عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... عندما تكتب المبيعات سيرة قارئ لا نعرفه..

في نهاية كل شهر، أمارس طقسا أحبه كما لو أنني أقرأ رواية جديدة.
لا أعدُّ الكتب الأكثر مبيعا لأعلن فائزا وخاسرا، ولا لأمنح الميداليات لأصحابها، لكن لأحاول قراءة شيء آخر لا يظهر على أغلفة الكتب، ولا تكتبه دور النشر، ولا يراه إلا بائع الكتب.
هذا الشهر، تصدرت الروايات المشهد؛ من " اللاروب" إلى " زغاريد الموت" ، ومن " الفقيه" إلى " من يكمل وجه الجنرال؟ "، ثم " 1984" و" المعطف " و "الملف 42 "... وعلى الرف المقابل، كانت كتب القانون، والتربية، والتاريخ، والسياسة، والسرديات، تتقدم هي الأخرى بثقة، وكأنها تقول: الفكر أيضا يعرف طريقه إلى القراء.
جلست أتأمل القائمتين طويلا ، وسألت نفسي السؤال الذي يؤرقني كل شهر: ما الخيط الخفي الذي يجمع بين هذه الكتب جميعا؟
هل هو اسم المؤلف؟
لا.
هل هي شهرة الكتاب؟
ليس دائما.
أم هي الجوائز؟
ليس بالضرورة .
ثم خطر لي أن الرابط بين القراء وليس بين الكتب ، فكل كتاب من هذه الكتب هو أثر ليد امتدت نحوه، وعين توقفت عند عنوانه، وقلب شعر أن بين دفتيه جوابا عن سؤال، أو عزاء عن وجع، أو فضولا تجاه عالم مجهول.
الإحصائيات، في ظاهرها، مجرد أرقام ، لكنها في نظر بائع الكتب، حكايات بشرية متنكرة في هيئة قوائم ، لكل رقم فيها هو قارئ عاد إلى بيته وفي يده كتاب ، وكل كتاب غادر المكتبة، ترك مكانه فراغا صغيرا على الرف وامتلأ في المقابل مكان آخر في روح قارئ ؛ لهذا، كلما انتهيت من إعداد قائمة الكتب الأكثر مبيعا، لا أشعر أنني أنهيت جردا للمبيعات، بقدر ما أحس أنني قرأت فصلا جديدا من السيرة الخفية لقراء هذه المدينة سيرة تكتبها الأصابع وهي تمتد نحو كتاب دون غيره.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى