالتدريس الإضافي ( Part time ) ، وهنا نطق الطالب عبارة " يعني فضلة " ، فابتسمت وواصلت طريقي ، ولم يكن ثمة أصوات طائرات ( هوكر هنتر ) أردنية في الجو تشارك في المعارك ، ولا حتى أصوات طائرات ( ميراج ) إسرائيلية تغير على الدبابات الأردنية في وادي التفاح في نابلس التي شهدت معركة استبسال " أبو هاشم " ، لينتهي الفصل الأخير من حرب الأيام الستة ، من حرب حزيران الذي لم ينته ، حزيران الذي لا ينتهي .
فماذا كتب حيدر حيدر في روايته عن تلك الحرب ؟
لا بد من قراءة الرواية فالعبارة تضيق ولم تتسع المساحة .
٦ حزيران ٢٠٢٠
١٤
قبل ثلاثة وخمسين عاما قال توفيق زياد عن هزيمة حزيران ١٩٦٧ :
" كبوة هذي
وكم يحدث أن يكبو الهمام
إنها للخلف خطوة
من أجل عشر
للإمام "
ما زالت الخطوة للخلف وليس ثمة خطوة للأمام .
أين ذهب التفاؤل التاريخي الصادر عن الماركسية وحتميتها التاريخية ؟
ما زال حزيران يكبر وليس ثمة بارقة أمل .
كان ( جورج لوكاتش ) وهو يكتب عن الفرق بين الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية يرى أن الأخيرة قد تؤدي إلى طريق كارثية ، فهي احتمال أكثر منها واقعا .
ما زالت الخطوة للخلف !!
رحم الله الشاعر توفيق زياد .
صباح الخير
خربشات عادل الاسطة
٦ حزيران ٢٠٢٠
١٥
ذاكرة أمس ٨٢ :
حول مقاطعة البضائع الإسرائيلية
أدرجت السيدة Ibtesam Nawajha Jhaish في التعليقات أمس على " ذاكرة أمس ٨١ " صورة لجانب من الدمار الذي ألم بغزة في الحرب الأخيرة ، وقد استنتجت منها - أي الصورة - مدى وحشية الإسرائيليين التي تعبر عن رعبهم من الصواريخ وخوفهم الأبدي من الهزيمة التي تعني انتهاء حلمهم .
خوف الإسرائيليين وانعكاسه في الأدب الفلسطيني سأعود لأكتب عنه غدا ، فقد وعدت عصرا أن أكتب عن المظاهرة التي جرت في نابلس من أجل مقاطعة البضائع الإسرائيلية .
أمس في الحادية عشرة والنصف صباحا مررت بشارع حطين فأصغيت إلى هتيف المظاهرات المشهور يهتف من أجل مقاطعة البضائع الإسرائيلية ، ووجدتني أحشر نفسي وأخاطبه والسائرين معه بالعبارة الآتية :
- اطلبوا من السلطة الفلسطينية أن تمنع وجود البضائع الإسرائيلية في أسواقنا .
لم يرق كلامي للهتيف ولم يرق للسائرين معه ، فسألني إن كنت مع السلطة أو ضدها .
الشعارات التي كان السائرون في المظاهرة يرددونها تمحورت حول الآتي :
كيف نشتري بضائع من يصادر أراضينا ؟
كل شيكل ندفعه ثمنا للبضائع الإسرائيلية يدعم رصاصة توجه إلى صدور أبنائنا ، فأول أمس جرح الجنود الاسرائيليون عشرة شبان فلسطينيين تظاهروا ضد الاستيطان .
الجدل العابر الذي جرى حول شراء البضائع الإسرائيلية يتمحور حول قضية كبيرة لها حضورها منذ ١٩٦٧ ، وبإمكان السلطة الفلسطينية منذ ١٩٩٣ أن تتخذ قرارا بشأنها ، على الرغم من ارتباطها بمعاهدة صلح مع دولة إسرائيل تجيز التبادل الاقتصادي .
الذي لفت انتباهي أن بعض من ساروا في المظاهرة هم ممن يأخذون رواتب من السلطة ، والسلطة تتسلم من إسرائيل أموال المقاصة ، والحكاية تطول .
هل نستطيع ، نحن المحاصرين من البحر إلى النهر ، حقا أن نقاطع البضائع الإسرائيلية ؟ وإن قاطعناها فهل يفشل الجيش الإسرائيلي في توفير ثمن الرصاص الذي يقتل به أبناءنا ؟ وهل ستنهار الدولة الإسرائيلية إن نجحنا في مقاطعتها ؟
إن كانت المقاطعة تنجز ذلك فأنا لست ضد إصدار فتوى وطنية تخون كل من يشتري البضائع الإسرائيلية ؟ - شخصيا لا أشتري إلا القليل جدا منها .
طيب وماذا في المقابل إذا منعت الدولة المصونة عمالنا من العمل في مصانعها ؟
إن جل شبابنا ينشدون الحصول على تصريح عمل ، لكي يتخلصوا من البطالة ويتمكنوا من العيش ؟ هل البرجوازية الفلسطينية مستعدة لأن توفر للعمال كلهم فرص عمل تمكنهم من العيش المقبول ، ولا أقول الكريم ؟
تفضلوا أيها البرجوازيون الفلسطينيون وحلوا المشكلة .
الكتابة في الموضوع طويلة ، وهي قديمة وموجعة .
في بداية سبعينيات القرن العشرين استاءت الشاعرة فدوى طوقان من يوم السبت لأن نابلس كانت فيه تكتظ بالعمال الذين يتبضعون ، وسخرت منهم ، فرد عليها الشاعر فوزي البكري بقسوة ، لأنها لم تعان مما يعاني العمال منه ، فلم تجد لهم عذرا ، وكلما حدثت حرب ندق الكوز بالجرة ونطالب بوقف العمل في المصانع الإسرائيلية ومقاطعة بضائعها - أي والله ، كلما حدثت حرب ندق الكوز في الجرة ، دون أن يكون لدينا بدائل .
الأدبيات التي تناولت الموضوع كثيرة والندوات كثيرة ، " وما أجمل أن ينصحنا الأغنياء بالفقر " يقول العمال الغلابا .
إزالة الاحتلال - الثاني والأول معا - لن يتم إلا بقوة ما أو بنضال طويل ضد عنصرية الدولة العبرية ، ولا أظن أن مقاطعة البضائع هي العامل المقرر . هل غاب عن ذهن المتظاهرين أن سلاح الدولة الإسرائيلية كله يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية بالمجان ؟
حكايتنا مع إسرائيل طويلة وطويلة جدا .
ربما أنا مخطيء وغير موفق في اجتهادي ، ومنذ العام ١٩٦٧ وقسم منا يدعو إلى محاربة العمال الفلسطينيين الذين يعملون في الداخل الفلسطيني ويدعو أيضا إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية ، والطريف أن الباحثين عن فرص عمل هناك يزداد عددهم !!
دبرها يا حكيم الثورة .
هل نسيتم ما كتبته سحر خليفة في روايتيها " الصبار " ١٩٧٦ و " عباد الشمس " ١٩٧٩ / ١٩٨٠ حول الموضوع ؟ وهل نسيتم قصة " الجوع " لغريب عسقلاني ؟ الفدائي ابن الجبهة الشعبية الذي كان يقف ضد من يذهب إلى العمل في الداخل الفلسطيني وجد نفسه ذات صباح يصعد الحافلة ويذهب معهم - أي والله .
لا تذهبوا بعيدا في تفسير كتابتي ، فأنا والله أتمنى للدولة ما تمناه ( اسحق رابين ) لقطاع غزة . هل تذكرون ؟
٦ حزيران ٢٠٢١ .
١٦
مدرسة الفروسية : رواية ابنة صديق الطفولة جلال جودت الأصفر :
جلال جودت الأصفر هو صديقي في مدرسة مخيم عسكر القديم منذ العام ١٩٦٠ وحتى العام ١٩٧٢ . كنا في الصف نفسه منذ الأول الإبتدائي حتى الثالث الإعدادي ، وفي الأول الثانوي في مدرسة الملك طلال صار كل منا في شعبة ، ثم اختار كل منا بعد ذلك فرعا مختلفا ؛ اختار الفرع العلمي فدرس في المدرسة الصلاحية ، وذهبت إلى الجاحظ أدرس الأدب ، واجتزنا التوجيهي معا ودرسنا في الجامعة الأردنية فلم يعجبه تخصص العلوم . سافر إلى القاهرة ليدرس الهندسة ، والتقينا مرة مرتين حين زار مخيم عسكر القديم قبل أن يعمل في الأردن لسنوات قليلة ثم استقر في السعودية لعقود قبل أن يقيم منذ ثلاث سنوات في اسطنبول .
بعد انقطاع ما يقارب خمسة واربعين عاما تواصلنا من جديد عبر الماسنجر . أعلمني صديق الطفولة أن ابنته تكتب الرواية وأنها أصدرت رواية " مدرسة الفروسية " وأرسلها إلي بصفتي أكتب النقد .
الأديب الدكتور عبد الرحمن عباد كتب مقدمة للرواية ، فقد التقت به زينب جلال الأصفر في القدس بواسطة خالتها إحسان عطية وتعرفت إليه .
عرفت من المقدمة والتمهيد أن زينب زارت القدس وليس لدي معلومات عن إقامتها فيها وكم مكثت . وأنا أنظر في خريطة الرواية لاحظت أنها اخترعت عالما افتراضيا كما اخترع عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا في روايتهما المشتركة " عالم بلا خرائط " مدينة عمورية ، وكما اخترع غيرهم من الكتاب عوالم وهمية مكانا لرواياتهم . وأنا أقرأ الفصل الأخير من الرواية تساءلت :
- ماذا تعني فلسطين للجيل الفلسطيني الذي ولد في المنفى وفيه ترعرع وكبر ؟
- لماذا لم تكتب زينب عن القدس التي زارتها ، وهي مدينة أمها ؟ إن ما أعرفه أن صديق طفولتي تزوج امرأة مقدسية ؟
- هل من صلة بين الأدب الفلسطيني والأدب الياباني ؟ فادباؤنا تأثروا بالأدب الغربي ودحضوا الأدب العبري . هل تأثروا بأدب دول آسيوية ؟
- ماذا تعني فلسطين للجيل الذي نشأ في بيئة إسلامية وتربى تربية إسلامية ؟ فصديقي جلال أقام عقودا في السعودية وترسخت هناك ثقافته الدينية وربى أبناءه تربية دينية تماما .
- هل حقا أننا لا نعيش الا معادا مكرورا وأن حركة التاريخ تراوح في مكانها ؟ فزينب تصدر روايتها ببيت الشعر الآتي :
" الدهر كالدهر والأيام واحدة
والناس كالناس والدنيا لمن غلبا " .
والكلام يطول .
الطريف هو أنني في الشهر الماضي قرأت ديوان شعر الأسير أحمد العارضة " خلل طفيف في السفرجل " ، وأحمد هو ابن صديقي تيسير العارضة رحمه الله وهو أيضا من مخيم عسكر القديم ولكن ما كتبه هو المولود في نابلس والمحكوم بالسجن المؤبد يختلف وتختلف رؤيته .
إنني حقا أفكر في كتابة أحفاد اللاجئين الفلسطينيين ؛ موضوعاتها وتوجهاتها ورؤاها .
٦ / ٦ / ٢٠٢٣ .
١٧
غزة ( ٢٤٤ ) :
شاتيلا وصبرا في مدرسة السردي في مخيم النصيرات
أمس لم تكن أخبار المعارك لافتة . أخبار عمليات المقاومة شحيحة حتى لتظن أن توقف الحرب بات وشيكا ، وأن هدنة ما تلوح في الأفق على الرغم من تصريحات سامي أبو زهري التي اتضح منها رفض حماس لما ورد في خطاب ( جو بايدن ) .
أمس لم أقرأ عن تدمير دبابات أو جرافات أو تفخيخ بيوت . الخبر الوحيد الذي قرأته عن عمليات قتالية اقتصر على قنص جندي إسرائيلي ، وظل ما حدث في قاعدة إسرائيلية في النقب شبه غامض ، فلم يتضح سبب الانفجار الذي أوقع جرحى بعضهم جراحه
خطيرة .
وعندما نبه صحفي إلى تحركات قوات إسرائيلية تتقدم باتجاه مخيم النصيرات طلب أسامة أبو عاصي من الناس ألا يأخذوا أقواله على محمل الجد ، ولم تمر ساعتان حتى بدأ أسامة نفسه يكتب عن مجزرة ترتكب بحق نازحين يقيمون في مدرسة السردي في المخيم . خمسة صواريخ أصابت ثلاثة صفوف وأعداد المرتقين تتزايد باستمرار . سبعة . عشرة . ثلاثون ولم تنته الإسعافات ولم يخلص العد ، والمشاهد التي تبث تقول إن ثمة مذبحة كبيرة ارتكبت .
هل يعود السبب إلى إعلان حماس رفضها مبادرة بايدن ؟
ومتى احتاجت الدولة العبرية إلى سبب ؟
أردت أن أكتب عن بعوضة محمود درويش وبعوضة د.آلاء القطراوي وبعوض مخيم النصيرات الذي كتب عنه Osama Abu Asi فجاء جيش شعب الله المختار ليفعل فعله ، لا في مص دم النازحين والمقيمين ، بل في إراقته ، وعيد الأضحى يقترب والقرابين فلسطينية .
في أيلول ١٩٨٢ صحونا قبل يوم من أول أيام عيد الأضحى على أخبار مذبحة شاتيلا وصبرا . هل احتفلنا يومها بالعيد ؟
وعندما كتب محمود درويش في " مديح الظل العالي " :
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
قلنا :
- لعلها آخر المجازر .
هل خطر ببالنا أنها ( بروفة ) لما سيجري في فطاع غزة في العامين ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ .
المؤذن يؤذن لصلاة الفجر ويتلو آيات من الذكر الحكيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وأمس سار المستوطنون بحشود كبيرة في شوارع القدس وأدوا طقوس شعائرهم في البراق / حائط المبكى .
اليوم هو اليوم الأخير من الشهر الثامن لبدء الحرب التي تحولت إلى مقتلة ومهلكة وإبادة وغدا هو اليوم الأول من الشهر التاسع ، فهل ستضع الحرب فيه أوزارها ؟
٦ / ٦ / ٢٠٢٤
١٨
غزة ( ٢٤٤ ) :
ماذا عن الذباب في غزة ؟
قرأنا عن البعوض ، وسوف أكتب لاحقا .
محمود درويش :
هل تنبأ الشاعر بما يسود غزة في الأشهر الثمانية الماضية :
{ ذباب أخضر } :
المشهد هو هو ، صيف وعرق ، وخيال
يعجز عن رؤية ما وراء الأفق . واليوم
أفضل من الغد . لكن القتلى هم الذين
يتجددون . يولدون كل يوم . وحين يحاولون
النوم يأخذهم القتل من نعاسهم إلى نوم
بلا أحلام . لا قيمة للعدد . ولا أحد
يطلب عونا من أحد . أصوات تبحث عن
كلمات في البرية ، فيعود الصدى واضحا
جارحا : لا أحد . لكن ثمة من يقول :
" من حق القاتل أن يدافع عن غريزة
القتل " . أما القتلى فيقولون متأخرين :
" من حق الضحية أن تدافع عن حقها في
الصراخ " . يعلو الأذان صاعدا من وقت
الصلاة إلى جنازات متشابهة : توابيت
مرفوعة على عجل ، تدفن على عجل ... إذ لا
وقت لإكمال الطقوس ، فإن قتلى آخرين
قادمون مسرعين ، من حارات أخرى . قادمون
فرادى أو جماعات .. أو عائلة واحدة لا
تترك وراءها أيتاما وثكالى . السماء رمادية
رصاصية والبحر رمادي أزرق . أما لون
الدم فقد حجبته عن الكاميرا أسراب من
ذباب أخضر " .
ماذا كتب الفرنسي ( جان جينيه ) في العام ١٩٨٢ عن الذباب صبيحة يوم مجزرة شاتيلا وصبرا يوم ذهب إلى هناك .؟
هل استوحى محمود درويش هذه الكتابة من نص جينيه " أربع ساعات في شاتيلا "؟
اليوم سمعت في الأخبار عن بداية تفشي مرض الكوليرا في غزة .
٦ / ٦ / ٢٠٢٤
١٩
غزة 609 :
حسب صفحة مؤمن مقداد معتمدا على " حدشوت بزمان " العبري فإن هناك حدثا أمنيا صعبا في خان يونس . الطائرات الإسرائيلية تنقل الجرحى إلى المشافي .
في الصباح قرأت عن هجوم إسرائيلي هناك .
في ١٩٨٨ كتب محمود درويش قصيدته " عابرون في كلام عابر " ومنها :
" منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى - ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا .. وانصرفوا " .
لقد أخذوا حصتهم وأكثر ولم ينصرفوا .
عيد أضحى دموي ، وكانت الليلة في الضاحية الجنوبية لبيروت دموية .
متى سيشبع ( دراكولا ) من دماء الآخرين ؟
٦ / ٦ / ٢٠٢٥
٢٠
وليد دقة " بائع التذاكر " 7 :
دلالة العنوان
في صفحة ٩٤ و ٩٥ نقرأ مدلول دال العنوان الذي يعود ويتوسع فيه لاحقا في الصفحات ٢١١ و ٢١٢ و ٢١٣ .
يكتب وليد عن الأمية الوطنية التي تجبره على أن يكرر نفسه مع كل جيل ، شاعرا بالإحباط الذي يزداد حين يسود خطاب مضاد يجزيء الهوية الفلسطينية . بدلا من الحديث عن هوية فلسطينية لأبناء الشعب الفلسطيني كله صرنا نحكي عن فلسطيني وفلسطيني حسب البقعة الجغرافية التي يقيم فيها الفلسطيني ، وربما اختار الله له الرحمة قبل أن يصغي إلى تجزيء جديد بدأ يسود مع طوفان الأقصى " أنا غزاوي " .
كان وأقرانه ممن لم يحالفهم الحظ وبقوا في السجون ، ممن يدركون الهوية وأهميتها ، أشبه ب " بائع التذاكر " في محطة قطارات ضخمة :
" يأتي جيل ، ويذهب جيل وأنا أكرر الكلمات نفسها . ولأنني أعرف من التجربة وجهة المسافرين ، أناولهم تذاكرهم قبل أن ينطقوا اسم المدينة والمحطة التي يقصدونها . إنه التكرار أو هي علكة بغل [ علكة بغي ] وطني عنيد ، أو هو ربما تعلم البغلنة - الصبر ، لأن اليأس ظل رفاهية لا أملكها " ( ٩٥ )
يعود وليد ليكتب تحت الدال " بائع التذاكر " ويحكي عن تجربته في الحركة الوطنية الفلسطينية . كيف بدأت وإلى أين انتهت . بدأ يقاتل من أجل فلسطين ثم اختصرت هذه بمناطق محددة ولم يلتفت إليه وإلى أسرى آخرين من فلسطين التاريخية .
كيف كان الثوري في زمن الثورة - زمن الطهارة ، وكيف غدا في زمن التنسيق الأمني- زمن الصفقات . لقد وجد نفسه بين زمنين وباع التذاكر فيهما .
" أنا بائع التذاكر ذاك ... أعرف أنني ما عدت أجيد قراءة الوجوه ، ولا أعرف وجهة المسافرين وغايتهم ... أنا بائع التذاكر بدأت عملي مجانا في زمن حركات التحرر ،ف أجدت لغتها إلى أن ألصقوا بكل شيء تسعيرة ، فغدا للشرف ثمن وللمروءة والأمانة والصدق سعر شأن أي بضاعة أخرى كالكعكة والنعال والواقي الذكري "
" محطتنا لم تعد مجرد ممر للمسافرين ، وإنما ملجأ للنشالين وتجار المخدرات والهاربين من شرطة الهجرة وهم في وطنهم ، ومن جاعوا في زمن التنسيق الأمني فلجؤوا إلى المحطة حتى يقدم لهم حساء مجاني كان قد طبخ بدموع أطفالهم وزوجاتهم وعلى نار حرقة قلوب الأمهات ... أنا بائع التذاكر أعترف أنني ما عدت أتقن عملي .. "
والذي تخلص إليه مما يريد قوله هو كيف بدأت الثورة وكيف انتهت " من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ، من تحرير فلسطين إلى غزة أريحا أولا ، ومن جماهير الأرض المحتلة إلى جماهير الضفة الغربية وقطاع غزة ، ومن تحرير الأسرى كلهم إلى الفصل بين أسرى مناطق ومناطق ، فلم يعد ينظر إلى الأسرى الفلسطينيين من مناطق ١٩٤٨ الذين سجنوا من أجل الوطن وبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية ، لم يعد ينظر إليهم على أنهم أسرى فلسطينيون ، بل أسرى إسرائيليون تحل مشكلتهم في الكنيست الإسرائيلي ، ولهذا لم يحرر وليد وآخرون ، وهكذا تم التخلي عنهم . إنه تجزيء الهوية الفلسطينية ، وهذا ما أحزنه حقا .
خربشات الجمعة ٥ / ٦ / ٢٠٢٦
عادل الأسطة عادل الاسطة
[ ملاحظة : أرجح أن قوله " علكة بغل " هي من محفوطه لسطر شعري لمظفر النواب ، وكنت أحفظه أيضا كذلك ، ولكني عندما قرأت القصيدة قراءة تكوينية ونظرت في طبعات مختلفة ذهبت إلى أن العبارة " علكة بغي " فالبغي تظل تعلك العلكة ، وهو في تكراره الحديث عن الهوية صار أيضا يكرر ] .