ضحايا التدريس

المقصود بعنوان هذه المقالة ليس الأعداد الهائلة التي تُغادر المدرسةَ، لأسبابٍ أو أخرى، أثناءَ المرحلة الابتدائية أو المرحلة الإعدادية أو المرحلة التَّأهلية. المقصود هو أن التَّدريسَ، أي الانشِطة التَّعليمية/التَّعلُّمية التي يقوم بها المدرِّسُ داخلَ الأقسام، له ضحايا. وهذه الضحايا تساهم في تضخيم الهدر المدرسي. وبعبارة أخرى، كل ما يقوم به المدرِّسُ لإلقاء الدروس داخلَ الأقسام، له ضحاياه. لماذا؟

لأنه، عادةً، القسم يحتوي على متعلِّمين، إذا كانوا مُتقاربين من حيث الأعمار، فإنهم مُختلِفون من حيث قدرة استيعاب وإدراك ما يريد المُدرِّس تبليغَه لهم من معارف connaissances، وتمكينهم من بناء الكفاءات les compétences. لماذا هم مختلفون من حيث قدرة الاستيعاب والإدراك؟

لأنه، مهما حاول المُشرِفون على تكوين الأقسام لدمج المُتعلِّمين في القسم الواحد، مراعاةً لهذه القدرة، يبقى الاختلاف قائماً لعدة أسباب. من بين هذه الأسباب، سألحُّ على ثلاثة منها.

السبب الأول يتمثَّل في كون المُشرِفين على تكوين الأقسام يعتمدون، فقط وحصريا، على التَّقديرات les appréciation أو التثمينات les valorisations او على النقط أو المعدلات التي حصل عليها المتعلِّم عند مروره من المرحلة ما قبل المدرسية إلى المرحلة الابتدائية، ومن المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الإعدادية أو من المرحلة الإعدادية إلى المرحلة التأهيلية. علماً أن التقديرات والتثمينات والتنقيط la notation والمعدلات les moyennes لا تعكس، على الإطلاق، المستوى الفكري للمتعلِّم. أولاً، لأنها ذاتية subjective، أي تختلف من مدرِّسٍ إلى آخرَ، وتختلف حسب الحالة النفسية التي كان ويكون عليها المُدرّسُ، حين إقباله على صياغة التقديرات والتثمينات وعلى التنقيط. ثانيا، التنقيط يعكس، فقط، قدرةَ المُتعلّمِ على الحفظ la mémorisation والاسترداد la restitution.

السبب الثاني له علاقة بالتَّنشئة الاجتماعية التي خضع لها ويخضع لها المتعلِّم داخلَ الأسرة. إذا كان الأب والأم مُتفتِّحين فكرياً épanouis intellectuellement ومُتحرِّرين اجتماعياً émancipés socialement، فهذا المستوى الفكري والاجتماعي سينعكِس على الطفل (المُتعلّم).

السبب الثالث يتمثَّل في كون المُتعلِّم، قبل أن يضع قدمَه الأولى في المدرسة، يكون قد كوَّن، فكريا، العديدَ من التَّمثُّلات a constitué de nombreuses représentations، يدرك ويحلِّل ويفسٍّر بها العالمَ المُحيطَ به. إذن، المتعلِّم، قبل أن يلتحِقَ بالمدرسة، لأول مرة، يدرك العالمَ المحيط به، بطريقةٍ خاصة به.

إذن، المدرس، لما يكون منهمِكا في التدريس، داخلَ القسم، يجد نفسَه أمام ثلاثة مشاكل، وهي : التقديرات والتثمينات والتنقيط لا يعكسون القيمة الحقيقية لقدرة المُتعلِّم على الاستيعاب والإدراك، التنشئة الاجتماعية تختلف من متعلِّمٍ إلى آخر، وكيف يُخلِّص المدرِّسُ المتعلِّمَ من رؤيتِه للعالم المحيط به، المبنية، بصفة خاصة على اللعِبِ، وإحلال محلَّها المعرفة العلمية.

ولهذا، مهما احتاطَ المُشرِفون على تكوين الأقسام، فهذه الأخيرة عبارة عن خليط من المُتعلِّمين غير المتساوين، فكريا، إضافةً إلى أنهم مُنحدرون من أوساط اجتماعية وثقافية مختلِفة. وبالتالي، مهما بدل المدرس من جُهدٍ لمحاولة وضع المتعلِّمين في نفس المستوى من الاستيعاب والإدراك، فإن المُتعلِّمين يبقون سجِناء لتمثُّلاتهم الطفولية، وكذلك، سجناء للأوساط الاجتماعية والثقافية التي نشأوا فيها.

ولهذا، فالتعليم ضحاياه كثيرة. فإذا كان للهدر المدرسي les déperditions scolaires أسبابُ اجتماعية واقتصادية، فالأنشِطة التعليمية/التَّعلُّمية التي تدور، عادةً، داخلَ الأقسام، لها هي الأخرى ضحاياها الذين يساهمون في تضخيم الهدر المدرسي.

أما الغريب في الأمر، هو أن هذا النوعَ من المتعلِّمين، يُحكَم عليهم، بكيفية غير معقولة، بأنهم "أغبياء" stupides، أي ضعيفين من حيث الذكاء l'intelligence والحكم le jugement على الأشياء. والحقيقة، كل الحقيقة، أنهم، فقط، في حاجةٍ إلى تعليم وتربية، من نوع خاص. أي تعليم وتربية يأخذان، بعين الاعتبار، على الخصوص، الوسط الذي نشأوا فيه والذي لا يساعِدهم أن تكون قدرتُهم على الاستيعاب والإدراك مرتفعةً.

والدليل على ذلك أن العديدَ من المتعلِّمين، بعد مغادرتِهم المدرسةَ، نجحوا في حياتهم العامة واليومية، اعتِمادا على إرادتِهم القوية في النجاح leur forte volonté de réussir وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا دليل قاطع يُبيِّن، بوضوح، أنهم ليسوا "أغبياء"، وإنما المدرسة، بحُكم اعتمادِها على وسائل غير علمية لتقييم évaluation المُتعلِّمين، هي التي وصفتهم ب"الأغبياء".

وأحسن تعليم، في العالم، يحترم إيقاعَ rythme المتعلِّمِ في الاستيعاب والإدراك، أي يحترم قدرتَه على الاستيعاب والإدراك، هي المنظومة التربوية النَّرويجية le système éducatif norvégien. فلا غرابة أن تكونَ هذه المنظومة التي لها مزايا كثيرة، دائما، من الأوائل في التصنيفات العالمِية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى