ھدى حجاجي أحمد - ظل امرأة في باريس... الجزء الثلاثون

الجزء الثلاثون

لم يكن الصمت الذي جمعهما صمتًا عابرًا، بل كان لغةً كاملة لا تحتاج إلى ترجمان. جلسا متقابلين، وبينهما عمرٌ من الأسئلة المؤجلة، وأعوامٌ طويلة من الشوق الذي تعلّم كيف يعيش في الظل دون أن يموت.

كانت عيناه تقعان على عينيها كما يقع المسافر المتعب على وطنه بعد تيهٍ طويل. لم ينطقا بشيء، لكن شيئًا عظيمًا كان يُقال في تلك اللحظة. كانت النظرات تتعانق في المسافة الفاصلة بينهما، وتستعيد ما سرقته السنوات من دفء البدايات. وكلما غاص في عينيها أكثر، شعر أنه يعود إلى نفسه، إلى ذلك الرجل الذي ضاع منه ذات يوم حين غابت هي عن تفاصيل حياته.

أما هي، فكانت تحدق فيه كما لو أنها تخشى أن يذوب المشهد إذا أغمضت عينيها للحظة. كانت تتأمله بصمتٍ يشبه الصلاة، وتبحث في ملامحه عن ذلك الشاب الذي أحبته يومًا، عن ضحكته القديمة، وعن الأحلام التي جمعتهما قبل أن تعبث بها الحياة وتبعثرها في الجهات كلها.

تساقطت الحواجز بينهما دون جهد. لم تعد هناك حاجة إلى الكلمات، فالكلمات خُلقت للغرباء، أما العاشقان اللذان جمعهما الوجع طويلًا فتتكفل الأرواح عن لسانيهما بما يجب أن يُقال.

وفي تلك اللحظة الغامضة، بدا الزمن وكأنه توقف عن الدوران. لم يعد هناك ماضٍ يؤلمهما، ولا مستقبل يخيفهما، ولا حاضر يطالبهما بشيء. كان هناك فقط ذلك اللقاء الذي انتظراه طويلًا حتى كادا يفقدان الإيمان بحدوثه.

أحسّ أن العالم من حوله يتراجع ببطء، كأن المدينة كلها تنسحب من المشهد لتترك لهما مساحة تكفي قلبين أنهكهما الفراق. اختفت باريس بضجيجها وأضوائها وشوارعها العتيقة، وغاب المارة، وغابت الأصوات، وغاب كل شيء، حتى لم يبقَ سوى نبضين يتجاوبان في صمتٍ مهيب.

كانت روحاهما تسيران نحو بعضهما كما تسير الأنهار إلى البحر. لا مقاومة، لا تردد، لا أسئلة. فقط انجذابٌ عميق تشكّل عبر سنواتٍ من الغياب والانتظار والخسارات الصغيرة التي راكمها الزمن فوق قلبيهما.

وللمرة الأولى منذ أعوام، شعر أن وحدته لم تعد مطلقة. كان يحمل داخله قاراتٍ من الحزن، وصحارى من الصمت، وأرصفةً طويلة من الانتظار. لكنها كلها بدأت تتصدع أمام حضورها. كانت تشبه مطرًا هادئًا يهطل على أرضٍ عطشى منذ زمن بعيد.

أما هي فشعرت أن قلبها، الذي اعتاد الاحتمال حتى ظن الناس أنه لا يتعب، قد وجد أخيرًا المكان الذي يستطيع أن يستريح فيه. لم تكن تنظر إلى رجلٍ أمامها، بل إلى عمرٍ كامل عاد إليها فجأة. إلى الحلم الذي حاولت دفنه مرارًا فعاد ينبت في أكثر الأماكن قسوة.

وحين التقت أرواحهما في تلك المساحة الخفية التي لا تصل إليها الأيدي ولا تدركها الحواس، أحسا أن الحب ليس لقاء جسدين، بل عودة روحٍ إلى نصفها المفقود.

تمنيا لو استطاعا البقاء في تلك اللحظة إلى الأبد. أن يتوقف الزمن عند هذا الحد، وأن تتجمد الدقائق فلا تمضي. تمنيا أن يذوبا في ذلك الصفاء العجيب الذي جعلهما يشعران أن الفراق لم يكن سوى كابوس طويل انتهى أخيرًا.

وكان كل منهما يرى نفسه في الآخر بوضوحٍ لم يعرفه من قبل. كأن السنوات لم تفرقهما، بل كانت تصقلهما ليصلا إلى هذه اللحظة أكثر نضجًا وأكثر فهمًا لمعنى أن يحب الإنسان شخصًا يسكنه إلى هذا الحد.

في تلك اللحظة لم يعودا عاشقين فقط...

كانا ذاكرةً واحدة، وحلمًا واحدًا، وحنينًا واحدًا، وقلبًا واحدًا يحاول أن يتعلم من جديد كيف ينبض بعد عمرٍ كامل من الغياب.
يتبع...

بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي أحمد




1782818522484.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى