منال ياسين - البقاء لنا... قراءة في بردية اليمامة للشاعر حسني الإتلاتي

أجمل الرثاء ذاك الذي يشبه الصلاة الهامسة، وبعض الأحزان لا تُقال إلا همسًا.
وهكذا جاءت البردية الجديدة: بردية اليمامة.
نصٌّ لا يواجه الفقد بالصراخ، ولا يلوّح بالحزن، بل يتركه يتسرّب في هدوء بين الكلمات، كأن الشاعر يدرك أن الألم الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان. هنا، لا يُقدَّم الموت بوصفه حدثًا فجًّا، بل حضورًا غائبًا، يتشكّل عبر الإيحاء لا التصريح، وعبر المسافة لا المواجهة.
منذ السطر الأول، يضعنا النص أمام ثنائية حادّة وبسيطة في آن واحد:
«كان في رمضان القريب هنا / وهي كانت هناك»
ثنائية تختصر المسافة بين الحياة والموت، بين الحضور والغياب، دون حاجة إلى الشرح. فـ«هنا» لا تشير إلى مكان جغرافي بقدر ما تعبّر عن ثِقَل البقاء، بينما «هناك» ليست بعدًا مكانيًا، بل مقامًا آخر مفتوحًا على الغيب.
ثم يواجهنا النص بحقيقة قاسية وهي موت الفجأة، بلا وداع، فالأحبة يغادرون دون أن نتهيأ، دون أن تُقال الكلمات الأخيرة، دون أن تُمسك اليد يدًا أخرى للمرة الأخيرة. هذا الموت المفاجئ لا يترك مساحة للوداع، ويجعل الغياب أعمق وأثقل… فالحزن هنا مزدوج: حزن على الراحل، وحزن على ما لم يُقَل، وعلى وداع أُجِّل إلى الأبد.
ثم يمضي النص إلى رمز السفينة، الذي لا يمكن قراءته بمعزل عن الذاكرة القرآنية الكامنة خلفه. فالسفينة في بردية اليمامة ليست مجرد خشب يطفو، بل حدّ فاصل بين عالمين: عالم الغرق وعالم النجاة.
فيقول الشاعر:
«السفينة تصطفي الطيبين»
فهو يستحضر روح قصة سفينة نوح في النص القرآني… فالرحيل هنا اختيار للمصطففين، لمن بلغوا درجة النقاء والقدرة على العبور. وجملة «السفينة تعلو الجبال» تعطي هذا الاصطفاء بعدًا أعلى من أي قوانين أرضية… فالأرض وقانون الجاذبية لا يمنعان صعودها، بينما الباقون يبقون «بني الأرض والمثخنين»، مشدودين إلى ثقل حياتهم ووجعهم الإنساني.
وتختتم بردية اليمامة بصدى حزين في العبارة:
«فالبقاء لنا»
هنا يظهر الفرق الجوهري بين المعنيين:
«البقاء لله»… تلك الجملة المألوفة للتعزية والتي تهدف إلى الطمأنينة والمواساة، وتحوّل الفقد إلى بعد روحاني، وتخفف ثقل الحزن على النفس، وتتيح التسليم بالقضاء والقدر.
بينما «البقاء لنا» رمز قاسٍ، يضع الباقين أمام مرآة صامتة للنقص والقصور. فالرحيل للمصطففين ليس فقط خسارة، بل فضح للنقص الداخل وعقاب للبقاء بعد الفقد، لأن الباقون لم يبلغوا درجة الاصطفاء بعد، فالبقاء لهم مرهق، مثقل بالحنين والذكريات، ومختبر للذات الإنسانية.
بهذا يتحوّل الفقد من مجرد حزن على الرحيل إلى تجربة وجودية حقيقية: مواجهة الغياب، إدراك القصور، والعيش تحت وطأة مسؤولية استمرار الحياة رغم الألم، مع كل ثقلها البشري والوجداني.
ويظل الشاعر حسني الإتلاتي رمزًا للقدرة الشعرية الفذة، وخيال متميز، وبلاغة نادرة. فبكلماته ينسج المشاعر والصور بمهارة فائقة، ويحوّل الألم والحنين إلى تأملات شعريّة خالدة، تجعل القارئ يعيش النص قبل أن يقرأه، ويشعر بروح الحزن والجمال معًا. رقة مشاعره وحزنه النبيل وعمق خياله يجعل من كل نص تجربة شعرية فريدة، لا تشبه غيره، ويؤكد مكانته بين كبار الشعراء المبدعين ..ويثبت بجداره أنه بحق ( شاعر الجيل).

received_4469720979962309.jpeg


received_1348762333863654.jpeg






القصيدة
بردية اليمامة
(إلى ابنة عمتي رحمها الله)
كان في رمضان القريبِ هنا
وهْي كانت هناك
وردة من زمان قديمْ
وردة ذبلت فجأةً
و الذبول قدر
كيف لا تنذر العاشقين لها بالسقوط ...
ورقات الشجر
ولمَاذا الأحبّة
إذْ يرحلونَ
لا يعلنونَ الغيابَ قُبيل الغياب
فوق رمل الظهيرة قد سقطت قطرة من مطرْ
........
كان في رمضان القريبِ هنا
وهْي كانت هناكْ
وكانت يدي ابتدأت بالسلامْ
وكان اليمامْ
كعادته وارفا
وشبّاك بسمتها فاتح
فاسترحت دقيقةْ
كما يستريح غريب الحَمَام
ابتسمتُ لها وهْي لي ابتسْمتْ
والحقيقةْ
ما كان هذا ابتسامْ
لم يكن غير تلويحة للفراقْ
والسفينة عادتها من قديم الجراحْ
تصطفي الطيبين
السفينة تعلو الجبال
صاعدة
هكذا
هكذا
للسماء
ونحن بني الأرض والمثخنين
قشة
في
الرياحْ
كان في رمضان القريب هنا
وهْي كانت هناكْ
وردة من شذى وابتسامةْ
لم تلوح لنا بالسلامةْ
لم ألوح لها بالسلامةْ
والسفينة لا تحمل السيئينْ
فالبقاء لنا
البقاء لنا
ديوان برديات جديدة للفلاح الفصيح 2024
ـــــــــــــــــــــــ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى