العقلية الذكورية إلى متى؟

ما هي العقلية الذكورية؟ وما هي أسُسُ الذكورية؟ وهل لا تزال معمولاً بها في المجتمعات البشرية؟

جوابا على السؤال الأول، أي "ما هي العقلية الذكورية؟"، أقول إن "العقلية الذكورية" عبارة عن إيديولوجيا. وكل إيديولوجيا عبارة عن مجموعة أفكار des idées وسلوكيات des comportements. وهذه الأفكار يكون وراءها تمثُّلات des représentations تضرب جذورها في أعماق التاريخ. وهذه التمثُّلات يكون وراءها معتقدات des croyances يمكن تلخيصها في تفضيل الذكور على الإناث، بل يمكن تلخيصُها، كذلك، في سيطرة هؤلاء الذكور على هؤلاء الإناث.

والذكورية، كعقليةٍ une mentalité ليست فقط أمراً رجولياً، بل قد نجد، في بعض المجتمعات، نساءً يدافِعن عن الذكورية، نظرا لأسباب تفرضها العادة والتقليد أو لأسباب دينية أو اجتماعية. بل إن بعض الذكور يعتقدون، اعتقادا راسخا، بأن سيطرتَهم على العنصُر النسوي حق لا جدال فيه، يفرضه الدين.

والعقلية الذكورية تتجلَّى، بوجهٍ خاص، في القرارات الأسرية التي لا لأحدٍ، غير الرجل اتِّخاذَها. بل العقلية الذكورية تنظر للعنصر النسوي بأنه عنصُر تابعٌ، ضعيف جسمانياً وعقليا. وهذا النوع من احتقار المرأة يُؤدي، أحياناً، إلى استعمال العنف ضد هذه المرأة، إذا أخلَّت بطاعة الرجل أو خالفته في الرأي أو تصادمت مع قراراتِه. والآن، سأجيب على السؤال الثاني، أي "ما هي أسُس الذكورية؟".

العقلية الذكورية ليست وليدةَ عصرنا الحاضر. إن أصلَها له جذور تضرب في أعماق التاريخ. وقد ترسخت، كعنصر ثقافي واجتماعي بناه الإنسان أثناء العصر الحجري الحديث le néolithique، وبالضبط، لما ظهرت الزراعة l'agriculture. حينها رأى الرجل في المرأة أحسن عنصر مُنجِبٍ procréateur لمواجهة نسبة الوفيات le taux de mortalité التي كانت مرتفِعةً، آنذاك. من تمَّة، انتقلت هذه الرؤية التي تَعتَبر المرأةَ وسيلةً للإنجاب من جيلٍ إلى آخر، إلى أن ظهرت الأديان السماوية. لكن فهمَ النصوص الدينية تمَّ تحويره لصالح الرجل، رغم أن هذه النصوص تُساوي بين الرجل والمرأة. حينها أصبحت الأبوية le patriarcat أو السلطة الأبوية l'autorité patriarcale قاعدةً اجتماعية. والآن، سأُجيب على السؤال الثالث، أي "وهل لا تزال (الذكورية) معمولاً بها في المجتمعات البشرية؟

بكل تأكيد أن الذكورية لا تزال قائمة ومعمولاً بها في كثيرٍ من البلدان الأسيوية الجنوبية، وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

بالنسبة للبلدان الأسيوية الجنوبية، أذكر، على سبيل المثال اليمن وباكستان، حيث، حسب برنامج الأمم المتحِدة للتنمية، 99% من السكان لهم، على الأقل، واحدة من النظرات التي تُشيد بالذكورية. وبالنسبة لبلدان أمريكا الجنوبية اللاتينية، كالمكسيك والأرجنتين حيث لا تزال محاربة الذكورية قائمة إلى يومنا هذا. أما بالنسبة لبلدان الشرق الأوسط، الإسلامية، على الخصوص، التراث الديني الذي أنتجه علماء وفقهاء الدين، القدامى، هو المسؤول عن وجود واستِمرار الذكورية، علما أن القرآن واضح، في هذا الشأن، إذ يُساوي، سبحانه وتعالى، بين الرجل والمرأة، في عدة آياتٍ من هذا القرآن.

يقول، سبحانه وتعالى، في موضوع المساواة بين الرجل والمرأة، في الآية رقم 1 من سورة النساء : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً". في هذه الآية الكريمة، أشار، سبحانه وتعالى، إلى المساواة من حيث الاشتراك في الإنجاب la procréation.

وتستمر المساواة الإلهية بين الرجل والمرأة، في الأجر الأُخروي، حين قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 195 ،من سورة آل عمران : "أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْض".

والمساواة الإلهية بين الرجل والمرأة لا تتوقَّف عند الجزاء الأخروي، بل تمتدُّ، كذلك، للحياة الدنيوية، حيث قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 97 من سورة النحل: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ".

والمساواة الإلهية بين الرجل والمرأة ذهبت وتذهب إلى أبعد حد، في الحياة الدنيوية، إذ لا يفرِّق، سبحانه وتعالى، بين الرجل والمرأة، في الحقوق les droits والواجبات les obligations. قال ويقول، سبحانه وتعالى، في هذا الشأن، في الآية رقم 228 من سورة البقرة : "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ". بمعنى أن الرجلَ والمرأة، كأعضاء في المجتمع، لهما نفس الحقوق، وعليهما نفس الواجبات.

بل امتدت المساواة الإلهية بين الرجل والمرأة للحق في اكتساب الأموال، من خلال العمل الصالح، أي العمل الذي ينفع البلادَ والعبادَ. قال ويقول، سبحانه وتعالى، في هذا الشأن، في الآية رقم 32 من سورة النساء : "لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ".

بعد هذه التوضيحات الوارِدة في القرآن الكريم، فأين توجد الذكورية le machisme؟ لا أثرَ لها في القرآن الكريم. الذكورية من صُنع التراث الديني الذي خلَّفه لنا علماء وفقهاء الدين، القدامى. علماء وفقهاء الدين، القدامى، فسَّروا النصوص الدينية، حسب الظروف الاجتماعية والثقافية التي كانت سائِدةً في عصرهم، وكذلك، حسب ما توارثه الناس من عاداتٍ وتقاليد. بمعنى أن الذكورية ثقافة ولا علاقةَ لها بالإسلام.

وهذه الثقافة هي التي دفعت هؤلاء العلماء والفقهاء إلى تشبيه المرأة بالحمار والكلب، عندما قالوا : المرأة والحمار والكلب الأسود يقطعون الصلاة، أي عندما يكون المسلم منهمِكاً في أداء الصلاة، ومر من أمامِه حمارٌ أو كلبٌ أسود أو امرأة، فصلاتُه غير مقبولة، وعليه أن يُعيدَها. فكيف لهؤلاء العلماء والفقهاء أن يحترموا المرأةَ، والله، سبحانه وتعالى، قال ويقول، في الآية رقم 7 من سورة السجدة : "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى