شباك طنط زوزو

لم تظهر طنط زوزو معنا قط في أي صورة عائلية.
هي لم تدخل بيتنا أبدًا.
ومع ذلك، كانت تعرفه أكثر من كثيرين عاشوا به.
كان شباك غرفتها في البيت المواجه لنا يطل على حديقتنا، وعلى الشرفة الكبيرة حيث نجتمع كل يوم.
من هذه النافذة كانت ترى حياتنا وهي تمضي أمامها؛ الضيوف القادمون، موائد رمضان، كعك العيد، حفلات الميلاد، مشاكسات الأطفال، وجلسات السمر التي كانت تمتد حتى آخر الليل.
***
كانت الفيلا بيتا للعائلة كلها؛ يأتي إليه الأقارب والمعارف من كل مكان، كأنه محطة تجمع فروع عائلة لا تنتهي.
وكانت نافذتها هي العين الوحيدة التي ترى هذا كله من الخارج.
لم أرَ قط أقارب لطنط زوزو يطرقون بابها، ولا صديقات يملأن نهارها. كانت نادرة الخروج، تدور حياتها بين جدران شقتها، ثم تنتهي كل يوم عند تلك النافذة.
***
زوج طنط زوزو موظف بسيط ، تنحصر حياته بين عمله وبيته ،كان شديد الغيرة عليها.
يحب أن تبقى دائمًا قريبة منه، مطمئنًا إلى وجودها حوله، فلا يرضى لها كثير خروج أو اختلاط.
وكثيرًا ما كنت ألمحه قادمًا من عمله، حاملاً بطيخة كبيرة في موعد ثابت يكاد لا يتغير.
***
لم نكن نلتفت إلى طنط زوزو كثيرًا، أما هي فكانت تحفظ وجوهنا واحدًا واحدًا، وتعرف من كبر، ومن تزوج، ومن غاب طويلًا، ومن عاد يحمل طفلًا بين ذراعيه.
كانت تفرح إذا امتلأ البيت بالضيوف، وتحزن إذا خيم عليه الصمت، وربما بكت معنا في أيام حزننا، وضحكت لضحكاتنا دون أن يسمعها أحد.
***
خالي مرتضى هو المسئول عن الشواء في حديقتنا ، وهو ضابط شرطة معروف بصرامته.
وكنت أنا مساعده الدائم، أتنقل بين الفحم والبهارات وأطباق اللحوم، وكأنني في مهمة عسكرية خفيفة الظل.
كان يتذوق كل قطعة بنفسه قبل أن يقرر مصيرها، ويعترض على أي “استعجال غير مدروس”.
وفي أحد أيام الصيف، بينما كانت طنط زوزو تتابع المشهد من نافذتها، نادتني بصوتها الهادئ:
ـ هل يمكن أن تشوي لي معكم هذه الفرخة؟
نظرتُ إليها مبتسمًا، وأخذتُ منها الدجاجة، ووضعتها مع ما نشوي من لحم ودجاج، وتولّيتُ تتبيلها ببهاراتنا، ثم تركتها على النار مع باقي الطعام.
لكن خالي مرتضى لمحها لاحقًا، فسألني بجدية عابسة:

ـ لمن هذه؟

قلت بسرعة:

ـ هذه فرخة طنط زوزو.

تجمّد قليلًا، ثم قال بحسم:

ـ لا… لن تدخل هذه الشواية.

ارتبكتُ في تلك اللحظة، وخشيت أن أكون قد أخطأت. ونظرتُ إلى النافذة، فوجدت طنط زوزو تتابع الموقف في صمت.

اقتربتُ منها سريعًا أشرح لها بحرج، فابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت بصوت منخفض:

ـ لا بأس… عادي.

لكن في عينيها كان شيء يشبه الخذلان.

تدخلت جدتي سريعًا:

ـ لمَ تفعل ذلك يا مرتضى؟

وفي لحظات قصيرة عاد ووافق، وكأن “فرخة طنط زوزو” حصلت على استثناء خاص من قوانينه الصارمة.
***


كان الجميع يرى خالي مرتضى حادًّا قاسيًا، فكنا نخشاه ونضحك منه في الوقت نفسه.
لكن بعد سنوات، حين رحل، بكت عليه طنط زوزو كثيرًا،بشكل غير متوقع

وتبيّن لنا بعد ذلك أنه منذ وفاة زوجها، كان هو من يتدخل لقضاء مصالحها، وتقديم العديد من الخدمات لها، بل ولجميع سكان الشارع بحكم نفوذه،ومعارفه،و منصبه الكبير.

يا لغرابة الدنيا…
غريب أن يرحل زوجها دون أن ندري ، والأغرب أننا لم نكن نعلم أن خلف صرامة خالي، قلبًا يمدّ يد العون في صمت.
دون أن ينتظر شكرًا من أحد.
***


كبر ولدَاها، وتخرجا في الجامعة، وكبرنا نحن أيضًا. تزوج بعضنا، ورحل بعضنا، لكن البيت ظل عامرًا، وكانت نافذتها لا تزال مفتوحة، كأنها تحرس ذاكرة الشارع.
و ذات مساء جلس جدي في الحديقة، وقال وهو ينظر إلى الأشجار:
ـ الدنيا تغيرت.
فردت جدتي وهي تصب الشاي:
ـ الناس اللي راحت عمرها ما تتعوض.
أما طنط زوزو، فكانت تنصت إليهما في حزن ، وهي تنظر من بعيد.
رحل جدي.
وبعده رحلت جدتي.
حضرت طنط زوزو العزاء، ووقفت في صمت طويل.
لم تعد الحديقة تمتلئ بالأطفال، ولا الشرفة بالجلسات، ولا الطريق بالضيوف القادمين من كل مكان.

وبعد أشهر قليلة…
رحلت طنط زوزو.

كأنها كانت تؤجل رحيلها حتى ينتهي آخر فصل من الحكاية.

واليوم، كلما مررت بالمكان، أرفع رأسي إلى تلك النافذة وأبحث عنها دون قصد.

طنط زوزو لم تظهر معنا في أي صورة عائلية.
ومع ذلك…
كانت تحمل داخل قلبها الألبوم كله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى