علي سيف الرعيني -|التفصيل الادبي ووظيفته في بناء المعنى !!

ليست قيمة الأدب في ضخامة موضوعاته بقدر ما تكمن في قدرته على اكتشاف المعنى الكامن خلف الأشياء التي تبدو عادية فالنص الأدبي لا يصبح عميقا لمجرد أنه يتناول الموت أو الحب أوالحرب أو الوطن وإنما حين يستطيع أن يمنح هذه القضايا الكبرى تجسدها الإنساني من خلال تفصيل صغير في ظاهره لكنه مشحون بالدلالة من هنا يمكن النظر إلى التفصيل الأدبي بوصفه أحد العناصر المهمة في صناعة المعنى لا باعتباره إضافة وصفية أو زخرفة لغوية بل باعتباره وحدة دلالية يمكن أن تسهم في بناء الشخصية، وتطوير الحدث، وتكثيف الزمن، وإنتاج الإيحاء، وفتح النص على مستويات متعددة من القراءة
فالكاتب الذي يقول إن شخصيته حزينة يقدم للقارئ معلومة أما حين يجعل الشخصية تعود إلى بيتها تضع مفتاحها في المكان نفسه ثم تتردد طويلا قبل أن تشعل الضوء فإنه ينتقل من الإخبار إلى الإيحاء وفي المسافة بين الاثنين تبدأ الأدبية الحقيقية
في الرواية والقصة لا تعمل التفاصيل الناجحة بصورة مستقلة عن البناء العام للنص فالشيء الذي يظهر في بداية العمل قد يعود لاحقًا بوظيفة جديدة، أو يتغير معناه تبعا لتحولات الشخصية والحدث
وهنا تتجاوز التفاصيل وظيفتها الوصفية لتصبح جزءًا من البنية السردية
فالكرسي الفارغ مثلا قد يكون في بداية القصة مجرد جزء من أثاث المكان لكنه بعد غياب شخصية مركزية يمكن أن يتحول إلى علامة على الفقد. والمفتاح قد يبدو شيئًا عاديًا، لكنه قد يحمل دلالة على بيت مغلق أو ذاكرة ممنوعة أو علاقة انتهى زمن الدخول إليها
إن أهمية التفصيل إذن لاتأتي من الشيء ذاته وإنما من السياق الذي يضعه فيه الكاتب وهذه نقطة نقدية أساسية فليست كل التفاصيل أدبًا كما أن كثرتها لا تعني بالضرورة ثراء النص التفاصيل تصبح ذات قيمة حين تدخل في علاقة عضوية مع الشخصيات والزمن والمكان والحبكة وتضيف إلى النص معنى لايمكن الاستغناء عنه دون أن يتأثر بناؤه
تزداد أهمية التفاصيل في القصة القصيرة على وجه الخصوص؛ لأن محدودية المساحة تفرض على الكاتب اقتصادًا في اللغة والأحداث
ولهذا فإن التفصيل الجيد في القصة القصيرة يشبه ومضة دلالية جملة أو حركة أو شيء مادي يستطيع أن يستدعي وراءه تاريخا كاملا
قد لا يحتاج القاص إلى أن يروي سنوات من حياة شخصية فقدت إنسانًا عزيزًا. ربما تكفيه علبة دواء لم تعد تُفتح، أو صورة لم تُرفع من فوق الجدار، أو اسم ظل محفوظًا في الهاتف رغم انقطاع الاتصال بصاحبه
هذه الأشياء لا تروي الحكاية مباشرة لكنها تجعل القارئ يشارك في بنائها
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الأدب إشراك القارئ في إنتاج المعنى
فالنص الذي يشرح كل شيء يغلق أبوابه سريعًا بينما النص الذي يترك مساحة للإيحاء يمنح القارئ فرصة لأن يدخل إليه بتجربته الخاصة
من منظور نقدي يمكن للتفاصيل أن تؤدي وظيفة أساسية في بناء الشخصية الأدبية
فالشخصية لا تتشكل فقط من الحوار الذي تنطقه أو المعلومات التي يقدمها الراوي عنها، وإنما من عاداتها، وحركاتها، وطريقة تعاملها مع الأشياء وحتى من علاقتها بالصمت
ماذا تفعل عندما تغضب؟
هل تحتفظ بأشياء لا قيمة لها؟ كيف تدخل المكان؟
أسئلة تبدو بسيطة لكنها قد تكون أكثر قدرة على الكشف عن الشخصية من صفحات كاملة من الوصف المباشر
فالإنسان في الحياة اليومية لا يقدم نفسه للآخرين في صورة تحليل نفسي متكامل وإنما تكشفه عاداته الصغيرة دون أن يقصد والأدب القادر على التقاط هذه الحقيقة يصبح أكثر قربًا من الواقع وأكثر إقناعًا في بناء شخصياته
ولا تقتصر وظيفة التفصيل على الشخصية بل تمتد إلى المكان السردي فالبيت في الرواية ليس جدرانًا وأبوابًا ونوافذ فحسب قد يكون ذاكرة أوملجأ أو شاهدًا على التحولات التي أصابت أصحابه
وهنا يمكن لتفصيل صغير مثل نافذة مغلقة أو مصباح لا يُضاء أو صورة معلقة في ممر أن يمنح المكان ذاكرة خاصة إن المكان حين يمتلئ بالتفاصيل يتحول من فضاء تتحرك فيه الشخصيات إلى عنصر فاعل في إنتاج الدلالة
وهذا ما يجعل بعض الأمكنة الأدبية تبقى في ذاكرة القارئ حتى بعد نسيان كثير من تفاصيل الحكاية
أما في الشعر فإن التفاصيل اليومية يمكن أن تنتقل من مستواها المادي إلى مستوى رمزي وإيحائي، لكن نجاح هذا الانتقال يتوقف على قدرة الشاعر على المحافظة على صلة الرمز بالتجربة الإنسانية.
فالنافذة قد تكون نافذة فعلا لكنها قد تصبح في سياق القصيدة علامة على الانتظار والطريق قد يكون طريقًا حقيقيا لكنه قد يتسع ليشير إلى الرحلة والاختيار والمصير والمطر قد يبقى ظاهرة طبيعية لكنه قد يتحول في السياق الشعري إلى ذاكرة أوخلاص أو بداية جديدة
غير أن الإفراط في تحميل الأشياء بالرموز قد يقود إلى عكس النتيجة إذ يفقد التفصيل بساطته وصدقه ويصبح مجرد لغز لغوي
وهنا تظهر قيمة التوازن بين الواقعي والإيحائي
فالأدب لا يحتاج إلى أن يجعل كل شيء رمزا بل يحتاج إلى أن يعرف متى يكون الشيء مجرد شيء ومتى يصبح أكثر من ذلك
من أكثر الاختبارات صعوبة أمام الكاتب أن يميز بين التفصيل الذي يولد طبيعيًا من التجربة والتفصيل الذي يُقحم على النص لإظهار براعة لغوية
التفصيل المفتعل يشعر به القارئ بسرعة لأنه لا يخدم الشخصية أو الحدث وإنما يخدم الكاتب نفسه ورغبته في الاستعراض
أما التفصيل الحقيقي فيبدو كأنه جزء طبيعي من الحياة
وهذه هي إحدى خصائص الواقعية الأدبيةأن يكون التفصيل مقنعًا قبل أن يكون جميلا فالكاتب ليس مطالبا بأن يجعل كل جملة مدهشة ولا أن يحول كل مشهد إلى لوحة شعرية لأن الإفراط في الجمال قد يفقد النص علاقته بالحياة أحيانا تكون الجملة البسيطة أكثر تأثيرا من العبارة المزخرفة لأن صدقها يأتي من موقعها الصحيح داخل التجربة
لماذا نتذكر التفاصيل وننسى الأحداث
المفارقة أن ذاكرة القارئ قد لا تحتفظ بكل الأحداث التي قرأها، لكنها تحتفظ أحيانًا بتفصيل واحد
قد ينسى القارئ تسلسل الوقائع لكنه يتذكر نافذة أورائحة مكان أو جملة قصيرة والسبب أن التفاصيل لا تخاطب العقل وحده إنها ترتبط بالذاكرة الحسية والوجدانية ولهذا يستطيع الأدب من خلال التفصيل أن يبني جسرًا بين التجربة الخاصة للشخصية والتجربة المشتركة للإنسان فحين يقرأ القارئ عن بيت تغير بعد رحيل أحد سكانه قد يجد في ذلك شيئًا من بيته القديم
هنا يتحول التفصيل المحدود إلى معنى واسع
الكاتب الحقيقي لا يرى أكثر بل يرى أعمق
يرى ما وراء التفاصيل
إن العين العادية ترى الكرسي بينما العين الأدبية قد ترى الغائب الذي كان يجلس عليه
والعين العادية ترى الباب بينما الكاتب قد يرى وراءه سنوات من الانتظار
والعين العادية ترى كوب على الطاولة بينما النص الأدبي قد يحوله إلى شاهد على علاقة تغيرت
وهنا تتحدد إحدى وظائف الأدب الكبرى إعادة تدريب حواسنا على رؤية العالم
إن الأدب لا يغير الأشياء بالضرورة، لكنه يغير الطريقة التي ننظر بها إليها. يجعلنا ننتبه إلى ما كنا نمر بجواره مسرعين ويعيد إلى التفاصيل اليومية قدرتها على الدهشة
ولذلك فإن النص العظيم لا يحتاج دائمًا إلى حدث استثنائي كي يترك أثرًا استثنائيًا. قد يبدأ من غرفة عادية، أو شارع مألوف، أو إنسان لا يلتفت إليه أحد، ثم يفتح من هذا الهامش نافذة على أسئلة كبرى تتصل بالحب والغياب والكرامة والذاكرة والزمن والمصير
تلك هي قوة التفاصيل الصغيرة: أنها لا تتضخم في النص، وإنما يتسع معناها
فالأدب الكبير لا يصنع عظمته من كثرة الأشياء التي يقولها، بل من قدرته على اكتشاف ما يمكن لشيء صغير أن يقوله عن الإنسان
وحين ينجح الكاتب في ذلك يصبح التفصيل أكثر من تفصيل والمشهد أكثر من مشهد وتتحول الحياة اليومية بكل تفاصيلها إلى مادة قابلة لأن تُقرأ مرة أخرى
وربما كان أجمل ما يفعله الأدب أنه يعيد إلينا الأشياء التي اعتدناها بعيون لم نكن نعرف أننا نملكها!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى