د. ابراهيم عروش - الأب ، الجذر الذي لا يُرى، لكنه يحمل الشجرة كلها

.
21 يونيو عيد الأب


في زحمة الحياة، كثيراً ما نلتفت إلى الثمار، وننسى الجذور. نُعجب بظلال الشجرة، ولا نسأل من أين استمدت قوتها. وهكذا هو الأب؛ قد لا يكون أكثر أفراد الأسرة كلاماً، لكنه غالباً أكثرهم حملاً للهموم، وأقلهم شكوى.

الأب ليس مجرد رجل أنجب أبناءً، بل هو أول من يحمل عنهم ثقل الأيام قبل أن يعرفوا معنى الثقل. يخرج باكراً ليعود متعباً، لكنه يحرص أن يعود وفي يده ما يزرع الطمأنينة في قلوب أسرته. قد لا يجيد التعبير بالكلمات، لكن أفعاله تكتب كل يوم رسالة حب لا تحتاج إلى توقيع.

هو الذي يحوّل تعبه إلى راحة لأبنائه، ويؤجل أحلامه ليحقق أحلامهم، ويخفي قلقه حتى لا يسكن الخوف في قلوبهم. يفرح بنجاحهم أكثر مما يفرح بنجاحه، ويعتبر كل خطوة يخطونها إلى الأمام انتصاراً شخصياً له.

الأب مدرسة في الصبر، وجامعة في المسؤولية، وسند لا يعرف قيمة وجوده إلا من افتقده. هو اليد التي ترفع حين يتعثر الأبناء، والعين التي تسهر حين ينام الجميع، والقلب الذي يظل يدعو لهم حتى وإن شابت لحيته ووهن جسده.

وإذا كانت الأم تُعلّمنا معنى الحنان، فإن الأب يُعلّمنا معنى الأمان. وإذا كانت الأم تحتضن أبناءها بذراعيها، فإن الأب يحتضنهم بعمره كله، يشيّد لهم مستقبلاً حجراً فوق حجر، ويزرع فيهم قيم الكرامة والعمل والصدق، ليترك بعد رحيله رجالاً ونساءً يعرفون معنى الوفاء.

وفي يوم الأب، لا تكفي هدية ولا تكفي كلمات الشكر لرد جميل رجلٍ أفنى سنوات عمره ليمنح أبناءه سنواتٍ أجمل. إنها مناسبة لنعترف بأن وراء كل بيت مستقر أبٌ حمل ما لم يره أحد، وضحّى بما لم يتحدث عنه لأحد.

كل عام والآباء بخير… فأنتم أعمدة البيوت، وسند الأسر، وظلّها الوارف الذي لا يُقدَّر بثمن الجذر الذي لا يُرى، لكنه يحمل الشجرة كلها


د. ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى