فاتن صبحي - حين قاد النيلُ المصادفة: قراءة في قصة "في حضرتها" للأديب عمرو مرسي

في قصة "في حضرتها" يكتب المهندس عمرو مرسي لقاء يبدو عابرًا لكنه لا يظل كذلك طويلًا. يبدأ المشهد على كورنيش النيل حيث الراوي مشغول بتأمل الوجوه أكثر من انشغاله بالنيل حتى يبدو النيل نفسه معاتبًا له: "لطالما عاتبني النيل لأنني ألتفت عنه إلى الناس". من هذه الجملة الأولى تتشكل علاقة خاصة بين الراوي والمكان فالنيل ليس خلفية للمشهد وإنما حضور يتدخل في الحكاية ويشارك في صناعتها.
وحين يلتفت الراوي إلى النيل اتقاءً لعتابه يجده هو الآخر قد انشغل بالمرأة "قد انصرف عني إليها يهبها نسيمًا عليلًا" فيتحول العتاب إلى دعابة ويجلس الرجل موليًا النيل ظهره منتظرًا أن "يطيب النيل خاطري" هذه الخفة في التعامل مع المكان تمنح السرد عفويته وتكشف عن راوٍ يتعامل مع النيل كصديق يمكن أن يخاصمه قليلًا ويصالحه قليلًا.
ثم تأتي "نسم علينا الهوا…" التي يدندن بها فيحمل النسيم صوته إلى الطريق. الأغنية هنا ليست زينة للمشهد إنها أول خيط موسيقي في الحكاية وستعود في نهايتها لتمنح النص إيقاعه الدائري. وبين الدندنة والنسيم تظهر المرأة لا بوصفها شخصية مكتملة الملامح وإنما من خلال حضورها: لغة لا يفهمها وابتسامة متحفظة وسؤال بسيط: "لماذا تعطي ظهرك للنهر؟"
من هذا السؤال يبدأ الحوار ومن الحوار تبدأ المصادفة في كشف وجهها الآخر. يقول لها إنه متضايق من النيل لأنه "أهملني… وانشغل بغيري" فتدخل هي إلى لعبته دون تكلف "أتسمح لي أن أُصالحك مع نهرك؟" الجملة لطيفة في ظاهرها لكنها تؤسس للتحول الأساسي في المشهد فالمرأة التي جاءت لتصالح الرجل مع النهر تصبح هي نفسها سببًا في أن ينسى خصومته معه.
ويحسن الكاتب إدارة المسافة بين الشخصيتين. لا يندفع إلى عاطفة جاهزة بل يترك الألفة تنمو عبر كلمات قليلة "تحمل من الدفء ما يكفي… ليطول الحديث ويصفو" وحتى حركة الجسد تقول ما لا يقوله الحوار "لم أعد أواجه الطريق ولم تعد تواجه النيل… بل صرنا نواجه بعضنا على المقعد الحجري" تغيير بسيط في الاتجاه لكنه يرسم انتقال العلاقة من مراقبة عابرة إلى حضور متبادل.
وتأتي دعابته "لولا ما فعله لما تحدثتُ إليكِ " ثم قوله إن النيل "تظاهر بالانشغال" وترك له الحديث معها ليؤكد أن الراوي لا يبحث عن قصة كبيرة وإنما يستمتع باللحظة كما هي. وهذا يمنح اللقاء صدقه فلا حب معلن ولا وعود وإنما فضول وألفة وانجذاب يتشكل في هدوء.
ومن بين التفاصيل التي يضعها الكاتب ببراعة كلمة الشمال. في البداية لا تحمل أكثر من دلالة مكانية: "من الشمال إذن…". لكن الكلمة تبقى في ذاكرة القارئ دون أن يلفت الكاتب الانتباه إليها. ثم تأتي النهاية لتمنحها وزنها الحقيقي حين يظهر الخبر"افتتاح المتحف الكبير بحضور ملكةٍ من الشمال" هنا لا يشرح الكاتب المفاجأة يترك للقارئ أن يلتقطها وأن يعود بعينه إلى التفاصيل السابقة.
وهذه من أجمل نقاط البناء في القصة فالنهاية لا تأتي لتضيف معلومة فقط وإنما تعيد تشكيل ما قرأناه. اللغة التي بدت غريبة والهدوء اللافت والابتسامة التي حملت "حنينًا إلى شيء لا أعرفه" كلها تصبح قابلة لقراءة جديدة. وما كان بالنسبة للراوي امرأة عابرة يتكشف للقارئ بوصفه لقاء استثنائي لم يكن يعرف حقيقته.
لكن أجمل ما في الأمر أن هوية المرأة لا تطغى على إنسانيتها. الراوي لم يتعامل معها بوصفها ملكة لأنه لم يعرف أنها ملكة. تحدث معها لأنها أثارت فضوله وكتب لها لأنه تأثر بحضورها. ولذلك تأتي القصيدة داخل القصة بوصفها لحظة صدق لا علاقة لها بالمقام الذي ستكشفه النهاية.
حين يقول لها "اختاري لغتكِ أريدكِ أن تقرئيه كما ينبغي" يصبح اختلاف اللغة جسر بدل أن يكون حاجز ثم يكتب:
"من الشمال حيث يسكن الشتاء
وحيث تصفو السماء
حيث تتشكل الألوانُ حُلمًا
وتنساب الأضواء…"
لا يكتفي هنا بوصف المرأة بل يخلق لها عالمًا. يجعل موطنها شتاءً وسماءً وألوانًا وأضواء ثم ينتقل من المكان إلى ملامح الروح: "في عينيها اتساع أمكنة وفي صوتها دفءُ أغنية". إنها صورة لا تعتمد على الملامح الخارجية وإنما على الأثر الذي تركه حضورها في عين الراوي.
ثم يقول: "ولم تكن تدري أنني أفهمها دون أن تقول". وهذه الجملة تختصر شيئًا أساسيًا في النص: هناك أشياء لا تحتاج إلى ترجمة. قد تختلف اللغة لكن النظرة والابتسامة وطريقة الحضور تستطيع أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
أما "سألت عن عنوان فكان جوابي: قلبي" فهي ذروة شاعرية قصيرة لا تدعي أكثر مما تحتمل اللحظة. القلب هنا عنوان وليس وعد و إشارة إلى أن المرأة وجدت لنفسها مكان في وجدان الراوي دون أن تتحول الحكاية إلى قصة حب مكتملة.
وتأتي لحظة القراءة لتمنح المرأة مساحة داخلية لا يشرحها الكاتب " لم تتعجل كأنها تعيش الكلمات لا تمر بها" ثم تبتسم وتغمض عينيها قليلًا وكأنها تحفظ اللقاء في مكان ما داخلها. هذه اللمحة مهمة لأنها تجعل الأثر متبادل فالراوي لم يكن وحده من حمل شيئًا من اللحظة معه.
ثم تمضي.
"نهضت بهدوء كما جاءت ومضت."
وهنا يحافظ الكاتب على أجمل ما في المصادفة: أنها لا تضمن شيء. لا وعود ولا تبادل عناوين ولا محاولة لإطالة المشهد. تنتهي اللحظة كما بدأت بهدوء لكن القارئ لا يعرف بعد أنها لم تنتهِ حقًا.
في المساء تأتي الجملة التي تقلب زاوية النظر كلها: "تصدر خبر الشاشات: افتتاح المتحف الكبير بحضور ملكةٍ من الشمال". المفاجأة هنا ليست في كون المرأة ملكة فقط وإنما في أن الكاتب جعلنا نعيش اللقاء أولًا من داخل معرفة الراوي المحدودة ثم منحنا في النهاية معلومة تسمح لنا بإعادة قراءته. وهذه طريقة أكثر ذكاءً من كشف الحقيقة مبكرًا لأن القارئ يصبح شريك في اكتشافها.
ومن هنا يصبح عنوان "في حضرتها"أكثر اتساعًا. فالحضور لا يعني وجودها في المكان فقط بل الأثر الذي تركته وهي فيه. حضرت فتحرك الكلام وخرجت القصيدة وتغير اتجاه المقعد ثم غابت وبقيت اللحظة. وربما لهذا تبدو كلمة "حضرتها" ملائمة لامرأة لم نعرف مقامها إلا بعد أن غادرت فالمقام الحقيقي الذي منحته القصة لها لم يكن لقب وإنما حضور.
ويظل النيل حاضرًا حتى النهاية لكن حضوره الأخير أكثر هدوءًا. في الصباح يستقبل الراوي "هادئًا ومبتسمًا" ويعيد إليه "نسم علينا الهوى" الأغنية التي خرجت منه في بداية الحكاية تعود إليه من النهر في نهايتها وكأن المكان احتفظ بالصدى حين غابت صاحبته. وهنا لا يحتاج الكاتب إلى تفسير إضافي يكفي أن يعود اللحن حتى تكتمل الدائرة.
وثمة تفصيلة لغوية صغيرة لكنها تستحق التوقف عندها ففي بداية القصة يدندن الراوي "نسم علينا الهوا" بالألف فيجيء اللفظ خفيفًا و عابرًا و قريبًا من النسيم الذي يمر على صفحة النيل. أما في النهاية حين تعود الأغنية مع النيل، فتأتي "الهوى" بالياء لتفتح الكلمة دلالتها الأعمق فالهوى هنا لا يعود مجرد هواء يهب على المكان بل يحمل ظلال الميل والوجد والعاطفة. وبين الهوا والهوى تكون القصة قد قطعت مسافتها كاملة: بدأ الأمر بنسمة عابرة وانتهى بأثر عاطفي بقي في القلب. وكأن اختلاف حرف واحد قد نقل الأغنية من فضاء المكان إلى فضاء الشعور ومن نسيمٍ يمر إلى هوى يستقر.
لهذا تبدو "في حضرتها" قصة عن المصادفة أكثر مما هي قصة عن الحب وعن أثر اللقاء أكثر من اللقاء نفسه. قوتها في أنها لا ترفع صوتها تترك الأشياء الصغيرة تعمل بهدوء: سؤال.. ابتسامة.. مقعد حجري.. لغة مختلفة.. قصيدة قصيرة ثم خبر يأتي في المساء فيعيد ترتيب الصورة كلها.
والكاتب لا يغلق الباب تمامًا أمام القارئ. يترك للنهاية مساحتها وللمرأة شيئًا من سرها وللنيل شيئًا من غموضه. وربما كان أجمل ما في النص أن المصادفة فيه لا تبدو مفتعلة بل تأتي كما تأتي بعض اللحظات الجميلة في الحياة: بلا موعد وبلا وعد بالبقاء لكنها تترك في الذاكرة ما يكفي لأن يعود الإنسان في الصباح إلى المكان نفسه فيجد النهر هادئًا والأغنية ما زالت هناك.
وربما كان النيل الذي ظنه الراوي منشغل عنه بها يعرف من البداية أن بعض الالتفاتات التي نظنها انحراف عن الطريق… قد تكون هي الطريق نفسه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى