ولد لقاء مكي في السابع والعشرين من تشرين الثاني عام 1961 في العراق، في مرحلة كانت البلاد والمنطقة تعيشان مخاضات سياسية وفكرية متلاحقة.
كانت تلك السنوات حبلى بالتحولات الكبرى، وكانت الأجيال التي نشأت خلالها تجد نفسها مبكراً أمام أسئلة السلطة والدولة والهوية والانتماء.
وفي هذا المناخ تشكل وعيه الأول، وبدأت تتبلور اهتماماته الفكرية التي سترافقه طوال حياته.
لم يكن الإعلام بالنسبة إليه مجرد مهنة أو وسيلة للظهور العام، بل نافذة لفهم المجتمع وآليات تشكل الرأي العام.
ولذلك اتجه إلى دراسة الإعلام أكاديمياً، مدفوعاً بقناعة مبكرة بأن وسائل الاتصال ليست مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل مؤسسات تصنع الوعي وتؤثر في تشكيل المواقف والاتجاهات.
وقد قاده هذا الاهتمام إلى جامعة بغداد، حيث أكمل دراساته العليا وصولاً إلى نيل درجة الدكتوراه في الإعلام عام 1995، متخصصاً في الاتصال الجماهيري والدراسات الإعلامية.
لكن المسيرة المهنية للقاء مكي لم تبدأ داخل أسوار الجامعة، بل سبقتها تجربة صحفية مبكرة بدأت مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ففي عام 1980 انخرط في العمل الصحفي، متنقلاً بين التحرير والمتابعة الميدانية وكتابة التقارير والتحقيقات.
وكانت الصحافة بالنسبة إليه مدرسة عملية لا تقل أهمية عن الدراسة الأكاديمية. هناك تعلّم كيف يقرأ الخبر، وكيف يكتشف ما وراء الكلمات، وكيف يميز بين الوقائع والسرديات التي تُبنى حولها.
وجاءت سنوات الحرب العراقية الإيرانية لتمنحه تجربة استثنائية أخرى عندما عمل مراسلاً عسكرياً في جبهات القتال.
وفي تلك البيئة القاسية اكتشف وجهاً آخر للإعلام؛ الإعلام بوصفه جزءاً من الصراع، وأداة من أدوات التأثير النفسي والسياسي.
وقد تركت تلك التجربة أثراً عميقاً في تكوينه الفكري، وجعلته أكثر اهتماماً بقضايا الدعاية السياسية والحرب النفسية وصناعة الرأي العام، وهي موضوعات ستصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من اهتماماته البحثية.
في عام 1989 بدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية حين التحق بكلية الإعلام في جامعة بغداد أستاذاً ومحاضراً. ولم تكن الجامعة بالنسبة إليه مكاناً لتلقين المعرفة فحسب، بل فضاءً للحوار وإنتاج الأفكار الجديدة.
وعلى مدى خمسة عشر عاماً قضاها في الجامعة، أسهم في تدريس أجيال من الطلبة الذين توزعوا لاحقاً بين الصحافة والإعلام والبحث الأكاديمي.
وكانت التسعينيات، بما حملته من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية في العراق، مختبراً حقيقياً لكثير من أفكاره.
ففي تلك الفترة اتسعت اهتماماته بقضايا الهوية الوطنية والدولة والمجتمع، وقد نال خلال هذه المرحلة جائزة أفضل صحفي عراقي من نقابة الصحفيين العراقيين، غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في الجوائز بقدر ما تكمن في الخبرة المتراكمة التي اكتسبها من الجمع بين العمل الصحفي والتدريس الجامعي والبحث العلمي.
ومع مطلع الألفية الجديدة، كانت المنطقة العربية تدخل مرحلة جديدة من التحولات الكبرى. وفي عام 2004 انتقل لقاء مكي إلى العمل في شبكة الجزيرة الإعلامية، وهي محطة شكلت منعطفاً مهماً في مسيرته المهنية.
فقد انتقل من الفضاء العراقي المحلي إلى فضاء عربي ودولي أوسع، وأصبح جزءاً من واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيراً في العالم العربي.
في البداية عمل منتجاً في قناة الجزيرة، ثم انتقل إلى موقع الجزيرة نت، حيث شغل منصب المنتج التنفيذي ومساعد مدير التحرير. وهناك أسهم في تطوير المحتوى السياسي والفكري للموقع، مستفيداً من خبرته الأكاديمية والصحفية الطويلة.
لكن العمل الإعلامي لم يكن سوى جانب من حضوره داخل المؤسسة. فسرعان ما اتجه إلى العمل البحثي في مركز الجزيرة للدراسات، ليصبح واحداً من أبرز باحثيه.
وفي هذا الموقع وجد المجال الأوسع للتفرغ للتحليل والدراسة وإنتاج المعرفة.
ومن خلال عشرات الدراسات والأوراق البحثية التي نشرها، قدم قراءات معمقة لقضايا العراق والخليج وإيران والتحولات الإقليمية.
ومن أبرز الموضوعات التي شغلت اهتمامه قضية الهوية الوطنية العراقية. فقد كتب كثيراً عن إشكاليات الدولة والمجتمع والطائفية والانتماء الوطني، محاولاً فهم الأسباب العميقة للأزمات التي مر بها العراق خلال العقود الأخيرة. كما تناول قضايا التحول الديمقراطي والعلاقة بين الدولة والمجتمع ومستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
وإلى جانب نشاطه البحثي، حافظ على حضوره الإعلامي المستمر محللاً سياسياً في قناة الجزيرة. وقد عرفه المشاهد العربي من خلال مداخلاته المنتظمة التي اتسمت بالهدوء والابتعاد عن الخطاب الانفعالي.
فهو ينتمي إلى مدرسة ترى أن مهمة المحلل ليست إصدار الأحكام، بل تقديم الفهم والتفسير وفتح آفاق جديدة للنقاش.
والمفارقة أن حضوره في المشهد الإعلامي العربي لم يكن بمنأى عن الجدل والنقاش. فكما حظيت تحليلاته السياسية بمتابعة واسعة، واجهت في المقابل انتقادات من أطراف مختلفة.
إذ يرى بعض منتقديه أن بعض مواقفه وتحليلاته تنطوي على قدر من الانحياز الطائفي والسياسي، وهو ما يعدّونه متعارضاً مع الدور التقليدي للمحلل السياسي الذي يُفترض أن يقترب من الحياد والموضوعية.
وقد تصاعد هذا الجدل بصورة خاصة خلال مواقفه من بعض الأزمات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما في سياق المواجهة الأمريكية – الإيرانية، حيث اتهمه بعض المتابعين بالميل إلى قراءات تُفسَّر على أنها أقرب إلى الرؤية الأمريكية أو الإسرائيلية منها إلى مواقف قوى إقليمية أخرى.
وفي المقابل، يدافع عنه مؤيدوه بوصفه محللاً سياسياً يقدم قراءاته انطلاقاً من رؤيته الخاصة للوقائع والتوازنات السياسية، ويرون أن الاختلاف معه لا يعني بالضرورة انتفاء الموضوعية عن تحليلاته.
كما يشيرون إلى أن الجدل الذي يرافق مواقفه يعكس طبيعة الاستقطاب الحاد الذي تعيشه المنطقة أكثر مما يعكس بالضرورة خللاً في منهجه التحليلي.
ومن القضايا التي أثارت نقاشاً حوله أيضاً زيارته إلى بغداد ضمن وفد إعلامي ولقاؤه برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إذ رأى بعض المنتقدين في ذلك تناقضاً مع مواقفه النقدية المتكررة تجاه أداء الطبقة السياسية ومسار العملية السياسية في العراق. كما استغرب كثيرون من أنصار السلطة دعوته للمشاركة في تلك الزيارة، وطالبوا بإجراء تحقيقٍ سريع بشأنها.
ومن بين مؤلفاته المعروفة كتاب «الصحافة الإلكترونية: دراسة في الأسس وآفاق المستقبل»، الذي جاء في مرحلة كانت الصحافة الرقمية لا تزال في بداياتها عربياً، إضافة إلى عدد من الدراسات التي تناولت قضايا العراق والتحولات السياسية في المنطقة.
وإذا كان كثير من الإعلاميين يكتفون بمواكبة الحدث، فإن مكي اختار طريقاً أكثر صعوبة، هو طريق تفسير الحدث وفهم خلفياته.
ولهذا ارتبط اسمه على الدوام بالتحليل السياسي الرصين والقراءة الهادئة للأزمات. فهو لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يبحث عن المعنى، ولا يكتفي بوصف ما يحدث، بل يحاول الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: لماذا يحدث ما يحدث؟
إن تجربته تمثل جانباً مهماً من تجربة المثقف العراقي المعاصر الذي عاش تحولات بلاده والمنطقة من الداخل، وشارك في قراءتها وتحليلها وتوثيقها.
وهي تجربة تكشف كيف يمكن للإعلام أن يتحول من مهنة إلى مشروع فكري، وكيف يمكن للصحفي أن يصبح باحثاً، وللباحث أن يبقى قريباً من نبض الواقع.
عرفتُ لقاء في قسم الإعلام بجامعة بغداد عندما تولّيتُ تدريسه في مرحلة الماجستير لبضعة أشهر قبل سفري خارج العراق. وقد وجدته طالباً مجتهداً ومثابراً، يتمتع بقدرٍ كبير من الجدية والحرص على التحصيل العلمي، فضلاً عن صراحته الواضحة في التعبير عن آرائه.
ومع مرور السنوات أثبت حضوره أستاذاً ناجحاً وباحثاً متميزاً في مجاله. وربما بدا في بعض الأحيان ميالاً إلى شيءٍ من النرجسية، غير أن ذلك كان أقرب إلى الثقة العالية بالنفس والإيمان بقدراته الفكرية والمهنية منه إلى أي معنى آخر.
وأذكر أنه كان يردد دائماً، بشيء من الدعابة والاقتناع في آن واحد، أن خريجي علم الاجتماع يتفوقون على كثير من خريجي الإعلام في كتابة البحوث العلمية؛ لأنهم يمتلكون أدوات المنهج العلمي بصورة أكثر رسوخاً، ويجيدون التعامل مع أساليب البحث والتحليل الاجتماعي.
وربما كان في هذا الرأي ما يعكس اهتمامه المبكر بالمنهجية العلمية وحرصه على أن يكون الإعلام قائماً على البحث والتحليل، لا على الانطباعات والآراء المجردة فقط.
واليوم، بعد أكثر من أربعين عاماً من العمل المتواصل في الصحافة والإعلام والبحث الأكاديمي، ما يزال لقاء مكي حاضراً في المشهد الفكري العربي، يكتب ويحلل ويشارك في النقاشات الكبرى التي تشغل المنطقة.
وليس حضوره هذا نتيجة منصب أو موقع وظيفي، بل نتيجة مسيرة طويلة من الاجتهاد والمعرفة والالتزام بقيمة الفكر في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه الحقائق كل يوم.
هكذا تبدو سيرته: رحلة ممتدة من قاعات الجامعة إلى استوديوهات التلفزيون، ومن صفحات الصحف إلى مراكز الدراسات، ومن الخبر العاجل إلى القراءة العميقة للتاريخ. رحلة تؤكد أن المعرفة، حين تقترن بالخبرة والتأمل، تستطيع أن تصنع أثراً أبقى من ضجيج اللحظة العابرة.
------------------
كانت تلك السنوات حبلى بالتحولات الكبرى، وكانت الأجيال التي نشأت خلالها تجد نفسها مبكراً أمام أسئلة السلطة والدولة والهوية والانتماء.
وفي هذا المناخ تشكل وعيه الأول، وبدأت تتبلور اهتماماته الفكرية التي سترافقه طوال حياته.
لم يكن الإعلام بالنسبة إليه مجرد مهنة أو وسيلة للظهور العام، بل نافذة لفهم المجتمع وآليات تشكل الرأي العام.
ولذلك اتجه إلى دراسة الإعلام أكاديمياً، مدفوعاً بقناعة مبكرة بأن وسائل الاتصال ليست مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل مؤسسات تصنع الوعي وتؤثر في تشكيل المواقف والاتجاهات.
وقد قاده هذا الاهتمام إلى جامعة بغداد، حيث أكمل دراساته العليا وصولاً إلى نيل درجة الدكتوراه في الإعلام عام 1995، متخصصاً في الاتصال الجماهيري والدراسات الإعلامية.
لكن المسيرة المهنية للقاء مكي لم تبدأ داخل أسوار الجامعة، بل سبقتها تجربة صحفية مبكرة بدأت مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ففي عام 1980 انخرط في العمل الصحفي، متنقلاً بين التحرير والمتابعة الميدانية وكتابة التقارير والتحقيقات.
وكانت الصحافة بالنسبة إليه مدرسة عملية لا تقل أهمية عن الدراسة الأكاديمية. هناك تعلّم كيف يقرأ الخبر، وكيف يكتشف ما وراء الكلمات، وكيف يميز بين الوقائع والسرديات التي تُبنى حولها.
وجاءت سنوات الحرب العراقية الإيرانية لتمنحه تجربة استثنائية أخرى عندما عمل مراسلاً عسكرياً في جبهات القتال.
وفي تلك البيئة القاسية اكتشف وجهاً آخر للإعلام؛ الإعلام بوصفه جزءاً من الصراع، وأداة من أدوات التأثير النفسي والسياسي.
وقد تركت تلك التجربة أثراً عميقاً في تكوينه الفكري، وجعلته أكثر اهتماماً بقضايا الدعاية السياسية والحرب النفسية وصناعة الرأي العام، وهي موضوعات ستصبح لاحقاً جزءاً أساسياً من اهتماماته البحثية.
في عام 1989 بدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية حين التحق بكلية الإعلام في جامعة بغداد أستاذاً ومحاضراً. ولم تكن الجامعة بالنسبة إليه مكاناً لتلقين المعرفة فحسب، بل فضاءً للحوار وإنتاج الأفكار الجديدة.
وعلى مدى خمسة عشر عاماً قضاها في الجامعة، أسهم في تدريس أجيال من الطلبة الذين توزعوا لاحقاً بين الصحافة والإعلام والبحث الأكاديمي.
وكانت التسعينيات، بما حملته من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية في العراق، مختبراً حقيقياً لكثير من أفكاره.
ففي تلك الفترة اتسعت اهتماماته بقضايا الهوية الوطنية والدولة والمجتمع، وقد نال خلال هذه المرحلة جائزة أفضل صحفي عراقي من نقابة الصحفيين العراقيين، غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في الجوائز بقدر ما تكمن في الخبرة المتراكمة التي اكتسبها من الجمع بين العمل الصحفي والتدريس الجامعي والبحث العلمي.
ومع مطلع الألفية الجديدة، كانت المنطقة العربية تدخل مرحلة جديدة من التحولات الكبرى. وفي عام 2004 انتقل لقاء مكي إلى العمل في شبكة الجزيرة الإعلامية، وهي محطة شكلت منعطفاً مهماً في مسيرته المهنية.
فقد انتقل من الفضاء العراقي المحلي إلى فضاء عربي ودولي أوسع، وأصبح جزءاً من واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيراً في العالم العربي.
في البداية عمل منتجاً في قناة الجزيرة، ثم انتقل إلى موقع الجزيرة نت، حيث شغل منصب المنتج التنفيذي ومساعد مدير التحرير. وهناك أسهم في تطوير المحتوى السياسي والفكري للموقع، مستفيداً من خبرته الأكاديمية والصحفية الطويلة.
لكن العمل الإعلامي لم يكن سوى جانب من حضوره داخل المؤسسة. فسرعان ما اتجه إلى العمل البحثي في مركز الجزيرة للدراسات، ليصبح واحداً من أبرز باحثيه.
وفي هذا الموقع وجد المجال الأوسع للتفرغ للتحليل والدراسة وإنتاج المعرفة.
ومن خلال عشرات الدراسات والأوراق البحثية التي نشرها، قدم قراءات معمقة لقضايا العراق والخليج وإيران والتحولات الإقليمية.
ومن أبرز الموضوعات التي شغلت اهتمامه قضية الهوية الوطنية العراقية. فقد كتب كثيراً عن إشكاليات الدولة والمجتمع والطائفية والانتماء الوطني، محاولاً فهم الأسباب العميقة للأزمات التي مر بها العراق خلال العقود الأخيرة. كما تناول قضايا التحول الديمقراطي والعلاقة بين الدولة والمجتمع ومستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
وإلى جانب نشاطه البحثي، حافظ على حضوره الإعلامي المستمر محللاً سياسياً في قناة الجزيرة. وقد عرفه المشاهد العربي من خلال مداخلاته المنتظمة التي اتسمت بالهدوء والابتعاد عن الخطاب الانفعالي.
فهو ينتمي إلى مدرسة ترى أن مهمة المحلل ليست إصدار الأحكام، بل تقديم الفهم والتفسير وفتح آفاق جديدة للنقاش.
والمفارقة أن حضوره في المشهد الإعلامي العربي لم يكن بمنأى عن الجدل والنقاش. فكما حظيت تحليلاته السياسية بمتابعة واسعة، واجهت في المقابل انتقادات من أطراف مختلفة.
إذ يرى بعض منتقديه أن بعض مواقفه وتحليلاته تنطوي على قدر من الانحياز الطائفي والسياسي، وهو ما يعدّونه متعارضاً مع الدور التقليدي للمحلل السياسي الذي يُفترض أن يقترب من الحياد والموضوعية.
وقد تصاعد هذا الجدل بصورة خاصة خلال مواقفه من بعض الأزمات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما في سياق المواجهة الأمريكية – الإيرانية، حيث اتهمه بعض المتابعين بالميل إلى قراءات تُفسَّر على أنها أقرب إلى الرؤية الأمريكية أو الإسرائيلية منها إلى مواقف قوى إقليمية أخرى.
وفي المقابل، يدافع عنه مؤيدوه بوصفه محللاً سياسياً يقدم قراءاته انطلاقاً من رؤيته الخاصة للوقائع والتوازنات السياسية، ويرون أن الاختلاف معه لا يعني بالضرورة انتفاء الموضوعية عن تحليلاته.
كما يشيرون إلى أن الجدل الذي يرافق مواقفه يعكس طبيعة الاستقطاب الحاد الذي تعيشه المنطقة أكثر مما يعكس بالضرورة خللاً في منهجه التحليلي.
ومن القضايا التي أثارت نقاشاً حوله أيضاً زيارته إلى بغداد ضمن وفد إعلامي ولقاؤه برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إذ رأى بعض المنتقدين في ذلك تناقضاً مع مواقفه النقدية المتكررة تجاه أداء الطبقة السياسية ومسار العملية السياسية في العراق. كما استغرب كثيرون من أنصار السلطة دعوته للمشاركة في تلك الزيارة، وطالبوا بإجراء تحقيقٍ سريع بشأنها.
ومن بين مؤلفاته المعروفة كتاب «الصحافة الإلكترونية: دراسة في الأسس وآفاق المستقبل»، الذي جاء في مرحلة كانت الصحافة الرقمية لا تزال في بداياتها عربياً، إضافة إلى عدد من الدراسات التي تناولت قضايا العراق والتحولات السياسية في المنطقة.
وإذا كان كثير من الإعلاميين يكتفون بمواكبة الحدث، فإن مكي اختار طريقاً أكثر صعوبة، هو طريق تفسير الحدث وفهم خلفياته.
ولهذا ارتبط اسمه على الدوام بالتحليل السياسي الرصين والقراءة الهادئة للأزمات. فهو لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يبحث عن المعنى، ولا يكتفي بوصف ما يحدث، بل يحاول الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: لماذا يحدث ما يحدث؟
إن تجربته تمثل جانباً مهماً من تجربة المثقف العراقي المعاصر الذي عاش تحولات بلاده والمنطقة من الداخل، وشارك في قراءتها وتحليلها وتوثيقها.
وهي تجربة تكشف كيف يمكن للإعلام أن يتحول من مهنة إلى مشروع فكري، وكيف يمكن للصحفي أن يصبح باحثاً، وللباحث أن يبقى قريباً من نبض الواقع.
عرفتُ لقاء في قسم الإعلام بجامعة بغداد عندما تولّيتُ تدريسه في مرحلة الماجستير لبضعة أشهر قبل سفري خارج العراق. وقد وجدته طالباً مجتهداً ومثابراً، يتمتع بقدرٍ كبير من الجدية والحرص على التحصيل العلمي، فضلاً عن صراحته الواضحة في التعبير عن آرائه.
ومع مرور السنوات أثبت حضوره أستاذاً ناجحاً وباحثاً متميزاً في مجاله. وربما بدا في بعض الأحيان ميالاً إلى شيءٍ من النرجسية، غير أن ذلك كان أقرب إلى الثقة العالية بالنفس والإيمان بقدراته الفكرية والمهنية منه إلى أي معنى آخر.
وأذكر أنه كان يردد دائماً، بشيء من الدعابة والاقتناع في آن واحد، أن خريجي علم الاجتماع يتفوقون على كثير من خريجي الإعلام في كتابة البحوث العلمية؛ لأنهم يمتلكون أدوات المنهج العلمي بصورة أكثر رسوخاً، ويجيدون التعامل مع أساليب البحث والتحليل الاجتماعي.
وربما كان في هذا الرأي ما يعكس اهتمامه المبكر بالمنهجية العلمية وحرصه على أن يكون الإعلام قائماً على البحث والتحليل، لا على الانطباعات والآراء المجردة فقط.
واليوم، بعد أكثر من أربعين عاماً من العمل المتواصل في الصحافة والإعلام والبحث الأكاديمي، ما يزال لقاء مكي حاضراً في المشهد الفكري العربي، يكتب ويحلل ويشارك في النقاشات الكبرى التي تشغل المنطقة.
وليس حضوره هذا نتيجة منصب أو موقع وظيفي، بل نتيجة مسيرة طويلة من الاجتهاد والمعرفة والالتزام بقيمة الفكر في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه الحقائق كل يوم.
هكذا تبدو سيرته: رحلة ممتدة من قاعات الجامعة إلى استوديوهات التلفزيون، ومن صفحات الصحف إلى مراكز الدراسات، ومن الخبر العاجل إلى القراءة العميقة للتاريخ. رحلة تؤكد أن المعرفة، حين تقترن بالخبرة والتأمل، تستطيع أن تصنع أثراً أبقى من ضجيج اللحظة العابرة.
------------------