أدب السيرة الذاتية سعيد منتسب - من سيرة الصبا... (1-6)

1- من أين سنأتي ببيت جديد؟

خرجت ضحكة لا تتعدى بضع ثوان من فمي، بينما كنت أظن أنني أبكي. كانت ضحكة خارجة من قفص. البيت يحترق. كتبي تحترق. رسوماتي تلتهمها النار. ترمدت الألوان وضاعت الأشكال، وبكيت لبكاء أمي التي كانت تولول وتضرب على فخذيها. يا لها من ليلة! الجيران مكفهرون، والنار تجعجع في كل اتجاه، وتمد فمها إلى كل شيء قريب مثل حيوان جريح، لا تميز بين هذا الكوخ وذاك. تتأجج وتهتاج وتلتهم. تشنشط وتفحّ في وجه البراريك دون رحمة. تتحدى الأدعية والصلوات. لا أحد يعرف من أشعلها. تأكل كل شيء أمامها. القطط والفئران والصراصير والصناديق والخوابي والأحلام والذكريات. تتراخى السقوف، ويضيء الحي. تتلقى كل شيء بصدر عاري. الرجال في صف طويل يسكبون دلاء المياه، ويكسرون سواري البيوت، ويرجمون جهنم الكحلاء بالأتربة. كلهم يتحولون إلى رجال إطفاء. وأنا أراقب أمي تبكي على صدور جاراتها، تنتقل من هذه إلى تلك، وهن يفعلن مثلها، كأننا في عزاء جماعي عام. ماتت كتبي ولن تعود، لكني مع ذلك سأقبل رأس القمر الذي حل في قلبي بسرية تامة، وأجبرني على الضحك. سأشكر الرصيف أيضا، لأنه تحول إلى حضن دافئ للجميع. لماذا لا يأتي رجال الإطفاء إلى حينا؟ وأين بيتنا الآن؟ أين سيبيت كل هذا الخلق؟
هل أسأل أمي؟ جمار كثيرة تلتصق بالوجوه. ركام من الهلع العاري يأكلنا جميعا. لا أحد يجيب. الكل واجم وحزين. حتى الكبار الذين يملكون أجوبة لكل شيء لا يجيبون. يكتفون بهز رؤوسهم إلى السماء بينما الدخان الأسود يتصاعد بكثافة كاشفا عن ألسنة حمراء من لهب. لم أعد أرى بيتنا. مات بيتنا يا الله. ضعنا في هذا الليل. هنا كان الباب القديم، وهنا كانت الكشينة، وهنا كان صندوق الكتب، وهنا كان الدولاب الذي يحمل كل ثيابنا. وهنا كان يسعل أبي قبل أن يأخذه عزرائيل معه بالإكراه. كلما حاولت أن أحدد مكانا أعرفه بعيني، ضعت. اختلطت البيوت ببعضها، واختلط الرماد بعرق الثياب وكسل الأواني والمغازل والأحلام والمعاني. أصبحنا "ربنا خلقتنا". حينا كله تعرض لنبأ عظيم. ماذا تجدي دموعك يا أمي؟ ماذا يجدي اللطم وتعفير الوجوه بالسخام؟
الجميع يحدق في النار كما لو أنها شياطين رجيمة اتفقت على شن هجوم جماعي علينا. لا جهنم دون شياطين، وهم يريدون الدخول إلى الجنة لرؤية الله والملائكة والأنبياء، ولهذا يقرؤون آية الكرسي والمعوذتين، ويستجيرون بالأولياء الصالحين، بينما الجارات يتباكين نائحات لاطمات متعانقات. لم أكن أفهم كيف يستطعن البكاء بهذا الحزن السائل الذي ينتقل بينهن مثل الماء في السواقي. ولا ماء يكفي في ساقية الحي. صنبور واحد لعشرات المتطوعين الذين يخوضون معركة خاسرة مع جهنم. يعرفون ذلك، لكنهم يدلقون عليها عضلاتهم وشتائمهم ودلاء الماء وأكياس الأتربة. كل شيء يحترق، الصراخ والمجارف والشتائم والدموع. يتقدمون ثم يفرون. النار لا تتكلم. تفح وتزحف وتلتهم، وتطلب المزيد. الأخشاب. الأغطية. الأبواب. الأسرار.. و"زاملا" الذي يأمر "بوانا" باستدعاء الفيلة لإطفاء الحريق الذي شب في الغابة. غابة القصدير تحترق في رأسي، والكنغر "بيتولي" يقفز قفزات مفاجئة أمام النار. يخترق صفوف الرجال الصاخبين، ليحذرهم من قناني الغاز والسراق المتربصين والغرباء ومهتبلي الفرص. أين ستنام الصبايا الناهدات يا "زامبلا" وألسنة النار الطويلة ترعى كيفما اتفق في غابة القصدير؟ أين سيخفين لحومهن وأسرارهن؟ ولماذا تأخر رجال الإطفاء؟
ثم أتوا أخيرا دون استعجال.. طوطو.. طوطو.. يويو.. يويو. جاؤوا بشاحناتهم الحمراء وخراطيمهم الطويلة وحكاياتهم التي لا تنتهي. كانوا يتحركون ببطء شديد لإطفاء ما تبقى من جمار وخراب. تراجع الرجال إلى حسراتهم، وتركوهم يغرقون ما تبقى. سددوا معاهم بقوة، أنهوا كل شيء في هذا الليل الذي لا يريد أن ينتهي أبداً، ثم انصرفوا.
جلس الرجال، وخفتت الأصوات، وتراكم القصدير المحروق فوق بعضه. النار وحش شبع أخيرا. أكل كل شيء قبل أن ينكفئ على نفسه، تاركا خلفه رائحة تغطي حينا والأحياء المجاورة. ضاعت روائحنا يا أمي، كما ضاعت كتبي ورسوماتي، فمن أين سنأتي يا الله ببيت جديد وأغطية جديدة؟ Voir moins
أنيس الرافعي
سيرة شاهقة....قرأت هذا المقطع بمتعة كبيرة....إعجابي الكبير أخي الحبيب سي سعيد...الإنسان النبيل و الكاتب الكبير


***

2- حفظ البيت الغريق

المطر غزير في الزقاق هذا الصباح. لا شيء يقي أكواخنا من الغرق. نغرق، لكننا لا نبكي. يهزنا الماء، لكننا نشعل المجامر، ونكثر من أكل العدس. عدس في كل الوجبات، ليلا ونهارا، وفي كل الأيام. تمطر فتبتهج وجوهنا، كأننا نقيم أعراسا غير مرئية. أرتدي معطفا بلاستيكيا وحذاء من الكاوتشو، وأغرق. لا أقاوم الغرق. أسير فيه وأصرخ بابتهاج. كل الأطفال يصرخون، لأن الله أطلق سراح أنهاره العلوية. الجنة فوق السحب، والسحب فوقنا، ونحن تحت السحب. نتلقاها بصدور مؤمنة. كلنا مؤمنون، ونحب الله والجنة والسحب. أضيع في الزقاق. أتبلل بالكامل، وأردد بيني وبين نفسي سورة الواقعة. ليس لوقعتها كاذبة. سأستظهرها أمام السي شكري. لن أترك له أي فرصة لصفعي. أحفظ لأقاوم الصفع. خافضة رافعة. لن أتركهم يخفضون رأسي، ويرفعون رجلي. أربعة شداد، زبانية المعلم الذين لا يرحمون. أسرع الخطى. حذائي الكاوتشو يصدر أصواتاً مضحكة كلما رفعت قدمي. يخشفش في الوحل. باردا وثقيلا. نحن قدرنا بينكم الموت، وما نحن بمسبوقين. أكررها كأني أردد تعويذة. المعلم لا يرحم، والزبانية لا قلوب لهم. روبوتات بريش وأجنحة وأصابع غليظة وهراوات. لو نشاء لجعلناه حطاما. أتحسس ضلوعي. صفعاته تهبط على أجسادنا الهزيلة مثل الصواعق. لا يحب التلعثم. لا يحب النسيان. ولا يحب أهل الشمال. فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون. نموت ولا نموت. لا نترك الروح تخرج من الحلقوم، نحبسها قبل أن تخرج. نتضرع إلى الله أن ينجينا.
ألج إلى "المقبرة" (المدرسة تشتهر بهذا الاسم) مبللاً حتى العظم. الساحة تحولت إلى مستنقع كبير. الأطفال يتقافزون فوق البرك مثل الهنود الحمر، ويطلقون ضحكاتهم في كل الاتجاهات، لا يعيرون اهتماما للسحب التي تستمر دون اكتراث في سكب أنهارها على رؤوسهم، كأنهم من أصحاب النعيم. يتراكضون في الوحل. لا يسعلون، ولا يمرضون، ولا يحفظون. أرتعش في مكاني. أشتهي سقفا وغطاء وصحن حساء. يدق الجرس، فنصطف جميعا كجنود صغار. أراقب النوافذ المغبشة وأشجار الكالبتوس التي تهتز خلف السور، على مقربة من درب الكبير. الجنة ما تزال مفتوحة على مصراعيها، ترسل علينا نهرا تلو نهر. الله رحيم ورحمان، والمعلم ينتظرنا دون رحمة داخل القسم. يحمل كناشاً أسود وعصاً رفيعة. يضعهما فوق الطاولة، ثم يبدأ في استدعاء الأسماء. كل اسم يخرج من فمه يبدو حكماً قضائياً. وكل تلميذ يقف كأنه متهم تنتظره ابتسامة رضوان أو تكشيرة مالك. أتحسس الآيات داخل رأسي. والسابقون السابقون، أولئك المقربون. لا تخذليني أيتها الواقعة اليوم. أستحلفك بالله والملائكة والسدر المخضود والطلح المنضود. الكلمات تختبئ في حلقي أو لهاتي، وأحياناً تحت لساني، كأنها تلهو بي. تقترب ثم تنفر مثل وعل، وأنا أطاردها بقوس ذعري. ماذا لو نسيت؟ ماذا لو تحجر لساني في منتصف السورة؟ ماذا لو كنت هذا اليوم تحت رحمة الزبانية؟
ينادي المعلم اسمي. سعييييد منتسب، فينهض قلبي بارتجاف، وأغرق في سموم وحميم. كوخنا يغرق، وأمي تغزل جوعنا وتزينه بالخبز الأسمر وحبات العدس. أقف. الوحل يملأ الساحة، وأنا أملأ جوفي بالخوف من الله والعصا. أرى أمي وهي توقظني قبل الفجر بقليل. أرى أبي البعيد في قبره، يدخن السبسي، ويأمرني بأن أقرأ بثقة. أرى كل شيء دفعة واحدة. حياتي وموتي. الشمس والغرق. الجنة والنار. دفوف الملائكة وسياط الزبانية. ثم أبدأ بصوت خافت أول الأمر، قبل أن تستقيم الآيات في فمي، ويستوي معها ظهري. لم أكن أحفظ السورة فقط. كنت أحفظ كرامتي كما لو كانت كوخنا الذي تركته هذا الصباح وحيدا بين براثن الغرق

***

3- السقف الذي بقي لنا

لأصل إلى مدرسة "المقبرة" باكرا، كان علي أن أقطع سيرا على القدمين مدينة من الظلام القصديري الجاثم كيفما اتفق على صدورنا. أستيقظ في الساعة السادسة صباحا. لا أفطر. أخفي هزالي في سروال وقميص وصندل، ثم أتدحرج في الظلمة، حذرا من أنياب الكلاب وهسهسات العفاريت المتأخرين عن النوم. أشتهي فطيرة ساخنة من حانوت "با ناصر"، لكني لا أملك ثمنها، فأتابع سيري النعسان نحو المدرسة. أمشي كالمسرنم. لا أشعر بأني أمشي. أتدحرج دون إرادتي، كأنني أحلم، وأحلم بكوب شاي وفطيرة مغموسة في العسل. أغمض عيني لآكلها قبل أن يأكلني درس النحو والإعراب.
أصل إلى المدرسة وقد سبقني إليها الجوع. يدخل إلى الحجرة الدراسية قبلي ويجلس على الكرسي، يمد ساقيه تحت الطاولة ويشرع في عضّ أحشائي ببطء. يفترسني بالتذاذ بينما أراقب التلاميذ وهم يخرجون من محافظهم قطع الخبز المحشوة بالزبدة أو الجبن، فأشيح عنهم بوجهي كمن يتفادى النظر إلى شمس قوية. لم أكن أحسدهم، كنت فقط أتساءل كيف يستطيع المرء أن يفكر في الدرس ومعدته تعوي مثل كلب ضال.
في القسم، كانت حروف اسمي تتراقص أمام عيني. أحيانا تتحول السين إلى أسنان، والعين إلى رغيف ساخن، والياء إلى شطائر خبز أبيض، والدال إلى هلالية محشوة بمربى التوت. أقاوم النعاس والجوع معا، وأتشبث بصوت المعلم كغريق يتعلق بلوح خشب وسط بحر هائج. السي الآصفي لا يلعب. معلم عبوس، بشوارب ممتلئة وذقن حليق. يؤمن بأن العصا خرجت من الجنة لتأديب الصبيان المتخاذلين الذين لا يحفظون القرآن وقواعد النحو والصرف والإعراب. علمونا أن الجنة تخلو من العقاب، وأنها استمتاع مؤبد، خالدين فيها أبدا، بالفاكهة واللبن ولحم الطير والتمور والعسل والخمور. فمن أين أتت العصا؟ وهل كان السي الآصفي في الجنة قبل أن يصبح معلما في مدرستنا؟ هل يعرف الله؟ من أين أتت العصا؟ هل اقترضها من النار؟ لا يوجد حطب في الجنة..
تأذن ساعة الاستراحة، فيندفع خلق كثير نحو الساحة؛ التلاميذ ينفخون رياشهم كالعصافير التي فُتح لها القفص، والمعلمون يتجمعون في دوائر صغيرة قرب مكتب المدير. أما أنا فألجأ بجوعي إلى ظل بعيد، أراقب الكرة وهي تنتقل بين الأقدام. لا أقوى على اللعب معهم، وأحب الكرة لأنها لا تسأل صاحبها عن أبيه الميت، ولا عن ثمن حذائه البلاستيكي الممزق، ولا عن عدد الأرغفة التي أكلها صباحا قبل أن يركله النوم من فراشه. الكرة حبيبتي، عادلة وتمنح فرحها للجميع بالتساوي. أنا حارس فريق الحي. الحارس الانتحاري الذي لا يهزم. أصد الكرات. أرتقي إلى السماء، وأرتطم بالأرض. أسلخ جلدي بفخر، وهم يلتهمون أرغفتهم بنهم. لا يعيرون اهتماما لجوعي الذي يكبر بيني وبينهم. أشيح بوجهي وألتقط ورقة من الأرض لأرسم عليها. بيت أكبر من بيتنا، لا تحرقه الشمس ولا يتلفه السيل. بيت نظيف وأم لا تبكي لأنها تعبت من الغسل والطبخ، وأب يعود من موته حاملا أكياسا من الحلوى، وإخوة خفاف لا يشبهون الخفافيش. أنسى الجوع، ينساني كأن لا معدة لي. أطوي الورقة وأخفيها، كأنني أخفي كنزا.
وعندما ينتهي الدوام، أعود أدراجي عبر مدينة الأكواخ نفسها. أملك الآن بيتا كبيرا، وأما لا تبكي، وأبا لم يستعذب الموت كما استعذب السبسي. أنا غني، أغنى من المعلم والمدير، ومن سليمان وقارون.
نعود إلى الدرس والشمس تكمع بين الغيوم، نكتب ونستظهر ونتبارى على الأرقام والكلمات، نضحك ونبكي، لكن الجوع يعود. يشبعني ركلا ورفسا. أشعر بالدوار قليلا، فأتوسل إليه أن يكف. قالوا لي إن الجوع كافر، ولا يعرف الله، ولا رسوله. يقولون إنه يسرق الحقول والمطامر، ويفرض ضريبته على الشعب. لو كان أبي حيا لقتله. قالت أمي إن أبي كان يخفي مدية حادة في حقيبته.
نخرج من "المقبرة" عظاما تكز على عظام. هم أكلوا، وأنا جوعي يسير إلى جانبي كظل طويل. أركل حجرا أمامي وأتبعه، فيركلني ويتبعني. أعبر حي عين الشفاء، فدرب ميلان، ثم أرتمي في حضن الأكواخ المكفهرة. روائح صعبة. وجوه غبشاء. نساء بأجساد فائضة. رجال يأكلهم الدخان.. وصبايا يتمردن على الأرحام، جميلات وجميلات وجميلات. يا الله متى خلقتهن؟ ولماذا تعاقب عبادك الفقراء بجمالهن؟
في الطريق، كانت رائحة الخبز الساخن تتسلل من الأفران الشعبية المتقاربة. خبز الشعير. خبز القمح. خبز الفرينة. خبز الذرة. خبز الشحمة. لاطات السردين. روائح تمضي، وأخرى تقبل، فتفعل بي ما يفعله السراب بالضمآن. التقلية. البيض بماطيشة. مرق الدجاج بالبطاطا والزيتون. الهركمة. طاجين الخضر. طاجين البصل بالزبيب. السردين مشوي. الفاصولياء. كسكس البلبولة. الباداز. صيكوك. أتوقف لحظة أمام أبواب المنازل لأستنشق الطبيخ بعمق، ثم أمضي سعيدا بالجنة. جوعي يأكل الآن. يأكل الروائح التي تهاجمني، ولا يأكلني.
أصل جائعا إلى البيت، أصير جوعا كاملا، فأجد أمي منهمكة في معاركها اليومية مع الغسيل والطبيخ. تبتسم في وجهي وتضع أمامي خبزا بائتا وكأس شاي. الطنجرة تغلي بالعدس الذي يؤجل مصائب أمعائنا الفارغة يوما آخر. أنسى كل الروائح، وأحب أمي. كانت تقف في وجه الحياة كما تقف شجرة وحيدة في مهب الريح. تصبن وتعجن وتطبخ وتعمل في البيوت، لنكبر سريعا. أجلس قربها وأحدثها عن المدرسة وعن مباراة الكرة وعن المعلم الذي أثنى على خطي، لكنه غافلني وصفعني لأنني غفوت. كانت تبتسم، فأشعر أن السقف فوق رؤوسنا لم يعد في مكانه. زال لأن الله قريب ممن دعاه، وأنا دعوته أن أغمض عيني وأفتحها فأصير أربعينيا يعمل في مصانع عين السبع لتستريح أمه الحبيبة . لا شيء يفصلنا عن السماء، والله قريب يا أمي، ولن أموت في الأربعين مثل أبي. لن أتركك لتعضك البيوت والحقول والمتربصين. وها أنا يا أمي أسألك: "هل حقا نجونا؟". لا تجيب. تحرك رأسها ببطء، بينما أكتفي بضم ركبتي إلى صدري، مصغيا إلى تنفس أختي الصغرى في الغرفة المجاورة. أعاود سؤالي، فتهمس لي أن نعم، كأن صوتها وحده كان السقف الذي بقي لنا.

***

4- من أين سنأتي ببيت جديد؟

خرجت ضحكة لا تتعدى بضع ثوان من فمي، بينما كنت أظن أنني أبكي. كانت ضحكة خارجة من قفص. البيت يحترق. كتبي تحترق. رسوماتي تلتهمها النار. ترمدت الألوان وضاعت الأشكال، وبكيت لبكاء أمي التي كانت تولول وتضرب على فخذيها. يا لها من ليلة! الجيران مكفهرون، والنار تجعجع في كل اتجاه، وتمد فمها إلى كل شيء قريب مثل حيوان جريح، لا تميز بين هذا الكوخ وذاك. تتأجج وتهتاج وتلتهم. تشنشط وتفحّ في وجه البراريك دون رحمة. تتحدى الأدعية والصلوات. لا أحد يعرف من أشعلها. تأكل كل شيء أمامها. القطط والفئران والصراصير والصناديق والخوابي والأحلام والذكريات. تتراخى السقوف، ويضيء الحي. تتلقى كل شيء بصدر عاري. الرجال في صف طويل يسكبون دلاء المياه، ويكسرون سواري البيوت، ويرجمون جهنم الكحلاء بالأتربة. كلهم يتحولون إلى رجال إطفاء. وأنا أراقب أمي تبكي على صدور جاراتها، تنتقل من هذه إلى تلك، وهن يفعلن مثلها، كأننا في عزاء جماعي عام. ماتت كتبي ولن تعود، لكني مع ذلك سأقبل رأس القمر الذي حل في قلبي بسرية تامة، وأجبرني على الضحك. سأشكر الرصيف أيضا، لأنه تحول إلى حضن دافئ للجميع. لماذا لا يأتي رجال الإطفاء إلى حينا؟ وأين بيتنا الآن؟ أين سيبيت كل هذا الخلق؟
هل أسأل أمي؟ جمار كثيرة تلتصق بالوجوه. ركام من الهلع العاري يأكلنا جميعا. لا أحد يجيب. الكل واجم وحزين. حتى الكبار الذين يملكون أجوبة لكل شيء لا يجيبون. يكتفون بهز رؤوسهم إلى السماء بينما الدخان الأسود يتصاعد بكثافة كاشفا عن ألسنة حمراء من لهب. لم أعد أرى بيتنا. مات بيتنا يا الله. ضعنا في هذا الليل. هنا كان الباب القديم، وهنا كانت الكشينة، وهنا كان صندوق الكتب، وهنا كان الدولاب الذي يحمل كل ثيابنا. وهنا كان يسعل أبي قبل أن يأخذه عزرائيل معه بالإكراه. كلما حاولت أن أحدد مكانا أعرفه بعيني، ضعت. اختلطت البيوت ببعضها، واختلط الرماد بعرق الثياب وكسل الأواني والمغازل والأحلام والمعاني. أصبحنا "ربنا خلقتنا". حينا كله تعرض لنبأ عظيم. ماذا تجدي دموعك يا أمي؟ ماذا يجدي اللطم وتعفير الوجوه بالسخام؟
الجميع يحدق في النار كما لو أنها شياطين رجيمة اتفقت على شن هجوم جماعي علينا. لا جهنم دون شياطين، وهم يريدون الدخول إلى الجنة لرؤية الله والملائكة والأنبياء، ولهذا يقرؤون آية الكرسي والمعوذتين، ويستجيرون بالأولياء الصالحين، بينما الجارات يتباكين نائحات لاطمات متعانقات. لم أكن أفهم كيف يستطعن البكاء بهذا الحزن السائل الذي ينتقل بينهن مثل الماء في السواقي. ولا ماء يكفي في ساقية الحي. صنبور واحد لعشرات المتطوعين الذين يخوضون معركة خاسرة مع جهنم. يعرفون ذلك، لكنهم يدلقون عليها عضلاتهم وشتائمهم ودلاء الماء وأكياس الأتربة. كل شيء يحترق، الصراخ والمجارف والشتائم والدموع. يتقدمون ثم يفرون. النار لا تتكلم. تفح وتزحف وتلتهم، وتطلب المزيد. الأخشاب. الأغطية. الأبواب. الأسرار.. و"زامبلا" الذي يأمر "بوانا" باستدعاء الفيلة لإطفاء الحريق الذي شب في الغابة. غابة القصدير تحترق في رأسي، والكنغر "بيتولي" يقفز قفزات مفاجئة أمام النار. يخترق صفوف الرجال الصاخبين، ليحذرهم من قناني الغاز والسراق المتربصين والغرباء ومهتبلي الفرص. أين ستنام الصبايا الناهدات يا "زامبلا" وألسنة النار الطويلة ترعى كيفما اتفق في غابة القصدير؟ أين سيخفين لحومهن وأسرارهن؟ ولماذا تأخر رجال الإطفاء؟
ثم أتوا أخيرا دون استعجال.. طوطو.. طوطو.. يويو.. يويو. جاؤوا بشاحناتهم الحمراء وخراطيمهم الطويلة وحكاياتهم التي لا تنتهي. كانوا يتحركون ببطء شديد لإطفاء ما تبقى من جمار وخراب. تراجع الرجال إلى حسراتهم، وتركوهم يغرقون ما تبقى. سددوا معاهم بقوة، أنهوا كل شيء في هذا الليل الذي لا يريد أن ينتهي أبداً، ثم انصرفوا.
جلس الرجال، وخفتت الأصوات، وتراكم القصدير المحروق فوق بعضه. النار وحش شبع أخيرا. أكل كل شيء قبل أن ينكفئ على نفسه، تاركا خلفه رائحة تغطي حينا والأحياء المجاورة. ضاعت روائحنا يا أمي، كما ضاعت كتبي ورسوماتي، فمن أين سنأتي يا الله ببيت جديد وأغطية جديدة؟

***

5- بالكرة وحدها ننتصر على الصيف الطويل

في كريان "بنمسيك"، الصيف طويل، وكل يوم يشبه كثيرا اليوم الذي سبقه. السماء تستشيط حَرّاً، ولا شيء نفعله سوى اللعب بالكرة. ترابيون حتى العظم، بوجوه ممتقعة وملابس رثة لا تعجب أحدا. لا تعجبنا البتة، ولا نكترث لها البتة. ندخل فيها أو نتركها تدخل فينا، ونهرب إلى ملعب "الجير" القريب من "الشانطي" الفاصل بين ملعب "لاجونيس" والبراريك الزاحفة صعودا إلى "إعدادية ابن حزم".
من يملك الكرة هو السيد، والآخرون مجرد حالة اضطراب قصوى لم يكن من الممكن التكهن دائما بنتائجها. السيد هو الذي يختار فريقه بكل اطمئنان. يضم إليه الأقوياء والصناديد والبارعين، ويترك الباقي للفريق الخصم. ما يهم السيد هو الربح، وما يهمنا جميعا هو اللعب. نركض بسيقان عارية، نتحول إلى غبار كثيف. المردة ضد الشياطين. نركض ساعات طويلة دون توقف. نكتفي بشرب الماء، ونتابع ركل الكرة، بينما كنت أصد الكرات، الواحدة تلو الأخرى، ببراعة شاهقة. أنا حارس المرمى. شقيق "عتوكة" الحارس الخارق لفريق الحي، والأخ الأصغر لـ"فاكس" حارس فريق "النصر"، والتلميذ العنيد لمصطفى الأعور، حارس فريق "وفاء وداد".
وجدت نفسي أحرس العرين مبكرا. الحارس "عتوكة" يستحق، وأنا لم أرتب لأي شيء على الإطلاق. أوظب مهاراتي بعناية لأكون سدا منيعا في الأرض والسماء وما بينهما. لا أغفو، وأهتز بعصبية في كل حين حتى لا تغدرني أي قذيفة مباغتة. أموت بعينين مفتوحتين في المرمى. أستأسد على مهاجمي الفريق المنافس. أمنعهم بكل ما أوتيت من عناد من تسجيل الأهداف المحققة. لماذا كنت أموت بينهم على ذلك النحو؟ ما الذي كنت أحاول إثباته؟
"عتوكة الصغير"، كمشة العظام التي لا تنكسر، البق ما يزهق، الأخبوط الطائر، الجدار العالي، الصخرة العاتية. أقف بين حجرين لساعات طويلة وأتحول إلى شيء أكبر من أحزان الأرض كلها، كأنني حارس حدود لا سلاح لديه سوى يديه. أتابع الكرة تأتي من كل الجهات. ترتفع في الهواء مثل طائر أملط جارح، أو تنسل بين الأقدام كأفعى قرطيطة، أو ترتطم باللاعبين ثم تمضي.. وبووووم، أراها قادمة فأرتمي عليها مرتطما بالأرض العارية. أغوص في الغبار حتى الرأس. أسمع صرخات الفريقين تختلط في رأسي. ترتطم ركبتاي بالأرض وتتمزق الجروح القديمة من جديد. لا يهم الدم السائل. النصر لنا. "عتوكة الكبير" يصفق لأخيه الأصغر. يحرضه على النهوض، وعدم السماح بتلقي أي إصابة. النصر لنا، فأحمل على الأكتاف وكأس الفضة في يدي، وأمي تأمرهم بإرجاعي إلى الأرض.. ويا أمي، سأشبع ضربا وقرصا وصفعا، ولن أبكي. ابنك بطل ولا يقبل بالهزيمة. سأموت كمدا لو انهزمنا. اسألي أخي فاكس. اسألي أخي عزيز. اسألي أقراني.. كريتة وحيشش وكوطيط وجبيلو وسطيكة وحايبور والعماليق. اسأليهم كلهم، فنحن فريق واحد يركض حتى آخر قطرة عرق، وعلى استعداد دائم للنزف حتى آخر قطرة دم. ها هو الغبار يكسو وجوهنا حتى صرنا جميعا متشابهين.. ويا أمي، كنت تقلين السردين عندما كان "ثور" الفريق المنافس يقترب من مرماي بعينيه الحمراوين وقدميه الفيليتين. شعرت بشيء جاف مثل اليتم يشتعل في صدري، فخرجت لملاقاته بكل ما أملك من تهور. ينظر في عينيَّ، فأنظر في عينيه، وقبل أن يسدد ركلته، أرتمي بجسارة بين قدميه وأخطف الكرة، فتتسع السماء كلها فوق رأسي. أرى أبي يصفق. أرى الملائكة وكل الأبطال الخارقين يشيرون نحوي بابتهاج، فأسعد لأنني أصبحت واحدا منهم.. ويا أمي، لا أريد السردين المقلي، ولا ثيابا نظيفة، ولا أربعة ريالات. تعلمين أن الصيف طويل، ولا منجى لنا من عضات الشمس إلا صديقنا التراب. نتمرغ بين أحضانه حتى تتعب الأرجل وتصير الدنيا أكثر برودة. أين سنذهب يا أمي؟
تجرني أمي إلى البيت متربا من رأسي إلى أخمص قدمي، باكيا وجائعا ومهانا. أصوات أخواتي تتقاطع في الغرفة الضيقة، يتضاحكن شامتات، بينما كنت رغم كل الصفع سعيدا بنفسي. أراني محمولا على الأكتاف والكأس في يدي. أخرج من ملابسي الرثة. أغتسل بالماء والصابون. أتجفف بقطعة كتان بالية، ثم أشم رائحة السردين المقلي تأتي من الكشينة. أجلس القرفصاء بينهن وكأن شيئا لم يحدث، وأتطلع لوصول الطبق المعدني الأبيض الكبير إلى المائدة.. يتضاحكن حولي، وأتضاحك معهن، وأضحك للسردين الذي لا يعرف أننا ننتصر بالكرة وحدها على الصيف الطويل..

***


6- بالكرة وحدها ننتصر على الصيف الطويل

في كريان "بنمسيك"، الصيف طويل، وكل يوم يشبه كثيرا اليوم الذي سبقه. السماء تستشيط حَرّاً، ولا شيء نفعله سوى اللعب بالكرة. ترابيون حتى العظم، بوجوه ممتقعة وملابس رثة لا تعجب أحدا. لا تعجبنا البتة، ولا نكترث لها البتة. ندخل فيها أو نتركها تدخل فينا، ونهرب إلى ملعب "الجير" القريب من "الشانطي" الفاصل بين ملعب "لاجونيس" والبراريك الزاحفة صعودا إلى "إعدادية ابن حزم".
من يملك الكرة هو السيد، والآخرون مجرد حالة اضطراب قصوى لم يكن من الممكن التكهن دائما بنتائجها. السيد هو الذي يختار فريقه بكل اطمئنان. يضم إليه الأقوياء والصناديد والبارعين، ويترك الباقي للفريق الخصم. ما يهم السيد هو الربح، وما يهمنا جميعا هو اللعب. نركض بسيقان عارية، نتحول إلى غبار كثيف. المردة ضد الشياطين. نركض ساعات طويلة دون توقف. نكتفي بشرب الماء، ونتابع ركل الكرة، بينما كنت أصد الكرات، الواحدة تلو الأخرى، ببراعة شاهقة. أنا حارس المرمى. شقيق "عتوكة" الحارس الخارق لفريق الحي، والأخ الأصغر لـ"فاكس" حارس فريق "النصر"، والتلميذ العنيد لمصطفى الأعور، حارس فريق "وفاء وداد".
وجدت نفسي أحرس العرين مبكرا. الحارس "عتوكة" يستحق، وأنا لم أرتب لأي شيء على الإطلاق. أوظب مهاراتي بعناية لأكون سدا منيعا في الأرض والسماء وما بينهما. لا أغفو، وأهتز بعصبية في كل حين حتى لا تغدرني أي قذيفة مباغتة. أموت بعينين مفتوحتين في المرمى. أستأسد على مهاجمي الفريق المنافس. أمنعهم بكل ما أوتيت من عناد من تسجيل الأهداف المحققة. لماذا كنت أموت بينهم على ذلك النحو؟ ما الذي كنت أحاول إثباته؟
"عتوكة الصغير"، كمشة العظام التي لا تنكسر، البق ما يزهق، الأخبوط الطائر، الجدار العالي، الصخرة العاتية. أقف بين حجرين لساعات طويلة وأتحول إلى شيء أكبر من أحزان الأرض كلها، كأنني حارس حدود لا سلاح لديه سوى يديه. أتابع الكرة تأتي من كل الجهات. ترتفع في الهواء مثل طائر أملط جارح، أو تنسل بين الأقدام كأفعى قرطيطة، أو ترتطم باللاعبين ثم تمضي.. وبووووم، أراها قادمة فأرتمي عليها مرتطما بالأرض العارية. أغوص في الغبار حتى الرأس. أسمع صرخات الفريقين تختلط في رأسي. ترتطم ركبتاي بالأرض وتتمزق الجروح القديمة من جديد. لا يهم الدم السائل. النصر لنا. "عتوكة الكبير" يصفق لأخيه الأصغر. يحرضه على النهوض، وعدم السماح بتلقي أي إصابة. النصر لنا، فأحمل على الأكتاف وكأس الفضة في يدي، وأمي تأمرهم بإرجاعي إلى الأرض.. ويا أمي، سأشبع ضربا وقرصا وصفعا، ولن أبكي. ابنك بطل ولا يقبل بالهزيمة. سأموت كمدا لو انهزمنا. اسألي أخي فاكس. اسألي أخي عزيز. اسألي أقراني.. كريتة وحيشش وكوطيط وجبيلو وسطيكة وحايبور والعماليق. اسأليهم كلهم، فنحن فريق واحد يركض حتى آخر قطرة عرق، وعلى استعداد دائم للنزف حتى آخر قطرة دم. ها هو الغبار يكسو وجوهنا حتى صرنا جميعا متشابهين.. ويا أمي، كنت تقلين السردين عندما كان "ثور" الفريق المنافس يقترب من مرماي بعينيه الحمراوين وقدميه الفيليتين. شعرت بشيء جاف مثل اليتم يشتعل في صدري، فخرجت لملاقاته بكل ما أملك من تهور. ينظر في عينيَّ، فأنظر في عينيه، وقبل أن يسدد ركلته، أرتمي بجسارة بين قدميه وأخطف الكرة، فتتسع السماء كلها فوق رأسي. أرى أبي يصفق. أرى الملائكة وكل الأبطال الخارقين يشيرون نحوي بابتهاج، فأسعد لأنني أصبحت واحدا منهم.. ويا أمي، لا أريد السردين المقلي، ولا ثيابا نظيفة، ولا أربعة ريالات. تعلمين أن الصيف طويل، ولا منجى لنا من عضات الشمس إلا صديقنا التراب. نتمرغ بين أحضانه حتى تتعب الأرجل وتصير الدنيا أكثر برودة. أين سنذهب يا أمي؟
تجرني أمي إلى البيت متربا من رأسي إلى أخمص قدمي، باكيا وجائعا ومهانا. أصوات أخواتي تتقاطع في الغرفة الضيقة، يتضاحكن شامتات، بينما كنت رغم كل الصفع سعيدا بنفسي. أراني محمولا على الأكتاف والكأس في يدي. أخرج من ملابسي الرثة. أغتسل بالماء والصابون. أتجفف بقطعة كتان بالية، ثم أشم رائحة السردين المقلي تأتي من الكشينة. أجلس القرفصاء بينهن وكأن شيئا لم يحدث، وأتطلع لوصول الطبق المعدني الأبيض الكبير إلى المائدة.. يتضاحكن حولي، وأتضاحك معهن، وأضحك للسردين الذي لا يعرف أننا ننتصر بالكرة وحدها على الصيف الطويل..


***

تعليقات

لا توجد تعليقات.

هذا النص

أعلى