د. محروس عامر - صناعة الإنسان... قراءة تفكيكية في الاتجاهات الثقافية والمعرفية لرواية "جزء ناقص من الحكاية"

المقدمة:
تمثل رواية "جزء ناقص من الحكاية" للروائية رشا عدلي إلى فضاء معرفي (إبستمولوجي) يبحث في ماهية "الإنسان" وصيرورة تشكله، متجاوزاً حدود الشخوص كأدوات حكائية متخيلة. إن استدعاء شخصية المصورة العالمية "فيفيان ماير" لا يقف عند حدود استعارة السيرة الذاتية أو إعادة إنتاجها تخييلياً، بل يُتخذ كمحور بنيوي تنفتح من خلاله الرواية على أسئلة الذاكرة، وآليات التنشئة والتربية، وثقافة الحرية، في بناء سردي تتشابك فيه الأزمنة وتتقاطع داخله الفضاءات الجغرافية والثقافية.

لا تقنع الرواية بتقديم أطروحات أيديولوجية مغلقة أو إجابات يقينية جاهزة، بل تضع المتلقي في مواجهة قلق وجودي مستمر يتعلق بالطريقة التي تتشكل بها الهويات البشرية، وكيف تمتد الجراح البدئية من الماضي لتعيد إنتاج الحاضر والمستقبل، وكيف يتحول الإبداع والفن إلى أداة لمساءلة العالم واكتشاف الذات.

تجاوز هذه القراءة النقدية التلقي الانطباعي العابر أو الاختزال المضموني لمتن الحكاية، لتنفذ إلى تفكيك البنية الفكرية والجمالية للنص، والكشف عن أنساقه النفسية والاجتماعية، وتحليل آلياته السردية. وتتفرد هذه الدراسة في رصد الأبعاد المعرفية الوظيفية (كافنون والمعمار، والفسيولوجيا، وأنطولوجيا العطور) بوصفها بنى دلالية تشارك في إنتاج المعنى، انطلاقاً من رؤية نقدية تؤمن بأن قيمة الأثر الأدبي لا تكمن في فضيلة الاكتمال، بل في الأسئلة التي يتركها مفتوحة أمام وعي القارئ.

أولاً: دلالة العنوان...
يتحرك عنوان "جزء ناقص من الحكاية" منذ العتبة النصية الأولى ليمارس سلطة إحالية مراوغة. فالعنوان هنا ليس وصفاً لحكاية بعينها، بل هو مفتاح تأويلي للعمل في كليته. فالرواية تقرر حقيقة معرفية مفادها أن الحقيقة الإنسانية لا يمكن إدراكها في صورتها الكلية المطلقة، وأن الذاكرة البشرية بنية انتقائية تعيد اختراع الماضي ولا توثقه، واللقطة الفوتوغرافية ذاتها لا تمسك سوى برهة مجتزأة من واقع أشد اتساعاً وتعقيداً.

من هذه الزاوية، يغدو كل بطل في الرواية حاملاً لجزء غائب من تاريخه أو هويته، وكل حكاية تظل بنية مشروخة قابلة لإعادة القراءة والهدم والبناء من زوايا لامتناهية. يختزل العنوان الأطروحة الفلسفية للمتن: الإنسان كائن ناقص التكوين والتحقق، والبحث المضني عن "الجزء الناقص" والمنفلت هو ما يمنح الوجود الإنساني حيويته ومعناه، وهو ذاته ما يمد السرد بطاقته الحركية المستمرة التي تمنع النص من الانغلاق التام.

ثانياً: المعمارية السردية... جماليات التشظي البنائي واقتصاد الكشف
تتميز الرواية ببنيتها السردية القائمة على "تشظي الحكاية وتوزيع المعرفة"، وهو تشظٍ لا يعكس تفككاً أو عجزاً في البناء المعماري، وإنما يمثل استراتيجية واعية لإنتاج وحدة فنية مركبّة وأكثر عمقاً. يرفض النص السير في خط زمني مستقيم مسترسل، كما يتخلى عن مفهوم "البطل المحوري الوحيد" الذي يحتكر مركزية الأحداث وتوجيهها، موجهاً المادة السردية عبر شبكة متداخلة من الذوات والأزمنة والأمكنة، مما يجبر الحكاية على التكشف أمام القارئ عبر الانبثاق التدريجي والتراكم المعرفي.

تعتمد الكاتبة تقنية تفكيك المتن إلى وحدات سردية شبه مستقلة، يحمل كل منها وسم إحدى الشخصيات (فيفيان، روان، ناني، كوليت، سيف...). غير أن هذه العتبة الداخيلية لا تعني بالضرورة تفويض صوت السارد لتلك الشخصية لتقدم شهادتها بضمير المتكلم؛ بل قد تحضر الشخصية كبؤرة للتحول الدرامي، أو كمركز ثقلي تتقاطع عنده أحداث الفصل. بهذه المغامرة التقنية، يتحرر النص من الارتباط التقليدي بين عنوان الفصل وصوته السردي، مما يتيح "تعدد زوايا النظر" للواقعة الواحدة، فتغدو الحقيقة شظايا نسبية موزعة بين الشخصيات، لا معرفة شمولية يحتكرها "راوٍ عليم" يملك الحقيقة المطلقة.

يتوازى هذا التعدد مع التخلي عن التسلسل الميقاتي التقليدي لصالح بناء يقوم على الاسترجاع (Flashback)، والاستدعاء الارتدادي، والتوازي الزمني. فالماضي في الرواية ليس بعداً زمنياً منقضياً، بل هو صيرورة فاعلة وحاضرة في تشكيل وعي الشخصيات وتوجيه سلوكياتها الراهنة. ومن ثم، فإن الانتقال بين الأزمنة لا يقف عند حدود الحيلة التقنية، بل هو ضرورة بنيوية تفرضها أطروحة الرواية المعنية برصد "الأثر البدئي" للتجارب الأولى في تكوين الإنسان، وكيف تستمر الطفولة والذاكرة المأزومة في ممارسة سلطتها داخل تفاصيل الحاضر.

يمتد هذا التشظي الدلالي إلى الفضاء المكاني أيضاً؛ إذ تنتقل الأحداث جغرافياً بين (الإسكندرية، القاهرة، باريس، شيكاغو، ألمانيا). ولا يحضر المكان هنا كخلفية سينوغرافية محايدة أو مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل كفضاء نفسي وثقافي يمارس سلطته على الذوات؛ فلكل مدينة سيكولوجيتها الخاصة وأثرها في توجيه مسارات الشخوص ورحلتهم المغتربة للبحث عن المتن المفقود.

ولعل من أبرز السمات الأسلوبية في هذا المعمار أن كثيراً من الفصول يمتلك استقلالاً موضوعياً وإيقاعياً خاصاً، حتى ليبدو بعضها كقصة قصيرة مكتملة البناء والأركان، غير أن هذا الاستقلال المقطعي لا يؤدي إلى تشتت العمل الفني، نظراً لأن كل فصل يسهم في إضاءة زاوية عتمة جديدة في جدار الفكرة المركزية، محققاً توازناً دقيقاً بين استقلال الأجزاء ووحدة الكل السردي.

تستعين الكاتبة كذلك بآلية "اقتصاد الكشف السردي"؛ فهي تتحاشى تقديم شخوصها في صورة مكتملة منذ المثول الأول، ولا تفصح عن مخبوء ماضيها دفعة واحدة، بل تعمد إلى توزيع التفاصيل والمعلومات والمعطيات السيكولوجية بجرعات مقننة على امتداد التتابع النصي. هذا الإرجاء المقصود للمعلومة وتأجيل التنوير يهدف إلى تحويل المتلقي من موضع القاريء السلبي إلى شريك بنيوي فاعل، يعيد مراجعة انطباعاته الأولى باستمرار، ويساهم في تركيب أشلاء الحكاية التي تربط الذوات بعضها ببعض.

ثالثاً: الشخوص
تتحول الشخصيات في "جزء ناقص من الحكاية" من وظيفتها الكلاسيكية القائمة على تحريك الحبكة وتطوير الأحداث، إلى أدوات معرفية وسيكولوجية تتضافر لمساءلة السؤال الفلسفي المركزي: كيف يتشكل الإنسان؟ ومن ثم، لا تتبدى الشخصيات كبنى منعزلة أو جزر مستقلة، بل كمرايا متقابلة يعكس بعضها بعضاً، وتكتسب مشروعيتها الوجودية والدلالية عبر شبكة العلاقات التفاعلية لا عبر وجودها الفردي المعزول.

تتوسط المصورة العالمية "فيفيان ماير" هذا المعمار الشخوصي بوصفها الذات المحورية، ورغم أن الرواية تنفتح زمنياً بعد رحيلها الفيزيائي عن العالم، إلا أن طيفها يظل حضوراً مهيمناً ودائماً يربط الأزمنة والأمكنة والشخصيات، غادياً بمثابة المحور الثقلي الذي تدور حوله بقية الدوائر السردية. ويرجع هذا التمحور لكون حياتها تمثل النموذج الأشد عياناً واكتمالاً للأطروحة الفلسفية التي يناقشها النص؛ فالطفولة المأزومة والمضطربة، والروابط الإنسانية الهشة، والموهبة الاستثنائية التي عانت من التهميش، والاعتراف المعرفي المتأخر، كلها عناصر تجعل منها تجسيداً صارخاً للكائن الباحث عن كينونته وهويته المنفلتة عبر حدقة الكاميرا وعدستها.

ومع ذلك، ينجح النص في الإفلات من شرك "البطولة المطلقة" عبر إحداث انعكاسات لملامح فيفيان في شخصيات أخرى، بحيث يغدو كل خط سردي امتداداً إنسانياً لخطها الذاتي. تبرز "روان" هنا لا كتكرار نمطي لشخصية فيفيان، بل كذات تشترك معها في نسق التمرد على القوالب الاجتماعية والتربوية الجاهزة، ومحاولة صياغة هوية مستقلة ومغايرة في وجه الضغوط العائلية والسوسيو-ثقافية؛ فبينما وجدت فيفيان انعتاقها الوجودي في آلة التصوير، تبحث روان عن كينوتها عبر الفن التشكيلي واختياراتها الحياتية المغايرة، متصدية لسلطة الأمومة التي تحاول إقصاء خصوصيتها وإعادة إنتاجها وفق قوالب نمطية.

وفي المقابل، تبرز شخصية "ناني" بوصفها الذات الأكثر تركيباً وسيكولوجية في النص، ويقدم النص ناني كونها "ضحية بنيوية" أعادت إنتاج الآليات القمعية التي مورست عليها تاريخياً. إن سعي ناني المحموم نحو الكمال الاجتماعي، والأمومة المثالية، والتميز الطبقي ينحرف بوعيها لينقلب إلى رغبة مرضية في السيطرة والإخضاع، مما يكرس أطروحة الرواية الأكثر عمقاً: أن القهر لا ينتهي عند حدود ضحيته الأولى، بل يملك قدرة ارتدادية وتناصية على إعادة إنتاج نفسه، بحيث يتحول المقهور تاريخياً إلى مصدر لقهر جديد، ممارساً على ابنتة ذات الآليات التي صنعت هشاشته النفسية القديمة.

أما "كوليت"، فتتبدى كبنية رمزية مثيرة للتأويل المعرفي؛ إذ يغيب حضورها العياني المباشر على مستوى الفعل السردي، لتتكثف وتتحقق بقوة في ذاكرة الآخرين، ولا سيما شخصية "أمين". إننا لا نتعرف على كوليت عبر صوتها الذاتي، بل عبر الندوب والآثار التي تركتها في نفوس من عاصروها، مما يخرجها من إطارها الواقعي الضيق إلى فضاء دلالي يجسد الإنسان الذي يمارس سلطة حضوره عبر الغياب، ويمثل حلم الانعتاق الوجودي والتحرر المطلق الذي يدفع صاحبه ثمنه عزلة، واغتراباً، وسوء فهم دائم من قِبل النسق الاجتماعي.

ويطرح "سيف" نموذجاً للتحول الأنطولوجي في الشق الذكوري من النص؛ إذ يتحرك مساره الروائي من حياة الاستقرار والتدليل، إلى أتون الحرب (حرب 1967)، ومن اكتمال الجسد وفيزيائيته إلى الفقد والبتر، ثم إلى إعادة بناء الهوية بالتوازي مع الانتصار الوطني. بيد أن الرواية تبتعد بتجربته عن الأدلجة العسكرية الفجة، لتقرأها من منظور فسيولوجي ونفسي كرحلة لإعادة ترميم الذات المنكسرة بعد الشروخ الوجودية الكبرى، متقاطعة على نحو مغاير مع مأزق فيفيان في البحث عن الجزء الناقص.

ويلاحظ نقدياً أن الشخوص الذكورية الأخرى (جون، أحمد، أمين، مهاب) تتحرك في مدارات تابعة أو مساندة للحضور النسائي، دون أن تحتل مركز السرد أو تعيش تحولاً ذاتياً مساوياً؛ وهو خيار فني مقصود يعكس انحياز النص لتتبع التضاريس النفسية للتجربة النسائية بوصفها الحامل الموضوعي لأسئلة الرواية، دون أن يسقط هذا الانحياز في فخ العداء المجاني للرجل، بل يضعه كجزء من السياق الاجتماعي والثقافي الذي تتشكل داخله الذات المؤنثة، سواء كان هذا الحضور متجلياً في صورة الأب، الزوج، الحبيب، أو السلطة بمفهومها الشامل.

رابعاً: التربية وصناعة الإنسان...
تنهض الرواية، في عمقها الفلسفي وسياقها الموضوعي، على مفهوم التنشئة والتربية بوصفه "النحات الخفي" الذي يصيغ ملامح الذات ويحدد خياراتها، ومخاوفها، وعلاقاتها بالعالم؛ حيث يتحول الماضي إلى نص مكتوب يملي شروطه بقسوة على الحاضر والمستقبل. تتجسد هذه الفكرة درامياً بعيداً عن التنظير المباشر، لتصبح الرواية دراسة سيكولوجية في أثر الجرح البدئي والندوب القديمة التي تحاول الشخوص التكيف معها، أو الهروب منها، أو إعادة إنتاجها دون وعي.

أ- التربية بوصفها محاكاة وإعادة إنتاج للذات:
تكشف الرواية عن مأزق الميل الإنساني إلى إعادة تدوير النموذج السلطوي المأزوم الذي عانى منه سابقاً، حيث تنتقل مخاوف الأجيال عبر التنشئة كإرث حتمي. ويتجلى ذلك في منطوق فيفيان الذي يحمل إدانة بنيوية صارمة للآليات التربوية الجمعية:

"إنّ أسوأ شيء هو إجبارهم على فعل الشيء نفسه الذي تربّوا عليه... إنهم نسخ مكررة عن نسخ مكررة عن أخرى"

إن هذا الطرح يفكك الآلية الاجتماعية التي تحول الإنسان إلى صدى لماضيه وعنفه، وتتابع فيفيان موجهة النقد لأحد أخطر أشكال العنف الرمزي (بمفهوم عالم الاجتماع بيير بورديو) المستتر تحت غطاء الحب والرعاية:

"كانوا يريدون أن يحب أولادهم ما كانوا يحبونه، ويمارسوا ما كانوا يمارسونه... وكنت أعترض على ذلك بشدة."

هنا تكشف الرواية عن العنف الصامت القائم على إلغاء حق الطفل في المغايرة والاختلاف، وهو عنف لا يقل تدميراً عن البطش الفيزيائي المباشر.

ب- الردة العكسية وصيرورة القهر:
لا تقف الرواية عند حدود إدانة التسلط التربوي، بل تتجاوزه إلى تحليل ارتداداته النفسية العميقة، مؤكدة أن الإفراط في الضبط والإحكام لا يصنع نفساً سوية، بل يولد نزوعاً باطناً للتمرد والهدم. يظهر ذلك في تأملات فيفيان السيكولوجية الدقيقة لطبيعة طفلي مدام بريجيد:

"ربطة البابيون المحكمة حول عنق الولد ستولد داخله رد فعل عكسيًّا حول كل ما هو محكم الغلق، وسيكون من أكثر الأشخاص استهتارًا وفوضوية، ولو عمل في منصب يستطيع فيه السيطرة على مصائر الآخرين فسيقوم بتعذيبهم."

هذا التحليل النفسي يرى في التسلط تأجيلاً للانفجار وصناعةً كامنة للجلاد المستقبلي، ويؤكده قولها:

"الاهتمام المفرط، والطلبات المجابة، والأناقة المتكلفة، والتبذير المبالغ فيه، والأوامر الصارمة... كلها أشياء لا تؤدي في النهاية إلا إلى المرض النفسي."

إن الشخصية المتزنة في منظور النص لا تصنعها القسوة المطلقة كما لا يصنعها التدليل المفرط، بل التوازن بين الحرية والمسؤولية.

ج- الطفولة كجذر كينوني مأزوم:
إن قدرة فيفيان على تشريح الآخرين نابعة بنيوياً من وعيها بجراح طفولتها الخاصة؛ فبين أب مدمن على العنف، وأم عاجزة عن توفير الأمان الوجودي، وجدة تقمعها لفظياً، تشكل وعيها الحاد بالاغتراب. ويتكثف هذا القمع اللفظي التدميري في عبارات الجدة التي ظلت تتردد كعقيدة نفي:

"لقد تخلت عنك... لا أحد يحبك... أنت منبوذة."

هذه الصدمات اللفظية، مقرونة بالانتهاك الصامت المتمثل في التحرش الذي تعرضت له في طفولتها، تشرح عزلة فيفيان اللاحقة لا ككراهية للبشر، بل كآلية دفاعية استباقية لتفادي الخذلان والرفض المتوقع من العالم، مؤكدة أن الانتهاك النفسي واللفظي يترك ندوباً في الروح أشد عمقاً وديمومة من الأذى الجسدي.

د- ميراث القهر:
تصل الفكرة ذروتها مع شخصية "ناني" التي يستبد بها الخوف الوجودي من الفشل، فتربط قيمتها الشخصية بالتميز الأقصى والسيطرة على ابنتها "روان"، مدفوعة بوعي شقي يلخصه قولها:

"جميعنا امتداد لماضينا، ونتيجة لتربية وحياة لا نستطيع أن نتفصل عنهما"

وفي مقطع آخر، يتسع هذا التوصيف ليشمل النسق الثقافي الجمعي المكبّل للمرأة بوعي من المرأة نفسها، حيث يصف النص هذا الإرث ببلاغة مؤلمة:

"الجنازير الغليظة التي تحكم ربط النساء وتشدهن بقوة إلى الداخل... أولئك النسوة هن من صنعنها"

هنا ينتقل النقد الروائي من مساءلة القاهر الخارجي إلى مساءلة البنية الثقافية الداخلية للضحية التي تتحول إلى حارس لقيودها، مورثة بناتها ذات الخوف والتضحية غير المشروطة.

هـ- التمرد كآلية لاسترداد الذات:
يأتي تمرد "روان" السلوكي والجمالي كرد فعل ارتدادي عنيف على القالب النمطي الذي حاولت والدتها حشرها فيه (في الملابس، الموسيقى، الدراسة). بيد أن الرواية لا تجعل هذا التمرد انكساراً كاملاً بفضل الحضور الحاني والاحتضان الأبوي (أحمد عبد الله)، مما يؤكد أن الذات تتشكل داخل شبكة علاقات معقدة وموازِنة، قد يخفف بعضها آثار البعض الآخر.

خامساً: الرؤى الفلسفية...
تتحرك الرواية في فضاء فلسفي يرفض اليقينيات النهائية ويحتفي بالمساءلة المستمرة؛ حيث يكتشف الإنسان أن وعيه بذاته مشوب دوماً بالفجوات والغموض، وأن الوجود صيرورة متفلتة لا تعرف الثبات.

أ- الزمن كصيرورة متفلتة ووهم التجميد:
يمثل الزمن الخصم الوجودي الأكبر في النص. فرغم رهان فيفيان الأول على قدرة اللقطة الفوتوغرافية على "تجميد اللحظة" ومقاومة التلاشي والتبدل، إلا أنها تنتهي غداة رحيلها إلى كشف وهم هذه المواجهة ومخاتلتها في تساؤلها الفلسفي العميق:

"فما قيمة أن نجمّد اللحظة، أن نوقفها داخل الزمن، إذا كان الكون في سيرورة دائمًا؟! لماذا علينا أن نعاند طبيعة الكون وكأنّ هذه الصورة ستوقف هذه اللحظة إلى الأبد؟! إنّه وهم، وهم اختلقناه ظنًّا منّا أنّنا بذلك سننتصر على الزمن"

هذا المنظور الأنطولوجي يرى الوجود كتحول دائم، وهو ما برر بنيوياً تشظي البناء السردي وتحولات الشخوص المستمرة التي ترفض الاستاتيكية (الثبات).

ب- الفن وجدلية المعنى والمشاركة:
تثير الرواية تساؤلاً حول أخلاقيات الإبداع وعزلته: "ما قيمة الفن إن ظل منغلقاً على ذات صاحبه؟". إن حجب فيفيان لآلاف الصور وعدم سعينها لعرضها يوضع هنا موضع مساءلة إبستمولوجية تمس جوهر الفعل الإبداعي:

"كيف يمكن أن يكون الفنان فنانًا إذا لم يشارك عمله مع الآخرين؟"

فالفعل الإبداعي لا يحقق معناه بنيوياً بالإنتاج المحض، بل بالاتصال، والمشاركة، والتأويل؛ فالأثر الفني لا يبدأ حياته الحقيقية إلا حين يجد من يراه ويعيد قراءته، مما يجعل مأساة فيفيان الكبرى كامنة في عزلة أثرها الفني عن العالم.

ج- نسبية السعادة واغتراب الإرادة:
طرحت الرواية تصوراً وجودياً يرى السعادة كوَمْضة شعورية عابرة لا كمقام ثابت أو غاية نهائية يمكن الاستقرار عندها، تلخصه فيفيان بقولها:

"السعادة لحظية... شعور مؤقت"

كما يسائل العمل وهم "الحرية المطلقة للإرادة" عبر كشف المناطق المعتمة والمكبوتة في الوعي التي تملي على الإنسان سلوكياته دون إدراك فطن منه:

"يحدث أحيانًا أننا نقول إننا لن نفعل شيئًا ما، ثم نجد أنفسنا وقد فعلناه بدافع لم نستطع حتى فهمه."

د- فلسفة الباوهاوس: اتساق المعماري والإنساني:
لم يكن استحضار مدرسة الباوهاوس (Bauhaus) ترفاً معرفياً أو حشواً معلوماتياً، بل استعارة فلسفية كبرى ترفع من التميز المعرفي لهذه الدراسة؛ فشعارها المركز "الشكل يتبع الوظيفة" يتجاوز المعمار والأثاث ليتخذ بعداً وجودياً: لا قيمة للمظهر الخارجي الأنيق والمثالي إذا كان مبنياً على خراب واضطراب داخلي. ويتجلى هذا التناظر في تأملات سيف:

"هناك أشخاص يصمّمون منازلهم على أحدث الصيحات لكي تعجب أصدقاءهم وترضي غرورهم, ولكنهم لا يشعرون بالراحة فيها، فيقضون حياتهم منفصلين عن ذواتهم؛ فقد صُمِّمت لإبهار الآخرين، ولم تستطع أن تمدهم بالراحة والدفء"

يتحول البيت هنا إلى رمز للذات المغتربة التي تعيش داخل "صورة" و"قناع" صنعته لإرضاء الآخر، منفصلة عن جوهرها الداخلي. كما يتقاطع شعار المدرسة الآخر "الأقل هو الأكثر" مع الدعوة الوجودية للتخفف من الزوائد الاجتماعية، والمظاهر، والأدوار الزائفة التي تستنزف كينونة الإنسان، مكرساً البساطة كأعلى درجات الانسجام مع الجوهر والتحرر من الأقنعة طلباً للقبول.

سادساً: الرؤية الثقافية...
تتغلغل الرؤية الثقافية في الرواية داخل ممارسات اليومي وعادات الشخوص، متبنية تفكيكاً هادئاً لأنساق الهيمنة، والحرية، والاعتراف.

أ- الثقافة النسوية وإعادة إنتاج الهيمنة:
تطرح الرواية "نسوية معرفية" تتجاوز الشعارات الأيديولوجية المباشرة، لتنتقد حجب الاعتراف بإبداع المرأة وقدراتها الفكرية عبر آليات نسقية تاريخية جعلت الإبداع حكراً ذكورياً، تلخصها فيفيان بقولها:

«لأنّ البعض ببساطة يرفضون تصديق أنّه يمكن أن تكون هناك امرأة تستطيع بواسطة إبداعها أن تكشف حماقة الإنسانية وغرابة الحياة، وأن تعرّي النفس البشرية. فعلى مرّ العصور، كان يتمّ اعتبار إبداع المرأة في شيء غير تقليدي عارضًا مرضيًّا، وليس كاستجابة إبداعية نشطة.»

ومع ذلك، تفلت الرواية من فخ الثنائيات المبسطة (رجل قاهر/امرأة ضحية)، لتؤكد أن المرأة قد تغدو شريكة في حراسة النسق القمعي ذاته، كما سلف في تحليل شخصية ناني وجنازيرها الغليظة التي تصنع العتمة للجيل الجديد.

ب- ثقافة الانعتاق: من الفضاء الفيزيائي إلى الانعتاق الذاتي:
تتعدد تمظهرات ومفاهيم "الانعتاق" في النص؛ بين هروب كوليت الفيزيائي والمكاني من سلطة الأسرة، وكتاب ناني التنظيري حول الانعتاق الذي يناقض ممارساتها القمعية في واقعها الخاص، وعزلة فيفيان الفنية المستقلة. يضعنا هذا التعدد أمام مساءلة للحرية بوصفها حالة انعتاق داخلي وتحرر من الصور والأقنعة المفروضة من الآخرين، لا مجرد مغادرة ميكانيكية للأمكنة والظروف.

ج- آليات السلطة وصناعة الوعي في العصر الرقمي:
تكشف قصة تجنيد فيفيان استخباراتياً لجمع المعلومات عبر عدستها، وتوازيها الموضوعي المعاصر مع صناعة "المؤثرين" الرقميين عبر منصات التواصل الاجتماعي، عن آليات السلطة الحديثة. تبرز الرواية كيف أن السلطة لم تعد تفرض إملاءاتها وطاعتها بالقوة العارية الفجة، بل تستثمر في المواهب، وتوجه الشركات والمنظمات لصناعة نجوم افتراضيين يمررون خطابات ورسائل قد لا يؤمنون بها أصلاً، مما يمثل نقداً ثقافياً لـ "وهم الحرية الإنسانية" في العصر الرقمي الحديث.

د- خلخلة المركزية الذكورية في السرد الروائي:
تزيح الرواية الرجل عن مركز القيادة التقليدي في المتن الروائي العربي؛ فـ (جون) يظهر كتابع لقرارات روان، و(أحمد عبد الله) يقف عاجزاً لسنوات عن حماية ابنته من تسلط أمها، و(أمين) يكتفي بدور الباحث والراوي لا البطل الفاعل، و(مهاب) يتحرك كمحرك من خلف الستار دون مركز وجداني.

أما (سيف)، فيقدم نموذجاً للشاب المدلل ثم بطل الحرب الذي تحول إلى قعيد مبتور الطرف، ثم اعادة زوجته بعث الحياة فيه مرة أخري ودرس دراسة الباوهاوس والديكور، ونجح في بناء عمل ولكن العودة الحقيقية لذاته كانت من خلال انتصار اكتوبر الذي ارجع له كما للوطن الكرامة و اقص لكل مصابي و شهداء الحرب. في نفس المسار كان سيف عاجزاً عن التقصي والبحث عن حبيبته "مارسيل"، مكتفياً بذكراها التى بقيت في ذاكرته بعدما تآكلت أغلبها بفعل الزهايمر، مما يدل انها لم تكن ذكرى عابرة. يعيد هذا البناء توزيع القوى السردية لإضاءة التجربة الإنسانية من منظور فاعلية المرأة، دون السقوط في إقصاء الآخر.

هـ- مأزق ثقافة الاعتراف المتأخر:
يربط النص بين شخوصه ومصائره بخيط ثقافي مأزوم وهو "الاعتراف المرجأ"؛ ففيفيان لا تنال مجدها والاعتراف بموهبتها إلا جثة هادئة بعد رحيلها، وسيف لا يُلتفت لبطولته العسكرية في حرب 1967 إلا عبر شهادة الآخر (الضابط الإسرائيلي)، وناني لا تدرك أثر قمعها وتفكيكها لأسرتها وتراجعها عن طروحاتها المتطرفة (كالمساكنة) واعتذارها لعائلتها إلا في إطلالتها الإعلامية الأخيرة مع الإعلامي "بيرس مورغان" عبر شاشة بي بي سي، متسائلة بنبرة نقدية ذاتية تعيد الأمور إلى نصابها المعرفي:

"ولكن لماذا التركيز على ما تتعرّض له المرأة العربية، في حين أنّ الأولى مناقشة ما تتعرّض له المرأة في مجتمعات متحررة ومتقدمة، تقدّر حقوق الإنسان وتحترمها".

إن هذا المأزق يعري أزمة الوعي الجمعي والمجتمعي الذي يعجز عن الاحتفاء بمبدعيه وأبطاله وحقائق ذاته إلا في الوقت الضائع وبعد فوات الأوان.

سابعاً: البعد التثقيفي...
تنتسب رواية "جزء ناقص من الحكاية" إلى نمط "الرواية المعرفية" التي توظف المادة التثقيفية توظيفاً جمالياً وبنيوياً يخدم الشخصية والحدث، بعيداً عن الحشو:

أ- فلسفة الفوتوغرافيا: يكتشف القارئ تقنيات الكاميرات القديمة، وآليات عملها، وأهمية زوايا النظر، وفن تصوير الشارع (اللقطات الخاطفة) القائم على يقظة المصور كصياد يثب في الوقت المناسب على فريسته البصرية، لتتحول التقنية إلى أداة فلسفية تهدف إلى معاندة الزمن وتجميد اللحظة.

ب- معمارية الباوهاوس: يتمثل النص مبادئ المدرسة الفنية (الشكل يتبع الوظيفة، والأقل هو الأكثر)، ويحول مفاهيم التصميم المعماري والأثاث البسيط إلى فضاء التأمل الإنساني في البساطة والتخفف الوجودي من زوائد المظاهر الاجتماعية.

ج- التاريخ كمرآة للوعي: تحضر حرب يونيو 1967 وتفاصيل العمليات العسكرية لا كتوثيق دعائي أو وقائع جافة، بل كخلفية تاريخية واجتماعية لرصد الانكسارات والتحولات الداخلية للأفراد، مؤكدة أن التاريخ ينعكس على تفاصيل الحياة اليومية للشخوص لا السياسيين وحدهم.

د- وحدة الفنون وسجل الحضارة: ينفتح النص على معارض ومتاحف ومدارس تشكيلية شتى، موضحاً أثر الفن في تكوين رؤية الفنان للعالم، ومؤكداً أن الإبداع تراكم خبرات إنسانية متداخلة تجمع بين التصوير والرسم والعمارة للإجابة عن سؤال: كيف يرى الإنسان العالم؟

هـ- أنطولوجيا سيمياء العطور: يتجلى وعي الكاتبة المعرفي الدقيق في وصف تركيبة عطر متخيل يتكون من (زهرة اللافندر، الشاي الأسود، المسك الأبيض، الأكاليپتوس). هذا الوصف ليس حشواً أدبياً بل تركيب صحيح علمياً وقابل للتحقيق الفسيولوجي بمستوياته العطرية الثلاثة (الرائحة الافتتاحية: الأكاليپتوس؛ قلب العطر: اللافندر والشاي الأسود؛ القاعدة المستقرة: المسك الأبيض)، مما يعكس دقة بحثية لافتة لدى الروائية.

و- التقييم الفسيولوجي للمبتور (ظاهرة العضو الشبح): تبرز المعرفة الوظيفية الرصينة في الوصف العلمي والدقيق لشعور سيف بعد بتر ساقه ؛ حيث يستمر الدماغ في تصور وجود الطرف المبتور ويرسل إشارات وأحاسيس فسيولوجية مختلفة (كالألم والحكة). هذا التصوير جاء صحيحاً من الناحية الطبية والفسيولوجية وليس مجرد مجاز روائي، مما يعمق مصداقية المعاناة الإنسانية في النص.

ثامناً: مؤاخذات نقدية (أوجه القصور البنائي في النص)
إن القيمة الفنية الاستثنائية التي تتمتع بها الرواية في مزجها بين الفلسفة والسير والتخييل والمعرفة، لا تحجب بعض المؤاخذات وأوجه القصور البنائي التي يثيرها النص من منظور النقد الاحترافي:

1- هيمنة الأطروحة الفكرية والتأملية على الحركة السردية:
يميل النص في مواضع عدة إلى تباطؤ إيقاع السرد وتكرار معطيات معرفية قد تبدو فائضة عن حاجة السياق الروائي المباشر أو خارجة عن سياق تنمية الحدث. وكان بإمكان الكاتبة اختزال وتكثيف بعض هذه التناولات دون أن تخسر الرواية شيئاً من عمقها المعرفي، ومثالا لذلك الفصول الممتدة من (37 إلى 45) ومواضع أخرى.

2- إقحام الوفرة المعرفية الطويلة:
رغم القيمة التثقيفية العالية للمعلومات الواردة حول التصوير وفنون الباوهاوس، إلا أن تدفقها الوظيفي المكثف في بعض المواضع حوّل الفصول إلى ما يشبه "الوقفات الدراسية" التي تنفصل نسبياً عن نبض السرد الدرامي؛ ويتبدى ذلك بوضوح في الفصل (60) الذي اتخذ مظهر دراسة نقدية عن أعمال فيفيان ماير ومقارنتها بأعمال بفنانين اخرين مما هز هز حرارة التدفق الروائي .

3- الطهرية المثالية:
تبدو نهاية المسار الروائي لشخصية "ناني" عبر إقدامها على حذف حساباتها الرقمية على السوشيال ميديا والانسحاب الكلي من أطروحاتها السابقة غداة حوارها التلفزيوني الأخير، بمثابة تحول "تطهري مثالي متسرع" يفتقر إلى المعقولية الواقعية والسياق السوسيولوجي والمنطقي. فنجومية وتأثير من هذا النوع، كما أثبتت الرواية نفسها سابقاً، تكون محكومة بمنظومة مؤسساتية، وتعاقدات قانونية، وشروط جزائية مالية مع شركات راعية وصانعة للمؤثرين، مما يجعل من قرار الانسحاب الفردي المفاجئ وحذف الهوية الرقمية أمراً عسير التحقق واقعياً وقانونياً، ويميل بالخاتمة نحو حلول "درامية مثالية" لا تتسق مع واقعية النسق الثقافي الرقمي الذي برعت الكاتبة في تشريحه.

الخاتمة: تركيب الأجزاء وانفتاح الأثر الروائي
في المحصلة التأويلية، لا يمكن اختزال رواية "جزء ناقص من الحكاية" في كونها نصاً يؤرخ لسيرة مصورة فوتوغرافية، بل إن المصورة شكلت الوسيط المعرفي الذي عبرت من خلاله رشا عدلي نحو غايتها الأنطولوجية الأسمى: تأمل صيرورة "صناعة الإنسان" وتشكل كينونته.

لقد انطلقت الكاتبة من الواقعي والسيري لتكتب رواية الكينونة، واستدعت التاريخ والفن كأدوات لتشريح الجدل الأزلي القائم بين التنشئة والذاكرة، والحرية والسلطة، والإبداع والاعتراف المرجأ. لقد ركزت الرواية بعمق على كيفية تأثير الموروث الشعبي والآليات التربوية الصارمة في نشأة الأجيال الجديدة، مؤكدة أن التشدد يفرز نقيضه السلوكي، ومشددة على وجوب تنقيح الموروث الجمعي لإيجاد سبل تنشئة متوازنة تمنح الحب والحرية معاً.

وعبر بنائها المعماري المتشظي القائم على تعدد الأصوات وتوزيع المعرفة، رسخت الرواية حقيقة فلسفية مفادها أن الكينونة الإنسانية عصية على الإدراك الأحادي الكامل، وأن كل ذات لا تملك سوى "جزء من الحكاية" تماماً كما لا يملك الإنسان سوى شظية نسبية من الحقيقة الكاملة. ومن هنا يكتسب العنوان شاعريته ومشروعيته الكلية؛ فالنقص ليس عيباً في توثيق الوقائع، بل هو عجز الكائن البشري الطبيعي عن الإحاطة المطلقة بذاته وبالأغيار.

تكمن القيمة الفذة لهذا العمل في رفضه تقديم المواعظ والوصايا الجاهزة، دافعاً بالقارئ من خلال أدوات نقدية وبحثية رصينة إلى تلمس جراحه وندوبه الخاصة، وإعادة التفكير في إرثه، وذاكرته، وفي تفاصيل علاقاته، وفي ذلك "الجزء الذي يظل ناقصاً ومنفلتاً من حكايته الذاتية" مهما توهم أنه شارف على صياغة فصلها الأخير وبلوغ نهايتها المحتومة.

د/ محروس عامر

26/06/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى