يأتي نص "تراتيل" للشاعر مصطفى عبدالملك الصميدي بوصفه نشيداً شعرياً يتجاوز وصف المطر إلى بناء رؤية وجودية، تجعل من الغيث استعارةً للحياة، ومن الجدب صورةً لكل انطفاء روحي أو إنساني. إنه نص يشتغل على ثنائية الموت والانبعاث، لكنه يفعل ذلك بلغة شفافة، وإيقاع داخلي هادئ، وصور تتنامى في نسق عضوي متماسك.
يفتتح الشاعر نصه بصورة شديدة الكثافة: "وتمدّ وجهاً يابس القسمات للريح التي أفنت براعم بدئها"، حيث تتجسد الأرض أو الذات في هيئة كائن أنهكته الرياح حتى صار وجهه يابساً، فاقداً لنداوة البداية. ثم يبلغ التشبيه ذروته في قوله: "فكأنها صدئ الحديد"؛ وهي صورة غير مألوفة، تجمع بين الجماد والزمن، لتوحي بأن الجفاف ليس عارضاً، بل تراكم طويل من الإهمال والانكسار.
غير أن النص لا يستسلم لهذا المشهد القاتم، بل يفتح نافذة الرجاء عبر ومضة البرق: "لكن برقاً في تخوم الأفق لاح"، وهي ليست ومضة ضوء فحسب، وإنما إعلان شعري عن إمكان الخلاص. ومن هنا تبدأ حركة النص من السكون إلى الفعل، ومن اليباس إلى الاخضرار، ومن الواقع إلى الخيال الخصب. فالبرق يعيد إلى "خيال الجدب" أيكاتٍ وأفناناً متشابكة، وكأن الخيال نفسه يصبح قادراً على مقاومة الخراب قبل أن يتحقق المطر فعلياً.
ويبلغ التصوير الشعري درجة عالية من الرهافة في قوله: "الغيم يعرش فوقها عشاً يطرزه الرذاذ لطائر يشدو تراتيل البداية من جديد." فهنا تتداخل عناصر الطبيعة في مشهد واحد: الغيم، والعش، والرذاذ، والطائر، والإنشاد. إنها لوحة تنبض بالحياة، حيث يصبح المطر مهندساً للجمال، والطائر مؤذناً بميلاد جديد. وليس عبثاً أن يختار الشاعر كلمة "تراتيل" عنواناً للنص؛ فالتراتيل في جوهرها فعل إيمان وتجدد، وليست مجرد غناء.
أما النداء: "يا نفحة الأمطار دومي..." فيحمل بعداً دعائياً وتأملياً معاً، إذ تتحول الأمطار إلى مخاطَب حي، يستحق الرجاء والابتهال. ويأتي قوله: "إن هذه الأرض – بعد الله – ليس لها سواك"، ليمنح المطر بعداً رمزياً يتجاوز الطبيعة، فيصبح عنواناً للرحمة الإلهية، وشرطاً لاستمرار الحياة. وهذه العبارة، بما تحمله من توقير للمشيئة الإلهية، تمنح النص عمقاً روحياً ينسجم مع عنوانه.
وفي المقطع الأخير يبلغ النص ذروة شفافيته: "حتى إذا ما غاب يومي دون غيث، فامكثي..." إذ ينتقل الخطاب من الأرض إلى الذات، ومن العام إلى الخاص، فيلوح شعور خافت بفناء الإنسان، يقابله إيمان بأن دورة الحياة لن تتوقف. فإذا غاب الشاعر، فلتبقَ الأمطار، لأن الصباح سيعود يوماً، وستنبت الجنات من شذى المطر. إنها خاتمة تنحاز إلى الاستمرار، وتنتصر للحياة على الغياب.
من الناحية الفنية، يمتاز النص بما يلي:
وحدة عضوية متماسكة، تتدرج من الجدب إلى الخصب دون انقطاع.
صور شعرية مبتكرة، بعيدة عن المباشرة، تقوم على التشخيص والتراسل بين عناصر الطبيعة.
لغة رفيعة تجمع بين الفصاحة والعذوبة، دون تكلف أو غموض مفتعل.
إيقاع داخلي هادئ، تصنعه الموسيقى الخفية لتكرار الأصوات والأفعال والنداءات أكثر مما تصنعه البحور التقليدية.
كثافة رمزية تجعل المطر معادلاً موضوعياً للأمل، والبرق بشارة، والطائر صوت الحياة المتجددة.
وفي المجمل، يقدّم مصطفى عبدالملك الصميدي نصاً يزاوج بين الشعر والتأمل، ويحوّل الطبيعة إلى لغةٍ للروح. فلا يكتب عن المطر بوصفه ظاهرة مناخية، وإنما بوصفه وعداً إلهياً دائماً بانبعاث الحياة بعد كل جدب، ولذلك يغدو النص ترنيمة للأمل، وإيماناً عميقاً بأن اليباس ليس نهاية الحكاية، وأن البرق، مهما بدا بعيداً، يحمل في أحشائه مطراً قادراً على إعادة العالم إلى اخضراره الأول.
قراءة الدكتور الليبي الناقد/ محمد مهنا
تراتيل
وتمدّ وجهاً يابسَ القسماتِ
للريحِ التي أَفنَتْ
براعمَ بِدئها
فكأنها صَدِئُ الحديد
لكنَّ برقاً
في تخوم الأُفق لاحَ
لكي يعيد إلى خيال الجَدب أيْكاتٍ
ترى أفنَانَها المُتواشِجات
هناك تسْرح في البعيد
الغيم يعرش فوقها
عُشَّاً يطرِّزهُ الرُّذاذُ لِطائرٍ
يشدو تراتيل البداية من جديد
يا نفحة الأمطار دومِي
إنَّ هذي الأرض - بعد الله -
ليس لها سواك
أَوَتعلَمِينَ بأنّ ما دُونِي هواءٌ
أخضرُ النَّسماتِ
قبل المُزن طِيباً
من مداك؟
حتى إذا ما غاب يومي
دون غيثٍ،
فامكُثِي
عَلَّ الصباح يعود جنّاتٍ
نمتْ أكمامُها
من مُزْجِياتِ شَذَاك
مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن
يفتتح الشاعر نصه بصورة شديدة الكثافة: "وتمدّ وجهاً يابس القسمات للريح التي أفنت براعم بدئها"، حيث تتجسد الأرض أو الذات في هيئة كائن أنهكته الرياح حتى صار وجهه يابساً، فاقداً لنداوة البداية. ثم يبلغ التشبيه ذروته في قوله: "فكأنها صدئ الحديد"؛ وهي صورة غير مألوفة، تجمع بين الجماد والزمن، لتوحي بأن الجفاف ليس عارضاً، بل تراكم طويل من الإهمال والانكسار.
غير أن النص لا يستسلم لهذا المشهد القاتم، بل يفتح نافذة الرجاء عبر ومضة البرق: "لكن برقاً في تخوم الأفق لاح"، وهي ليست ومضة ضوء فحسب، وإنما إعلان شعري عن إمكان الخلاص. ومن هنا تبدأ حركة النص من السكون إلى الفعل، ومن اليباس إلى الاخضرار، ومن الواقع إلى الخيال الخصب. فالبرق يعيد إلى "خيال الجدب" أيكاتٍ وأفناناً متشابكة، وكأن الخيال نفسه يصبح قادراً على مقاومة الخراب قبل أن يتحقق المطر فعلياً.
ويبلغ التصوير الشعري درجة عالية من الرهافة في قوله: "الغيم يعرش فوقها عشاً يطرزه الرذاذ لطائر يشدو تراتيل البداية من جديد." فهنا تتداخل عناصر الطبيعة في مشهد واحد: الغيم، والعش، والرذاذ، والطائر، والإنشاد. إنها لوحة تنبض بالحياة، حيث يصبح المطر مهندساً للجمال، والطائر مؤذناً بميلاد جديد. وليس عبثاً أن يختار الشاعر كلمة "تراتيل" عنواناً للنص؛ فالتراتيل في جوهرها فعل إيمان وتجدد، وليست مجرد غناء.
أما النداء: "يا نفحة الأمطار دومي..." فيحمل بعداً دعائياً وتأملياً معاً، إذ تتحول الأمطار إلى مخاطَب حي، يستحق الرجاء والابتهال. ويأتي قوله: "إن هذه الأرض – بعد الله – ليس لها سواك"، ليمنح المطر بعداً رمزياً يتجاوز الطبيعة، فيصبح عنواناً للرحمة الإلهية، وشرطاً لاستمرار الحياة. وهذه العبارة، بما تحمله من توقير للمشيئة الإلهية، تمنح النص عمقاً روحياً ينسجم مع عنوانه.
وفي المقطع الأخير يبلغ النص ذروة شفافيته: "حتى إذا ما غاب يومي دون غيث، فامكثي..." إذ ينتقل الخطاب من الأرض إلى الذات، ومن العام إلى الخاص، فيلوح شعور خافت بفناء الإنسان، يقابله إيمان بأن دورة الحياة لن تتوقف. فإذا غاب الشاعر، فلتبقَ الأمطار، لأن الصباح سيعود يوماً، وستنبت الجنات من شذى المطر. إنها خاتمة تنحاز إلى الاستمرار، وتنتصر للحياة على الغياب.
من الناحية الفنية، يمتاز النص بما يلي:
وحدة عضوية متماسكة، تتدرج من الجدب إلى الخصب دون انقطاع.
صور شعرية مبتكرة، بعيدة عن المباشرة، تقوم على التشخيص والتراسل بين عناصر الطبيعة.
لغة رفيعة تجمع بين الفصاحة والعذوبة، دون تكلف أو غموض مفتعل.
إيقاع داخلي هادئ، تصنعه الموسيقى الخفية لتكرار الأصوات والأفعال والنداءات أكثر مما تصنعه البحور التقليدية.
كثافة رمزية تجعل المطر معادلاً موضوعياً للأمل، والبرق بشارة، والطائر صوت الحياة المتجددة.
وفي المجمل، يقدّم مصطفى عبدالملك الصميدي نصاً يزاوج بين الشعر والتأمل، ويحوّل الطبيعة إلى لغةٍ للروح. فلا يكتب عن المطر بوصفه ظاهرة مناخية، وإنما بوصفه وعداً إلهياً دائماً بانبعاث الحياة بعد كل جدب، ولذلك يغدو النص ترنيمة للأمل، وإيماناً عميقاً بأن اليباس ليس نهاية الحكاية، وأن البرق، مهما بدا بعيداً، يحمل في أحشائه مطراً قادراً على إعادة العالم إلى اخضراره الأول.
قراءة الدكتور الليبي الناقد/ محمد مهنا
تراتيل
وتمدّ وجهاً يابسَ القسماتِ
للريحِ التي أَفنَتْ
براعمَ بِدئها
فكأنها صَدِئُ الحديد
لكنَّ برقاً
في تخوم الأُفق لاحَ
لكي يعيد إلى خيال الجَدب أيْكاتٍ
ترى أفنَانَها المُتواشِجات
هناك تسْرح في البعيد
الغيم يعرش فوقها
عُشَّاً يطرِّزهُ الرُّذاذُ لِطائرٍ
يشدو تراتيل البداية من جديد
يا نفحة الأمطار دومِي
إنَّ هذي الأرض - بعد الله -
ليس لها سواك
أَوَتعلَمِينَ بأنّ ما دُونِي هواءٌ
أخضرُ النَّسماتِ
قبل المُزن طِيباً
من مداك؟
حتى إذا ما غاب يومي
دون غيثٍ،
فامكُثِي
عَلَّ الصباح يعود جنّاتٍ
نمتْ أكمامُها
من مُزْجِياتِ شَذَاك
مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن