منذ الصغر لدي شغف بالأجهزة الإلكترونية، كان في حارتنا رجل يدعى عبدالقادر يمتلك دكاناً صغيراً بجوار الزاوية في آخر الحارة لتصليح الأجهزة الكهربائية التالفة مثل الراديو والتلفزيون... إلخ.
لا تدعني أمي أخرج من البيت كثيراً، انتهزت أوقات الصلاة لأخرج بعدها للتسكع أمام دكان عم عبدالقادر لعلي أجد رقاقة إلكترونية تالفة فأفككها أو أجد موتوراً صغيراً، وهذا يُعد من أحلام الطفولة وقتها، سرعان ما تبوء كل المحاولات بالفشل فأرجع إلى البيت خالي الوفاض ثم أقول لنفسي لو أدخل تلك الدكانة!
في مرة خطرت ببالي فكرة شيطانية للدخول لدكانة عبدالقادر؛ قررت أن أخرب المنبه الخاص بأمي، فهي طيبة القلب إن عرفت أنني وراء تلك الفعلة فلن تغضب كثيراً. بالفعل نفذت الفكرة، في الصباح إذا بأمي تستيقظ متأخرة عن العمل، المنبه لا يعمل. فأقترحتُ على أبي أن يأخذ المنبه للتصليح في دكان عم عبدالقادر، وافق أبي، وهنا أدركت أن هذا يوم سعدي.
ذهبت مع أبي بعد صلاة العشاء إلى عم عبدالقادر، ما إن دخلت الدكانة الصغيرة وشممت رائحة الأجهزة الإلكترونية التالفة ـ تلك رائحة لا أنساها ـ ويكأنني دخلت جنة الله في الأرض!
اتسعت عيناي واهتز قلبي فرحاً، حتى لمحني عم عبدالقادر ، كان ذكياً للغاية؛ فقام بسؤال أبي وهو ينظر إلي نظرة شك ما الذي أصاب هذا المنبه؟
أجاب أبي: لا يعمل، أخذ يفحصه استنتج بعدها أن أحدهم قام بتفكيك المنبه وتخريبه من الداخل.
حينها عم الصمت المكان، وجدتها ينظران إليّ بأصابع الشك والاتهام. عندها قلت في وداعة طفل في الثامنة من عمره:
"كل ما أريد مجرد موتوراً صغيراً من عم عبدالقادر."
فضحك الجميع، وعدنا إلى البيت بمنبه خربان فلم يعد هناك فائدة من تصليحه، وكسبت موتوراً صغيراً هدية من عم عبدالقادر.
يومها أصبح ذلك الموتور الصغير أثمن ما أملك. لم يكن مجرد قطعة حديد وأسلاك بالنسبة لطفل في الثامنة من عمره، بل مشروعاً مؤجلاً ينتظر أن يكتمل. ظللت أحمله في يدي كل يوم وأديره بأصابعي وأتخيل أنه محرك لطائرة سأصنعها أو سيارة ستجوب أرجاء البيت بسرعة البرق.
قضيت أسابيع أبحث عن بطاريات وأسلاك قديمة لأجعله يدور. فأجمع كل ما تقع عليه عيناي من مخلفات الأجهزة الكهربائية، أصبحت إحدى زوايا غرفتي أشبه بمستودع صغير للخردة الإلكترونية. وأمي تنظر إلى تلك الأكوام وتتنهد قائلة:
"ما الذي ستفعله بكل هذا؟"
فأجيبها بثقة العالم الذي اكتشف قانوناً جديداً:
"سأصنع شيئاً عظيماً."
ولم أصنع شيئاً عظيماً بالطبع... بل أفسدت أشياء كثيرة. أحرقت بطاريات، وقطعت أسلاكاً لا ينبغي قطعها، وفككت ألعاباً لم أستطع إعادة تركيبها مرة أخرى. لكنني أتعلم في كل مرة درساً جديداً لا أجده في الكتب المدرسية.
أما عم عبدالقادر فيبتسم بعدها كلما رآني واقفاً أمام دكانه. لم يكن يطردني رغم كثرة أسئلتي، ولم يسخر من أفكاري الغريبة. فهو يدرك أن ذلك الطفل لا يبحث عن قطعة إلكترونية فحسب، بل يبحث عن باب يدخل منه إلى عالم أكبر من الحارة وأكبر من الدكان نفسه.
مرت السنوات واختفى ذلك الموتور الصغير في مكان ما بين الانتقالات الكثيرة وأغراض الطفولة التي تتسرب من بين أيدينا دون أن نشعر، لكن أثره لم يختفِ أبداً. فما زلت كلما رأيت جهازاً جديداً أو تقنية حديثة أتذكر تلك اللحظة التي شعرت بها وأنا أدخل دكان عبدالقادر لأول مرة.
واليوم أدرك أن بعض الناس يمرون في حياتنا مروراً عابراً، لكنهم يتركون أثراً يمتد لعقود. فعم عبدالقادر لم يمنحني قطعة إلكترونية فقط، بل منحني شعوراً لا يزال يرافقني حتى الآن؛ شعور الدهشة الأولى، ولذة الاكتشاف، والإيمان بأن الأشياء العظيمة تبدأ أحياناً من دكان صغير في آخر الحارة... ومن موتور صغير حصل عليه طفل مشاغب بعد أن خرب منبه أمه عمداً.
لا تدعني أمي أخرج من البيت كثيراً، انتهزت أوقات الصلاة لأخرج بعدها للتسكع أمام دكان عم عبدالقادر لعلي أجد رقاقة إلكترونية تالفة فأفككها أو أجد موتوراً صغيراً، وهذا يُعد من أحلام الطفولة وقتها، سرعان ما تبوء كل المحاولات بالفشل فأرجع إلى البيت خالي الوفاض ثم أقول لنفسي لو أدخل تلك الدكانة!
في مرة خطرت ببالي فكرة شيطانية للدخول لدكانة عبدالقادر؛ قررت أن أخرب المنبه الخاص بأمي، فهي طيبة القلب إن عرفت أنني وراء تلك الفعلة فلن تغضب كثيراً. بالفعل نفذت الفكرة، في الصباح إذا بأمي تستيقظ متأخرة عن العمل، المنبه لا يعمل. فأقترحتُ على أبي أن يأخذ المنبه للتصليح في دكان عم عبدالقادر، وافق أبي، وهنا أدركت أن هذا يوم سعدي.
ذهبت مع أبي بعد صلاة العشاء إلى عم عبدالقادر، ما إن دخلت الدكانة الصغيرة وشممت رائحة الأجهزة الإلكترونية التالفة ـ تلك رائحة لا أنساها ـ ويكأنني دخلت جنة الله في الأرض!
اتسعت عيناي واهتز قلبي فرحاً، حتى لمحني عم عبدالقادر ، كان ذكياً للغاية؛ فقام بسؤال أبي وهو ينظر إلي نظرة شك ما الذي أصاب هذا المنبه؟
أجاب أبي: لا يعمل، أخذ يفحصه استنتج بعدها أن أحدهم قام بتفكيك المنبه وتخريبه من الداخل.
حينها عم الصمت المكان، وجدتها ينظران إليّ بأصابع الشك والاتهام. عندها قلت في وداعة طفل في الثامنة من عمره:
"كل ما أريد مجرد موتوراً صغيراً من عم عبدالقادر."
فضحك الجميع، وعدنا إلى البيت بمنبه خربان فلم يعد هناك فائدة من تصليحه، وكسبت موتوراً صغيراً هدية من عم عبدالقادر.
يومها أصبح ذلك الموتور الصغير أثمن ما أملك. لم يكن مجرد قطعة حديد وأسلاك بالنسبة لطفل في الثامنة من عمره، بل مشروعاً مؤجلاً ينتظر أن يكتمل. ظللت أحمله في يدي كل يوم وأديره بأصابعي وأتخيل أنه محرك لطائرة سأصنعها أو سيارة ستجوب أرجاء البيت بسرعة البرق.
قضيت أسابيع أبحث عن بطاريات وأسلاك قديمة لأجعله يدور. فأجمع كل ما تقع عليه عيناي من مخلفات الأجهزة الكهربائية، أصبحت إحدى زوايا غرفتي أشبه بمستودع صغير للخردة الإلكترونية. وأمي تنظر إلى تلك الأكوام وتتنهد قائلة:
"ما الذي ستفعله بكل هذا؟"
فأجيبها بثقة العالم الذي اكتشف قانوناً جديداً:
"سأصنع شيئاً عظيماً."
ولم أصنع شيئاً عظيماً بالطبع... بل أفسدت أشياء كثيرة. أحرقت بطاريات، وقطعت أسلاكاً لا ينبغي قطعها، وفككت ألعاباً لم أستطع إعادة تركيبها مرة أخرى. لكنني أتعلم في كل مرة درساً جديداً لا أجده في الكتب المدرسية.
أما عم عبدالقادر فيبتسم بعدها كلما رآني واقفاً أمام دكانه. لم يكن يطردني رغم كثرة أسئلتي، ولم يسخر من أفكاري الغريبة. فهو يدرك أن ذلك الطفل لا يبحث عن قطعة إلكترونية فحسب، بل يبحث عن باب يدخل منه إلى عالم أكبر من الحارة وأكبر من الدكان نفسه.
مرت السنوات واختفى ذلك الموتور الصغير في مكان ما بين الانتقالات الكثيرة وأغراض الطفولة التي تتسرب من بين أيدينا دون أن نشعر، لكن أثره لم يختفِ أبداً. فما زلت كلما رأيت جهازاً جديداً أو تقنية حديثة أتذكر تلك اللحظة التي شعرت بها وأنا أدخل دكان عبدالقادر لأول مرة.
واليوم أدرك أن بعض الناس يمرون في حياتنا مروراً عابراً، لكنهم يتركون أثراً يمتد لعقود. فعم عبدالقادر لم يمنحني قطعة إلكترونية فقط، بل منحني شعوراً لا يزال يرافقني حتى الآن؛ شعور الدهشة الأولى، ولذة الاكتشاف، والإيمان بأن الأشياء العظيمة تبدأ أحياناً من دكان صغير في آخر الحارة... ومن موتور صغير حصل عليه طفل مشاغب بعد أن خرب منبه أمه عمداً.