كرة القدم يخيى بركات - المونديال الذي لعبت فيه فلسطين... دون أن تشارك

كيف انتقلت فلسطين من قضية تطلب التضامن... إلى مرآة يقيس العالم بها ضميره؟
إلى الذين ظنوا أن فلسطين يمكن أن تُمنع من دخول الملاعب... فاكتشفوا أنها كانت تجلس في المدرجات قبل صافرة البداية.
لم تبدأ الحكاية عندما أطلق الحكم صافرة البداية.
بدأت عندما خانت الكاميرا مهمتها.
كانت تبحث عن الكرة...
لكنها كانت تعود، مرة بعد أخرى، إلى علم فلسطيني يرفرف بين آلاف الأعلام.
ثم إلى علم ثانٍ...
ثم ثالث...
حتى بدا وكأن البطولة كلها تخفي مباراة أخرى، لا تُلعب على العشب، بل في ضمير العالم.
في البداية ظننتها مصادفة.
لكن المباريات كانت تتوالى... وكان الحضور الفلسطيني يتكرر.
في ملعب بأمريكا.
ثم في كندا.
ثم في المكسيك.
ثم خرج من المدرجات...
إلى يد طفل.
ثم إلى كتف شابة.
ثم إلى صورة جماعية لم يكن يجمع أصحابها سوى شيء واحد...
أن فلسطين أصبحت حاضرة بينهم.
عندها فقط أدركت أنني لا أتابع بطولة لكرة القدم.
كنت أتابع شيئًا آخر.
كنت أتابع العالم... وهو يغيّر مكان وقوفه.
في غزة، حيث لا يزال الناس بين الخيام والركام، خرجوا يحتفلون بفوز مصر. لم يكن احتفالاً هروبًا من المأساة، بل انتصارًا صغيرًا للحياة على الموت. وفي القاهرة، رد حسام حسن برفع علم فلسطين، قائلاً: "قلبي وروحي مع الشعب الفلسطيني." ثم جاء أبو تريكة بجملة واحدة: "هوانا فلسطيني." كانت كافية لتلخص ما تعجز عنه البيانات.
لكن القصة لم تتوقف عند مصر. في رام الله، احتفلت الجماهير بتأهل المغرب. وفي القدس، عند باب العامود، دوّى الهتاف: "وصل صوتك للمريخ." وفي نابلس، غنّوا لمصر ثم عادوا ليغنوا للمغرب، وكأنهم يغنون للعرب جميعاً.
وهنا، لم أعد أشاهد بطولة كرة قدم، بل رأيت الشعوب تستعيد لغتها. لغة لا تكتبها وزارات الخارجية، بل تخرج من القلب. وكأن العرب كانوا يقولون، من دون اتفاق: إذا كان الاحتلال يريد لفلسطين أن تبقى وحدها، فنحن سنحملها معنا حتى إلى لحظات الفرح.
ثم امتد المشهد إلى ما وراء العرب. في ملاعب أمريكا وكندا والمكسيك، حيث تستضيف ثلاث دول البطولة، كان الرمز الفلسطيني يظهر بين جماهير أوروبية وأمريكية لاتينية، لا تربطهم بفلسطين دين ولا لغة ولا قومية. هنا، تغير معناه: لم يعد مجرد راية وطن، بل أصبح إعلانًا عن الانحياز إلى العدالة.
لم تعد فلسطين تبحث عن العالم...
قبل السابع من أكتوبر، كانت فلسطين تطلب التضامن.
كانت تطرق أبواب البرلمانات. وتخاطب الحكومات. وتنتظر بيانًا... أو مظاهرة... أو موقفًا.
أما بعد السابع من أكتوبر، فقد حدث شيء لم يكن في حسابات أحد.
لم تعد فلسطين هي التي تبحث عن العالم.
أصبح العالم هو الذي يبحث عن فلسطين.
ليس لأنه أصبح يعرفها أكثر...
بل لأنه بدأ يعرف نفسه من خلالها.
يبحث عنها في الجامعات. وفي الشوارع. وفي الأفلام. وفي الموسيقى. وفي المهرجانات. ثم... في ملاعب كرة القدم.
لم تعد الرواية الفلسطينية خبرًا يبحث عن متابعين.
أصبحت معيارًا يقيس به الناس أنفسهم.
قبل سنوات، كان السؤال: ماذا يحدث في فلسطين؟
أما اليوم، فقد أصبح السؤال: ماذا يقول موقفي من فلسطين عني أنا؟
وهذا هو التحول الحقيقي.
فحين تتحول قضية من خبر سياسي إلى امتحان أخلاقي... تكون قد دخلت التاريخ من بابه الأكبر.
وهذه، في تقديري، هي اللحظة التي بدأ فيها العالم يستدير.
ليس لأن السياسة تغيرت. بل لأن الإنسان تغير.
وهنا وقع التحول الأكبر. فالاحتلال لم يخسر معركة في الملعب، لكنه بدأ يخسر معركة الرموز. ولهذا كان الذعر. ليس من قطعة قماش، بل من حقيقة أن كل ما أُنفق خلال عقود على صناعة الرواية والدعاية، لم يستطع منع هذا الحضور من أن يصبح أحد أكثر المشاهد تكراراً في أكبر حدث رياضي عالمي.
وحين كتب بعض الإسرائيليين بغضب: "إذا كنتم تحبون الفلسطينيين إلى هذا الحد، فخذوهم عندكم"، لم يدركوا أنهم يعترفون بشيء آخر: أن فلسطين لم تعد محاصرة داخل حدودها، بل خرجت من الجغرافيا ودخلت الوجدان العالمي. وهذه معركة لا تُحسم بالدبابات، لأن الوعي، إذا تغير، يصبح أقوى من كل الجيوش.
وأنا أتابع، أخذتني الذاكرة إلى بيروت، صيف 1982. كنت هناك، والجيش الإسرائيلي يحاصر المدينة، فيما كانت السماء تمتلئ بالطائرات والعالم يتابع كأس العالم. يومها، ارتبط فوز إيطاليا، في ذاكرة جيل كامل، بموقف تضامني مع الثورة الفلسطينية. فهمت يومها أن كرة القدم ليست دائماً لعبة، بل قد تصبح رسالة وموقفاً لا تستطيع الدبلوماسية قوله.
بعد أربعة وأربعين عامًا، أدركت أن ما بدأ في بيروت بوصفه موقفًا استثنائيًا، أصبح اليوم ظاهرة عالمية. في ذلك الزمن، كان التضامن استثناءً، أما اليوم، فالصمت هو الاستثناء. الاسم الفلسطيني لم يعد يظهر في مناسبة واحدة، بل صار يتكرر في الجامعات والشوارع والمهرجانات، ثم وصل إلى أكثر مكان يصعب السيطرة على مشاعره: المدرجات.
فلم يعد الرمز شعاراً سياسياً، بل مرآة لاختبار الضمير. كل من يرفعه يقول شيئاً عن نفسه قبل أن يقول شيئاً عن فلسطين: أنا رأيت، ولم أعد أستطيع أن أتصرف كأنني لم أرَ.
سيأتي يوم ينتهي فيه المونديال، وتُطوى الملاعب. لكن المؤرخ لن يتوقف عند عدد الأهداف، بل سيسأل: كيف تحولت بطولة كرة قدم إلى مرآة لتحول الوعي العالمي؟ هنا، في المدرجات، لا توجد بيانات رسمية، بل يتكلم الناس كما يشعرون. ولهذا كانت المدرجات أكثر صدقاً من كثير من المنابر السياسية.
تعلمنا أن الإمبراطوريات تُهزم في الحروب، لكنها تبدأ بالانهيار عندما تخسر المعنى. لأن القوة تستطيع أن تحتل أرضاً، لكنها لا تستطيع أن تمنع الناس من منح تعاطفهم لمن يرونه مظلوماً. ولهذا، لم يكن حضور فلسطين في هذا المونديال مجرد صدفة، بل استفتاءً صامتًا: كل يد رفعته كانت تقول: "لقد رأينا، ولم نعد نستطيع أن ننسى."
وإذا كان التاريخ يُكتب بعد الأحداث، فربما يُكتب أولاً في المدرجات. هناك، حيث لا يعرف المشجع أنه يشارك في كتابة فصل من ذاكرة العالم. الطفل الذي رفع العلم، والمدرب الذي أهدى الفوز، والجمهور الذي هتف، لم يكونوا يكتبون بيانات، بل كانوا يتصرفون بعفوية. والتاريخ كثيراً ما يولد من العفوية.
وربما، حين يُعاد مونتاج هذه البطولة بعد سنوات، لن يطيل المخرج الوقوف عند الأهداف بقدر ما سيتوقف عند تلك اللقطات التي لم تكن في خطة التصوير: علم فلسطيني يمر خلف لاعب، طفل يرفعه فوق كتفيه، ومدرب يلوّح به بعد صافرة النهاية. أحياناً، تكون اللقطات التي تبدو عابرة هي التي تكتب التاريخ.
اللقطة الأخيرة
سيُسلَّم الكأس...
وستُطفأ أضواء الملاعب.
وسيعود كل منتخب إلى بلاده.
أما ذلك الرمز...
فسيواصل رحلته.
من مدرج... إلى جامعة.
ومن جامعة... إلى فيلم.
ومن فيلم... إلى كتاب.
ومن كتاب... إلى ضمير إنسان لم يولد بعد.
ذلك هو الفرق بين كأسٍ يصنع بطلًا...
ورمزٍ يصنع تاريخًا.
فالرموز التي تدخل ضمير الشعوب... لا تغادره بصافرة النهاية.
فبعض البطولات تنتهي بتتويج منتخب...
أما هذه البطولة، فقد انتهت بتتويج رمز.
ولهذا...
لم يكن ما بعد السابع من أكتوبر
كما قبله.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
5/7/2026

* من سلسلة: حين استدار العالم




1783258886457.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى