كرة القدم توفيق بوعشرين - من الدوحة الى هيوستن الحلم يكبر

في كل مرة يخرج فيها المنتخب المغربي إلى الملعب، لا يلعب أحد عشر لاعباً فقط، بل ينزل إلى الميدان أكثر من أربعين مليون مغربي، وملايين العرب والمسلمين، وكل من وجد في هذه القصة الرياضية معنى للأمل والإصرار وكسر المستحيل.

ليلة الانتصار على كندا لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت درساً في الصبر، واختباراً في الشخصية، ورسالة جديدة تقول إن ما صنعه المغرب في مونديال قطر لم يكن صدفة عابرة، وإنما بداية مشروع كروي حقيقي، يعرف كيف ينتصر حتى عندما لا يقدم أفضل مستوياته في الشوط الاول .

نصر صعب… ومعركة لن تُنسى

كان المرور إلى الطور المقبل لمواجهة فرنسا أصعب بكثير مما توقع كثيرون.

منتخب كندا، أحد منظمي كأس العالم، لعب المباراة كأنها نهائي مبكر، ونجح طوال 45 دقيقة في الضغط على الأعصاب، وفرض إيقاعاً سريعاً، وخلق كثيراً من المتاعب لأسود الأطلس.

ولم يكن الطريق مفروشاً بالورود.

أربع بطاقات صفراء في الشوط الأول.

وخروج هداف المنتخب مبكراً بسبب الإصابة.

وشوط أول لم يكن في مستوى طموحات المغاربة.

لكن الفرق الكبيرة لا تُقاس بجمال أدائها فقط، بل بقدرتها على النجاة في الأوقات الصعبة.

وهذا بالضبط ما فعله المنتخب المغربي.

فرحة تهز المغاربة… والعرب… والمسلمين في الاركان الاربعة للعالم

ما إن أطلق الحكم صافرة النهاية حتى تحولت شوارع المغرب، وعواصم اوروبية وامريكية واسيوية وعربية كثيرة، إلى ساحات احتفال.

هذه الفرحة لم تكن مجرد احتفال بهدف أو تأهل منتخب الى اطوار متقدمة .

لقد كانت احتفالاً باستمرار الحلم.

احتفالاً بمنتخب أصبح يمثل أملاً لشعوب كاملة تبحث عن قصة نجاح في زمن تكثر فيه الإخفاقات.

إنه انتصار بونو… قبل أن يكون انتصار اوناحي ورحيمي

سيكتب التاريخ أن صاحبي للاهداف الثلاث للعبور هما أوناحيي وريحيمي وكلاهما منتوج تدريب وتكوين مغربي خالص اوناحي تلك النحلة التي لا تتوقف عن الركض وصناعة الفارق.

لكن الحقيقة أن هذا الانتصار بدأ من بين القائمين.

بدأ من ياسين بونو.
الحارس الذي أغلق الأبواب في أصعب لحظات المباراة، وحافظ على توازن الفريق عندما كان اليأس يتسلل إلى المدرجات وإلى ملايين الشاشات.

هناك مباريات يسجلها المهاجمون.
وهناك مباريات يصنعها الحراس.
وهذه واحدة منها.

أما أوناحي، فقد فعل ما يفعله اللاعبون الكبار: بدد اليأس، وزرع مخزوناً جديداً من الأمل في نفوس المغاربة.

قبل سنوات، كان مجرد الحديث عن بلوغ نصف نهائي كأس العالم يبدو نوعاً من الخيال.
اليوم تغير كل شيء.

أصبح الوصول إلى الأدوار المتقدمة هدفاً مشروعاً.
بل إن المغاربة بدأوا يشعرون بأن المربع الذهبي يجب أن يتحول إلى عادة، لا إلى استثناء.

وهذه هي العلامة الفارقة بين المنتخبات الكبيرة وغيرها.
الرد على المشككين… صنع في المغرب
هذا التأهل يصادق مرة أخرى على إنجاز مونديال قطر.

لقد سقطت نهائياً رواية الصدفة.

ما نراه اليوم هو ثمرة مشروع كروي، ومدارس تكوين، وجمهور استثنائي، وشخصية جماعية، وإدارة تعرف ماذا تريد.

حتى هدف الانتصار يحمل رسالة رمزية.
إنه إنتاج مغربي خالص.
ورسالة لكل من يشكك في عبارة “صنع في المغرب”.
عندما تنتصر وأنت في أسوأ ظروفك
هناك معيار بسيط لمعرفة الفرق الكبيرة.

ليس عندما تقدم أجمل كرة.
بل عندما تنتصر وأنت بعيد عن أفضل مستوياتك.
أن تلعب شوطاً أول متواضعاً.
أن تتحصل على أربع بطاقات صفراء.
أن تواجه منتخب البلد المنظم.

ثم تخرج منتصراً…
فهذا يعني أنك تمتلك شخصية البطل.
ويعني أنك تعرف كيف تمتص الصدمات، وتصبر، وتقاتل، ثم تضرب في اللحظة المناسبة.
فرنسا… موعد جديد مع التاريخ

والآن…
موعد مع الديوك الزرقاء.

مباراة تحمل كل العناوين.

الثأر الرياضي من نصف نهائي مونديال قطر.

ومواصلة الحلم.

وإثبات أن المغرب لم يعد ضيفاً مفاجئاً في المواعيد الكبرى.

في هذه الأدوار لا توجد منتخبات صغيرة وأخرى كبيرة.

هناك فقط منتخبات تعرف كيف تتحمل ضغط اللحظة.

كرة القدم… أكثر من لعبة

أعود وأكرر ما قلته مراراً:

كرة القدم ليست مجرد لعبة.

إنها معركة بلا رصاص.

وأحد أهم أسلحة القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين.
ولهذا السبب تستثمر الدول مليارات الدولارات في الرياضة.
فهي تصنع الصورة.
وتجذب الاستثمار.
وتفتح الأسواق.
وتحسن السمعة الدولية.

واليوم أصبح اسم المغرب على كل لسان، وفي كل محرك بحث، وعلى كل منصة للتواصل الاجتماعي.

وهذا يعني أن بلادنا أصبحت تحت المجهر العالمي.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة.

فالانتصار الرياضي ينبغي أن يتحول إلى رافعة اقتصادية، وسياحية، واستثمارية، وثقافية، ودبلوماسية.

فالنجاحات الكبرى لا تُقاس بعدد الالقاب والمراتب فقط، بل بما تتركه من أثر في الاقتصاد، وفي صورة الوطن، وفي ثقة المواطنين بأنفسهم.

إلى مباراة جديدة… وإلى حلم يكبر يوماً بعد يوم.

وأنتم دائماً… الأفضل

للاطلاع على برنامج بودكاست كلام في السياسة الرابط في اول تعليق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى