• كرة القدم تعبير فني عن الصراع الإنساني في الحياة
• كيف تُقلِّبنا هذه المستديرة المدهشة بين المتناقضات؟
على مدى أربعين يومًا، يَنعم البشر في مختلف أنحاء العالم بالعيش في أجواء ساحرة من المتعة والجمال، وهم يتابعون معشوقتهم وهي تتهادى على العشب الأخضر؛ كرة القدم، سيدة اللعبات، صاحبة الشعبية الأولى في شتى ربوع الأرض، ضمن منافسات بطولة كأس العالم التي انطلقت أمس؛ البطولة الأهم، التي أوشكت أن تكمل - بعد أربع سنوات من الآن- قرنًا من الزمان، منذ انطلاقتها الأولى عام 1930.
ولمن لا يدرك أو يستوعب؛ لمن يستغرب احتفاء ملحق الجمعة الثقافي بحدث رياضي هو كأس العالم المقام حاليا فى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك؛ نقول إن كرة القدم ليست مجرد لعبة، إنما هي شكلٌ من أشكال التعبير الفني عن الصراع الإنساني في الحياة. هي عرض جمالي يجري أمام أعين الجماهير داخل مساحة 7140 مترًا تمثل ملعب كرة القدم، «المستطيل الأخضر»، يعكس بما يحيط به من مشاعر وانفعالات صراع الإنسان في الدنيا بكل ما فيها من متناقضات.
كرة القدم - وبطولة كأس العالم درة التاج فيها- هي تعبير عن حلم الإنسان في الحياة، ورحلته نحو تحقيق «الهدف»، متنقلًا بين منعطفات الطريق؛ النقاط والخطوط، الأركان والزوايا، في ملعب الدنيا، متقلبًا بين الفوز والهزيمة، النجاح والفشل، العمل والكسل، الأمل والألم، ابتسامة الفرح بالانتصار ودمعة الحزن للانكسار.. أما هكذا الدنيا؟!
وإذا كانت كرة القدم في شكلها الحديث تعود نشأتها إلى عام 1863 عندما اجتمع ممثلو 12 ناديًا إنجليزيًّا في الخريف لإقرار قواعدها التي كانت «جامعة كامبردج» قد وضعتها عام 1846، أي قبل 180 عامًا من الآن، كما يخبرنا إدواردو جاليانو في كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» ترجمة صالح علماني، فإن اللعبة بدأت على الأرض قبل ذلك التاريخ بكثير، وفقًا للكاتب نفسه.
لعب الصينيون قديمًا، منذ خمسة آلاف عام، بِكرة من الجلد المحشو بالقنب، والمصريون في زمن الفراعنة صنعوا الكرة من القش أو قشور الحبوب ولفُّوها بأقمشة ملونة، واستخدم الإغريق والرومان مثانة الجاموس منفوخة ومخيطة للَّعب بها، بينما لعب الأوروبيون في العصور الوسطى وعصر النهضة بكرة بيضاوية مملوءة بشعر الخيول، وكان للأمريكيين كرتهم المطاطية.. كل الحضارات عرفت كرة القدم.
وفي القرن السادس عشر، عام 1592، لجأ شكسبير في مسرحيته «كوميديا الأخطاء» إلى الكرة ليعبِّر عن شكوى إحدى شخصياته، قائلًا: «إنني أتدحرج فيما بينكم بطريقة... أتراكم اتخذتموني طابة كرة قدم؟ أنتم تركلونني إلى هناك، وهو يركلني إلى هنا. فإذا ما بقيتُ في العمل فلا بد لكم من أن تغلفوني بالجلود».
أما هكذا يكون وجع الإنسان إثر ركلات الدنيا؟! لكن الدنيا برغم ذلك تظل حلوة، برغم القسوة والألم، مثل كرة القدم، ولهذا ربما أهدى «جاليانو» كتابه إلى أولئك الأطفال الذين التقاهم يومًا في الطريق وهم عائدون من لعب الكرة، يغنون: «ربحنا أم خسرنا/ لن تتبدل متعتنا/ متعتنا كما هي/ سواء خسرنا أم ربحنا».. وهكذا الأمر نفسه، تمامًا، مثل رحلة البشر في الحياة.
وإذا كان الإنجليز هم صناع لعبة كرة القدم بشكلها الحديث، فإن اللعبة على مدى القرن العشرين صار لها سحرة آخرون، البرازيليون، الراقصون بقلوب البشر عبر العصور، أولئك البسطاء، الفقراء، الذين نجحوا بسحر رقصاتهم المجنونة في التفوق على الأوروبيين، الأغنياء، الكبار.
ليس ذلك فحسب، بل إن البرازيليين شنُّوا غزوًا عالميًّا على مختلف البلدان، سمِّه «غزوًا كرويًّا» إن شئت، بجيش بلغ قوامه عام 2002 خمسة آلاف لاعب محترف في الخارج، بما يعادل أربعة أضعاف عدد الدبلوماسيين البرازيليين حول العالم، وفقًا لكتاب «كرة القدم.. الحياة على الطريقة البرازيلية» للكاتب أليكس بيلوس، ترجمة عبلة عودة.
ولا عجب.. ففي كرة القدم، يسهل أن يتفوق الصغار على الكبار، أن يعيدوا - بأقدامهم- تسطير التاريخ، بالجهد والعمل، وبهذا تكون كرة القدم «لعبة ديمقراطية».. فكيف لا يحبها الناس؟!
ولهذا كتبت الشاعرة البرازيلية جيلكا ماشادو معبرة عن الشعور الوطني تجاه لاعبي منتخب البرازيل عام 1938 قائلة: «أحييكم أيها الأبطال/ يا مَن سطَّرتم ملحمةً عظيمة/ بخفة أقدامكم ورشاقتها/ التي تفوق كل الكلمات/ أيتها الأرواح البرازيلية الشفافة/ التي تركض خلف الكرة/ تطوي المدى/ لتعيد مجد الأسلاف».
ولهذا أيضًا، قرر كلوفيس أكوستا فيرنانديز، أشهر مشجع في تاريخ بطولات كأس العالم، السفر وراء منتخب بلاده البرازيل في كل البطولات منذ عام 1990 حاملًا في يده مجسمًا للكأس المونديالية، ليظهر للمرة الأخيرة في المدرجات عام 2014 وهو يبكي بحرقة، إثر الهزيمة الشهيرة للبرازيل أمام المنتخب الألماني بسبعة أهداف لهدف، ثم يموت في العام التالي، بعد صراع لتسعة أعوام مع مرض السرطان.. كرة القدم دراما إنسانية كاملة!
ولمصر الرائدة دومًا مكان، فقد جاءت مشاركتها في بطولة كأس العالم عام 1934 بإيطاليا لتصبح بذلك أول دولة في العالم من خارج أوروبا والأمريكتين تشارك وتسجل أهدافًا في تاريخ البطولة، بعد أن لعبت مباراة واحدة أمام المجر، خسرتها بهدفين سجَّلهما اللاعب عبدالرحمن فوزي مقابل أربعة أهداف، لتخرج من البطولة التي أقيمت وقتها بنظام خروج المغلوب.
إنه تاريخٌ من المتعة والجمال، وشوقٌ دائمٌ لمعانقة الأحلام، يداعب كل شعوب الأرض، التي تجد في الكرة متنفسها، وسعادتها، وحريتها.
والآن؛ تجف الأقلام، ويصمت الكلام، ويتفرغ الكل لمتابعة الحبيبة الساحرة، وهي تتمايل في خفة ودلال، دون أن يعرف أحدٌ مَن يكون حبيبها، الذي ستلقي بنفسها في أحضانه في الختام.
• كيف تُقلِّبنا هذه المستديرة المدهشة بين المتناقضات؟
على مدى أربعين يومًا، يَنعم البشر في مختلف أنحاء العالم بالعيش في أجواء ساحرة من المتعة والجمال، وهم يتابعون معشوقتهم وهي تتهادى على العشب الأخضر؛ كرة القدم، سيدة اللعبات، صاحبة الشعبية الأولى في شتى ربوع الأرض، ضمن منافسات بطولة كأس العالم التي انطلقت أمس؛ البطولة الأهم، التي أوشكت أن تكمل - بعد أربع سنوات من الآن- قرنًا من الزمان، منذ انطلاقتها الأولى عام 1930.
ولمن لا يدرك أو يستوعب؛ لمن يستغرب احتفاء ملحق الجمعة الثقافي بحدث رياضي هو كأس العالم المقام حاليا فى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك؛ نقول إن كرة القدم ليست مجرد لعبة، إنما هي شكلٌ من أشكال التعبير الفني عن الصراع الإنساني في الحياة. هي عرض جمالي يجري أمام أعين الجماهير داخل مساحة 7140 مترًا تمثل ملعب كرة القدم، «المستطيل الأخضر»، يعكس بما يحيط به من مشاعر وانفعالات صراع الإنسان في الدنيا بكل ما فيها من متناقضات.
كرة القدم - وبطولة كأس العالم درة التاج فيها- هي تعبير عن حلم الإنسان في الحياة، ورحلته نحو تحقيق «الهدف»، متنقلًا بين منعطفات الطريق؛ النقاط والخطوط، الأركان والزوايا، في ملعب الدنيا، متقلبًا بين الفوز والهزيمة، النجاح والفشل، العمل والكسل، الأمل والألم، ابتسامة الفرح بالانتصار ودمعة الحزن للانكسار.. أما هكذا الدنيا؟!
وإذا كانت كرة القدم في شكلها الحديث تعود نشأتها إلى عام 1863 عندما اجتمع ممثلو 12 ناديًا إنجليزيًّا في الخريف لإقرار قواعدها التي كانت «جامعة كامبردج» قد وضعتها عام 1846، أي قبل 180 عامًا من الآن، كما يخبرنا إدواردو جاليانو في كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» ترجمة صالح علماني، فإن اللعبة بدأت على الأرض قبل ذلك التاريخ بكثير، وفقًا للكاتب نفسه.
لعب الصينيون قديمًا، منذ خمسة آلاف عام، بِكرة من الجلد المحشو بالقنب، والمصريون في زمن الفراعنة صنعوا الكرة من القش أو قشور الحبوب ولفُّوها بأقمشة ملونة، واستخدم الإغريق والرومان مثانة الجاموس منفوخة ومخيطة للَّعب بها، بينما لعب الأوروبيون في العصور الوسطى وعصر النهضة بكرة بيضاوية مملوءة بشعر الخيول، وكان للأمريكيين كرتهم المطاطية.. كل الحضارات عرفت كرة القدم.
وفي القرن السادس عشر، عام 1592، لجأ شكسبير في مسرحيته «كوميديا الأخطاء» إلى الكرة ليعبِّر عن شكوى إحدى شخصياته، قائلًا: «إنني أتدحرج فيما بينكم بطريقة... أتراكم اتخذتموني طابة كرة قدم؟ أنتم تركلونني إلى هناك، وهو يركلني إلى هنا. فإذا ما بقيتُ في العمل فلا بد لكم من أن تغلفوني بالجلود».
أما هكذا يكون وجع الإنسان إثر ركلات الدنيا؟! لكن الدنيا برغم ذلك تظل حلوة، برغم القسوة والألم، مثل كرة القدم، ولهذا ربما أهدى «جاليانو» كتابه إلى أولئك الأطفال الذين التقاهم يومًا في الطريق وهم عائدون من لعب الكرة، يغنون: «ربحنا أم خسرنا/ لن تتبدل متعتنا/ متعتنا كما هي/ سواء خسرنا أم ربحنا».. وهكذا الأمر نفسه، تمامًا، مثل رحلة البشر في الحياة.
وإذا كان الإنجليز هم صناع لعبة كرة القدم بشكلها الحديث، فإن اللعبة على مدى القرن العشرين صار لها سحرة آخرون، البرازيليون، الراقصون بقلوب البشر عبر العصور، أولئك البسطاء، الفقراء، الذين نجحوا بسحر رقصاتهم المجنونة في التفوق على الأوروبيين، الأغنياء، الكبار.
ليس ذلك فحسب، بل إن البرازيليين شنُّوا غزوًا عالميًّا على مختلف البلدان، سمِّه «غزوًا كرويًّا» إن شئت، بجيش بلغ قوامه عام 2002 خمسة آلاف لاعب محترف في الخارج، بما يعادل أربعة أضعاف عدد الدبلوماسيين البرازيليين حول العالم، وفقًا لكتاب «كرة القدم.. الحياة على الطريقة البرازيلية» للكاتب أليكس بيلوس، ترجمة عبلة عودة.
ولا عجب.. ففي كرة القدم، يسهل أن يتفوق الصغار على الكبار، أن يعيدوا - بأقدامهم- تسطير التاريخ، بالجهد والعمل، وبهذا تكون كرة القدم «لعبة ديمقراطية».. فكيف لا يحبها الناس؟!
ولهذا كتبت الشاعرة البرازيلية جيلكا ماشادو معبرة عن الشعور الوطني تجاه لاعبي منتخب البرازيل عام 1938 قائلة: «أحييكم أيها الأبطال/ يا مَن سطَّرتم ملحمةً عظيمة/ بخفة أقدامكم ورشاقتها/ التي تفوق كل الكلمات/ أيتها الأرواح البرازيلية الشفافة/ التي تركض خلف الكرة/ تطوي المدى/ لتعيد مجد الأسلاف».
ولهذا أيضًا، قرر كلوفيس أكوستا فيرنانديز، أشهر مشجع في تاريخ بطولات كأس العالم، السفر وراء منتخب بلاده البرازيل في كل البطولات منذ عام 1990 حاملًا في يده مجسمًا للكأس المونديالية، ليظهر للمرة الأخيرة في المدرجات عام 2014 وهو يبكي بحرقة، إثر الهزيمة الشهيرة للبرازيل أمام المنتخب الألماني بسبعة أهداف لهدف، ثم يموت في العام التالي، بعد صراع لتسعة أعوام مع مرض السرطان.. كرة القدم دراما إنسانية كاملة!
ولمصر الرائدة دومًا مكان، فقد جاءت مشاركتها في بطولة كأس العالم عام 1934 بإيطاليا لتصبح بذلك أول دولة في العالم من خارج أوروبا والأمريكتين تشارك وتسجل أهدافًا في تاريخ البطولة، بعد أن لعبت مباراة واحدة أمام المجر، خسرتها بهدفين سجَّلهما اللاعب عبدالرحمن فوزي مقابل أربعة أهداف، لتخرج من البطولة التي أقيمت وقتها بنظام خروج المغلوب.
إنه تاريخٌ من المتعة والجمال، وشوقٌ دائمٌ لمعانقة الأحلام، يداعب كل شعوب الأرض، التي تجد في الكرة متنفسها، وسعادتها، وحريتها.
والآن؛ تجف الأقلام، ويصمت الكلام، ويتفرغ الكل لمتابعة الحبيبة الساحرة، وهي تتمايل في خفة ودلال، دون أن يعرف أحدٌ مَن يكون حبيبها، الذي ستلقي بنفسها في أحضانه في الختام.