يحيى بركات - حين يغيب حارس الرواية

يرحل بعض الناس فتفقد مؤسسة موظفاً.
ويرحل آخرون فتفقد مهنة أحد أبنائها.
لكن هناك من يرحلون فتشعر أن مرحلة كاملة من الذاكرة هي التي غادرت.
هكذا تلقيت خبر رحيل الصديق والزميل والمناضل والإعلامي والروائي الفلسطيني زياد عبد الفتاح.
عدت فجأة إلى تلك السنوات البعيدة.
إلى بيروت.
إلى مكاتب الإعلام الفلسطيني التي كانت تضج بالأسماء والأحلام والأسئلة الكبيرة.
إلى زمن لم يكن الإعلام الفلسطيني فيه وظيفة، بل جزءاً من مشروع وطني كامل.
زمن ماجد أبو شرار، وأحمد عبد الرحمن، ونبيل عمرو، ومحمود اللبدي، ومصطفى أبو علي، وتوفيق بسيسو، وكثيرين من الرجال والنساء الذين حملوا الكلمة كما حمل غيرهم البندقية.
في ذلك الزمن كان زياد عبد الفتاح واحداً من أولئك الذين أدركوا مبكراً أن الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى من يقاتل من أجله، بل إلى من يروي حكايته أيضاً.
ولهذا لم يكن تأسيس وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" مجرد خطوة إعلامية.
كان إعلاناً بأن فلسطين قررت أن تكتب أخبارها بنفسها.
أن تروي قصتها بصوتها.
أن تخرج من موقع الخبر الذي يكتبه الآخرون إلى موقع الرواية التي يكتبها أصحابها.
ومن هنا جاءت أهمية زياد عبد الفتاح.
لم يكن مجرد مدير لوكالة أنباء.
كان واحداً من البنّائين الأوائل للرواية الفلسطينية المعاصرة.
جيلٌ كامل كان يؤسس المؤسسات الوطنية من الصفر.
يبني صحيفة من لا شيء.
ويؤسس وكالة أنباء من لا شيء.
ويصنع فيلماً من لا شيء.
ويكتب للعالم قصة شعب يحاول أن يثبت وجوده فوق أرض تتعرض كل يوم لمحاولة المحو.
كان يعرف أن الاحتلال لا يحتل الأرض فقط.
بل يحاول احتلال الذاكرة أيضاً.
ولهذا ظل وفياً للكلمة.
وفياً لفلسطين.
وفياً لفكرة أن الحقيقة تحتاج دائماً إلى من يحرسها.
وبرحيله لا تفقد فلسطين إعلامياً كبيراً فحسب.
بل تفقد شاهداً من جيل المؤسسين.
جيلٍ لم يكن يبحث عن الأضواء بقدر ما كان منشغلاً بإشعالها.
جيلٍ ترك خلفه مؤسسات وكتباً وذكريات ووجوهاً وحكايات أصبحت جزءاً من تاريخ الفلسطينيين المعاصر.
اليوم يغيب زياد عبد الفتاح.
لكن الأجيال التي جاءت بعده ما زالت تعمل داخل البيت الذي ساهم في بنائه.
وما زالت تكتب فوق الصفحات التي ساعد في فتحها.
وما زالت تستند، من حيث تدري أو لا تدري، إلى ذلك الجهد الصامت الذي بذله هو ورفاقه في سنوات التأسيس الأولى.
رحم الله الصديق والزميل والمناضل زياد عبد الفتاح.
ورحم جيلاً كاملاً من الحالمين الذين آمنوا أن الكلمة يمكن أن تكون وطناً.
وأن الخبر يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة.
وأن الرواية الفلسطينية تستحق دائماً من يحرسها.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



1781977480977.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى