إبراهيم محمود - كيليطو، وما وراء المكرَّر في " حي بن يقظان "

1781978155561.png



قرأت مقالاً مترجماً للباحث المغربي القدير عبدالفتاح كيليطو" اليوم " في موقع "الأنطولوجيا " تحت عنوان : من غير أمّ ولا أب (20 مايو 2026)... ترجمة إسماعيل أزيات، وكما جاء في التعريف به في ذيل المقال، عبارة عن ( نص المداخلة التي تقدّم بها الأديب عبد الفتاح كيليطو في اليوم الدراسي " ابن طفيل: إنسانية بلا حدود"، الذي نظّمه كرسي " الآداب والفنون المقارنة" التابع للإسيسكو بجامعة ابن طفيل يوم 20 مايو 2026.).
يعني ذلك أنه مقال وليس محتوى مناقشة لموضوع أو بحث مقدَّم لليوم الدراسي المذكور، وله اعتباره أو مكانته في سياق النشاط الأكاديمي الموسوم" قرابة 1300 كلمة ".
طبعاً، العبْرة بالمحتوى، وليس بعدد الكلمات، كما هو معروف.

هل من مشكِل؟
ربما هو كذلك، بالنسبة لمن هو مطَّلع على أعمال باحثنا المعروف، ومن يتابعه في كتاباته، والمستجد فيها، وأحسبني، بتواضع، من بين هؤلاء. على الأقل، نشرت كتاباً، أتعرض فيها بقراءة نقدية لأعماله يحمل عنوان( أسئلة التأويل، عبدالفتاح كيليطو، نموذجاً، دار الحوار، اللاذقية، 2015)، وبعض المقالات المنشورة هنا وهناك.
المشكل في أن الذي ارتجله أو تقدَّم به كيليطو في مداخلته هذه، وفي يوم دراسي متوقف على ابن طفيل، وبعلامة فارقة" إنسانية بلا حدود "، وبحجمه المعلوم، يكاد يكون نسخة مختصرة تقريباً لمقاله الذي ضمّنَه كتابه" الأدب والارتياب-2007" والذي يحمل عنواناً لافتاً لا يخفي استفزازاً ، وهو الاستفزاز الذي يدفع بالقارىء سريعاً إلى معرفة كنهه، ليكون له معنى مغاير للظاهر فيه.
العنوان" المتطفّل حي بن يقظان "( ينظَر ، الأعمال ، الجزء الرابع" حمّالو الحكاية" دار توبقال، الدار البيضاء، ط1، 2015، صص 227-237 ) إنه ثلاثة أضعافه، على وجه التقريب أيضاً.
النقاط المفصلية في المقال/ المداخلة، موجودة ، وبتوسع في مقاله هذا، كما في الحديث عن فرادة قصة/ حكاية " حي بن يقظان " لابن طفيل الفيلسوف، ومزجها بين الخيالي والواقعي، وغرائبيتها كذلك، وخاصيتها التركيبية، جهة النشأة، والعلاقة، والمعنى...إلخ.
اللافت، هو في ذيوع صيتها الذي يستوقف كيليطو، لحظة الإشارة إلى الاهتمام الغربي بها، وربطها بما هو روائي، قصصي أوربي، كما في حال " روبنسون كروزو " ومن تناولها في هذا المنحى، كما في حال ليون غوتييه، دون ذلك لما اكتسبت مثل هذه الشهرة.، ومفهوم الحيرة فيها.
هذا ما نتلمسه في بداية تناول كيليطو لـ" حي بن يقظان " في كتابه" ص227- وتأكيد سبب شهرتها خارج حدودها، ص 229، وحقيقة التطفل ومغزاه، ص235، وتجاذبها بين التكتم على نشرها وبثها خارجاً، تحسباً لجملة من العواقب ترتد إلى جرثومة الأصل فيها " ص237 "
لعل الحديث عن ذيوع صيت موضوعات أو أسماء مختلفة من الأدبيات العربية- الإسلامية، كما في حال " المعرّي " في " رسالة الغفران " حيث جرى التأكيد على مثل هذه النقطة عينها( الأعمال، المصدر المذكور،منامات أبي العلاء، صص 111-118).
هذا يحفّز فينا إرادة النظر أبعد مما أشيرَ إليه حتى الآن، على الأقل عند الانطلاقة من كتابات كيليطو نفسها، وكيف أن نسبة كبيرة مما تناوله بحثياً، كان " الآخر ": الغربي " الفرنسي وغيره " في طليعة هؤلاء الذي أخرجوا ما هو مؤثر في بنية الثقافة العربية- الإسلامية، وقبل ظهور الإسلام نفسه إلى النور الحديث والمعاصر" حال المعلقات " كان على خلفيات من الدراسات الغربية" الفرنسية وسواها طبعاً"حتى بالنسبة للعرب المعنيين بموضوعات كهذه، وعبْر مثقفيهم بلغتهم الأم" العربية " أو بلغات أخرى، كما الحال مع كيليطو، تلك التي لفتت الأنظار إلى ما يهمها فيها من موقعها الاستشراقي أو الاستعرابي وغيرهما.
ذلك ما يمكن تعزيزه بالنسبة لما أسمّيه بـ" دَيْن المعنى " والذي في ضوئه يمكن مكاشفة المحرك البحثي لهذه النوعية من الكتابات التي تصل الشرق بالغرب، أو تضفي على الشرق طابعاً من الحداثة المستجدة والمستدامة في أصلها انطلاقاً من ردود أفعال ثقافية وحضارية معاً.

وكيليطو ليس استثناء
نعم، كما نوَّهت، وأنا أتحدث عن باحثنا المغربي القدير كيليطو، ومن خلال التنوع في موضوعاته، ذلك القاسم المشترك في طريقة تناوله لها" بتأويله المفتوح " وعلى خلفية مضاءة بقائمة لافتة من الأسماء ذوي الحضور منهجاً، وقراءة ونقداً ومقارنة، مثل"نيتشه، بورخيس، تودوروف، ودريدا...إلخ".
وإذا حاولت وضع اسم كيليطو في دائرة البحث واستقصاءاتها المعلوماتية، فيمكنني القول، وكما هي قراءتي له فيما كتبه، أنه اكتشاف أوربي" فرنسي " بامتياز. وأنه إذا كان كاتب ضفتي المتوسط، كما كتبت عنه ذات يوم (كاتب بين ضفَّتي المتوسط: نموذج عبدالفتاح كيليطو) في صحيفة " القدس" اللندنية" 30 كانون الثاني، 2021 "، لكنه راس ٍعلى ضفة دريدا، وهو يكتب ويتحدث باللغة نفسها التي يكتب ويتحدث بها، أكثر حضوراً ولفت أنظار، من قارئه المتوسطي" المغربي ".
في السياق نفسه، كما هي قراءتي لنص المداخلة، حيث يظهر أنه قرأها أو قدَّمها بالفرنسية، والسؤال: كيف كان شعوره، وهو يتحدث عن " ابن طفيلـ:ـه" بالفرنسية؟ كيف كانت حالته الفرنسية وهو متحدث الفرنسية في موضوع عربي- إسلامي؟ أليس في ذلك ما يحفّز على المساءلة عن مغزى إسهام كهذا، وفي وضع كهذا، حين نتقصى بنية "إنسانية بلا حدود " وأين وكيف تكون هذه الإنسانية في الزمان والمكان المختلفين، وأي حدود تُعطى لها جهة النوعية التي تشدنا إلى " حي بن يقظان "؟ ألم يستعد ابن طفيل هنا، بصورة لافتة؟
أليس كيليطو نفسه محسوباً على ثقافة الآخر، ويعرَّف به كإنسان، وباحث عن حرية إنسانية تسِعُ الجميع في الطرف الآخر من المتوسط؟ دون ذلك، هل كان لكيليطو، أن يكون كما هو لولا هذا العبور النوعي، الزمني، الهندسي والمكثف للمتوسط، واللغة المحارَبة هنا وهناك؟
والسؤال الآخر، والمهم بالنسبة لي: ماالذي يدفع بكيليطو لأن يعيد على أسماع الحاضرين وقرائه ما كان نشره قبل قرابة عقدين؟ أي استثناء ثقافي، في هذا الاستدعاء؟ ألم يكن هناك إمكانية طرح موضوع آخر، وعن ابن طفيل نفسه ومن زاوية أخرى؟ أم تراه لم يعد في مقدوره إضافة ما يستحق، وقد نفد" رصيده " المعرفي المطلوب بصورة ما، حيث يعيش، ليجد في الذي كتبه بالأمس ما يشفع له في الغد؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى