أدب السيرة الذاتية سعيد منتسب - من سيرة الصبا... (1- 10)

1- من أين سنأتي ببيت جديد؟

خرجت ضحكة لا تتعدى بضع ثوان من فمي، بينما كنت أظن أنني أبكي. كانت ضحكة خارجة من قفص. البيت يحترق. كتبي تحترق. رسوماتي تلتهمها النار. ترمدت الألوان وضاعت الأشكال، وبكيت لبكاء أمي التي كانت تولول وتضرب على فخذيها. يا لها من ليلة! الجيران مكفهرون، والنار تجعجع في كل اتجاه، وتمد فمها إلى كل شيء قريب مثل حيوان جريح، لا تميز بين هذا الكوخ وذاك. تتأجج وتهتاج وتلتهم. تشنشط وتفحّ في وجه البراريك دون رحمة. تتحدى الأدعية والصلوات. لا أحد يعرف من أشعلها. تأكل كل شيء أمامها. القطط والفئران والصراصير والصناديق والخوابي والأحلام والذكريات. تتراخى السقوف، ويضيء الحي. تتلقى كل شيء بصدر عاري. الرجال في صف طويل يسكبون دلاء المياه، ويكسرون سواري البيوت، ويرجمون جهنم الكحلاء بالأتربة. كلهم يتحولون إلى رجال إطفاء. وأنا أراقب أمي تبكي على صدور جاراتها، تنتقل من هذه إلى تلك، وهن يفعلن مثلها، كأننا في عزاء جماعي عام. ماتت كتبي ولن تعود، لكني مع ذلك سأقبل رأس القمر الذي حل في قلبي بسرية تامة، وأجبرني على الضحك. سأشكر الرصيف أيضا، لأنه تحول إلى حضن دافئ للجميع. لماذا لا يأتي رجال الإطفاء إلى حينا؟ وأين بيتنا الآن؟ أين سيبيت كل هذا الخلق؟
هل أسأل أمي؟ جمار كثيرة تلتصق بالوجوه. ركام من الهلع العاري يأكلنا جميعا. لا أحد يجيب. الكل واجم وحزين. حتى الكبار الذين يملكون أجوبة لكل شيء لا يجيبون. يكتفون بهز رؤوسهم إلى السماء بينما الدخان الأسود يتصاعد بكثافة كاشفا عن ألسنة حمراء من لهب. لم أعد أرى بيتنا. مات بيتنا يا الله. ضعنا في هذا الليل. هنا كان الباب القديم، وهنا كانت الكشينة، وهنا كان صندوق الكتب، وهنا كان الدولاب الذي يحمل كل ثيابنا. وهنا كان يسعل أبي قبل أن يأخذه عزرائيل معه بالإكراه. كلما حاولت أن أحدد مكانا أعرفه بعيني، ضعت. اختلطت البيوت ببعضها، واختلط الرماد بعرق الثياب وكسل الأواني والمغازل والأحلام والمعاني. أصبحنا "ربنا خلقتنا". حينا كله تعرض لنبأ عظيم. ماذا تجدي دموعك يا أمي؟ ماذا يجدي اللطم وتعفير الوجوه بالسخام؟
الجميع يحدق في النار كما لو أنها شياطين رجيمة اتفقت على شن هجوم جماعي علينا. لا جهنم دون شياطين، وهم يريدون الدخول إلى الجنة لرؤية الله والملائكة والأنبياء، ولهذا يقرؤون آية الكرسي والمعوذتين، ويستجيرون بالأولياء الصالحين، بينما الجارات يتباكين نائحات لاطمات متعانقات. لم أكن أفهم كيف يستطعن البكاء بهذا الحزن السائل الذي ينتقل بينهن مثل الماء في السواقي. ولا ماء يكفي في ساقية الحي. صنبور واحد لعشرات المتطوعين الذين يخوضون معركة خاسرة مع جهنم. يعرفون ذلك، لكنهم يدلقون عليها عضلاتهم وشتائمهم ودلاء الماء وأكياس الأتربة. كل شيء يحترق، الصراخ والمجارف والشتائم والدموع. يتقدمون ثم يفرون. النار لا تتكلم. تفح وتزحف وتلتهم، وتطلب المزيد. الأخشاب. الأغطية. الأبواب. الأسرار.. و"زاملا" الذي يأمر "بوانا" باستدعاء الفيلة لإطفاء الحريق الذي شب في الغابة. غابة القصدير تحترق في رأسي، والكنغر "بيتولي" يقفز قفزات مفاجئة أمام النار. يخترق صفوف الرجال الصاخبين، ليحذرهم من قناني الغاز والسراق المتربصين والغرباء ومهتبلي الفرص. أين ستنام الصبايا الناهدات يا "زامبلا" وألسنة النار الطويلة ترعى كيفما اتفق في غابة القصدير؟ أين سيخفين لحومهن وأسرارهن؟ ولماذا تأخر رجال الإطفاء؟
ثم أتوا أخيرا دون استعجال.. طوطو.. طوطو.. يويو.. يويو. جاؤوا بشاحناتهم الحمراء وخراطيمهم الطويلة وحكاياتهم التي لا تنتهي. كانوا يتحركون ببطء شديد لإطفاء ما تبقى من جمار وخراب. تراجع الرجال إلى حسراتهم، وتركوهم يغرقون ما تبقى. سددوا معاهم بقوة، أنهوا كل شيء في هذا الليل الذي لا يريد أن ينتهي أبداً، ثم انصرفوا.
جلس الرجال، وخفتت الأصوات، وتراكم القصدير المحروق فوق بعضه. النار وحش شبع أخيرا. أكل كل شيء قبل أن ينكفئ على نفسه، تاركا خلفه رائحة تغطي حينا والأحياء المجاورة. ضاعت روائحنا يا أمي، كما ضاعت كتبي ورسوماتي، فمن أين سنأتي يا الله ببيت جديد وأغطية جديدة؟ Voir moins
أنيس الرافعي
سيرة شاهقة....قرأت هذا المقطع بمتعة كبيرة....إعجابي الكبير أخي الحبيب سي سعيد...الإنسان النبيل و الكاتب الكبير


***

2- حفظ البيت الغريق

المطر غزير في الزقاق هذا الصباح. لا شيء يقي أكواخنا من الغرق. نغرق، لكننا لا نبكي. يهزنا الماء، لكننا نشعل المجامر، ونكثر من أكل العدس. عدس في كل الوجبات، ليلا ونهارا، وفي كل الأيام. تمطر فتبتهج وجوهنا، كأننا نقيم أعراسا غير مرئية. أرتدي معطفا بلاستيكيا وحذاء من الكاوتشو، وأغرق. لا أقاوم الغرق. أسير فيه وأصرخ بابتهاج. كل الأطفال يصرخون، لأن الله أطلق سراح أنهاره العلوية. الجنة فوق السحب، والسحب فوقنا، ونحن تحت السحب. نتلقاها بصدور مؤمنة. كلنا مؤمنون، ونحب الله والجنة والسحب. أضيع في الزقاق. أتبلل بالكامل، وأردد بيني وبين نفسي سورة الواقعة. ليس لوقعتها كاذبة. سأستظهرها أمام السي شكري. لن أترك له أي فرصة لصفعي. أحفظ لأقاوم الصفع. خافضة رافعة. لن أتركهم يخفضون رأسي، ويرفعون رجلي. أربعة شداد، زبانية المعلم الذين لا يرحمون. أسرع الخطى. حذائي الكاوتشو يصدر أصواتاً مضحكة كلما رفعت قدمي. يخشفش في الوحل. باردا وثقيلا. نحن قدرنا بينكم الموت، وما نحن بمسبوقين. أكررها كأني أردد تعويذة. المعلم لا يرحم، والزبانية لا قلوب لهم. روبوتات بريش وأجنحة وأصابع غليظة وهراوات. لو نشاء لجعلناه حطاما. أتحسس ضلوعي. صفعاته تهبط على أجسادنا الهزيلة مثل الصواعق. لا يحب التلعثم. لا يحب النسيان. ولا يحب أهل الشمال. فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون. نموت ولا نموت. لا نترك الروح تخرج من الحلقوم، نحبسها قبل أن تخرج. نتضرع إلى الله أن ينجينا.
ألج إلى "المقبرة" (المدرسة تشتهر بهذا الاسم) مبللاً حتى العظم. الساحة تحولت إلى مستنقع كبير. الأطفال يتقافزون فوق البرك مثل الهنود الحمر، ويطلقون ضحكاتهم في كل الاتجاهات، لا يعيرون اهتماما للسحب التي تستمر دون اكتراث في سكب أنهارها على رؤوسهم، كأنهم من أصحاب النعيم. يتراكضون في الوحل. لا يسعلون، ولا يمرضون، ولا يحفظون. أرتعش في مكاني. أشتهي سقفا وغطاء وصحن حساء. يدق الجرس، فنصطف جميعا كجنود صغار. أراقب النوافذ المغبشة وأشجار الكالبتوس التي تهتز خلف السور، على مقربة من درب الكبير. الجنة ما تزال مفتوحة على مصراعيها، ترسل علينا نهرا تلو نهر. الله رحيم ورحمان، والمعلم ينتظرنا دون رحمة داخل القسم. يحمل كناشاً أسود وعصاً رفيعة. يضعهما فوق الطاولة، ثم يبدأ في استدعاء الأسماء. كل اسم يخرج من فمه يبدو حكماً قضائياً. وكل تلميذ يقف كأنه متهم تنتظره ابتسامة رضوان أو تكشيرة مالك. أتحسس الآيات داخل رأسي. والسابقون السابقون، أولئك المقربون. لا تخذليني أيتها الواقعة اليوم. أستحلفك بالله والملائكة والسدر المخضود والطلح المنضود. الكلمات تختبئ في حلقي أو لهاتي، وأحياناً تحت لساني، كأنها تلهو بي. تقترب ثم تنفر مثل وعل، وأنا أطاردها بقوس ذعري. ماذا لو نسيت؟ ماذا لو تحجر لساني في منتصف السورة؟ ماذا لو كنت هذا اليوم تحت رحمة الزبانية؟
ينادي المعلم اسمي. سعييييد منتسب، فينهض قلبي بارتجاف، وأغرق في سموم وحميم. كوخنا يغرق، وأمي تغزل جوعنا وتزينه بالخبز الأسمر وحبات العدس. أقف. الوحل يملأ الساحة، وأنا أملأ جوفي بالخوف من الله والعصا. أرى أمي وهي توقظني قبل الفجر بقليل. أرى أبي البعيد في قبره، يدخن السبسي، ويأمرني بأن أقرأ بثقة. أرى كل شيء دفعة واحدة. حياتي وموتي. الشمس والغرق. الجنة والنار. دفوف الملائكة وسياط الزبانية. ثم أبدأ بصوت خافت أول الأمر، قبل أن تستقيم الآيات في فمي، ويستوي معها ظهري. لم أكن أحفظ السورة فقط. كنت أحفظ كرامتي كما لو كانت كوخنا الذي تركته هذا الصباح وحيدا بين براثن الغرق

***

3- السقف الذي بقي لنا

لأصل إلى مدرسة "المقبرة" باكرا، كان علي أن أقطع سيرا على القدمين مدينة من الظلام القصديري الجاثم كيفما اتفق على صدورنا. أستيقظ في الساعة السادسة صباحا. لا أفطر. أخفي هزالي في سروال وقميص وصندل، ثم أتدحرج في الظلمة، حذرا من أنياب الكلاب وهسهسات العفاريت المتأخرين عن النوم. أشتهي فطيرة ساخنة من حانوت "با ناصر"، لكني لا أملك ثمنها، فأتابع سيري النعسان نحو المدرسة. أمشي كالمسرنم. لا أشعر بأني أمشي. أتدحرج دون إرادتي، كأنني أحلم، وأحلم بكوب شاي وفطيرة مغموسة في العسل. أغمض عيني لآكلها قبل أن يأكلني درس النحو والإعراب.
أصل إلى المدرسة وقد سبقني إليها الجوع. يدخل إلى الحجرة الدراسية قبلي ويجلس على الكرسي، يمد ساقيه تحت الطاولة ويشرع في عضّ أحشائي ببطء. يفترسني بالتذاذ بينما أراقب التلاميذ وهم يخرجون من محافظهم قطع الخبز المحشوة بالزبدة أو الجبن، فأشيح عنهم بوجهي كمن يتفادى النظر إلى شمس قوية. لم أكن أحسدهم، كنت فقط أتساءل كيف يستطيع المرء أن يفكر في الدرس ومعدته تعوي مثل كلب ضال.
في القسم، كانت حروف اسمي تتراقص أمام عيني. أحيانا تتحول السين إلى أسنان، والعين إلى رغيف ساخن، والياء إلى شطائر خبز أبيض، والدال إلى هلالية محشوة بمربى التوت. أقاوم النعاس والجوع معا، وأتشبث بصوت المعلم كغريق يتعلق بلوح خشب وسط بحر هائج. السي الآصفي لا يلعب. معلم عبوس، بشوارب ممتلئة وذقن حليق. يؤمن بأن العصا خرجت من الجنة لتأديب الصبيان المتخاذلين الذين لا يحفظون القرآن وقواعد النحو والصرف والإعراب. علمونا أن الجنة تخلو من العقاب، وأنها استمتاع مؤبد، خالدين فيها أبدا، بالفاكهة واللبن ولحم الطير والتمور والعسل والخمور. فمن أين أتت العصا؟ وهل كان السي الآصفي في الجنة قبل أن يصبح معلما في مدرستنا؟ هل يعرف الله؟ من أين أتت العصا؟ هل اقترضها من النار؟ لا يوجد حطب في الجنة..
تأذن ساعة الاستراحة، فيندفع خلق كثير نحو الساحة؛ التلاميذ ينفخون رياشهم كالعصافير التي فُتح لها القفص، والمعلمون يتجمعون في دوائر صغيرة قرب مكتب المدير. أما أنا فألجأ بجوعي إلى ظل بعيد، أراقب الكرة وهي تنتقل بين الأقدام. لا أقوى على اللعب معهم، وأحب الكرة لأنها لا تسأل صاحبها عن أبيه الميت، ولا عن ثمن حذائه البلاستيكي الممزق، ولا عن عدد الأرغفة التي أكلها صباحا قبل أن يركله النوم من فراشه. الكرة حبيبتي، عادلة وتمنح فرحها للجميع بالتساوي. أنا حارس فريق الحي. الحارس الانتحاري الذي لا يهزم. أصد الكرات. أرتقي إلى السماء، وأرتطم بالأرض. أسلخ جلدي بفخر، وهم يلتهمون أرغفتهم بنهم. لا يعيرون اهتماما لجوعي الذي يكبر بيني وبينهم. أشيح بوجهي وألتقط ورقة من الأرض لأرسم عليها. بيت أكبر من بيتنا، لا تحرقه الشمس ولا يتلفه السيل. بيت نظيف وأم لا تبكي لأنها تعبت من الغسل والطبخ، وأب يعود من موته حاملا أكياسا من الحلوى، وإخوة خفاف لا يشبهون الخفافيش. أنسى الجوع، ينساني كأن لا معدة لي. أطوي الورقة وأخفيها، كأنني أخفي كنزا.
وعندما ينتهي الدوام، أعود أدراجي عبر مدينة الأكواخ نفسها. أملك الآن بيتا كبيرا، وأما لا تبكي، وأبا لم يستعذب الموت كما استعذب السبسي. أنا غني، أغنى من المعلم والمدير، ومن سليمان وقارون.
نعود إلى الدرس والشمس تكمع بين الغيوم، نكتب ونستظهر ونتبارى على الأرقام والكلمات، نضحك ونبكي، لكن الجوع يعود. يشبعني ركلا ورفسا. أشعر بالدوار قليلا، فأتوسل إليه أن يكف. قالوا لي إن الجوع كافر، ولا يعرف الله، ولا رسوله. يقولون إنه يسرق الحقول والمطامر، ويفرض ضريبته على الشعب. لو كان أبي حيا لقتله. قالت أمي إن أبي كان يخفي مدية حادة في حقيبته.
نخرج من "المقبرة" عظاما تكز على عظام. هم أكلوا، وأنا جوعي يسير إلى جانبي كظل طويل. أركل حجرا أمامي وأتبعه، فيركلني ويتبعني. أعبر حي عين الشفاء، فدرب ميلان، ثم أرتمي في حضن الأكواخ المكفهرة. روائح صعبة. وجوه غبشاء. نساء بأجساد فائضة. رجال يأكلهم الدخان.. وصبايا يتمردن على الأرحام، جميلات وجميلات وجميلات. يا الله متى خلقتهن؟ ولماذا تعاقب عبادك الفقراء بجمالهن؟
في الطريق، كانت رائحة الخبز الساخن تتسلل من الأفران الشعبية المتقاربة. خبز الشعير. خبز القمح. خبز الفرينة. خبز الذرة. خبز الشحمة. لاطات السردين. روائح تمضي، وأخرى تقبل، فتفعل بي ما يفعله السراب بالضمآن. التقلية. البيض بماطيشة. مرق الدجاج بالبطاطا والزيتون. الهركمة. طاجين الخضر. طاجين البصل بالزبيب. السردين مشوي. الفاصولياء. كسكس البلبولة. الباداز. صيكوك. أتوقف لحظة أمام أبواب المنازل لأستنشق الطبيخ بعمق، ثم أمضي سعيدا بالجنة. جوعي يأكل الآن. يأكل الروائح التي تهاجمني، ولا يأكلني.
أصل جائعا إلى البيت، أصير جوعا كاملا، فأجد أمي منهمكة في معاركها اليومية مع الغسيل والطبيخ. تبتسم في وجهي وتضع أمامي خبزا بائتا وكأس شاي. الطنجرة تغلي بالعدس الذي يؤجل مصائب أمعائنا الفارغة يوما آخر. أنسى كل الروائح، وأحب أمي. كانت تقف في وجه الحياة كما تقف شجرة وحيدة في مهب الريح. تصبن وتعجن وتطبخ وتعمل في البيوت، لنكبر سريعا. أجلس قربها وأحدثها عن المدرسة وعن مباراة الكرة وعن المعلم الذي أثنى على خطي، لكنه غافلني وصفعني لأنني غفوت. كانت تبتسم، فأشعر أن السقف فوق رؤوسنا لم يعد في مكانه. زال لأن الله قريب ممن دعاه، وأنا دعوته أن أغمض عيني وأفتحها فأصير أربعينيا يعمل في مصانع عين السبع لتستريح أمه الحبيبة . لا شيء يفصلنا عن السماء، والله قريب يا أمي، ولن أموت في الأربعين مثل أبي. لن أتركك لتعضك البيوت والحقول والمتربصين. وها أنا يا أمي أسألك: "هل حقا نجونا؟". لا تجيب. تحرك رأسها ببطء، بينما أكتفي بضم ركبتي إلى صدري، مصغيا إلى تنفس أختي الصغرى في الغرفة المجاورة. أعاود سؤالي، فتهمس لي أن نعم، كأن صوتها وحده كان السقف الذي بقي لنا.

***

4- من أين سنأتي ببيت جديد؟

خرجت ضحكة لا تتعدى بضع ثوان من فمي، بينما كنت أظن أنني أبكي. كانت ضحكة خارجة من قفص. البيت يحترق. كتبي تحترق. رسوماتي تلتهمها النار. ترمدت الألوان وضاعت الأشكال، وبكيت لبكاء أمي التي كانت تولول وتضرب على فخذيها. يا لها من ليلة! الجيران مكفهرون، والنار تجعجع في كل اتجاه، وتمد فمها إلى كل شيء قريب مثل حيوان جريح، لا تميز بين هذا الكوخ وذاك. تتأجج وتهتاج وتلتهم. تشنشط وتفحّ في وجه البراريك دون رحمة. تتحدى الأدعية والصلوات. لا أحد يعرف من أشعلها. تأكل كل شيء أمامها. القطط والفئران والصراصير والصناديق والخوابي والأحلام والذكريات. تتراخى السقوف، ويضيء الحي. تتلقى كل شيء بصدر عاري. الرجال في صف طويل يسكبون دلاء المياه، ويكسرون سواري البيوت، ويرجمون جهنم الكحلاء بالأتربة. كلهم يتحولون إلى رجال إطفاء. وأنا أراقب أمي تبكي على صدور جاراتها، تنتقل من هذه إلى تلك، وهن يفعلن مثلها، كأننا في عزاء جماعي عام. ماتت كتبي ولن تعود، لكني مع ذلك سأقبل رأس القمر الذي حل في قلبي بسرية تامة، وأجبرني على الضحك. سأشكر الرصيف أيضا، لأنه تحول إلى حضن دافئ للجميع. لماذا لا يأتي رجال الإطفاء إلى حينا؟ وأين بيتنا الآن؟ أين سيبيت كل هذا الخلق؟
هل أسأل أمي؟ جمار كثيرة تلتصق بالوجوه. ركام من الهلع العاري يأكلنا جميعا. لا أحد يجيب. الكل واجم وحزين. حتى الكبار الذين يملكون أجوبة لكل شيء لا يجيبون. يكتفون بهز رؤوسهم إلى السماء بينما الدخان الأسود يتصاعد بكثافة كاشفا عن ألسنة حمراء من لهب. لم أعد أرى بيتنا. مات بيتنا يا الله. ضعنا في هذا الليل. هنا كان الباب القديم، وهنا كانت الكشينة، وهنا كان صندوق الكتب، وهنا كان الدولاب الذي يحمل كل ثيابنا. وهنا كان يسعل أبي قبل أن يأخذه عزرائيل معه بالإكراه. كلما حاولت أن أحدد مكانا أعرفه بعيني، ضعت. اختلطت البيوت ببعضها، واختلط الرماد بعرق الثياب وكسل الأواني والمغازل والأحلام والمعاني. أصبحنا "ربنا خلقتنا". حينا كله تعرض لنبأ عظيم. ماذا تجدي دموعك يا أمي؟ ماذا يجدي اللطم وتعفير الوجوه بالسخام؟
الجميع يحدق في النار كما لو أنها شياطين رجيمة اتفقت على شن هجوم جماعي علينا. لا جهنم دون شياطين، وهم يريدون الدخول إلى الجنة لرؤية الله والملائكة والأنبياء، ولهذا يقرؤون آية الكرسي والمعوذتين، ويستجيرون بالأولياء الصالحين، بينما الجارات يتباكين نائحات لاطمات متعانقات. لم أكن أفهم كيف يستطعن البكاء بهذا الحزن السائل الذي ينتقل بينهن مثل الماء في السواقي. ولا ماء يكفي في ساقية الحي. صنبور واحد لعشرات المتطوعين الذين يخوضون معركة خاسرة مع جهنم. يعرفون ذلك، لكنهم يدلقون عليها عضلاتهم وشتائمهم ودلاء الماء وأكياس الأتربة. كل شيء يحترق، الصراخ والمجارف والشتائم والدموع. يتقدمون ثم يفرون. النار لا تتكلم. تفح وتزحف وتلتهم، وتطلب المزيد. الأخشاب. الأغطية. الأبواب. الأسرار.. و"زامبلا" الذي يأمر "بوانا" باستدعاء الفيلة لإطفاء الحريق الذي شب في الغابة. غابة القصدير تحترق في رأسي، والكنغر "بيتولي" يقفز قفزات مفاجئة أمام النار. يخترق صفوف الرجال الصاخبين، ليحذرهم من قناني الغاز والسراق المتربصين والغرباء ومهتبلي الفرص. أين ستنام الصبايا الناهدات يا "زامبلا" وألسنة النار الطويلة ترعى كيفما اتفق في غابة القصدير؟ أين سيخفين لحومهن وأسرارهن؟ ولماذا تأخر رجال الإطفاء؟
ثم أتوا أخيرا دون استعجال.. طوطو.. طوطو.. يويو.. يويو. جاؤوا بشاحناتهم الحمراء وخراطيمهم الطويلة وحكاياتهم التي لا تنتهي. كانوا يتحركون ببطء شديد لإطفاء ما تبقى من جمار وخراب. تراجع الرجال إلى حسراتهم، وتركوهم يغرقون ما تبقى. سددوا معاهم بقوة، أنهوا كل شيء في هذا الليل الذي لا يريد أن ينتهي أبداً، ثم انصرفوا.
جلس الرجال، وخفتت الأصوات، وتراكم القصدير المحروق فوق بعضه. النار وحش شبع أخيرا. أكل كل شيء قبل أن ينكفئ على نفسه، تاركا خلفه رائحة تغطي حينا والأحياء المجاورة. ضاعت روائحنا يا أمي، كما ضاعت كتبي ورسوماتي، فمن أين سنأتي يا الله ببيت جديد وأغطية جديدة؟

***

5- بالكرة وحدها ننتصر على الصيف الطويل

في كريان "بنمسيك"، الصيف طويل، وكل يوم يشبه كثيرا اليوم الذي سبقه. السماء تستشيط حَرّاً، ولا شيء نفعله سوى اللعب بالكرة. ترابيون حتى العظم، بوجوه ممتقعة وملابس رثة لا تعجب أحدا. لا تعجبنا البتة، ولا نكترث لها البتة. ندخل فيها أو نتركها تدخل فينا، ونهرب إلى ملعب "الجير" القريب من "الشانطي" الفاصل بين ملعب "لاجونيس" والبراريك الزاحفة صعودا إلى "إعدادية ابن حزم".
من يملك الكرة هو السيد، والآخرون مجرد حالة اضطراب قصوى لم يكن من الممكن التكهن دائما بنتائجها. السيد هو الذي يختار فريقه بكل اطمئنان. يضم إليه الأقوياء والصناديد والبارعين، ويترك الباقي للفريق الخصم. ما يهم السيد هو الربح، وما يهمنا جميعا هو اللعب. نركض بسيقان عارية، نتحول إلى غبار كثيف. المردة ضد الشياطين. نركض ساعات طويلة دون توقف. نكتفي بشرب الماء، ونتابع ركل الكرة، بينما كنت أصد الكرات، الواحدة تلو الأخرى، ببراعة شاهقة. أنا حارس المرمى. شقيق "عتوكة" الحارس الخارق لفريق الحي، والأخ الأصغر لـ"فاكس" حارس فريق "النصر"، والتلميذ العنيد لمصطفى الأعور، حارس فريق "وفاء وداد".
وجدت نفسي أحرس العرين مبكرا. الحارس "عتوكة" يستحق، وأنا لم أرتب لأي شيء على الإطلاق. أوظب مهاراتي بعناية لأكون سدا منيعا في الأرض والسماء وما بينهما. لا أغفو، وأهتز بعصبية في كل حين حتى لا تغدرني أي قذيفة مباغتة. أموت بعينين مفتوحتين في المرمى. أستأسد على مهاجمي الفريق المنافس. أمنعهم بكل ما أوتيت من عناد من تسجيل الأهداف المحققة. لماذا كنت أموت بينهم على ذلك النحو؟ ما الذي كنت أحاول إثباته؟
"عتوكة الصغير"، كمشة العظام التي لا تنكسر، البق ما يزهق، الأخبوط الطائر، الجدار العالي، الصخرة العاتية. أقف بين حجرين لساعات طويلة وأتحول إلى شيء أكبر من أحزان الأرض كلها، كأنني حارس حدود لا سلاح لديه سوى يديه. أتابع الكرة تأتي من كل الجهات. ترتفع في الهواء مثل طائر أملط جارح، أو تنسل بين الأقدام كأفعى قرطيطة، أو ترتطم باللاعبين ثم تمضي.. وبووووم، أراها قادمة فأرتمي عليها مرتطما بالأرض العارية. أغوص في الغبار حتى الرأس. أسمع صرخات الفريقين تختلط في رأسي. ترتطم ركبتاي بالأرض وتتمزق الجروح القديمة من جديد. لا يهم الدم السائل. النصر لنا. "عتوكة الكبير" يصفق لأخيه الأصغر. يحرضه على النهوض، وعدم السماح بتلقي أي إصابة. النصر لنا، فأحمل على الأكتاف وكأس الفضة في يدي، وأمي تأمرهم بإرجاعي إلى الأرض.. ويا أمي، سأشبع ضربا وقرصا وصفعا، ولن أبكي. ابنك بطل ولا يقبل بالهزيمة. سأموت كمدا لو انهزمنا. اسألي أخي فاكس. اسألي أخي عزيز. اسألي أقراني.. كريتة وحيشش وكوطيط وجبيلو وسطيكة وحايبور والعماليق. اسأليهم كلهم، فنحن فريق واحد يركض حتى آخر قطرة عرق، وعلى استعداد دائم للنزف حتى آخر قطرة دم. ها هو الغبار يكسو وجوهنا حتى صرنا جميعا متشابهين.. ويا أمي، كنت تقلين السردين عندما كان "ثور" الفريق المنافس يقترب من مرماي بعينيه الحمراوين وقدميه الفيليتين. شعرت بشيء جاف مثل اليتم يشتعل في صدري، فخرجت لملاقاته بكل ما أملك من تهور. ينظر في عينيَّ، فأنظر في عينيه، وقبل أن يسدد ركلته، أرتمي بجسارة بين قدميه وأخطف الكرة، فتتسع السماء كلها فوق رأسي. أرى أبي يصفق. أرى الملائكة وكل الأبطال الخارقين يشيرون نحوي بابتهاج، فأسعد لأنني أصبحت واحدا منهم.. ويا أمي، لا أريد السردين المقلي، ولا ثيابا نظيفة، ولا أربعة ريالات. تعلمين أن الصيف طويل، ولا منجى لنا من عضات الشمس إلا صديقنا التراب. نتمرغ بين أحضانه حتى تتعب الأرجل وتصير الدنيا أكثر برودة. أين سنذهب يا أمي؟
تجرني أمي إلى البيت متربا من رأسي إلى أخمص قدمي، باكيا وجائعا ومهانا. أصوات أخواتي تتقاطع في الغرفة الضيقة، يتضاحكن شامتات، بينما كنت رغم كل الصفع سعيدا بنفسي. أراني محمولا على الأكتاف والكأس في يدي. أخرج من ملابسي الرثة. أغتسل بالماء والصابون. أتجفف بقطعة كتان بالية، ثم أشم رائحة السردين المقلي تأتي من الكشينة. أجلس القرفصاء بينهن وكأن شيئا لم يحدث، وأتطلع لوصول الطبق المعدني الأبيض الكبير إلى المائدة.. يتضاحكن حولي، وأتضاحك معهن، وأضحك للسردين الذي لا يعرف أننا ننتصر بالكرة وحدها على الصيف الطويل..

***


6- بالكرة وحدها ننتصر على الصيف الطويل

في كريان "بنمسيك"، الصيف طويل، وكل يوم يشبه كثيرا اليوم الذي سبقه. السماء تستشيط حَرّاً، ولا شيء نفعله سوى اللعب بالكرة. ترابيون حتى العظم، بوجوه ممتقعة وملابس رثة لا تعجب أحدا. لا تعجبنا البتة، ولا نكترث لها البتة. ندخل فيها أو نتركها تدخل فينا، ونهرب إلى ملعب "الجير" القريب من "الشانطي" الفاصل بين ملعب "لاجونيس" والبراريك الزاحفة صعودا إلى "إعدادية ابن حزم".
من يملك الكرة هو السيد، والآخرون مجرد حالة اضطراب قصوى لم يكن من الممكن التكهن دائما بنتائجها. السيد هو الذي يختار فريقه بكل اطمئنان. يضم إليه الأقوياء والصناديد والبارعين، ويترك الباقي للفريق الخصم. ما يهم السيد هو الربح، وما يهمنا جميعا هو اللعب. نركض بسيقان عارية، نتحول إلى غبار كثيف. المردة ضد الشياطين. نركض ساعات طويلة دون توقف. نكتفي بشرب الماء، ونتابع ركل الكرة، بينما كنت أصد الكرات، الواحدة تلو الأخرى، ببراعة شاهقة. أنا حارس المرمى. شقيق "عتوكة" الحارس الخارق لفريق الحي، والأخ الأصغر لـ"فاكس" حارس فريق "النصر"، والتلميذ العنيد لمصطفى الأعور، حارس فريق "وفاء وداد".
وجدت نفسي أحرس العرين مبكرا. الحارس "عتوكة" يستحق، وأنا لم أرتب لأي شيء على الإطلاق. أوظب مهاراتي بعناية لأكون سدا منيعا في الأرض والسماء وما بينهما. لا أغفو، وأهتز بعصبية في كل حين حتى لا تغدرني أي قذيفة مباغتة. أموت بعينين مفتوحتين في المرمى. أستأسد على مهاجمي الفريق المنافس. أمنعهم بكل ما أوتيت من عناد من تسجيل الأهداف المحققة. لماذا كنت أموت بينهم على ذلك النحو؟ ما الذي كنت أحاول إثباته؟
"عتوكة الصغير"، كمشة العظام التي لا تنكسر، البق ما يزهق، الأخبوط الطائر، الجدار العالي، الصخرة العاتية. أقف بين حجرين لساعات طويلة وأتحول إلى شيء أكبر من أحزان الأرض كلها، كأنني حارس حدود لا سلاح لديه سوى يديه. أتابع الكرة تأتي من كل الجهات. ترتفع في الهواء مثل طائر أملط جارح، أو تنسل بين الأقدام كأفعى قرطيطة، أو ترتطم باللاعبين ثم تمضي.. وبووووم، أراها قادمة فأرتمي عليها مرتطما بالأرض العارية. أغوص في الغبار حتى الرأس. أسمع صرخات الفريقين تختلط في رأسي. ترتطم ركبتاي بالأرض وتتمزق الجروح القديمة من جديد. لا يهم الدم السائل. النصر لنا. "عتوكة الكبير" يصفق لأخيه الأصغر. يحرضه على النهوض، وعدم السماح بتلقي أي إصابة. النصر لنا، فأحمل على الأكتاف وكأس الفضة في يدي، وأمي تأمرهم بإرجاعي إلى الأرض.. ويا أمي، سأشبع ضربا وقرصا وصفعا، ولن أبكي. ابنك بطل ولا يقبل بالهزيمة. سأموت كمدا لو انهزمنا. اسألي أخي فاكس. اسألي أخي عزيز. اسألي أقراني.. كريتة وحيشش وكوطيط وجبيلو وسطيكة وحايبور والعماليق. اسأليهم كلهم، فنحن فريق واحد يركض حتى آخر قطرة عرق، وعلى استعداد دائم للنزف حتى آخر قطرة دم. ها هو الغبار يكسو وجوهنا حتى صرنا جميعا متشابهين.. ويا أمي، كنت تقلين السردين عندما كان "ثور" الفريق المنافس يقترب من مرماي بعينيه الحمراوين وقدميه الفيليتين. شعرت بشيء جاف مثل اليتم يشتعل في صدري، فخرجت لملاقاته بكل ما أملك من تهور. ينظر في عينيَّ، فأنظر في عينيه، وقبل أن يسدد ركلته، أرتمي بجسارة بين قدميه وأخطف الكرة، فتتسع السماء كلها فوق رأسي. أرى أبي يصفق. أرى الملائكة وكل الأبطال الخارقين يشيرون نحوي بابتهاج، فأسعد لأنني أصبحت واحدا منهم.. ويا أمي، لا أريد السردين المقلي، ولا ثيابا نظيفة، ولا أربعة ريالات. تعلمين أن الصيف طويل، ولا منجى لنا من عضات الشمس إلا صديقنا التراب. نتمرغ بين أحضانه حتى تتعب الأرجل وتصير الدنيا أكثر برودة. أين سنذهب يا أمي؟
تجرني أمي إلى البيت متربا من رأسي إلى أخمص قدمي، باكيا وجائعا ومهانا. أصوات أخواتي تتقاطع في الغرفة الضيقة، يتضاحكن شامتات، بينما كنت رغم كل الصفع سعيدا بنفسي. أراني محمولا على الأكتاف والكأس في يدي. أخرج من ملابسي الرثة. أغتسل بالماء والصابون. أتجفف بقطعة كتان بالية، ثم أشم رائحة السردين المقلي تأتي من الكشينة. أجلس القرفصاء بينهن وكأن شيئا لم يحدث، وأتطلع لوصول الطبق المعدني الأبيض الكبير إلى المائدة.. يتضاحكن حولي، وأتضاحك معهن، وأضحك للسردين الذي لا يعرف أننا ننتصر بالكرة وحدها على الصيف الطويل..


***

(من سيرة الصبا) "7" في حقول "الوقاش"
ـــــــــــــــــــــــــــ
عرايا حتى العظم، بهزال الذين يعانون من سوء التغذية، كنا نهرب من البيض بالطماطم، والعدس المُبخَّش، والمرق الخالي من اللحم، والرفيسة العمياء، والخبز والشاي، والمعكرونة بالحليب، والصنادل التي تهوي على رؤوسنا من كل اتجاه، وتطردنا إلى الخارج. نسير في ركاب الريح جماعات، لا نلوي على شيء، نمشي في اتجاه الحقول القريبة، لنجني البطاطا التي نسلقها في علب التونة من الحجم الكبير. نملأ العلبة بماء البئر القريبة، ونشعل تحتها النار، ثم نلتهم بنهم ما طبخناه. نبحث عن الكرنينة وكرينبوش والسنابل الحضراء الممتلئة، ونأكل. لا نكف عن الأكل، كأننا في سباق محموم مع الجوع.
نترك خلفنا الأكواخ والآباء والأمهات. نهرب من رقابتهم وزجرهم، ومن كل الرتابة التي تعشش في جدران القصدير وسقوفه. وما إن نبلغ الحقول حتى نشعر بأن الدنيا اتسعت فجأة وصارت أكبر، وأن الهواء صار أخف وصالحا لأجنحتنا غير المرئية، وأن الشمس القريبة نفسها أقل قسوة مما تبدو عليه فوق الكريان.
في تلك الحقول، نركض بلا سبب كالملاسيع، ونتدحرج فوق التراب كالجحوش التي تبطش بها النُعَرَة. نقتلع ما تيسر من نباتات برية من هنا وهناك، ثم نجتمع حول نار صغيرة أشعلناها بما التقطناه من عيدان دوم يابسة وأكياس ورقية، نراقب الماء وهو يغلي في علبة التونة، كأننا نراقب معجزة كبرى ستحدث وتملأ بطوننا التي تطالب دائما بالمزيد. لم يكن للبطاطا طعم خاص، لكن الجوع كان طباخا بارعا، يحول كل شيء إلى لحم ودجاج وسمك وحلوى وفاكهة ومربى. نأكل بأيد متسخة، أحدنا يهرف على الآخر، ويستغفله. نضحك بأفواه ممتلئة، ثم نتمدد على ظهورنا ونحدق في السماء التي لا ترحم أحدا. تمر أسراب الجاوش فوقنا، وتدور الحدآت في الأعالي، بينما يواصل الجراد عزفه الأبدي بين الأعشاب.
لم نكن نفكر في شيء. أو لعلنا كنا نفكر في كل شيء دفعة واحدة، دون أن نعرف حقيقة الأشياء التي نفكر فيها. أشك بأننا نفكر. لا شيء يدعو إلى التفكير. برمجنا الجوع، وجعلنا نركض خلفه. نشعر به دون أن نكون جوعى. نراه في الكراريس، وفي سوق الجزارين. نراه في أجسادنا الخفيفة، وفي عيون آبائنا التي تشققت في الشانطيات والمعامل. يتعرقون على الحجر الصلد، ويغنمون الحصى الذي لا يسمن ولا يغني. وحين يعودون في آخر النهار إلى الأكواخ يندسون في أرحام أمهاتنا ليرتاحوا من المعاول والفؤوس. الأبناء مجرد شهقات تخرج من تعب الآباء، والأمهات ماكينات لصنع الأفواه. هكذا تعلمنا، ولهذا صرنا خفافا من العظم واللحم إلى درجة أننا نحسب أنفسنا قادرين على اللحاق بالريح لو قررت الهرب منا. أسرع من الريح كنا. نسابق الضفادع في الضايات الآسنة، ونحصي الحشرات الغريبة الطائرة التي كانت تحط على أجسادنا العارية. هنودا حمرا مبجلين وشجعانا كنا، نحارب أصحاب البزات الزرقاء ورعاة البقر وذوي الوجوه الشاحبة الذين يغرقون قبائلنا بالبنادق والكحول والتبغ المغشوش. نطلق صيحاتنا وسهامنا وفؤوسنا على الأعداء، ونحيط بعربات القوافل في دائرة نارية تضيق شيئا فشيئا حتى نحرق آخر عربة، ثم نلوذ بالفرار من الفلاحين الذين يظهرون لنا من بعيد صائحين لاعنين مهتاجين، نترك كل شيء، ونتفرق راكضين في كل اتجاه كالعفاريت، نركض ونضحك، كأننا خرجنا لتونا من معركة منتصرين وغانمين.
كانت الحقول تمنحنا دائما ما يبخل به علينا الصفيح. تمنحنا الاتساع الأخضر، ووهما جميلا بأن العالم لا ينتهي عند آخر كوخ في حينا. العالم أكثر اتساعا من دخان القرقورية، وأكثر رأفة من قبضة أحمد بيطة، وأكثر تواضعا من دراجة عوبي الطيار. هناك اكتشفنا أعشاش السمان وأم قنين والبلشون، وجحور القنافذ والثعالب والأرانب البرية، وأشجار الكاليبتوس، وزهور شقائق النعمان التي تصبغ الأيدي والأفواه بلون أرجواني لا يزول بسهولة. تعلمنا أن نميز بين الفطريات التي تؤكل والفطريات السامة. قطفنا مريوت وشدق الجمل والحميضاء والعسلوج. حفظنا عن ظهر قلب مسالك السواقي وأماكن الآبار السرية، ثم ننتهي إلى الضحك، لأن أحدا منا لم يكن يملك شيئا سوى تلك المعرفة المجانية التي تمنحها الأقدام لمن يكثر المشي والركض. كل المداخل والمخارج صارت تعرفنا. حتى الفلاحون صاروا يغضون الطرف عن الغارات التي نشنها بشكل يومي على حقولهم. يتعاملون معنا كالأشباح، وإذا سقط شبح بين أيديهم يشبعونه ضربا، وقد يربطونه إلى شجرة. هذا ما فعلوه مع المدني، ومع الزيزون، ومع باليماكو الذي ضبطوه يزرع الريش ليحصل على البط والإوز والدجاج. أكل أصدقائي ما يأكله الطبل في الأعراس، وعادوا إلينا أبطالا ضاحكين..
وحين تميل الشمس إلى الغروب، ويبدأ ظل الأشجار في الاتساع جارفا أمامه الشمس التي دقت أوتادها فوق التراب، نتذكر فجأة أن أمهاتنا تنتظرن عودتنا بكل الغبار الذي تراكم على أجسادنا العارية لساعات. نعود إليهن جماعات كما تسربنا من حجورهن جماعات، هنودا حمرا بسيقان عارية، ورعاة بقر بجيوب ممتلئة عن آخرها بحفنات من السنابل وقرون كرينبوش، وما تيسر من بتلات شقائق النعمان. كانت أمهاتنا يعرفن من أول نظرة أين كنا. لا يسألن كثيرا حين ننكس رؤوسنا أمام نظراتهن المعاتبة، ونتمسكن كأطفال حديثي اليتم. يكتفين بهزة رأس متفحصة، أو بابتسامة سريعة ماكرة، أو بتوبيخ خفيف باللسع المعتاد على باطن الافخاذ، لكن سرعان ما يذوب الألم ويتلاشى الصراخ أمام شراهتنا إلى الطعام.
ثم يأتي الليل، فتعود الأكواخ إلى صمتها الملتبس، تنطفئ الشموع واللمبات والفتائل، فيندس اللحم في اللحم، والدفء في الدفء، والهمس في الهمس، والتكاثر في التكاثر. ننام باطمئنان أولئك الذين استنزفوا النهار كله في الركض الثقيل بحثا عن جنتهم الأرضية، غير عابئين إطلاقا بما راح، وبما سيأتي، ولا بتعاقب الشمس والقمر والنجوم على سقوف الأكواخ.


***


-8- ولائم مزابل "الميريكان"

يأتي كبارنا من "مزابل الميريكان"، محملين بألواح عريضة من الشوكولاطة اللذيذة وقناني مياه معدنية مملوءة عن آخرها بـ"دانون" و"رايبي جميلة". بعضهم يأتي بدجاج محمر كامل ملفوف بعناية في ورق "لارام" (الخطوط الجوية الملكية)، والبعض الآخر يخرج من الأكياس لفافات تبغ بأحجام طويلة مختلفة. سجائر دون فلترات، والكثير من العجب العجاب، ما بين أكوام من السكاكر الوردية والعلك المنعنع والبّاسطة والفرماج. نأكل بالتذاذ دون أن يصيبنا شيء، حد الشبع الشامل. ننتقم من الدجاج والحلوى والشكولاطة. نهتبل حصتنا الكاملة. نأكل كأن الأكل سينقرض من الأرض، كأن الجوع سيستيقظ غدا، ولن يذهب إلى أي مكان.
نأكل ونحلم بأن نصير كبارا ليكون بوسعنا أن نذهب إلى تلك المزابل. نريد جميعا أن نقتل الجوع، وأن نتنافس مع المتنافسين على ما ترميه شاحنات غامضة، لا أحد من كبارنا يدري من أين تأتي. يقولون إنها تابعة لأمريكا التي لديها وفرة غذائية، ويقولون إنها تابعة للنصارى وأهل فاس وأغنياء المدينة، وكنت أتساءل: كيف يمكن للسائقين أن يرموا كل تلك الخيرات دون أن يطالبوا بثمنها؟ كيف يرمى الدجاج والحلوى والتبغ والحليب دون حسيب أو رقيب؟
أحلم بمزابل الميريكان وأخشى أن تغلق أبوابها. هل للمزابل أبواب؟ يقولون إنهم سينقلونها إلى مكان آخر بعيد جدا، ولن نستطيع الوصول إليها. يقولون إن الدخول إليها سيصبح بالفلوس. لن يدخل إليها أحد دون أن يؤدي الثمن. لا فلوس لدي، ومع ذلك تابعت الحلم.. حتى جاء ذلك اليوم:
أفقت باكرا، لم يشعر أحد بخروجي. وجدت "عبيقة" ينتظرني في رأس الدرب، نشيطا وطويلا ومتهللا، كأننا على موعد مع عرس هو عريسه. اتفقنا أمس على الذهاب إلى المزابل التي يعرف طريقها مهما كلف الأمر. قال إنه سبق له الذهاب مع أخيه "صطايكة" إلى هناك، وأن الأمر سهل ولا خطر يمكن أن يأتينا منه..
قطعنا مسافة طويلة مشيا على الأقدام. تركنا خلفنا الأكواخ، وعبرنا أراض قاحلة بدواويرها وحجرها وكلابها وضاياتها وبهائمها وأخطارها. قلبي كان يخفق بشدة. عبيقة لا يعرف أنني حائف. أنا أيضا لا أعرف. نتحدث ونمزح ونتقدم. لا سبيل إلى التراجع. وها قد وصلنا. ركم متراكمة من الأزبال. جبال وهضاب وشاحنات وعربات وقوم كثير. كلهم يعملون بتحفز كالنمل. مجارف وخطافات وفؤوس ومعاول وقفازات. الكل يعمل، لا أحد ينتبه إلى ما يفعله الآخر. كلهم بسحنة واحد، إلا ذلك الخفاش الذي رصدته يرمقنا باهتمام شديد. هل يعرفنا؟ توجست منه، ولهذا ظللت أراقبه من طرف عيني. كلما التفت إليه وجدته ما يزال ينظر إلينا. قلبي يخفق. وجهه فأري، وثيابه أسود من الأزبال نفسها. نحيفا كعود يابس. لم يقل شيئا. اكتفى بالنظر إلينا، ثم عاد إلى عمله، يغرس خطافه في الأكوام وينبش. يتظاهر بأنه منهمك في النبش، وقلبي يخفق بشدة، كأنه يريد أن يخرج. همست لعبيقة أن نبتعد عن هذا المكان، فضحك وقال إن الجميع هنا مشغولون بأنفسهم، لا أحد يملك وقتا ليتجسس على أحد. قال عني إن "خواف" و"موسوس"، ولا يجدر بالرجال أن يخشوا أحدا.
دخلنا بين الأكوام مترددين. كانت الأرض رخوة ويصعد من فروج دخان خفيف يكاد لا يكون مرئيا، تغوص الأقدام، وتنتشر الروائح الصعبة، مرة حلوة كالفاكهة المتخمرة، ومرة خانقة كأنها خارجة من جوف حيوان نافق. طيور البلشون تحوم فوق الرؤوس في دوائر واسعة. الجحاميم تنقض على ما يعجبها ثم تنسحب وهي تكشر عن أنيابها دون أن تنبح.
في المزابل، راقبت الشاحنات تصل تباعا، ترفع صناديقها إلى أعلى، ثم تهوي بما في بطونها، فيتدافع الرجال والنساء والأطفال والكلاب والقطط نحو الأكوام. لم أر في حياتي كل ذلك الاستعجال. الأيدي تسبق العيون، والخطافات تسبق الأيدي، وكل واحد يخطف ما تقع عليه أصابعه ثم يختفي به قبل أن ينتبه إليه الآخرون. قلبي يدق. الرجل الفأري مازال يراقبنا.
جرى عبيقة، فجريت وراءه. كنت ألهث أكثر مما أركض، لأنني متأكد من أن شيئا مخيفا سيحدث مع ذلك الرجل. وصلنا إلى كومة ما تزال دافئة. رأيت لوحا كبيرا من الشوكولاطة، نصفه مغبر ونصفه الآخر مغلف ونظيف. خطفته بسرعة وأخفيته في كيس، ثم عثرت على علبة بسكويت مفتوحة من طرف واحد، وعلى كيس مليء بالسكاكر الملونة، وعلب متلاصقة من "رايبي جميلة". أما عبيقة فقد كان أوفر حظا. أخرج دجاجة محمرة كاملة من الكوم، ما تزال ملفوفة في ورق أبيض مشرب بحمرة طفيفة. رفعها فوق رأسه كأنها كأس العرش، وضحك ضحكة سمعها كل من كان حوله. لاحظت أن "الفأري" أصبح قريبا منا رغم أنه يولينا ظهره.
ومع أن قلبي يهيج في صدري، جلسنا فوق ركام عال من الحديد الصدئ، لننعم بغنيمتنا. لم نغسل أيدينا بالماء ومسحوق الصابون. لم نفكر في الذباب اللاسع الذي يحوم حولنا، ولا في الكلاب الضالة التي تهرهر على مقربة منا. كسر عبيقة ساق الدجاجة بأسنانه، وناولني قطعة منها. أكلنا دون أن نتكلم حتى الشبع، كأننا نثأر من اللحم المعروض في مشاوي "المدينة". ثم فتحنا الشوكولاطة، وأكلناها ببطء سعيد، نتركها تذوب تحت اللسان، حتى لا ينتهي طعمها بسرعة. تذوب وتذوب وتذوب، ولا يذوب توجسي. أنظر إلى أكوام الطعام المبعثرة حولي، وأفكر في أمي وهي تطهو العدس أو المرق، وهي تعجن الخبز وتقطعه و"تُكَرّصُه" حتى يكفي الجميع، وفي أخواتي اللواتي يعتبرن السردين "وليمة العصر". كيف يستطيع الناس أن يرموا كل هذا الطعام؟
لم أجد جوابا. اقترب منا الرجل الفأري، وسألني: "هل أنت أخو فاكس؟". لم أجبه. ليس لي أي أخ بهذا الاسم. فاكس اسم نصراني، ونحن عرب أمازيغ مسلمون. من أين أتى بهذا الاسم؟ دس عبيقة في جيوبه ما استطاع من الحلوى والسكاكر، وقفز أمامه برشاقة الكبار، ثم قال: "ولماذا تسأل؟ هل تعرفنا؟". قلبي يدق مثل فرخ مذبوح. أجاب الفأري: "هذا شقيق فاكس الأصغر. رأيته معه مرارا. ماذا جاء يفعل هنا؟ لو علم فاكس لعاقبه بشدة!".
قفزت أيضا بعدما أخفيت تحت قميصي لوحين من الشوكولاطة وكيسا من الباسطة. شدني عبيقة من ذراعي، ومضينا بخطوات متشابكة سريعة بين أكوام النفايات نحو المخرج الضيق، والرجل الفأري يتابعنا بعينيه الضيقتين دون أن يتحرك. فاكس؟ من يكون فاكس هذا؟ ولماذا بدا الرجل واثقا من معرفتي؟


***

-9- سكيليت وجميعة ودرس الحب الكبير!

وبعد سنوات، عرفت من يكون فاكس. لم يكن نصرانيا كما تخيلت، ولم يكن غريبا عني، ولا عن دمي. حدث ذلك حين اقترب مني "سكيليت" في ذلك المساء. حزينا كان، ووجه مليء بآثار ثقوب تكاد لا تُرى. جلس قربي على دكة سي حميد مول النعناع. أشعل لفافة تبغ من نوع "أولمبيك الزرقاء"، وبدأ يحكي عن بنت جارتنا، جميعة بنت فطوم والسي حميد. أحبها أكثر من نفسه، وأغدق عليها كل ما يملك، قال. يقضي النهار بكامله يعمل بمصنع للكارتون في عين السبع، ولا يرتاح دون أن يُغرق عينيه السمكتين في عينيها العسليتين الواسعتين. كان واحدا من أبناء حينا الهادئين، من أب لحّام، وأم تبيع الكحل والسواك. الجميع هناك ينادونه "سكيليت". نسي كثيرون اسمه الحقيقي. كلنا نناديه بهذا الاسم فيجيب ببساطة شديدة دون تبرم أو اعتراض.
جميعة طعنته من الخلف، قال. هربت مع ستيفان إلى جهة مجهولة. لا أحد يعلم عنهما أي شيء. باتت ولم تصبح. تلاشت وتركته يعض على أصابعه. قال إنها ظلت قريبة من أنفاسه وعرقه قبل ساعات من هربها. قضت الليلة في غرفته، فلم يرتب في شيء. كلمته عن الحب الذي يجمعهما، وعن رغبتها في الزواج به. استطاعت أن تنيم كل ذرة ارتياب فيها، حنطت شكوكه بحلاوة لسانها. باعت له الكلام، واشتراه منها عن طيب خاطر. لولا "فاكس" لما فطن إلى هربها. قال: "فاكس أيقظني من غفلتي، أخبرني مرارا أنه كان يراها كثيرا مع ستيفان خلف أسوار الملعب القريب، لكنني لم أصدقه. ظننت أنه يغار مني، ولهذا كنت أتجنبه. فاكس كان يعرف. حذرني منها مرارا، لكني لم أسمع كلامه. لم يكن بإمكاني أن أسمع كلامه الصم لا يسمعون، والعميان لا يرون سوى الأخيلة التي تحنحن في رؤوسهم..!"
حين ذكر اسم "فاكس" ارتبكت. تذكرت الرجل الفأري، وسألته: "شكون هاذ فاكس؟ سبق أن سمعت هذا الاسم من قبل!".
نظر إلي سكيليت، وضحك حتى غار حزنه في وجهه، واندلق على قفاه، وقال لي:
-"ا تعرف حقا من هو فاكس؟".
أجبته بوثوق:
-"لا. والله لا أعرف!"
-"إنه أخوك يوسف. هذا هو اسمه بين عشرانه المقربين"!"
ظللت أبحلق فيه بعينين جاحظتين غير مصدق نفسي. يوسف؟ أخي يوسف الذي يغيب باكرا كل صباح، ثم يعود كل مساء راكبا دراجته الموبيلت المثقلة بغبار الطريق ورائحة البنزين؟ أهذا هو فاكس الذي حسبته نصرانيا جاء إلى بلادنا من بلاد بعيدة؟
انفجرت ضاحكا بدوري ضاربا يدا بيد. شعرت بالخجل من جهلي البائن، وتذكرت الرجل الفأري بمزابل "الميريكان" ونظراته المتفحصة لي، فوجمت. من كان ذلك الرجل؟ هل هو من أبناء الدرب الذين أجهلهم؟
حقا، للكريان أكثر من حياة لا أعرفها، رغم أنني كنت أعيش في قلبه كل يوم. أركض فيه، وأتنفس وأنام وأستيقظ وأتشاجر وأنمو. لكل شخص فيه اسم يمنحه له والده ويسجل به في الحالة المدنية والمدرسة و"لاكارط ناسيونال"، واسم يناديه به رفاقه الأقربون، واسم ثالث يرمى به في الظهر كأنه شتيمة. الأقرع. الغول. الزيزون. الخامج. عريكة. حايشش. المصمك. المخنف. ولد العرجا. روبال. وهلم أسماء بشرور لا تنتهي. كنت أعرف يوسف ولد لحسن وتودا، أخي الذي ولدته أمي قبلي باثني عشر عاما، ولا أعرف فاكس الذي يعرفه سكيليت والرجل الفأري. أعرف أخي العامل في شركة البلاستيك بعين السبع، ولا أعرف فاكس الذي تخيلته نصرانيا هبط بمظلة فوق مزابل الميريكان، وضاع في ركم الحلوى والشوكولاطة والتبغ.
نفث سكيليت دخان لفافته ببطء، وظل تهاليل الليل الذي يفرش عباءته فوق البراريك. قال إن فاكس هو الذي أخبره بأن جميعة ملأت حقيبتها وهربت. سرقت كل ما تملكه فطوم من ذهب واختفت. كيف يصدق أن حبيبته هاربة وسارة وخائنة. كانت تضحك في وجهه كل التقته، تخفي رأسها في حضنه وتعده ببيت لا يتسع إلا لها ليملآنه أطفالا، فكيف استطاعت أن تمضي مع رجل آخر دون أن تلتفت وراءها؟
قال إنه ظل يبحث عنها في كل الأمكنة التي كانت ترتادها أو يمكن أن ترتادها. قرب بيت ستيفان. في سوق السمك الذي كانت تفضله عما سواه من أماكن أخرى. أمام بيت خالتها في درب السلطان. أمام بيت صديقتها نادية الخياطة. في القيساريات، وأمام الحمامات القريبة، وحتى في محطات الحافلات ببنجدية وكراج علال. كان يطارد ظلها البعيد، ولا يعرف لماذا يصر على ذلك.
كان سكيليت يتكلم عن جميعة كأنها تستمع إليه بأذنيها، بينما رأسي يعجن ذلك الاسم الغامض وهو يخرج من فم الرجل الفأري بكل ثقة. أستعيد نظرته الغريبة إلي، وتحذيره لي من غضب فاكس، ثم ارتباكي يومها، وأنا أفتش في ذاكرتي عن أخ نصراني لم تلده أمي. ضحكت بيني وبين نفسي حين تخيلت أن هذا الاسم يمكنه أن يكون لكلب أو قط من سلالة أصيلة. كم كان العالم أكبر من قاموس الأسماء الصغير الذي أحفظه عن ظهر قلب.
منذ تلك الليلة، كلما رأيت أخي يوسف عائدا من عمله، رأيت فاكس أيضا يعود من مزابل الميريكان برفقة الرجل الفأري. لم يعد أخي شخصا واحدا. صار شخصين يسكنان الجسد نفسه. يوسف الذي يدخل البيت هادئا، يضع "التقدية" فوق المائدة، ويمسد رأسي إذا رآني جالسا كالعادة قرب أمي، وفاكس الذي تعرفه المزابل والرجل الفأري والنباشون وشباب الكريان، والذي يبدو أن له حكايات لم يكن يحكيها لي أبدا. هل كان أخي نباشا؟أدركت لأول مرة أن إخوتنا الكبار كانوا يعيشون حياة أخرى، تبدأ حين ننام أو نتظاهر بالنوم، وتنتهي قبل أن نصحو لنشرب الشاي ونأكل الخبز البائت.
ظل سكيليت ينفث دخان "أولمبيك الزرقاء" في الهواء، كأنه يريد أن يفرغ صدره مما بقي عالقا فيه منذ سنوات. لم يكن يحكي لي وحدي، كان يحكي لنفسه أيضا. كل جملة يخرجها كانت تخفف عنه شيئا من ذلك الحمل الذي ظل يجره وراءه، كعلبة صفيح مربوطة إلى قدمه.
قال إنه لم يجر وراء جميعة. لم يبحث عنها إلا في الأيام الأولى لهربها. ذهب إلى بيت فطوم، فوجد الباب موصدا والحي كله يتكلم بصوت واحد عن الكارثة. قالوا إنها هربت مع ستيفان. قالوا أيضا إنهما شوهدا في محطة "كازا فوياجور". وقال آخرون إنهما سافرا إلى طنجة، وإن ستيفان وجد عملا في سفينة أجنبية، وإن جميعة كانت تضحك ولا تلتفت وراءها. كان كل واحد يروي نهاية مختلفة، حتى صارت لجميعة عشرات الحيوات وعشرات النهايات، بينما لم يكن لسكيليت سوى خيبة واحدة تجمعت كلها في وجهه. لم يبك أمام أحد. بكى كثيرا في غرفته. سكر لينسى، ولم ينس. دخن كثيرا، لاذ بالدخان ليتلاشى، لكن لا شيء تلاشى من تلك الطعنة الغادرة.
قال إنه في الصباح التالي لهرب جميعة ذهب إلى المصنع كعادته. أدخل ألواح الكارتون في الآلة، وحمل الرزم على ظهره، وشرب الشاي في الاستراحة مع العمال، وضحك حين ضحكوا، وعاد إلى الكريان ليواجه خيبته في ما تبقى من رائحتها. صار كل يوم يبحث عنها في مكان جديد. يضيع في الأزقة والدروب لعله يعثر على أي أثر يقوده إليها. ومع توالي الأيام، قرر أن يطوي الصفحة، كما يطوي علب الكارتون. كان يريد أن يعاقبها باليأس والنسيان، لكنها كانت تسكن كل شيء فيه. تمر امرأة تشبهها فيرتبك بقوة. يرى أخرى بعينين عسليتين واسعتين فيختل قلبه وتهتز أعصابه. يسمع اسمها مصادفة فيلتفت مرارا. حتى الأغاني التي كانت تخرج من المقاهي والبيوت صارت تتآمر عليه. كره كل الأغاني. أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ، محمد الحياني، غيثة بنت عبد السلام، عبد الهادي بلخياط، نعيمة سميح.
قال إنه لم يعرف لماذا هربت امرأته. لماذا فضلت عليه ستيفان الذي لم يكن أفضل منه. لم يكن أغنى، ولا أجمل، ولم يكن يشتغل أحسن منه. كنا نلقبه بالفأر الرومي لشدة بياضه وزرقة عينيه. لم يكن جميلا. يملك شيئا واحدا ربما. دائم الأناقة والسفر، يغيب لأسابيع ثم يعود إلى الحي، ويتحدث عن أوروبا كما يتحدث الفقيه السي أحمد عن الجنة وبساتينها وأنهارها وقصورها ونسائها. لا أحد رآها، لكن الجميع يصدق أنها موجودة. كان يعدها بالسفر، ويحدثها عن الشوارع النظيفة، والعمارات العالية، والسيارات التي لا تتوقف، والمتاجر المليئة بما لذ وطاب من لحم ودجاج وفاكهة وحلوى مشكلة، بينما كان هو يعدها بغرفة في بيت أمه بائعة الكحل، وسرير من حديد، ودولاب خشبي يشتريه بالتقسيط حين تتحسن الأحوال. الفأر الرومي يعدها بأوروبا، وسكيليت يعدها بالستر والأولاد.
ثم ضحك، وقال: "أتعرف يا سعيد أنها عادت بعد عامين. رجعت وحدها. لا ستيفان معها، ولا أوروبا، ولا الأحلام التي أخذتها من الكريان. لم تأتي إلي. تسللت خفية إلى بيت والدتها، ثم اختفتا معا في الصباح الباكر. السي حميد مات كمدا. قيل إن الرجل تركها في إحدى القرى البعيدة بالشمال. وقيل إنها هي التي تركته هاربة من رجل مدمن على المخدرات، كان يفطرها رفسا ويعشيها ركلا. وقيل إنهما لم يتزوجا ولم يعاشرها أصلا، لأنه لم يكن رجلا كامل الرجولة. الناس لا يتعبون من اختراع الحكايات. المهم أنها عادت، وأنهم رأوها ذلك الصباح تمشي محنية الرأس، وببطن منتفخة. هل كانت حامل؟ هل الجنين ابن لستيفان، أم أنها آلت لرجل آخر؟ لا أحد يدري.
نظرت إليه وسألته بتردد:
-"هل ما زلت تحبها؟"
نهض سكيليت، ألقى عقب السيجارة تحت حذائه، وسحقه ببطء، ثم نفض الغبار عن سرواله، وقال وهو يبتعد في الزقاق:
-"لا أعرف لماذا حكيت لك ذلك. ربما لأنك الأخ الأصغر لفاكس. ولأجيبك عن سؤالك، فكل ما أعرفه هو أن الحب أستاذ جيد، لكنه لا يعلمك الدروس إلا بعد انتهائه!"


***

-10- بيت السردين

لا أحد يدري من أين أتى أخي يوسف بذلك الكم الهائل من علب السردين؟ امتلأ المراح بكامله بالكراتين. نفطر سردينا، ونتغذى سردينا، ونتعشى سردينا. لم يسأله أحد من أين أتى بها. لم يقل لأحد. اكتفينا نحن بالأكل وإسكات بطوننا الصائتة، بينما انشغلت، كلما تراخت عسّة أمي، بتهريب ما تيسر من علب إلى رفيقي سعيد ولد "واياك"، سائق شاحنة المرسى. نختلي وراء كوم الجير على مقربة من الشانطي الذي يفصلنا عن ملعب "لاجونيس"، ونأكل كما لو أننا نخشى أن يأتينا أحد غريب وينتزع بحر السردين من أفواهنا. كل هذا السردين، وكل هذا الزيت، وكل تلك الرائحة الثقيلة التي تنتشر بعيدا بعيدا بأجنحتها اللامرئية..
كان رفيقي يأكل المحراش البائت وزيت السردين، يغمس قطعة الخبز الكبيرةَ، يُغرقها في العلبة حتى يتضاعف وزنها وحجمها، ثم يأخذها بسرعة إلى فمه كي لا يقطر الزيت فوق سرواله القصير، ويمضغها بتؤدة متلذذا بطعمها المُسَرْدَن القوي. ترى لماذا كان يعفي السردين ويؤجله إلى آخر الوجبة؟ يفعل ذلك بتركيز شديد كما لو كان يدفع زوارقه "المحراشية" في طست غسيل ويقول لها: "فررر فررر فررر" فترد عليه "سررر سررر سررر"، متخيلا أنه بحار حقيقي يقود زورقا بمجدافين، ضاغطا على الأرض المتربة بأسفل ظهره، ومائلا بجسده ذات اليمين وذات الشمال، كأنه يقرأ "سبح باسمك الأعلى"، بينما كانت العلبة تتحول في يده العائمتين في الهواء إلى مرسى، والزيت المُسَرْدن إلى بحر خاثر، وفتات السردين إلى جزر صغيرة تتقاذفها أمواج عاتية ترتد على أسنانه.
كنا نضحك، نحن السعيدين البئيسين، حتى تدمع عيوننا، فيواصل رحلته البحرية غير عابئ بنا، ويزيد من تجديفه الوهمي نحو أراضي الشبع المستحيل.
أما أنا فكنت أقلد أخي يوسف في كل شيء. في طريقة فتح العلب بالسكين، وفي إفراغها من الزيت الخاثر في صحن قصديري صغير، وفي جمع آخر قطرات الزيت بطرف كبير ومقوس من الخبز. لم نكن نترك للسردين فرصة للإفلات منا، ولم نكن نستحي من لعق أصابعنا حتى تلمع وتنشف.
ولأن رائحة السردين لا تستطيع أن تحفظ أسرارها، كانت الجارات يأتين الواحدة تلو الأخرى إلى بيتنا، يطرقن الباب في استحياء، ثم يطلبن من أمي علبة أو علبتين. لم تكن على الإطلاق ترد إحداهن خائبة. تدخل الجارة إلى المراح، وتخرج وهي تحمل رزقها تحت ذراعها، وأمي تبتسم كأنها صاحبة مصنع لتصبير السردين، وتؤمن بأن الطعام تزداد بركته كلما اقتسمه الواحد مع الآخرين، حتى لو كانوا قططا.
حتى القطط تجمعت أمام عتبة بيتنا. أعلنته دون أن ندري إقليما تابعا لها. لم يعد الليل يمر دون أن تتجمع عند الباب، تموء وتتعارك، وتقفز بين الجدران القصديرية إلى سطح السقف، ثم تهبط إلى المراح، والمصيبة أنها بدأت تدخل في موكب كامل. وجاءت أيضا الفئران والصراصير والناموس والذبان وأم الأربعة والأربعين، كأن الخبر انتشر بينها هي الأخرى. صرنا نخوض حربا يومية لا تهدأ بيننا وبين الضيفان الممقوتين الثقلاء. نقتل الفئران فتظهر الصراصير. نقتل الصراصير فتهرع القطط. نطرد القطط فتعربد الفئران ومعها الناموس والذبان والدبابير. تستيقظ أمي قبل الفجر، تكنس وتمسح وتلعن، وتسكب مبيد "فليطوكس" على جنبات البيت، ثم تعود في المساء لتلعن أخي يوسف والسردين والقطط والصراصير.. وصلنا وفصلنا وأوتاد وجودنا بأكمله. ننكمش ونبلع ضحكاتنا.
لم يكن أخي عبد العزيز أقل دهاء من الفئران. كان يتسلل إلى المراح حين يغيب الجميع، يسرق علبة أو اثنتين، ويخفيهما تحت قميصه الذي لا يخفي شيئا، ثم يخرج غانما إلى الدرب وكأنه عنترة بن شداد. وبعد ساعات يعود وجيبه منتفخا ببضع ريالات، بينما ينقص عدد العلب دون أن ينتبه أحد سواي. صار يرشيني بريال أو ريالين لأسكت، وصرت أبتزه ذهابا وإيابا لأحصل على المزيد. اشتري "بومس" و"مادلين" وأصمت كالحجر. وحين اكتشفته أمي، صاحت فيه حتى اهتز أركان الكوخ وظننا أنه سينهار فوق رؤوسنا. أقسم أنه لم يسرق، وإنما "باع الفائض"، وأقسمت إنني لست أنا من أخبرها. ضحك يوسف يومها، أما أمي فلم تضحك. كانت ترى أن من يسرق علبة سردين يمكنه أن يسرق "بنك المغرب"!
وضعت أمي يديها على خاصرتيها، ونظرت إلى يوسف نظرة لا تحتمل المزاح، وقالت: "الله يرضي عليك آولدي... خرج هاد السردين من الدار، وما تزيدش معايا الهضرة.. صافي عييت!".
ضحك يوسف، ثم استدار وخرج. لكن أمي لم تكن تضحك. اختفت الكراتين في اليوم الموالي، لكن رائحة السردين لم تختف. "بيت السردين" صار مزارا يوميا للقطط التي تعوم في رائحة لا مرئية. قطط بحجم البحر، وأسماك بحجم السماء، وأحلامي التي تتأرجح روائحها بين هذا وتلك..

***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى