في هذا الصباح ،
ظهر خبر بين عشرات الأخبار التي تعبر الشاشات كل يوم.
مقُتل المقدم دور بن سمحون،
قائد الكتيبة 52 في الجيش الإسرائيلي، في جنوب لبنان.
خبر عسكري يعتبره البعض عابر.
اسم جديد.صورة جديدة.رتبة جديدة.
وربما لو مر الخبر دون الاسم والرتبة العسكرية لما توقف عنده أحد.
لكن ما لفت انتباهي لم يكن خبر مقتله.
بل شيء آخر.
فجأة صار للرجل اسم.وصورة.وسيرة.
وتاريخ
وأصبح الناس يبحثون عنه.
من هو دور بن سمحون؟
أين خدم؟
وفي أي المعارك شارك؟
وما هي الكتيبة 52 التي كان يقودها؟
وخلال ساعات قليلة بدأت تتدفق تفاصيل لم يكن أحد يعرفها قبل أيام.
وهنا قفز إلى ذهني سؤال مختلف:
كم اسماً في غزة ما زال يعيش في الظل؟
العالم كله يعرف اسم هند رجب.
يعرف وجهها.
يعرف صوتها المرتجف وهي تستغيث عبر الهاتف.
يعرف أنها كانت طفلة في السادسة من عمرها حوصرت داخل سيارة مع أفراد عائلتها في غزة.
ويعرف أنها قُتلت.
ويعرف أن طاقم الإسعاف الذي حاول الوصول إليها قُتل أيضاً.
لكن حين بدأ الناس يبحثون عن اسم دور بن سمحون بعد مقتله، لم يجدوا مجرد سيرة ضابط مدرعات في الجيش الإسرائيلي.
وجدوا اسماً ارتبط بكتيبة أصبحت موضع اتهامات وتحقيقات وملفات حقوقية.
فمؤسسة هند رجب، التي تأسست بعد مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب وعائلتها وطاقم الإسعاف الذي حاول الوصول إليها، لم تكتف بتوثيق الجريمة.
بل بدأت رحلة البحث عن الأسماء.
أسماء الوحدات. وأسماء القادة.
وأسماء المسؤولين الذين كانوا في مواقع القرار.
وفي الملفات التي قدمتها المؤسسة ظهر اسم الكتيبة 52 واللواء 401 ضمن سلسلة الوقائع المرتبطة بجريمة هند رجب.
وفجأة لم تعد هند رجب مجرد طفلة قُتلت.
بل أصبحت اسماً يقود إلى أسماء أخرى.
أسماء كانت مختبئة خلف البيانات العسكرية.
وخلف الرتب.
وخلف لغة الحرب الباردة التي تحول البشر إلى أرقام.
والأمر نفسه ينطبق على مستشفى كمال عدوان.
يعرف الناس اسم الدكتور حسام أبو صفية.
ويعرفون صورة الرجل الذي بقي في المستشفى بينما كانت القذائف تسقط حوله.
ويعرفون مشهد اعتقاله.
ويعرفون قصة المستشفى الذي تحول إلى رمز للحصار والدمار.
لكن خلف تلك الصور كانت هناك وحدات عسكرية.
وكان هناك قادة.
وكانت هناك سلسلة أوامر.
وكان هناك أشخاص بأسماء ورتب ومسؤوليات.
ومن هنا تكتسب قصة دور بن سمحون معناها الحقيقي.
ليس لأنه أول قائد عسكري يقتل.
بل لأن مقتله أخرج اسمه إلى الضوء.
وجعل الناس تربط بين الاسم وبين الوقائع.
وبين القائد وبين الكتيبة.
وبين الكتيبة وبين هند رجب.
وبين الكتيبة وبين كمال عدوان.
وبين الاسم وبين الذاكرة.
هذه ليست دعوة إلى الثأر.
وليست محكمة ميدانية.
وليست حكماً مسبقاً على أحد.
إنها دعوة إلى شيء أبسط بكثير.
دعوة إلى المعرفة.
فالضحايا في غزة ليسوا أرقاماً.
كل واحد منهم له اسم.
ووجه.
وعائلة.
وحياة
وهذا يعني أن الطرف الآخر لا يجب أن يبقى رقماً أيضاً.
ففي غزة نعرف أسماء الأطفال الذين قُتلوا.
ونعرف العائلات التي أُبيدت.
ونعرف الأبراج السكنية التي تحولت إلى غبار.
ونعرف المستشفيات التي حوصرت.
ونعرف المدارس التي قصفت.
بل إننا أحياناً نعرف رقم الشقة التي استشهدت فيها عائلة كاملة.
لكننا في المقابل نعرف أقل بكثير عن الذين كانوا في الطرف الآخر من المشهد.
من اتخذ القرار؟
من أجاز القصف؟
من اعتبر أن قتل عشرات المدنيين ثمن مقبول للوصول إلى شخص واحد؟
ومن كان في موقع المسؤولية عندما وقعت تلك الوقائع؟
التاريخ فهم هذه الحقيقة منذ زمن طويل.
بعد الحرب العالمية الثانية لم يكتف اليهود بتوثيق ضحايا الهولوكوست.
لم يحفظوا أسماء القتلى فقط.
بل بنوا أرشيفاً هائلاً للأسماء والوثائق والمسؤوليات.
عرف العالم أسماء أدولف أيخمان.
وعرف اسم جوزيف منغله.
وعرف أسماء قادة المعسكرات والضباط والمسؤولين.
ولم يكن ذلك لأن الضحايا عادوا إلى الحياة.
بل لأن الحقيقة لا تكتمل دون أسماء.
وفي البوسنة عرف العالم اسم راتكو ملاديتش.
وفي رواندا عُرفت أسماء المسؤولين عن الإبادة.
وفي تشيلي والأرجنتين خرجت الأسماء من الأرشيفات بعد سنوات طويلة.
لم تكن القضية انتقاماً.
كانت قضية ذاكرة.
فالذاكرة لا تحفظ أسماء الضحايا فقط.
بل تحفظ أيضاً أسماء الذين كانوا في مواقع القرار.
ولهذا أعتقد أن الفلسطينيين سيواجهون بعد انتهاء هذه الحرب سؤالاً كبيراً.
هل سنكتفي بإحصاء الشهداء؟
هل سنكتفي بحفظ أسماء الأطفال والنساء والعائلات التي أُبيدت؟
أم سنبني أيضاً أرشيفاً للأسماء الموجودة على الجانب الآخر من القصة؟
أسماء السياسيين الذين اتخذوا القرارات.
أسماء قادة الأركان.
أسماء قادة الألوية والكتائب.
أسماء الذين وقعوا أوامر القصف.
أسماء الطيارين الذين أقلعت طائراتهم نحو الأبراج السكنية.
وأسماء الذين اعتبروا أن قتل عائلة كاملة ثمن مقبول للوصول إلى شخص واحد.
ليس من أجل الانتقام.
بل من أجل الحقيقة.
وليس من أجل الثأر.
بل من أجل الذاكرة.
ربما لهذا السبب استوقفني خبر مقتل دور بن سمحون.
ليس لأنه أول قائد يقتل.
ولن يكون الأخير.
بل لأن موته أخرج اسمه من الظل.
وجعل الناس تبحث.
وتقرأ.
وتسأل.
وتربط بين الاسم وبين الوقائع.
وبين الرجل وبين المكان.
وبين القائد وبين الحرب.
وهنا فهمت شيئاً بسيطاً.
العدالة لا تبدأ بالمحكمة.
العدالة تبدأ بالاسم.
فحين يصبح للضحية اسم، يستعيد إنسانيته.
وحين يصبح للمسؤول اسم، تستعيد الحقيقة نصفها الآخر.
أما الحياة، فهي أكثر تعقيداً من المحاكم.
فكثيرون أفلتوا من العدالة.
وكثيرون لم يمثلوا أمام قاضٍ.
وكثيرون ماتوا في أسرّتهم دون حكم أو إدانة.
لكن الحياة نفسها تملك طريقتها الخاصة في كتابة الحساب.
قد ينجو الإنسان من المحكمة.
وقد ينجو من السياسة.
وقد ينجو من الحرب نفسها.
لكنه لا ينجو من اسمه.
فالاسم يبقى.
والتاريخ يبقى.
والأرشيف يبقى.
وفي النهاية لا يبقى السؤال:
كم قتيلاً سقط؟
بل سؤال آخر أكثر إلحاحاً:
من كانوا؟
ومن كان مسؤولاً عن موتهم؟
وحين يُكتب الطرفان معاً...
يبدأ التاريخ أخيراً في رواية الحكاية كاملة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
ظهر خبر بين عشرات الأخبار التي تعبر الشاشات كل يوم.
مقُتل المقدم دور بن سمحون،
قائد الكتيبة 52 في الجيش الإسرائيلي، في جنوب لبنان.
خبر عسكري يعتبره البعض عابر.
اسم جديد.صورة جديدة.رتبة جديدة.
وربما لو مر الخبر دون الاسم والرتبة العسكرية لما توقف عنده أحد.
لكن ما لفت انتباهي لم يكن خبر مقتله.
بل شيء آخر.
فجأة صار للرجل اسم.وصورة.وسيرة.
وتاريخ
وأصبح الناس يبحثون عنه.
من هو دور بن سمحون؟
أين خدم؟
وفي أي المعارك شارك؟
وما هي الكتيبة 52 التي كان يقودها؟
وخلال ساعات قليلة بدأت تتدفق تفاصيل لم يكن أحد يعرفها قبل أيام.
وهنا قفز إلى ذهني سؤال مختلف:
كم اسماً في غزة ما زال يعيش في الظل؟
العالم كله يعرف اسم هند رجب.
يعرف وجهها.
يعرف صوتها المرتجف وهي تستغيث عبر الهاتف.
يعرف أنها كانت طفلة في السادسة من عمرها حوصرت داخل سيارة مع أفراد عائلتها في غزة.
ويعرف أنها قُتلت.
ويعرف أن طاقم الإسعاف الذي حاول الوصول إليها قُتل أيضاً.
لكن حين بدأ الناس يبحثون عن اسم دور بن سمحون بعد مقتله، لم يجدوا مجرد سيرة ضابط مدرعات في الجيش الإسرائيلي.
وجدوا اسماً ارتبط بكتيبة أصبحت موضع اتهامات وتحقيقات وملفات حقوقية.
فمؤسسة هند رجب، التي تأسست بعد مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب وعائلتها وطاقم الإسعاف الذي حاول الوصول إليها، لم تكتف بتوثيق الجريمة.
بل بدأت رحلة البحث عن الأسماء.
أسماء الوحدات. وأسماء القادة.
وأسماء المسؤولين الذين كانوا في مواقع القرار.
وفي الملفات التي قدمتها المؤسسة ظهر اسم الكتيبة 52 واللواء 401 ضمن سلسلة الوقائع المرتبطة بجريمة هند رجب.
وفجأة لم تعد هند رجب مجرد طفلة قُتلت.
بل أصبحت اسماً يقود إلى أسماء أخرى.
أسماء كانت مختبئة خلف البيانات العسكرية.
وخلف الرتب.
وخلف لغة الحرب الباردة التي تحول البشر إلى أرقام.
والأمر نفسه ينطبق على مستشفى كمال عدوان.
يعرف الناس اسم الدكتور حسام أبو صفية.
ويعرفون صورة الرجل الذي بقي في المستشفى بينما كانت القذائف تسقط حوله.
ويعرفون مشهد اعتقاله.
ويعرفون قصة المستشفى الذي تحول إلى رمز للحصار والدمار.
لكن خلف تلك الصور كانت هناك وحدات عسكرية.
وكان هناك قادة.
وكانت هناك سلسلة أوامر.
وكان هناك أشخاص بأسماء ورتب ومسؤوليات.
ومن هنا تكتسب قصة دور بن سمحون معناها الحقيقي.
ليس لأنه أول قائد عسكري يقتل.
بل لأن مقتله أخرج اسمه إلى الضوء.
وجعل الناس تربط بين الاسم وبين الوقائع.
وبين القائد وبين الكتيبة.
وبين الكتيبة وبين هند رجب.
وبين الكتيبة وبين كمال عدوان.
وبين الاسم وبين الذاكرة.
هذه ليست دعوة إلى الثأر.
وليست محكمة ميدانية.
وليست حكماً مسبقاً على أحد.
إنها دعوة إلى شيء أبسط بكثير.
دعوة إلى المعرفة.
فالضحايا في غزة ليسوا أرقاماً.
كل واحد منهم له اسم.
ووجه.
وعائلة.
وحياة
وهذا يعني أن الطرف الآخر لا يجب أن يبقى رقماً أيضاً.
ففي غزة نعرف أسماء الأطفال الذين قُتلوا.
ونعرف العائلات التي أُبيدت.
ونعرف الأبراج السكنية التي تحولت إلى غبار.
ونعرف المستشفيات التي حوصرت.
ونعرف المدارس التي قصفت.
بل إننا أحياناً نعرف رقم الشقة التي استشهدت فيها عائلة كاملة.
لكننا في المقابل نعرف أقل بكثير عن الذين كانوا في الطرف الآخر من المشهد.
من اتخذ القرار؟
من أجاز القصف؟
من اعتبر أن قتل عشرات المدنيين ثمن مقبول للوصول إلى شخص واحد؟
ومن كان في موقع المسؤولية عندما وقعت تلك الوقائع؟
التاريخ فهم هذه الحقيقة منذ زمن طويل.
بعد الحرب العالمية الثانية لم يكتف اليهود بتوثيق ضحايا الهولوكوست.
لم يحفظوا أسماء القتلى فقط.
بل بنوا أرشيفاً هائلاً للأسماء والوثائق والمسؤوليات.
عرف العالم أسماء أدولف أيخمان.
وعرف اسم جوزيف منغله.
وعرف أسماء قادة المعسكرات والضباط والمسؤولين.
ولم يكن ذلك لأن الضحايا عادوا إلى الحياة.
بل لأن الحقيقة لا تكتمل دون أسماء.
وفي البوسنة عرف العالم اسم راتكو ملاديتش.
وفي رواندا عُرفت أسماء المسؤولين عن الإبادة.
وفي تشيلي والأرجنتين خرجت الأسماء من الأرشيفات بعد سنوات طويلة.
لم تكن القضية انتقاماً.
كانت قضية ذاكرة.
فالذاكرة لا تحفظ أسماء الضحايا فقط.
بل تحفظ أيضاً أسماء الذين كانوا في مواقع القرار.
ولهذا أعتقد أن الفلسطينيين سيواجهون بعد انتهاء هذه الحرب سؤالاً كبيراً.
هل سنكتفي بإحصاء الشهداء؟
هل سنكتفي بحفظ أسماء الأطفال والنساء والعائلات التي أُبيدت؟
أم سنبني أيضاً أرشيفاً للأسماء الموجودة على الجانب الآخر من القصة؟
أسماء السياسيين الذين اتخذوا القرارات.
أسماء قادة الأركان.
أسماء قادة الألوية والكتائب.
أسماء الذين وقعوا أوامر القصف.
أسماء الطيارين الذين أقلعت طائراتهم نحو الأبراج السكنية.
وأسماء الذين اعتبروا أن قتل عائلة كاملة ثمن مقبول للوصول إلى شخص واحد.
ليس من أجل الانتقام.
بل من أجل الحقيقة.
وليس من أجل الثأر.
بل من أجل الذاكرة.
ربما لهذا السبب استوقفني خبر مقتل دور بن سمحون.
ليس لأنه أول قائد يقتل.
ولن يكون الأخير.
بل لأن موته أخرج اسمه من الظل.
وجعل الناس تبحث.
وتقرأ.
وتسأل.
وتربط بين الاسم وبين الوقائع.
وبين الرجل وبين المكان.
وبين القائد وبين الحرب.
وهنا فهمت شيئاً بسيطاً.
العدالة لا تبدأ بالمحكمة.
العدالة تبدأ بالاسم.
فحين يصبح للضحية اسم، يستعيد إنسانيته.
وحين يصبح للمسؤول اسم، تستعيد الحقيقة نصفها الآخر.
أما الحياة، فهي أكثر تعقيداً من المحاكم.
فكثيرون أفلتوا من العدالة.
وكثيرون لم يمثلوا أمام قاضٍ.
وكثيرون ماتوا في أسرّتهم دون حكم أو إدانة.
لكن الحياة نفسها تملك طريقتها الخاصة في كتابة الحساب.
قد ينجو الإنسان من المحكمة.
وقد ينجو من السياسة.
وقد ينجو من الحرب نفسها.
لكنه لا ينجو من اسمه.
فالاسم يبقى.
والتاريخ يبقى.
والأرشيف يبقى.
وفي النهاية لا يبقى السؤال:
كم قتيلاً سقط؟
بل سؤال آخر أكثر إلحاحاً:
من كانوا؟
ومن كان مسؤولاً عن موتهم؟
وحين يُكتب الطرفان معاً...
يبدأ التاريخ أخيراً في رواية الحكاية كاملة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي