كرة القدم عبدالعزيز كوكاس - من موناكو إلى مرّوكو: كيف أعاد المنتخب كتابة اسم الوطن في المخيال العالمي؟

خلال كل زيارة لي لأمريكا، حين كنت أُسأل عن موطني فأقدم نفسي: "أنا من المغرب morocco"، كانوا يلتفتون بدهشة مشوبة بالجهل، يبتسمون ويقولون: "يا، موناكو!"، وكأنني قادم من الجزيرةٍ التي تعوم في بحيرة الأوربيين الأثرياء، لا من صحراء تمشي فيها القصائد وجبال تُحفظ الذاكرة في نقوشها وفي جماجم الإنسان الأول. كان في ذلك الخلط خنجر صغير في الروح كأن الوطن كله يتبخر في زلّة لسان. كنت أقول "نعم" وأمرّ، كمن يبتلع الإهانة بابتسامة المتسامح أو الصامت المذبوح. ليس لأنني لا أعرف كيف أشرح لهم أن "مُرّوكو" ليست "موناكو"، بل لأنني تعبتُ من أن أكون مترجمًا لوطني في كل جلسة. فالوطن ليس تعريفًا جغرافيًا إنه يتحول إلى رعشة حين يُساء فهمها.
ثم جاء مونديال قطر، وصارت الأعلام الحمراء بنجمتها الخماسية الخضراء ترفرف في شوارع لم تكن تعرف عن المغرب غير فُتات الصور السياحية. فجأة، أصبحنا نُعرف من دموع لاعبين يسجدون وسط الملاعب، من أمّهات يصعدن إلى المدرجات، من فرحة بلا حدود. سألوني بعدها في آخر مرة زرت واشنطن "إن كنت من المغرب morocco لا موناكو"، وكأن كرة القدم منحتنا شهادة ولادة جديدة في الذاكرة العالمية. شيء من الانتصار تسلل إلى القلب، رغم سذاجة السبب.
لكن حتى بعد ذلك، حين تقول "أنا من المغرب"، تجدهم يختزلونك في طاجين تفوح منه روائح البطاطس ولحم الماعز، أو كسكس يُباع في عبوات سياحية أو كأس شاي يُصبُّ بيدٍ معروقة أو راقصة أحواش تهز كتفيها كأنها تشرح حضارة كاملة بإيماءة جسد. وتظل هناك هوة لا تُردم بينك وبينهم: فأنت ابن حضارة أعمق من مذاق، وتاريخ أثقل من نغمة موسيقى فولكلورية. أنت ابن الفقد أيضا، ابن قرونٍ من الوجود المحذوف من خريطة الإدراك الغربي، ابن أسئلة تُطرح عليك لتُستهلك: "هل عندكم سيارات؟ هل ترتدون جلابيب؟ هل لديكم الجواري والعبيد؟ هل لديكم إنترنيت؟"
كنت أتمنى أحيانًا أن أصرخ في وجوههم: "أنا من بلدٍ فيه فلاسفة وأضرحة، فيه شعراء ولصوص، فيه مدن تموت واقفة وقرى تمشي حافيةً خلف الحلم، من بلد لا تفسّره صورة على بروشور سياحي ولا راقصة في مهرجان فولكلور ولا حتى مباراة في المونديال…" لكنني غالبا، أبتسم وأقول: "نعم، من المغرب"، ثم أمرّ.. وفي صدري يواصل الوطن روايته بصوتٍ لا يسمعه غيري.
ما يثيرني في ظاهرة المنتخب المغربي ليس ما حققه من نتائج، بل ما أنتجه من معنى، ذلك أن المعاني تبقى وتتحول إلى أساطير. لذلك أعتقد أن ما نعيشه اليوم هو ولادة سردية رمزية جديدة حول المغرب نفسه.
من منظور سيميائي، لم يعد المنتخب مجرد أحد مدلولات الدولة المغربية، لقد أصبح علامة مستقلة، في السابق كان القميص الأحمر يحيل مباشرة إلى الوطن، أما اليوم فقد أصبح القميص نفسه موضوعاً للرغبة والإعجاب. لقد انفصلت العلامة عن مرجعها المباشر واكتسبت حياة خاصة بها. حين يرتدي شخص أوربي أو أمريكي أو أمريكو لاتيني القميص المغربي فهو يرتدي قصة، وحلماً، وصورة نجاح وانتماءً رمزياً إلى تجربة ألهمته.
ما حدث مع المنتخب الوطني لكرة القدم كان أكبر من مجرد انتصار رياضي عابر، أو مجرد مصالحة مؤقتة بين بلد وصورته في الخارج، بقدر ما كان لحظة سيميائية كثيفة، انتقل فيها المغرب من موقع الموضوع الغامض، أو البلد الذي يحتاج إلى شرح، إلى موقع العلامة التي تفرض نفسها بصرياً وعاطفياً ورمزياً. لقد صار القميص الأحمر بنجمته الخضراء اختصاراً لبلد وتكثيفاً لهوية ومدخلاً جديداً إلى ذاكرة عالمية كانت في الغالب كسولة، لا تتذكر من البلدان إلا ما تمنحه لها السينما والسياحة والأخبار العاجلة والكوارث والحروب.
هنا أستحضر ما يسميه رولان بارث "الأسطورة الحديثة" التي تمثل لحظة تتحول فيها الوقائع إلى رموز. إذ تحول المنتخب المغربي من فريق إلى أسطورة بالمعنى البارثي للكلمة: لم يعد الناس يتحدثون عن التمريرات والأهداف، ولكنهم يتحدثون عن الشجاعة والهوية والعائلة والانتماء والتحدي. وهكذا أصبحت المباريات الحامل الظاهر لمعانٍ أعمق بكثير. والأكثر إثارة أن هذه الأسطورة صنعت بالتوازي داخل الملاعب وفي المدرجات. فالجمهور المغربي كان جزءاً من النص نفسه. لقد تحول من متلقٍ للعرض إلى عنصر داخل العرض. حين كانت الكاميرات تنتقل إلى المدرجات كانت تكتشف مشهداً موازياً للمباراة. وهنا حدث تحول سيميائي بالغ الأهمية: أصبح الجمهور نفسه علامة. لم يعد المغرب محتاجاً إلى مترجم فردي يقف في مطار أو جامعة أو مقهى أمريكي ليشرح الفرق بين مروكو وموناكو. لقد تكلمت الصورة نيابة عنه. تكلمت الأمهات والزيجات في المدرجات، تكلم اللاعبون وهم يقبلون رؤوس أمهاتهم. تكلم السجود بعد الانتصار. تكلمت الدموع والقمصان الممزقة والدم الذي يسيل من الجسد بلا استسلام. تكلم الجمهور وهو يحول المدرج إلى قصيدة جماعية تشكل تتمة نبيلة للحكاية. لقد صار كل تفصيل صغير قابلاً لأن يتحول إلى رمز.
يمكن القول إن المنتخب المغربي خرج من كونه دالاً رياضياً إلى كونه دالاً ثقافياً مركباً. لم يعد الفريق الوطني يحيل فقط إلى كرة القدم، بل إلى العائلة، وإلى الأم، وإلى الجنوب العالمي، وإلى العربي والإفريقي والأمازيغي والمتوسطي، وإلى فكرة أن بلداً كان يُرى من بعيد كصورة سياحية يمكن أن يظهر فجأة كقوة رمزية حية. إن العلامة هنا لا تشتغل بالمعنى المباشر، بل بالتراكم: لون القميص، لغة الجسد، إيقاع الجمهور، حكايات اللاعبين، انتماءاتهم المزدوجة، تداخل الداخل والمهجر، كلها صارت شظايا من خطاب واحد يقول للعالم: المغرب ليس هامشاً، وليس فولكلوراً جاهزاً، وليس ديكوراً شرقياً في مخيلة سائح يعشق جمع الصور... إنه بلد قادر على إنتاج صورة كونية دون أن يتنازل عن خصوصيته.
ولعل هذا ما يفسر أن القميص المغربي صار كونيا لأنه أصبح ينتمي إلى اقتصاد الإعجاب. فالأجانب أصبحوا يرتدون الأقمصة المغربية بسبب الرغبة في الانتماء إلى قصة. وقصة المغرب في كرة القدم الحديثة كانت جذابة لأنها قُدَّمت كقوة دافئة لفريق شاب شكل جماعة بشرية لها أمّهات ووجوه ولهجات ودموع وملامح طبيعية. كان في المنتخب شيء من العائلة والحلم، وشيء من رد الاعتبار ومن تلك العدالة الشعرية التي ينتظرها الضعفاء طويلاً وتأتي غالباً في هيئة معجزة.
لقد تعود العالم لعقود طويلة على صورة المشجع بوصفه كائناً انفعالياً، فوضوياً أو عنيفاً. فجاء الجمهور المغربي ليقدم نموذجاً مختلفاً: كتلة بشرية منظمة، غنائية، مبدعة تمتلك حساً جمالياً في التشجيع، وتنتج صوراً بصرية مدهشة. لقد تحول الجمهور إلى ما يشبه العمل الفني الجماعي.
يمكن القول إن المنتخب المغربي نجح في إنتاج ما يسميه Benedict Anderson "الجماعة المتخيلة". فالأمة ليست فقط حدوداً وجوازات سفر، بل شعوراً جماعياً بالانتماء إلى قصة واحدة. وما فعله المنتخب أنه أعاد إنتاج هذا الشعور على نطاق عالمي. فجأة وجد ملايين المغاربة أنفسهم يتحدثون اللغة العاطفية نفسها، ويحلمون الحلم نفسه، وينتظرون الحدث نفسه. لكن الأهم من ذلك أن المنتخب تجاوز جمهوره الوطني، فالجماعة المتخيلة لم تعد مغربية فقط، لقد أصبحت عابرة للحدود. صار هناك أشخاص لا تجمعهم بالمغرب رابطة دم أو لغة أو جغرافيا، ومع ذلك وجدوا أنفسهم داخل هذه القصة. وهنا تكمن قوة الأسطورة: إنها تجعل الغرباء يشعرون بأنهم جزء منها.
ومن زاوية أخرى، فإن المنتخب المغربي يمثل انتصاراً لما يمكن تسميته "جماليات الاعتراف"، فجزء كبير من شعوب الجنوب ظل يعيش داخل سرديات عالمية تضعها في موقع الهامش. وحين ظهر المنتخب المغربي بهذه القوة، نظرت إليها هذه الشعوب بوصفها تعبيراً عن إمكانية تجاوز تلك المركزية الرمزية التي احتكرت البطولة والنجاح لعقود طويلة. لذلك فإن التشجيع موجه إلى اللاعبين وإلى الإمكانية التي جسدوها.
أما السر الأكبر في هذه الظاهرة فيكمن، في تقديري، في أن المنتخب المغربي لم يقدم صورة القوة المتعالية، لقد نجح اللاعبون والجمهور في نسج صورة القوة الإنسانية. لم يظهر المنتخب الوطني كآلة كروية باردة، على العكس قدم للعالم بطلاً يمكن الاقتراب منه، لا بطلاً يقف فوق الآخرين.
ولهذا السبب بالتحديد تحولت قصة المنتخب المغربي لكرة القدم إلى أسطورة معاصرة. فالأساطير تُبنى على القدرة على تجسيد رغبة جماعية عميقة. والمنتخب المغربي نجح في أن يصبح تجسيداً لرغبة الملايين في الاعتراف والكرامة والنجاح والانتماء. ومن هنا فإن ما صنعه من إنجاز رياضي هو إنتاجٌ لرمز جديد دخل المخيال العالمي، وصار جزءاً من اللغة التي يتحدث بها العالم عن المغرب. لقد انتقل المنتخب من كونه فريقاً يمثل المغرب إلى كونه قصةً يروي المغربُ بها نفسه للعالم، ويروي العالمُ من خلالها شيئاً من أحلامه هو أيضاً. وهذا هو المعنى الحقيقي للأسطورة: أن تتحول من حدث إلى رمز، ومن رمز إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى جزء من الخيال الجماعي للبشر.
وهنا كان الجمهور المغربي جزءاً حاسماً من صناعة الأسطورة. فالجمهور لم يكن خلفية صوتية للمنتخب، بقدر ما كان نصاً موازياً له. لقد خرج من وظيفة التشجيع إلى وظيفة التمثيل، ومن موقع المتفرج إلى موقع المؤلف الجماعي للفرجة. كانت الجماهير المغربية في المدرجات تنتج صورة أخرى عن الوطن: وطن منظم، حماسي، قادر على الفرح وعلى تحويل الانفعال إلى طقس، والطقس إلى فرجة، والفرجة إلى خطاب عالمي. كانت الكاميرات تلتقط بلاغة جماعية، لغة بلا ترجمة، يفهمها من لا يعرف العربية الفصحى ولا الحسانية ولا الدارجة ولا الأمازيغية.
إن قوة الجمهور المغربي تكمن في أنه جعل الوطنية مرئية. فالأوطان في العادة أفكار كبرى، مجردة، تسكن الكتب والدساتير والخطب، لكنها في لحظة كرة القدم تنزل إلى الجسد: إلى الحنجرة، إلى القميص، إلى الدمع، إلى الرقص، إلى العناق بين غرباء لا يعرفون بعضهم، لكنهم يتعرفون فجأة داخل نفس اللون. وهنا تصير الأمة، بتعبير فلسفي، جماعة متخيلة تتجسد مؤقتاً في لحظة حسية.
لكن الأسطورة لا تُصنع من الانتصار وحده. الأسطورة تحتاج إلى سردية، والسردية تحتاج إلى رموز، والرموز تحتاج إلى جمهور يؤمن بها ويعيد إنتاجها. ما صنع أسطورة المنتخب المغربي هو التقاء عدة طبقات: استراتيجية دولة، بنيات تحتية إمبراطورية، إنجاز رياضي غير مسبوق، لاعبون قادمون من جغرافيات متعددة لكنهم يعودون إلى أصل واحد، حضور قوي للأم والأسرة، جمهور مهاجر ومحلي يحمل نفس الشغف، وإعلام عالمي اكتشف فجأة أن هناك قصة تصلح لأن تُروى. وهكذا صار المنتخب حكاية تتحرك من خلال فريق يلعب.
ولذلك ينبغي أن نقرأ هذا التحول باعتباره نجاحاً في التسويق الرياضي وباعتباره تحوّلاً في تمثيل الذات المغربية أمام العالم. لقد ظلت صورة المغرب طويلاً محصورة بين الاستشراق والسياحة: الصحراء، الجمل، الطاجين، الزليج، الراقصة، السوق القديم، الشاي، الحناء، والأزقة الملونة. وهي صور ليست كاذبة بالضرورة، لكنها ناقصة حين تتحول إلى كل الحقيقة. فجاء المنتخب ليضيف صورة جديدة: صورة المغرب الفاعل، المنافس، المنظم، الواثق، الذي يصبح صانعاً للحدث.
هنا تكمن إحدى أهم تأثيرات هذه الظاهرة: لقد نقلت المغرب من خانة البلد الذي يُستهلك بصرياً إلى خانة البلد الذي يُنتج الإعجاب. والفرق كبير بين أن تكون صورة سياحية معلقة في ذاكرة الآخر، وبين أن تكون قوة رمزية تحرك مشاعره. الأول يجعلك ديكوراً، والثاني يجعلك حاضراً. الأول يضعك في الماضي، والثاني يدخلك في الحاضر. الأول يجعلك مادة للفرجة، والثاني يجعلك شريكاً في صناعة الفرجة.
لكن لا ينبغي أن نبالغ فنظن أن كرة القدم وحدها تستطيع تصحيح قرون من سوء الفهم. فالأسطورة الرياضية قد تفتح الباب، لكنها لا تكفي لبناء معرفة عميقة. قد تجعل الآخر يميز بين موروكو وموناكو، لكنها لا تجعله بالضرورة يفهم تعقيد المغرب. قد تجعله يلبس القميص المغربي، لكنها لا تجعله يقرأ تاريخه أو يسمع شعراءه أو يعرف تناقضاته وهمومه. لذلك فإن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة أنها أحدثت شرخاً في جدار الجهل، فتحت نافذة، منحتنا فرصة جديدة لنقول: نحن أكثر من هذه الصورة، لكن هذه الصورة تصلح بداية للكلام.
إن المنتخب الوطني كشف بعض ما كان مخفياً في المغرب. كشف أن الهوية المغربية طاقة تركيبية هائلة: عربية وأمازيغية وإفريقية ومتوسطية وإسلامية وحديثة ومهاجرة ومحلية في الوقت نفسه. وربما لهذا السبب بدا المنتخب قريباً من جماهير كثيرة خارج المغرب، لأنه لم يقدم هوية صلبة عدوانية، بل هوية مفتوحة، قادرة على أن تجمع الاختلاف داخل معنى واحد. لقد تشكل الفريق من لاعبين ولدوا في مدن أوروبية، وآخرين تربوا داخل المغرب، لكنهم حين ارتدوا القميص بدا الأمر كما لو أن الجغرافيا المتناثرة عادت إلى أصلها الشعوري.
ومن جهة أخرى، أعاد المنتخب صياغة العلاقة بين المغربي ووطنه. ففي لحظات كثيرة يكون الوطن عبئاً: في الإدارة، في البطالة، في الخيبات، في الإحساس باللاعدالة، في القهر اليومي. لكن كرة القدم منحت الناس لحظة نادرة رأوا فيها الوطن من زاوية أخرى: وطناً قابلاً للفخر. وهذا أمر عميق جداً، لأن الشعوب لا تحتاج فقط إلى الخبز والعمل والقانون، إنها تحتاج أيضاً إلى صور مشرقة عن نفسها كي لا تنهار داخلياً وإلى أساطير دافئة كما أسميها عادة. فحين يرى المواطن علمه مرفوعاً في شوارع العالم، يشعر أن شيئاً من كرامته الشخصية قد رُفع معه.
غير أن أجمل ما في هذه الأسطورة الجديدة أنها لم تكن مصنوعة بالكامل من الأعلى. لم تكن حملة دعائية جاهزة، ولا سردية رسمية مفروضة. لقد تشكلت من تفاعل معقد بين الدولة والمؤسسة الرياضية واللاعبين والجمهور والإعلام ووسائل التواصل. كان هناك إنجاز في الملعب، لكن وسائل التواصل حولته إلى ذاكرة فورية. كانت هناك لحظة سجود، فصارت صورة كونية. كانت هناك أم تعانق ابنها، فصارت أيقونة. كان هناك جمهور يغني، فصار علامة على شعب كامل. هكذا تعمل الأسطورة الحديثة: لا تحتاج إلى قرون كي تتشكل، تكفي لقطة واحدة تتكرر ملايين المرات حتى تصير جزءاً من المخيال.
لقد صار المنتخب المغربي يمتلك ما يمكن تسميته "رأسمالاً رمزياً عابراً للحدود". غدا حضوره مرتبطاً بالمباريات التي يخوضها وبالصورة التي تراكمت حوله. صار اسمه يستدعي شيئاً أكبر من ترتيبه أو نتائجه: يستدعي الشجاعة، المفاجأة، الكرامة، الجماعة، الأم، الجمهور، الحلم القادم من الهامش. وهذه كلها عناصر تجعل العلامة الرياضية قابلة للحياة حتى خارج زمن المباراة.
قد تبدو كرة القدم أمراً بسيطاً أمام التاريخ والفلسفة والسياسة، لكنها في لحظات معينة تصبح مرآة كبرى لما يعجز الخطاب النظري عن قوله. لقد جعل المنتخب المغربي العالم يلتفت إلينا، لكن الأهم أنه جعلنا نحن أيضاً نلتفت إلى أنفسنا بطريقة مختلفة. منحنا فرصة أن نرى المغرب كصورة قادرة على أن تسبق الشرح. ومع ذلك، تظل الصورة بداية فقط، لأن الوطن أعمق من قميص، وأوسع من مدرج، وأكبر من انتصار.
غير أن القميص، في لحظة نادرة، استطاع أن يفعل ما عجزت عنه شروحات كثيرة: أن يقول للعالم إن هنا بلداً اسمه مرّوكو لا موناكو.. بلداً لا تختصره أطباقه ولا فلكلوره ولا بطاقاته السياحية.. بلداً قادراً على أن يحول مباراة إلى استعارة، وجمهوراً إلى قصيدة، ومنتخباً إلى أسطورة جديدة تمشي في العالم وهي ترتدي الأحمر، وتحمل في قلبها نجمة خضراء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى