ثمة كتب نقرأها ثم نغلقها، وثمة كتب تترك الباب مواربًا، بحيث لا نعرف تمامًا: هل انتهت الحكاية حين أتممنا الصفحة الأخيرة، أم أنها بدأت هناك؟
«حكايات غريبة عن عالم غريب»، المجموعة القصصية للدكتور حسين عبد البصير، الصادرة عن مركز إنسان للنشر والتوزيع في القاهرة، تنتمي إلى النوع الثاني. إنها أربعون قصة قصيرة تبدو، للوهلة الأولى، كأنها ألعاب في الفانتازيا والغرابة، لكن سرعان ما يتبين أن الغرابة ليست هدفها النهائي، وإنما قناع سردي تخفي تحته أسئلة قديمة عن الإنسان: الزمن، الموت، الذاكرة، المصير، الوحدة، الخوف، الرغبة، والبحث المستحيل عن معنى.
من هنا يمكن النظر إلى المجموعة بوصفها عالمًا له قوانينه الخاصة، لا مجرد مجموعة حكايات متجاورة. ثلاثة مفاتيح كبرى تتكرر داخله: الظل، والزمن، والمكتبة. وكل واحد منها يفتح بابًا إلى منطقة مختلفة من الوجود.
الظل هو الإنسان حين ينظر إلى نفسه من الخارج.
والزمن هو الإنسان حين يكتشف أنه لا يستطيع الإمساك بحياته.
أما المكتبة فهي الإنسان حين يحاول أن يعرف نفسه من خلال ما كُتب عنه.
ثلاثة أشياء تبدو في حياتنا اليومية عادية تمامًا، لكنها في عالم عبد البصير تنقلب على وظائفها المألوفة. الظل يتوقف عن أن يكون تابعًا للجسد. الزمن لا يعود مجرد ساعات تمر. والكتاب لا يبقى شيئًا نقرأه، بل يصبح شيئًا يقرأنا.
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية.
الظل الذي يلاحق الإنسان منذ ولادته يتحول في بعض القصص إلى شخصية لها إرادة وذاكرة وغضب. إنه ليس مجرد صورة سوداء للجسد، بل مستودع لما حاول صاحبه نسيانه. حين يقول الظل: «أنا كل ما تركته وراءك، كل قراراتك السيئة، كل خوفك، كل لحظة هربت فيها من نفسك»، فإن الفانتازيا تتراجع خطوة، ويظهر أمامنا سؤال نفسي وفلسفي شديد الواقعية: ماذا لو امتلكت أخطاءنا جسدًا وصوتًا؟ ماذا لو وقفت قراراتنا القديمة أمامنا وطالبتنا بالحساب؟
بهذا المعنى يصبح الظل في المجموعة أشبه بالسيرة السرية للإنسان.
إنه الجانب الذي لا يظهر في الصورة الرسمية، الجزء الذي نحاول إخفاءه عن الآخرين، وربما عن أنفسنا.
ولهذا فإن مواجهة الظل ليست مواجهة مع كائن خارق، بقدر ما هي مواجهة مع الذات.
أما الزمن، فيظهر بوصفه خصمًا يتوهم الإنسان أنه يستطيع الانتصار عليه. يوسف يريد إيقافه، وطارق يشكو من سرعته، ومالك يكتشف مفارقة الخلود: أن الحياة الأبدية لا تصبح ذات قيمة لمجرد أنها أبدية.
في واحدة من أكثر لحظات المجموعة دلالة، يقف مالك فوق جبل المقطم أمام شروق الشمس، فيكتشف أن خلوده ليس سوى فرصة لكي يعيش اللحظة إلى الأبد.
هنا ينقلب السؤال من «كيف نمنع الزمن من المرور؟» إلى «ماذا نفعل بالوقت الذي يمر؟»
وهذا سؤال لا يحتاج إلى سحر ولا إلى عوالم موازية.
كل إنسان يعيشه.
كل صباح.
كلما نظر إلى وجهه في المرآة.
كلما اكتشف أن عامًا آخر مرّ دون أن ينتبه.
ولهذا تبدو الفانتازيا في «حكايات غريبة عن عالم غريب» أقرب إلى عدسة مكبرة للواقع منها إلى هروب منه.
أما المكتبة، فهي أكثر فضاءات المجموعة إثارة من الناحية الرمزية. المكتبة التقليدية مكان للمعرفة، لكن «مكتبة العقول» تقلب هذه المعادلة. هنا لا نقرأ الكتب فحسب، وإنما الكتب تقرأنا.
في قصة «المكتبة التي تلتهم زوارها»، تدخل ليلى مكتبة غامضة في القاهرة القديمة، فتجد كتابًا يحمل اسمها: «قصة ليلى».
تفتح الكتاب.
فتجد حياتها.
طفولتها وذكرياتها وأوجاعها وأفراحها.
ثم تكتشف أن كل صفحة تقرؤها تأخذ منها شيئًا.
إنها واحدة من أكثر أفكار المجموعة اكتمالًا، لأن الكتاب يتحول فيها إلى كائن حي، والمعرفة إلى افتراس، والقراءة إلى فعل قد يهدد وجود القارئ نفسه.
وحين يحذرها حارس المكتبة قائلًا: «وحياتك ليست للقراءة، إنها للعيش»، تصل القصة إلى مركزها الفلسفي.
فالإنسان الحديث ربما أصبح منشغلًا إلى حد بعيد بمحاولة تفسير حياته، وتصنيفها، وتوثيقها، واستعادتها، حتى نسي أن يعيشها.
ثم تأتي النهاية: «ونُسِيَت ليلى كما تُنسَى كل الحكايات».
الجملة لا تغلق القصة، وإنما تفتحها.
هل ابتلعت المكتبة ليلى فعلًا؟
هل أصبحت مجرد شخصية داخل كتاب؟
هل يمكن للإنسان أن يتحول إلى حكاية قبل أن تنتهي حياته؟
ومن يملك ذاكرة الإنسان: هو نفسه أم الكتب التي تسجل أثره؟
هذه الأسئلة تجعل القصة تتجاوز إطار الحكاية الفانتازية إلى تأمل في معنى الذاكرة والوجود.
وإذا كانت المكتبة تحفظ الإنسان، فإنها في الوقت نفسه تستطيع أن تمحوه.
وهذه مفارقة جميلة.
فالكتاب الذي نلجأ إليه كي لا نُنسى قد يصبح المكان الذي نُنسى فيه.
تستفيد المجموعة كذلك من القاهرة بوصفها فضاءً سرديًا قابلًا للغرابة.
الجمالية، المقطم، الشوارع القديمة، المقاهي، الجدران، النوافذ، الأبنية المهجورة، المكتبات القديمة؛ كلها أماكن مألوفة، لكن الكاتب يضعها تحت ضوء مختلف، فتبدو كأنها تخفي حياة ثانية لا نراها في النهار.
فالغرابة الأقوى ليست تلك التي تأتي من كوكب بعيد، وإنما تلك التي تكتشفها في الشارع الذي اعتدت المرور فيه.
أن تمشي في القاهرة التي تعرفها ثم تكتشف فجأة أنك لا تعرفها.
أن تدخل مقهى فلا تجد فيه إلا أرواحًا تائهة.
أن تقف أمام جدار وتشعر أنه يحتفظ بذاكرة من عاشوا خلفه.
أن تنظر إلى ظلك فتكتشف أنه لم يعد ظلك.
هنا تصبح المدينة نفسها شخصية من شخصيات المجموعة.
ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كائنًا سرديًا له ذاكرة وأسرار.
ومن هذه الزاوية، فإن القاهرة في المجموعة ليست القاهرة التاريخية وحدها، ولا القاهرة السياحية التي تظهر في الصور، وإنما القاهرة الخفية؛ القاهرة التي يعيشها سكانها ولا يرونها كاملة.
تقوم قصص المجموعة كذلك على فكرة المصادفة.
شخص يمشي في شارع فيجد بابًا.
آخر يدخل مكتبة.
ثالث يصادف قطارًا مهجورًا.
رابع يرى مرآة تكشف المستقبل.
خامس يلتقي شخصًا في عيد ميلاده يغير معنى اليوم كله.
لكن المصادفة هنا ليست دائمًا بريئة.
إنها غالبًا بداية الاختبار.
ما يبدو بابًا قد يكون فخًا.
وما يبدو كتابًا قد يكون لعنة.
وما يبدو حلمًا قد يكون حقيقة.
وما يبدو خلاصًا قد يكون بداية لعنة جديدة.
ومن هنا تأتي النهايات المفتوحة التي تميز عددًا كبيرًا من القصص.
الكاتب لا يقدم للقارئ راحة الإجابة النهائية.
إنه يتركه في المنطقة الأكثر إثارة: منطقة الاحتمال.
قد تنجو الشخصية.
وقد لا تنجو.
قد تكون المدينة موجودة.
وقد تكون حلمًا.
قد يكون الظل كائنًا حقيقيًا.
وقد يكون صورة للضمير.
وقد تكون المرآة قد كشفت المستقبل فعلًا.
وقد تكون الشخصية هي التي صنعت مستقبلها بعدما رأته.
هذا النوع من النهايات يحتاج إلى قارئ شريك، لا قارئ متلقٍّ فقط.
القصة لا تقول له: «هذه هي الحقيقة».
بل تسأله: «أي حقيقة ستختار؟»
ومن اللافت في المجموعة أن الموت لا يظهر دائمًا باعتباره نهاية.
في «الرجل الذي لا يموت أبدًا»، يقترب حسين عبد البصير من منطقة سردية لها جذور في الفانتازيا العالمية، ويمكن تلمس صدى من أجواء قصة «الزجاجة في الرمال» لروبرت لويس ستيفنسون، لكن المعالجة تنقل الفكرة إلى بيئة مصرية واضحة، فتكتسب الحكاية مذاقًا مختلفًا.
والأهم أن الخلود نفسه يتحول إلى سؤال.
ماذا لو لم يمت الإنسان؟
هل يصبح أكثر سعادة؟
أم يفقد الحياة معناها حين لا يعود للموت مكان فيها؟
إن قيمة الحياة، في النهاية، لا تأتي فقط من طولها، وإنما من محدوديتها.
لأننا نعرف أن اللحظة ستنتهي، تصبح ثمينة.
ولأن العمر محدود، يصبح الاختيار مهمًا.
ولأن الإنسان يموت، تصبح الحياة جديرة بأن تُعاش.
في المجموعة أيضًا قصص عن المرآة والمستقبل، وعن الإنسان الذي يرى ما لا ينبغي أن يراه، وعن الكتاب الذي يتلاعب بذاكرة قارئه، وعن الرجل الذي أكل اسمه، والكلب الذي يقرأ الأفكار، والجسر الذي يصل الواقع بالأحلام، والمدينة التي لا تظهر إلا ليلًا، ومدينة الليل الأبدي التي لم ترَ الضوء، والحذاء الذي يمشي وحده، والبحيرة التي تبتلع النجوم.
قد تبدو هذه العناصر متباعدة، لكنها في الحقيقة تعود إلى سؤال واحد تقريبًا:
ماذا يحدث للإنسان عندما يختل الشيء الذي يظنه ثابتًا؟
إذا أصبح الظل مستقلًا، اختل مفهوم الهوية.
إذا توقف الزمن، اختل مفهوم الحياة.
إذا كتب الكتاب حياة صاحبه، اختل مفهوم الحقيقة.
إذا كشفت المرآة المستقبل، اختل مفهوم القدر.
إذا أصبحت المدينة غير مرئية، اختل مفهوم المكان.
وإذا استطاع الكلب قراءة الأفكار، اختل الحاجز الأخير بين ما نقوله وما نخفيه.
إنها، في جوهرها، قصص عن انهيار الحدود.
الحد الفاصل بين الحلم والواقع.
بين الماضي والمستقبل.
بين الإنسان وظله.
بين القارئ والكتاب.
بين المدينة وساكنيها.
ولعل العبارة التي تختصر روح المجموعة كلها هي: «الأحلام تمنحك الراحة، لكن الحلم هو الذي يمنحك القوة».
فالحلم عند حسين عبد البصير ليس مجرد ملجأ من الواقع. إنه احتمال آخر للحياة.
ولهذا نجد بعض شخصياته تبدأ ضعيفة ثم تتحول بفعل ما تواجهه. خليل الخزاف يكتشف أن الحياة ليست انتظار الفرص، وإنما السعي إليها. وطارق يكتشف أن الزمن ليس عدوًا. والشخص الذي يرى مستقبله في المرآة يكتشف أن المستقبل ليس بالضرورة حكمًا نهائيًا.
وهنا يخرج الإنسان من متاهة الفانتازيا حاملًا شيئًا واقعيًا جدًا:
لا أحد يستطيع أن يعيش بدلًا منا.
لا الكتاب.
ولا المرآة.
ولا الظل.
ولا الزمن.
قد لا يكون السؤال الأهم بعد قراءة «حكايات غريبة عن عالم غريب»: هل حدثت هذه الأشياء حقًا؟
السؤال الأهم هو: لماذا صدقناها للحظة؟
ربما لأننا، في أعماقنا، نعرف أن العالم الذي نعيش فيه أكثر غرابة مما نعترف.
نحن ننسى ثم نتذكر.
نحب ثم نفقد.
نحلم ثم نستيقظ.
نرى وجوهنا في المرايا ولا نعرف دائمًا الشخص الذي ينظر إلينا.
نمشي في المدن التي ولدنا فيها ونكتشف بعد سنوات أننا لم نعرفها قط.
نقرأ الكتب بحثًا عن أنفسنا، ثم نكتشف أحيانًا أنها تعرف عنا أكثر مما نعرف.
لهذا فإن «حكايات غريبة عن عالم غريب» ليست كتابًا عن العجائب بقدر ما هي كتاب عن الإنسان حين يصبح العالم مرآة له.
وقد تكون الغرابة الحقيقية في النهاية ليست أن الظل خرج من الجدار، ولا أن الكتاب بدأ يكتب صاحبه، ولا أن المدينة اختفت عند الفجر.
الغرابة الحقيقية أن الإنسان يعيش حياته كلها، ثم يكتشف في النهاية أنه كان بطل الحكاية التي لم يعرف أنه يكتبها.
«حكايات غريبة عن عالم غريب»، المجموعة القصصية للدكتور حسين عبد البصير، الصادرة عن مركز إنسان للنشر والتوزيع في القاهرة، تنتمي إلى النوع الثاني. إنها أربعون قصة قصيرة تبدو، للوهلة الأولى، كأنها ألعاب في الفانتازيا والغرابة، لكن سرعان ما يتبين أن الغرابة ليست هدفها النهائي، وإنما قناع سردي تخفي تحته أسئلة قديمة عن الإنسان: الزمن، الموت، الذاكرة، المصير، الوحدة، الخوف، الرغبة، والبحث المستحيل عن معنى.
من هنا يمكن النظر إلى المجموعة بوصفها عالمًا له قوانينه الخاصة، لا مجرد مجموعة حكايات متجاورة. ثلاثة مفاتيح كبرى تتكرر داخله: الظل، والزمن، والمكتبة. وكل واحد منها يفتح بابًا إلى منطقة مختلفة من الوجود.
الظل هو الإنسان حين ينظر إلى نفسه من الخارج.
والزمن هو الإنسان حين يكتشف أنه لا يستطيع الإمساك بحياته.
أما المكتبة فهي الإنسان حين يحاول أن يعرف نفسه من خلال ما كُتب عنه.
ثلاثة أشياء تبدو في حياتنا اليومية عادية تمامًا، لكنها في عالم عبد البصير تنقلب على وظائفها المألوفة. الظل يتوقف عن أن يكون تابعًا للجسد. الزمن لا يعود مجرد ساعات تمر. والكتاب لا يبقى شيئًا نقرأه، بل يصبح شيئًا يقرأنا.
وهنا تبدأ اللعبة الحقيقية.
الظل الذي يلاحق الإنسان منذ ولادته يتحول في بعض القصص إلى شخصية لها إرادة وذاكرة وغضب. إنه ليس مجرد صورة سوداء للجسد، بل مستودع لما حاول صاحبه نسيانه. حين يقول الظل: «أنا كل ما تركته وراءك، كل قراراتك السيئة، كل خوفك، كل لحظة هربت فيها من نفسك»، فإن الفانتازيا تتراجع خطوة، ويظهر أمامنا سؤال نفسي وفلسفي شديد الواقعية: ماذا لو امتلكت أخطاءنا جسدًا وصوتًا؟ ماذا لو وقفت قراراتنا القديمة أمامنا وطالبتنا بالحساب؟
بهذا المعنى يصبح الظل في المجموعة أشبه بالسيرة السرية للإنسان.
إنه الجانب الذي لا يظهر في الصورة الرسمية، الجزء الذي نحاول إخفاءه عن الآخرين، وربما عن أنفسنا.
ولهذا فإن مواجهة الظل ليست مواجهة مع كائن خارق، بقدر ما هي مواجهة مع الذات.
أما الزمن، فيظهر بوصفه خصمًا يتوهم الإنسان أنه يستطيع الانتصار عليه. يوسف يريد إيقافه، وطارق يشكو من سرعته، ومالك يكتشف مفارقة الخلود: أن الحياة الأبدية لا تصبح ذات قيمة لمجرد أنها أبدية.
في واحدة من أكثر لحظات المجموعة دلالة، يقف مالك فوق جبل المقطم أمام شروق الشمس، فيكتشف أن خلوده ليس سوى فرصة لكي يعيش اللحظة إلى الأبد.
هنا ينقلب السؤال من «كيف نمنع الزمن من المرور؟» إلى «ماذا نفعل بالوقت الذي يمر؟»
وهذا سؤال لا يحتاج إلى سحر ولا إلى عوالم موازية.
كل إنسان يعيشه.
كل صباح.
كلما نظر إلى وجهه في المرآة.
كلما اكتشف أن عامًا آخر مرّ دون أن ينتبه.
ولهذا تبدو الفانتازيا في «حكايات غريبة عن عالم غريب» أقرب إلى عدسة مكبرة للواقع منها إلى هروب منه.
أما المكتبة، فهي أكثر فضاءات المجموعة إثارة من الناحية الرمزية. المكتبة التقليدية مكان للمعرفة، لكن «مكتبة العقول» تقلب هذه المعادلة. هنا لا نقرأ الكتب فحسب، وإنما الكتب تقرأنا.
في قصة «المكتبة التي تلتهم زوارها»، تدخل ليلى مكتبة غامضة في القاهرة القديمة، فتجد كتابًا يحمل اسمها: «قصة ليلى».
تفتح الكتاب.
فتجد حياتها.
طفولتها وذكرياتها وأوجاعها وأفراحها.
ثم تكتشف أن كل صفحة تقرؤها تأخذ منها شيئًا.
إنها واحدة من أكثر أفكار المجموعة اكتمالًا، لأن الكتاب يتحول فيها إلى كائن حي، والمعرفة إلى افتراس، والقراءة إلى فعل قد يهدد وجود القارئ نفسه.
وحين يحذرها حارس المكتبة قائلًا: «وحياتك ليست للقراءة، إنها للعيش»، تصل القصة إلى مركزها الفلسفي.
فالإنسان الحديث ربما أصبح منشغلًا إلى حد بعيد بمحاولة تفسير حياته، وتصنيفها، وتوثيقها، واستعادتها، حتى نسي أن يعيشها.
ثم تأتي النهاية: «ونُسِيَت ليلى كما تُنسَى كل الحكايات».
الجملة لا تغلق القصة، وإنما تفتحها.
هل ابتلعت المكتبة ليلى فعلًا؟
هل أصبحت مجرد شخصية داخل كتاب؟
هل يمكن للإنسان أن يتحول إلى حكاية قبل أن تنتهي حياته؟
ومن يملك ذاكرة الإنسان: هو نفسه أم الكتب التي تسجل أثره؟
هذه الأسئلة تجعل القصة تتجاوز إطار الحكاية الفانتازية إلى تأمل في معنى الذاكرة والوجود.
وإذا كانت المكتبة تحفظ الإنسان، فإنها في الوقت نفسه تستطيع أن تمحوه.
وهذه مفارقة جميلة.
فالكتاب الذي نلجأ إليه كي لا نُنسى قد يصبح المكان الذي نُنسى فيه.
تستفيد المجموعة كذلك من القاهرة بوصفها فضاءً سرديًا قابلًا للغرابة.
الجمالية، المقطم، الشوارع القديمة، المقاهي، الجدران، النوافذ، الأبنية المهجورة، المكتبات القديمة؛ كلها أماكن مألوفة، لكن الكاتب يضعها تحت ضوء مختلف، فتبدو كأنها تخفي حياة ثانية لا نراها في النهار.
فالغرابة الأقوى ليست تلك التي تأتي من كوكب بعيد، وإنما تلك التي تكتشفها في الشارع الذي اعتدت المرور فيه.
أن تمشي في القاهرة التي تعرفها ثم تكتشف فجأة أنك لا تعرفها.
أن تدخل مقهى فلا تجد فيه إلا أرواحًا تائهة.
أن تقف أمام جدار وتشعر أنه يحتفظ بذاكرة من عاشوا خلفه.
أن تنظر إلى ظلك فتكتشف أنه لم يعد ظلك.
هنا تصبح المدينة نفسها شخصية من شخصيات المجموعة.
ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كائنًا سرديًا له ذاكرة وأسرار.
ومن هذه الزاوية، فإن القاهرة في المجموعة ليست القاهرة التاريخية وحدها، ولا القاهرة السياحية التي تظهر في الصور، وإنما القاهرة الخفية؛ القاهرة التي يعيشها سكانها ولا يرونها كاملة.
تقوم قصص المجموعة كذلك على فكرة المصادفة.
شخص يمشي في شارع فيجد بابًا.
آخر يدخل مكتبة.
ثالث يصادف قطارًا مهجورًا.
رابع يرى مرآة تكشف المستقبل.
خامس يلتقي شخصًا في عيد ميلاده يغير معنى اليوم كله.
لكن المصادفة هنا ليست دائمًا بريئة.
إنها غالبًا بداية الاختبار.
ما يبدو بابًا قد يكون فخًا.
وما يبدو كتابًا قد يكون لعنة.
وما يبدو حلمًا قد يكون حقيقة.
وما يبدو خلاصًا قد يكون بداية لعنة جديدة.
ومن هنا تأتي النهايات المفتوحة التي تميز عددًا كبيرًا من القصص.
الكاتب لا يقدم للقارئ راحة الإجابة النهائية.
إنه يتركه في المنطقة الأكثر إثارة: منطقة الاحتمال.
قد تنجو الشخصية.
وقد لا تنجو.
قد تكون المدينة موجودة.
وقد تكون حلمًا.
قد يكون الظل كائنًا حقيقيًا.
وقد يكون صورة للضمير.
وقد تكون المرآة قد كشفت المستقبل فعلًا.
وقد تكون الشخصية هي التي صنعت مستقبلها بعدما رأته.
هذا النوع من النهايات يحتاج إلى قارئ شريك، لا قارئ متلقٍّ فقط.
القصة لا تقول له: «هذه هي الحقيقة».
بل تسأله: «أي حقيقة ستختار؟»
ومن اللافت في المجموعة أن الموت لا يظهر دائمًا باعتباره نهاية.
في «الرجل الذي لا يموت أبدًا»، يقترب حسين عبد البصير من منطقة سردية لها جذور في الفانتازيا العالمية، ويمكن تلمس صدى من أجواء قصة «الزجاجة في الرمال» لروبرت لويس ستيفنسون، لكن المعالجة تنقل الفكرة إلى بيئة مصرية واضحة، فتكتسب الحكاية مذاقًا مختلفًا.
والأهم أن الخلود نفسه يتحول إلى سؤال.
ماذا لو لم يمت الإنسان؟
هل يصبح أكثر سعادة؟
أم يفقد الحياة معناها حين لا يعود للموت مكان فيها؟
إن قيمة الحياة، في النهاية، لا تأتي فقط من طولها، وإنما من محدوديتها.
لأننا نعرف أن اللحظة ستنتهي، تصبح ثمينة.
ولأن العمر محدود، يصبح الاختيار مهمًا.
ولأن الإنسان يموت، تصبح الحياة جديرة بأن تُعاش.
في المجموعة أيضًا قصص عن المرآة والمستقبل، وعن الإنسان الذي يرى ما لا ينبغي أن يراه، وعن الكتاب الذي يتلاعب بذاكرة قارئه، وعن الرجل الذي أكل اسمه، والكلب الذي يقرأ الأفكار، والجسر الذي يصل الواقع بالأحلام، والمدينة التي لا تظهر إلا ليلًا، ومدينة الليل الأبدي التي لم ترَ الضوء، والحذاء الذي يمشي وحده، والبحيرة التي تبتلع النجوم.
قد تبدو هذه العناصر متباعدة، لكنها في الحقيقة تعود إلى سؤال واحد تقريبًا:
ماذا يحدث للإنسان عندما يختل الشيء الذي يظنه ثابتًا؟
إذا أصبح الظل مستقلًا، اختل مفهوم الهوية.
إذا توقف الزمن، اختل مفهوم الحياة.
إذا كتب الكتاب حياة صاحبه، اختل مفهوم الحقيقة.
إذا كشفت المرآة المستقبل، اختل مفهوم القدر.
إذا أصبحت المدينة غير مرئية، اختل مفهوم المكان.
وإذا استطاع الكلب قراءة الأفكار، اختل الحاجز الأخير بين ما نقوله وما نخفيه.
إنها، في جوهرها، قصص عن انهيار الحدود.
الحد الفاصل بين الحلم والواقع.
بين الماضي والمستقبل.
بين الإنسان وظله.
بين القارئ والكتاب.
بين المدينة وساكنيها.
ولعل العبارة التي تختصر روح المجموعة كلها هي: «الأحلام تمنحك الراحة، لكن الحلم هو الذي يمنحك القوة».
فالحلم عند حسين عبد البصير ليس مجرد ملجأ من الواقع. إنه احتمال آخر للحياة.
ولهذا نجد بعض شخصياته تبدأ ضعيفة ثم تتحول بفعل ما تواجهه. خليل الخزاف يكتشف أن الحياة ليست انتظار الفرص، وإنما السعي إليها. وطارق يكتشف أن الزمن ليس عدوًا. والشخص الذي يرى مستقبله في المرآة يكتشف أن المستقبل ليس بالضرورة حكمًا نهائيًا.
وهنا يخرج الإنسان من متاهة الفانتازيا حاملًا شيئًا واقعيًا جدًا:
لا أحد يستطيع أن يعيش بدلًا منا.
لا الكتاب.
ولا المرآة.
ولا الظل.
ولا الزمن.
قد لا يكون السؤال الأهم بعد قراءة «حكايات غريبة عن عالم غريب»: هل حدثت هذه الأشياء حقًا؟
السؤال الأهم هو: لماذا صدقناها للحظة؟
ربما لأننا، في أعماقنا، نعرف أن العالم الذي نعيش فيه أكثر غرابة مما نعترف.
نحن ننسى ثم نتذكر.
نحب ثم نفقد.
نحلم ثم نستيقظ.
نرى وجوهنا في المرايا ولا نعرف دائمًا الشخص الذي ينظر إلينا.
نمشي في المدن التي ولدنا فيها ونكتشف بعد سنوات أننا لم نعرفها قط.
نقرأ الكتب بحثًا عن أنفسنا، ثم نكتشف أحيانًا أنها تعرف عنا أكثر مما نعرف.
لهذا فإن «حكايات غريبة عن عالم غريب» ليست كتابًا عن العجائب بقدر ما هي كتاب عن الإنسان حين يصبح العالم مرآة له.
وقد تكون الغرابة الحقيقية في النهاية ليست أن الظل خرج من الجدار، ولا أن الكتاب بدأ يكتب صاحبه، ولا أن المدينة اختفت عند الفجر.
الغرابة الحقيقية أن الإنسان يعيش حياته كلها، ثم يكتشف في النهاية أنه كان بطل الحكاية التي لم يعرف أنه يكتبها.