شوقي كريم حسن - عندما يصل الكاتب متأخرًا إلى جنازة أبطاله...! إشارات توضيحية

بعد شهور طويلة، وربما أعوام، من العيش مع وجوه لم تكن تعرفها من قبل، وأصوات لم تولد إلا في عتمة خيالك، تكتشف أنك لم تكتب رواية فحسب، بل تبني قدرًا كاملًا لكائنات من ورق. تمنحها أسماءها الأولى، وتدلّها على الحب، وتقودها إلى الخسارات التي لم تخترها، ثم تراقبها وهي تكبر داخل الصفحات حتى تصبح أكثر وضوحًا منك أحيانًا. وحين تقترب الحكاية من نهايتها، تقف معهم جميعًا على خط النهاية؛ متحسرًا، مرتبكًا، كمن وصل متأخرًا إلى مكان يظن أنه يملكه.هناك، ترى الشخوص الذين عرفت أدق أسرارهم. ترى الذين أحبوا وفشلوا، والذين انتظروا طويلًا، والذين عبروا النيران ليصلوا إلى مصائر كتبتها لهم بيدك. تنظر إليهم فينظرون إليك. لا يقولوا شيئًا، ليس لأنهم لا يريدون الكلام،أنما لأنك سلبتهم القدرة عليه منذ اللحظة التي خلقتهم فيها. إنهم يعرفون أن مصائرهم معلقة دائمًا بقرار واحد منك؛ جملة تؤخرهم، أو فقرة تنقذهم، أو صفحة تقتلهم.
لكن السؤال الذي ينهض في تلك اللحظة ليس عنهم، بل عنك أنت.
هل الكاتب حقًا سيد هذه اللعبة الروائية؟ أم أنه مجرد لاعب آخر داخلها؟!!
نحن نحب تخيل الكاتب بوصفه الإله الصغير الذي يوزع الأقدار ويصوغ النهايات، غير أن التجربة العميقة للكتابة تكشف شيئًا مختلفًا. الشخصيات التي نبتكرها تبدأ، بعد زمن، بمقاومتنا. ترفض الطرق التي رسمناها لها، وتنحرف عن المسارات التي خططناها. يحدث أحيانًا أن يجلس الكاتب ليكتب مشهدًا بعينه، فتقوده الشخصية إلى مكان آخر تمامًا. وكأن الخيال، بعدما يُخلق، يكتسب إرادته الخاصة.لهذا تبدو العلاقة بين الكاتب وشخوصه أكثر تعقيدًا من علاقة الخالق بمخلوقاته. إنها علاقة تبادل خفي. الكاتب يمنحهم الوجود، لكنهم يمنحونه المعنى. يكتبهم، لكنهم يعيدون كتابة جزء منه في المقابل. كل شخصية يبتدعها تترك أثرًا في روحه لا يقل عمقًا عن الأثر الذي يتركه هو في مصيرها.وربما لهذا السبب يشعر كثير من الروائيين بالحزن عند الأنتهاء من أعمالهم. ليس لأن الرواية أنتهت ،بل لأن حياة كاملة أُغلقت إلى الأبد. أشخاص عاشوا معهم كل يوم، سمعوا أصواتهم، وعرفوا نقاط ضعفهم، ثم أضطروا في النهاية إلى تركهم خلف الصفحة الأخيرة. إنها خسارة لا يراها المتلقي، لكنها تحدث فعلًا.وعند تلك العتبة الغريبة، بين الجملة الأخيرة والصمت الذي يليها، يتبدد وهم السلطة. يكتشف الكاتب أنه لم يكن المتحكم المطلق كما ظن. نعم، كان قادرًا على أن يمنح شخصية موتًا أو نجاة، حبًا أو عزلة، لكنه لم يك قادرًا على الإفلات من أثرها عليه. يوجه مصائرهم، فيما مصائرهم تعيد تشكيله بصمت.
لذلك فإن السؤال ليس: هل الشخوص توابع لا يقرر وجودها سوى جنون الكاتب؟ لعل السؤال الأدق هو: من الذي يحلم بالآخر حقًا؟ الشخصيات هي التي عاشت داخل رأس الكاتب، أم أن الكاتب عاش طوال تلك الشهور داخل أرواح شخصياته؟
حين تُطوى الصفحة الأخيرة، يقف الجميع على خط النهاية. الشخصيات عاجزة عن الكلام لأنها أنتهت، والكاتب عاجز عن الكلام لأنه أدرك متأخرًا أن النهاية لم تك لهم وحدهم. لقد إنتهى معهم جزء منه . وربما كانت الرواية، في جوهرها العميق، ليست سوى المكان الوحيد الذي يموت فيه الخيال، بينما يخرج الكاتب من بين أنقاضه شخصًا آخر.وقد حاول كثير من الكتّاب عبر التاريخ تفسير هذه العلاقة الملتبسة بين الكاتب وشخصياته، لكن معظمهم إنتهى إلى الإعتراف بالحيرة ذاتها. فالشخصيات، بعد نقطة معينة، لا تعود مجرد أدوات سردية، بل تتحول إلى حضور نفسي يكاد يكون مستقلًا.كان الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي يرى أن الإنسان أعقد من أي فكرة يريد الكاتب فرضها عليه، ولذلك ظلت شخصياته تنفلت دائمًا من الأحكام الجاهزة، حتى ليشعر المتلقي أن المؤلف يقف حائرًا أمامها. أما غوستاف فلوبير فقد قال عبارته الشهيرة: «مدام بوفاري، هي أنا». لم يك يقصد التشابه المباشر، إنما ذلك الإمتزاج الغريب الذي يجعل الكاتب يسكن شخصياته حتى وهو يختلف معها. وكأن كل شخصية ليست سوى أحتمال آخر للذات، أو حياة لم يعشها صاحبها إلا على الورق.أما لويجي بيرانديللو فقد دفع الفكرة إلى أقصاها حين تخيل في مسرحيته ست شخصيات تبحث عن مؤلف شخصيات تتمرد على خالقها وتبحث عمن يمنحها أكتمال وجودها. الفكرة تبدو أدبية في ظاهرها، لكنها تخفي سؤالًا فلسفيًا عميقًا: هل الشخصية الروائية كائن ناقص لأنه لا يملك مصيره، أم أن الكاتب ناقص لأنه لا يستطيع إكمال فهم مخلوقاته؟!!
ولعل أكثر الاعترافات إثارة جاءت من جون شتاينبك الذي كتب في إحدى رسائله أنه يشعر أحيانًا بأن شخصياته «تعرف أكثر مما يعرف». عبارة تبدو مستحيلة منطقيًا، لكنها مألوفة جدًا لكل من خاض تجربة الكتابة الطويلة. ففي لحظة ما، يصبح الكاتب أقل يقينًا من شخصياته، وأكثر استعدادًا للإصغاء إليها بدل إصدار الأوامر لها.
حتى ستيفن كينغ شبّه عملية الكتابة بالتنقيب الأثري، لا بالبناء. كان يقول إن القصة موجودة أصلًا في مكان ما، وإن مهمة الكاتب ليست إختراعها بالكامل، بل إكتشافها. ومن هذا المنظور لا يعود الكاتب سيدًا مطلقًا، إنما شاهدًا يحاول أكتشاف ما هو مخبأ تحت طبقات الخيال. لهذا تبدو لحظة إنهاء الرواية لحظة مربكة إلى هذا الحد. فالكاتب لا يودع شخصيات أخترعها فقط، بل يودع أصواتًا عاش معها طويلًا حتى أصبحت جزءًا من نظامه الداخلي. بعضهم يرحل بهدوء، وبعضهم يبقى سنوات بعد النشر، يظهر فجأة في الذاكرة كما يظهر شخص قديم في شارع مهجور. هناك شخصيات لا تغادر أبدًا، لأن الكاتب، دون أن ينتبه، أودع فيها جزءًا من خوفه أو رغبته أو ندمه أو حلمه المؤجل.ولهذا فإن الرواية العظيمة ليست تلك التي يسيطر عليها الكاتب بالكامل، إنما تلك التي يبلغ فيها التفاعل بينه وبين شخصياته درجة يصبح معها من الصعب تحديد من يقود الآخر. عندها تتحول الكتابة من حرفة إلى مغامرة وجودية؛ مغامرة يدخلها الكاتب وهو يظن أنه يخلق أرواحًا من العدم، ثم يخرج منها ليكتشف أن تلك الأرواح أعادت خلقه هو أيضًا.وفي النهاية، بعد أن تُغلق الملف الأخير، وتُطفأ شاشة الحاسوب أو يُطوى الدفتر الذي أحتمل كل ذلك الصخب، يسود صمت لا يشبه أي صمت آخر. صمتٌ يشبه أنسحاب البحر بعد عاصفة طويلة. عندها تدرك أن ما انتهى ليس الرواية وحدها، بل زمنٌ كامل من العيش داخل حيوات الآخرين.تبقى الشخصيات ، في مكان ما بين الذاكرة والورق، معلّقة في أعمارها الأخيرة، لا تكبر ولا تشيخ ولا تملك فرصة ثانية لتغيير ما حدث لها. أما أنت، فستواصل حياتك، لكنك لن تكون الشخص ذاته الذي بدأ الكتابة. لقد أخذت منك الرواية شيئًا وأعطتك شيئًا آخر. أخذت وقتك وطمأنينتك وأوهامك عن السيطرة، وأعطتك معرفة موجعة بالنفس البشرية، وبالهشاشة التي تجمع البشر جميعًا، سواء كانوا من لحم ودم أم من حبر وخيال.لهذا لا يكون السؤال الأخير: ماذا فعل الكاتب بشخصياته؟ بل ماذا فعلت الشخصيات بكاتبها؟
كل رواية حقيقية تترك ندبة صغيرة في روح من كتبها. وكل شخصية صادقة تغادر الصفحة الأخيرة وهي تحمل معها جزءًا من قلب خالقها. وما إن تنتهي الحكاية حتى يكتشف الطرفان الحقيقة ذاتها: لم يك أحدهما سيدًا على الآخر بالكامل. لقد كانا رفيقين في رحلة قصيرة ضد النسيان.ثم ينصرف الجميع.تنصرف الشخصيات إلى خلودها الورقي، وينصرف الكاتب إلى وحدته، حاملاً ذلك الشعور الغامض الذي لا يعرف له أسمًا دقيقًا؛ شعور الناجي والفاقد في آنٍ واحد.أما الرواية، فتبقى خلفهما، كأثر أقدام على رمال الزمن، شاهدةً على المعجزة الإنسانية الأكثر غرابة: أن كائنًا وحيدًا جلس يومًا في غرفة صامتة، فاخترع بشرًا لم يوجدوا قط، ثم أحبهم إلى الحد الذي جعله يحزن لفراقهم وكأنهم حقيقيين. وربما، بالنسبة إلى قلب الكاتب، كانوا كذلك فعلًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى