سمير اليوسف - شوبنهاور فيلسوف اللاجئين

ثمة لحظة وجودية في حياة المرء- هذا المرء على الأقل- تجعله متأهباً لاعتناق أغرب المزاعم والتسليم بصحة أقل الحُجج شعبية. هذه اللحظة غالباً ما تنبثق عن واقع يتحكم بجسد المرء وعقله، بحواسه ومشاعره وبطريقة عقلنته لما يدركه حسيّاً ويشعر به.
لردح طويل من الزمن حسبت أن افتتاني بفلسفة الألماني آرثر شوبنهاور يعود إلى مزاجي الشخصي ونزوعي الدائم إلى تعريف الحياة بطريقة ميتافيزيقية حاسمة. كنتُ قد قرأت عن شوبنهاور وأعجبت بأفكاره قبل أعوام عديدة على توافر أعماله وقراءتها. وهذا ما منح فلسفته بُعداً أسطورياً شجع على ايماني بها وكأنها عقيدة دينية: أن الحياة هي لعنة مستمرة، فكرة أثارت اعجابي. أن الإنسان ملعون بوجوده الحيّ وأن إرادته الحرة كذبة كبيرة، لاقت استحساناً كبيراً عندي.
وعثرت على الحجة الفلسفية الأقوى حينما تسنى لي أخيراً قراءة كتابه الرئيسي "العالم إرادة وتمثلاً" حيث وعلى مدى قرابة ألف صفحة [بحسب الترجمة الإنكليزية الكاملة] يجادل شوبنهاور بأن لا إرادة حرة للإنسان في ما يفعل، وأن لا اختيار له في العيش. وأن إرادة الحياة هي سلطة ميتافيزيقية غامضة تحكم إراداتنا ورغباتنا وحاجاتنا. وأننا حينما نسعى "إرادياً" لتحقيق هدف ما فهذا مجرد وهم. نحن لا إرادة حرّة لنا في الأمر وحتى إن استبد بنا الظن بأننا نحقق ما نريد تحقيقه طوعاً. والدليل على ذلك أن الواحد منا نادراً ما يكتفي بتحقيق هدفٍ واحد، حتى وإن كان الهدف الذي حققه أكبر وأهم أهدافه. أن الواحد، بعد أن يحقق هدفه الكبير المزعوم، يرى الهدف أصغر بكثير من حجم طموحاته السابقة على تحقيق الهدف. وهو ما يجعله يُصاب بالخيبة واليأس أو يُبادر على الفور الى تحقيق هدف آخر يرقى الى مستوى طموحاته السابقة.
هذا السلوك، على ما يُفسّر شوبنهاور، إنما يدلّ على إرادة عمياء تتنافى مع الوعي المطلوب، نظراً وفعلاً، لتحقيق الهدف المطلوب. هذه الإرادة العمياء، ليست ارادتنا نحن وإنما ارادة الحياة، أو إرادة الطبيعة، وهي التي تحكم أحلامنا وطموحاتنا وتدفعنا في طريق السعي الجنوني لأجل تحقيق الأهداف التي كلما تحقق هدفٌ منها بدا أصغر بكثير مما كنا نتأمل الفوز به.
نشأتُ، شأن نشوء عامة الناس في مجتمعاتنا، على الإيمان بأن الحياة نعمة إلهية ثمينة، وبالتالي على الإيمان بضرورة حبّ الحياة والإعلاء من شأن إرادة الحياة! ومن منّا لم يتعلم قصيدة الشابيّ الشهيرة "إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر!" وأنا أنتمي لشعب تعرض لخطر الإنقراض وكان من واجبنا الوطني، فضلاً على واجبنا الديني، أن نتمسك بإرادة الحياة.
وقد واظبت على إيماني بتلك الترهات حتى حصول اللحظة الوجودية التي جعلتني أرى الحقيقة من جهة معاكسة تماماً. فرأيتُ أن قدميّ تقفان على ترابٍ ليس ترابي، على أرضٍ ليست أرضي. أنني أعيش على أرضٍ مستعارة، بل وعلى أرضِ مستعارة من أحقر ما خلق الله من بشرٍ على وجه الأرض. هذه اللحظة الوجودية، حينما أيقنت بأنني لاجئ وزائد عن اللزوم، كانت لحظة ولادة الحاجة الماسة إلى حكمة، إلى نظرية فلسفية كبرى، تسوّغ لي عقلنة [أي التبرر تبريراً منطقياً] إحساسي أن وجودي، الحسيّ الجسماني، عبء على العالم، أنه وجود متطفل ودخيل، غير مدعو إلى حفلة الوجود، إلى حدٍّ يجعل العدم، الرغبة بألا أكون، أشد الأماني قوة وحضوراً. والنظرية المطلوبة جاءت تدريجياً من فلسفة شوبنهاور ظلت راسخة في أعماق فكري.
.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى