الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي - بنية المتخيل الشعري في ديوان "يوتوبيا أنثى" لنمر سعدي: دراسة في ميكانزمات التخييل

يفتتح الشاعر نمر سعدي في ديوانه "يوتوبيا أنثى" أفقاً شعرياً يتجاوز المألوف من القول، ليؤسس مملكةً لغويةً تتكئ على ذاكرةٍ مخضبةٍ بالجمال، وتستنطقُ كينونة الأنثى من خلال مرايا الخيال التي لا تنكسر. إن بنية المتخيل في هذا الديوان لا تستند إلى التقرير أو الوصف السطحي، بل هي حياكةٌ معرفيةٌ وحسيةٌ تعيد تعريف العالم من منظور الأنثى؛ بوصفها المركز والمحيط، والبداية والمنتهى، والملاذ الذي تأوي إليه القصيدة حين يضيق بها الواقع. يشتغل الشاعر هنا على ميكانزمات التخييل ببراعةٍ عارفٍ، حيث يستحيل الجسد الأنثوي في نصوصه إلى فضاءٍ كونيٍ تتداخل فيه عناصر الطبيعة والأسطورة، فتغدو المرأةُ في نصّه شجرةً تظللُ صحراء الوجود، أو قمراً يغسلُ عتمةَ الرتابةِ بضياءِ المجاز.

إن ميكانزمات التخييل عند سعدي تتجلى في قدرته الفائقة على تذويب الحدود بين الذات والموضوع؛ إذ لا يعودُ "الأنثوي" في ديوانه مجرد كائنٍ موصوف، بل يتحول إلى "رؤيا" تصوغُ لغةً طافحةً بالدهشة، لغةٍ تتنفسُ من مسامّ الطبيعة وتقتات على طقوس الوجد. يتخذ الشاعر من اليوتوبيا هنا لا بوصفها حلماً طوباوياً منقطعاً عن الأرض، بل كحالةٍ شعوريةٍ متعالية، يستحضرُ فيها كينونة الأنثى كمدخلٍ وحيد لاستعادةِ توازن الكون المفقود. إن التخييل في هذا العمل ليس هروباً، بل هو استبصارٌ عميق، حيثُ يتم تقطيرُ التجربةِ الإنسانيةِ لتصفو في قوارير اللغةِ، فتصيرُ القصيدةُ بحد ذاتها يوتوبيا محققةً، تسكنها امرأةٌ من نورٍ ومجاز، وتؤطرها مخيلةٌ لا تكف عن البحث في جوهر الأشياء عن خلودٍ يستعصي على الفناء، لتظل الصورة الشعرية في هذا الديوان شاهداً على سطوة الخيال حينما يقرر أن يكتب الوجود بلغةِ الحب والجمال.

تتجلى سطوة الخيال لدى نمر سعدي في قدرته على تحويل المرأة من جسدٍ بيولوجي إلى معمارٍ كوني، حيث تنصهر الأبعاد وتتداخل فيها الكينونة باللانهائي. ففي "يوتوبيا أنثى"، لا يكتفي الشاعر برسم ملامح الحبيبة، بل يعيد خلق العالم عبرها، جاعلاً منها المحور الذي تتكئ عليه مفاصل الوجود، إذ يقول: "أنتِ التي رتبتِ أثاثَ الكونِ في خيالي / ورسمتِ لليلِ خرائطَ لا تضلُّ". هنا، تتحول الأنثى إلى مهندسةٍ للمتخيل، تضع قوانين الرؤيا وتمنح الأشياء دلالاتها، فالليل الذي كان رمزاً للوحشةِ والضياع، يصير بلمسةٍ من مخيلة الشاعر خريطةً مرصوفةً بالمعنى، خريطةً تمنح المتلقي بوصلةً تقوده إلى جوهر الجمال.

1786023165359.png

تتعمق ميكانزمات التخييل في الديوان حين يشرعن الشاعر تداخل الطبيعة بالأنثوي، مؤكداً أن هذه اليوتوبيا ليست عزلةً عن العالم، بل هي استيعابٌ لهُ وإعادةُ صياغةٍ لجزئياته، فالحبيبة ليست كائناً منفصلاً عن الطبيعة، بل هي الطبيعة وقد تجسدت في هيئةِ غوايةٍ أبدية؛ حيث يصفها في مواضعَ كثيرةٍ بوصفها كائناتٍ ضوئيةً وعناصرَ كونية، كقوله: "وتمشينَ.. فيتعرى الضوءُ من ثيابهِ / وتولدُ الأشجارُ في عينيكِ من جديد". إن هذا التماهي بين حركة المرأة وتعرّي الضوء، وبين نظراتها وانبثاق الحياة في الأشجار، هو جوهر التخييل الذي يمارسه سعدي؛ إذ يمنح الأنثى قدرة الخلق "الأنطولوجي"، حيث لا تكتفي المرأة بالوجود، بل هي التي تبعث الحياة في الجامد.

إن هذه "اليوتوبيا" في نص نمر سعدي تظل دوماً حالةً من التصعيدِ الوجداني، حيثُ القصيدةُ ليست وصفاً لامرأةٍ بقدر ما هي محاولةٌ لتخليدِ اللحظةِ التي يتحدُ فيها الجمالُ بالحقيقة. وكأن الشاعر في ديوانه، من خلال قوله: "لأني أحبُّكِ.. صارتِ الكلماتُ بيوتاً / وصارَ الصمتُ فيكِ.. قصيدةً لا تُقرأ"، يقررُ أن يجعلَ من الحبِ والأنوثةِ فضاءً وجودياً يتجاوزُ لغةَ النثرِ وتقريريةَ العيشِ إلى رحابةِ المجازِ المفتوح. وهكذا، ينجح سعدي في جعلِ ديوانه ليس مجردَ نصوصٍ غزليةٍ عابرة، بل بناءً متخيلاً يرفضُ الموتَ والزوال، حيث تظل الأنثى هي الملاذ، واليوتوبيا هي اللغة، والقصيدة هي الكيان الذي يمنحنا القدرة على احتمالِ ثقلِ الواقعِ عبرَ رقةِ الخيال.

إن هذا الانزياح نحو "يوتوبيا أنثى" ليس مجرد ترفٍ شعري، بل هو احتجاجٌ بلاغيٌ ضد الفناء، يمارسه نمر سعدي من خلال تضخيم اللحظة الأنثوية حتى تستوعبَ أطياف الوجود بأكملها. فالشاعر لا يكتفي باستدعاء صورة المرأة، بل يفكك مفرداتِ الواقع ليعيد تركيبها في ضوءِ حضورها، كقوله في ملمحٍ تصويريٍ يزاوجُ بين اللغةِ والجسد: "أكتبُ اسمَكِ.. فتزهرُ الحروفُ على الورقِ / وتصيرُ الذاكرةُ بستاناً يرفضُ الذبول". وهنا نلحظُ كيف تتحولُ الكتابةُ إلى فعلٍ طقسيٍ يمنحُ الكلماتِ حياةً بيولوجية، حيث تصيرُ الحروفُ شجراً والذاكرةُ بستاناً، في دلالةٍ واضحةٍ على قدرةِ المتخيلِ الشعري على استنباتِ الخلودِ من تربةِ الكلمةِ.

علاوةً على ذلك، تبرزُ ميكانزمات التخييل عند سعدي في قدرته على تحويل الصمت إلى بنيةٍ بلاغيةٍ موازيةٍ للكلام، حيث تكتسبُ الأنوثةُ دلالةً صوفيةً حين تغدو "مُتَعاليةً" عن التحديد. إنَّ "يوتوبيا أنثى" في جوهرها هي محاولةٌ لنحتِ عالمٍ موازٍ لا يخضعُ لقوانين الجاذبية الأرضية، بل لقوانين الدهشة؛ إذ ينسجُ الشاعرُ عالمه من خيوطِ الغموضِ والضوءِ، محققاً بذلك حالةً من "التماهي الكلي"، حيث يقول: "أنتِ القصيدةُ التي لا يكتملُ بياضُها / وأنا الظلُّ الذي لا يغادرُ مساحتَكِ". يغلقُ الشاعرُ بهذا القولِ دائرةَ المتخيلِ؛ فالمرأةُ هي القصيدةُ المطلقةُ التي لا تكتملُ أبداً لأنها في حالةِ صيرورةٍ أزلية، والشاعرُ هو الحارسُ الوفيُّ لهذا الفضاء، يظللُهُ بظلالِ القصيدةِ لئلا ينطفئ.

بذلك، يغدو الديوانُ وثيقةً جماليةً تُثبتُ أنَّ اليوتوبيا ليست مكاناً نذهبُ إليه، بل هي "حالةٌ لغويةٌ" نصنعها حين نمنحُ الأنثى حقَّها في أن تكونَ كوناً كاملاً، وهي صرخةٌ بلاغيةٌ تؤكدُ أنَّ الشعرَ هو الملاذُ الأخيرُ للروحِ في مواجهةِ تشظي الواقعِ؛ فمن خلالِ "يوتوبيا أنثى"، ينجحُ نمر سعدي في تحويلِ الهشاشةِ الإنسانيةِ إلى معمارٍ شعريٍ صلب، لا ينهدُ أمامَ عوادي الزمن، بل يزدادُ تماسكاً كلما أوغلنا في قراءةِ تفاصيلهِ الحالمة.



تتجسد ذروة هذه الميكانزمات التخييلية في قدرة الشاعر على تحويل «الغياب» نفسه إلى حضورٍ فاعل، حيث لا يغدو البعدُ مسافةً مكانية، بل صيرورةً زمنيةً تكتملُ فيها الأنوثةُ في ذهن الشاعر، لتصيرَ يوتوبيا مستحيلةَ المنال وموجودةً في آنٍ واحد. إنَّ هذا التوتر بين الحضور والغياب هو المحرك الأساسي لبنية القصيدة، إذ يقول نمر سعدي: "ما غبتِ.. إنما تواريتِ خلفَ ضبابِ الحواسّ / كي أراكِ بقلبي.. لا بعينيَّ". هنا، يتجاوز المتخيل الشعري حدود الحواس الخمس ليدخل في "ميتافيزيقيا" الرؤية، حيث تصبح الأنثى حقيقةً عقليةً تدركُ بالوجدان، وتتحولُ فيها اللغةُ من أداة وصفٍ إلى أداةِ استحضارٍ كوني.

وعلى صعيدٍ موازٍ، يستحضرُ سعدي في ديوانه ثنائية "الماء والنار" ليضفي على الأنوثة طابعاً طقسياً يُطهّرُ بها العالم من كدره، فالمرأة لديه ليست كياناً ساكناً، بل هي عنصرٌ طبيعيٌ هائجٌ وساكنٌ في آن، حيث يصورها كقوةٍ تعيدُ ترتيبَ عناصرِ الطبيعةِ في قصيدته، بقوله: "تفيضينَ.. فيستقيمُ انحناءُ النهرِ بخصركِ / وتشتعلينَ.. فيستعيرُ الشجرُ من شفتيكِ بريقَ الجمر". إنَّ هذه الاستعارة الكبرى التي تجعل من النهرِ تابعاً لخصرِها ومن الجمرِ مستمداً من شفتيها، ترفعُ الأنثى إلى مصافِ المبدعِ الأول، وتؤكدُ أنَّ المتخيل الشعري هنا قد نجح في إحلال "يوتوبيا الأنوثة" محلَّ قوانينِ الطبيعةِ الفيزيائية، فارضاً منطقَ الحبِ كقانونٍ وحيدٍ لهذا الكونِ المتخيل.

إنَّ نمر سعدي في "يوتوبيا أنثى" لا يكتبُ قصائدَ، بل يشيّدُ حصناً من المعنى، حصناً يتكئُ على بلاغةِ الدهشةِ وقوةِ الاستبصار، حيث يقول في خاتمةِ أحدِ نصوصه: "سأظلُّ أكتبُكِ حتى تصيرَ لغتي سماءً / تليقُ بامرأةٍ.. تعيشُ خارجَ حدودِ الأرض". إنَّ هذا البيتَ يلخصُ جوهرَ المشروعِ الشعريِ في الديوان؛ فاللغةُ هنا هي الجسرُ الذي ينقلُ الأنوثةَ من أرضِ الواقعِ الضيقِ إلى سماءِ الخلودِ المتخيل، وتظلُّ "يوتوبيا أنثى" شاهدةً على أنَّ الشعرَ هو الفضاءُ الوحيدُ الذي يمكنُ فيه للأنثى أن تكونَ هي المركزُ، والبوصلةُ، والملاذُ الذي لا يضيقُ بساكنيه.

إنَّ استنطاقَ هذه البنية التخييلية يقودنا إلى إدراكِ ميزةٍ أسلوبيةٍ فارقةٍ في تجربة نمر سعدي، وهي "تجسيد المعنوي"، حيث لا تظل الأفكار حبيسةَ الذهن، بل تتشخصُ في هيئاتٍ جماليةٍ تنبضُ بالحياة. ففي "يوتوبيا أنثى"، نجد أن المشاعرَ التي عادةً ما تكونُ غائمةً أو عصيةً على التحديد، تتحولُ تحت وطأةِ الخيالِ إلى موجوداتٍ ملموسةٍ يمكنُ لمسُ أطرافِها؛ إذ يقول الشاعر: "أُسكنُ الحزنَ في غرفِ عينيكِ / فيستحيلُ صمتاً أبيضَ يطرزُ وجهَ القصيدة". إن هذا التحويلَ للحزنِ من حالةٍ وجدانيةٍ ثقيلةٍ إلى "صمتٍ أبيض" ذي وظيفةٍ جمالية (التطريز)، يشي ببراعةِ الشاعر في تطويعِ المادةِ اللغويةِ لخدمةِ مشروعِهِ اليوتوبي، حيث الجمالُ ليس ترفاً، بل هو الوسيلةُ الوحيدةُ لتحويلِ الألمِ إلى فنٍّ خالص.

ولا تتوقفُ ميكانزماتُ التخييلِ عند هذا الحد، بل تمتدُّ لتشملَ "أنسنة الزمن"، حيث يغدو الوقتُ في الديوان طيعاً، يُطوى ويُبسطُ وفقاً لنبضِ الحبيبةِ، بعيداً عن صرامةِ التقويماتِ البشرية؛ فقد عبّر عن ذلك بقوله: "تتوقفُ عقاربُ الساعةِ حين تقتربين / وكأنَّ الدقائقَ تخشى أن توقظَ حلمي فيكِ". إن هذه الصورةَ الشعريةَ تمنحُ الحبيبةَ سلطةً وجوديةً تتجاوزُ الزمنَ الفيزيائي، لتؤسسَ زمناً يوتوبياً خاصاً، يتوقفُ فيه العالمُ بانتظارِ إشراقةٍ من ملامحها.

ختاماً، إنَّ ديوان "يوتوبيا أنثى" ليس مجردَ كتابةٍ في الحب، بل هو "محاولةٌ وجوديةٌ" لاستعادةِ العالمِ المفقودِ عبرَ استعادةِ صورةِ الأنثى بوصفها المبدأَ الأولَ للجمالِ والتكوين. لقد استطاع نمر سعدي، من خلالِ ميكانزماتِ تخييلٍ رصينةٍ ولغةٍ تتأرجحُ بين الرقةِ والعمق، أن يشيّدَ نصاً يظلُّ يتنفسُ بعيداً عن قيودِ الواقعِ المتهالك، مانحاً القارئَ فرصةً للتحليقِ في فضاءاتٍ لا تعرفُ الانكسار، حيثُ تظلُّ المرأةُ، كما أرادها الشاعر، هي "اليوتوبيا" الوحيدةَ التي يمكنُ للروحِ أن تسكنَها وتطمئنَ إلى خلودِها.


بقلم / الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / ناقدة من العراق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى