ناصر عراق - البحث عن التقدير... والتحدث بيقين مطلق !

أظن أن كل إنسان على وجه الأرض يبحث، بشكل ما، عن حقه في أن ينال التقدير اللائق ممن حوله، وأزعم أنه ما من رجل أو امرأة، طفلة أو طفل، إلا وينتشي صدره بالثناء والمديح. وهذا أمر طبيعي،
ذلك أن (عقل) الإنسان تطور بما يسمح له أن (يعمل) بوعي، وليس بالغريزة فقط، لأن جميع الكائنات الحية (تعمل) وفقا لقوانين الغريزة فقط.
أقول إن الإنسان الذي (يعمل) بوعي ينتظر دومًا (الحفاوة) ممن يرون نتائج عمله مهما كان هذا العمل بسيطا ومحدودًا. إننا نرى الطفل يطير من الفرح إذا قال له أحد إنك (شاطر) في المدرسة.
والطفلة ترفرف أجنحتها من فرط السرور إذا سمعت كلمة ثناء من أمها أو أبيها لأنها (عملت) شيئا مفيدًا، حتى لو كان بسيطا مثل ترتيب سريرها أو مساعدة والدتها في المطبخ!
إذن... الحق في الفوز بالتقدير أمر مشروع بالغ الأهمية، والبحث عن ترطيب القلب بكلمات لطيفة هدف مستحق لكل إنسان، ولكن قد يسقط المرء في مستنقع الابتذال إذا ظل يلح على (طلب) التقدير من الآخرين على الرغم من أن (عمله) أيًا كان نوع هذا العمل لا يرتقي إلى مستوى رفيع من الحفاوة التي يتوقعها.
كما أن هناك بعض الناس شحيحة المشاعر بخيلة الروح، فلا تهب كلماتها الرقيقة إلى أحد، ولا تمنح (تقديرها) إلى إنسان حتى لو كان من أقرب الناس إليه ويتقاسم معه العيش في بيت واحد.
وبصراحة... كم من الأزواج يكيلون المديح لزوجاتهم عندما تعد له الزوجة طعامًا شهيًا كل نهار؟ لا أظن أن العدد يطمئن ويبهج. وكم من الشكوى التي نسمعها من النساء الفضليات لأن أزواجهن الرجال (لا يبلون) ريقهن بكلمة حلوة؟
الكلمة الحلوة هنا هي (التقدير) الذي تبحث عنه الزوجة، وهو حق مشروع لها بلا جدال، لأنها اجتهدت وأعدت (عملت/ طبخت) طعامًا شهيًا، أو أنها شاركت بنصيب في الإنفاق على الأسرة دعمًا للزوج في تلك الأيام الصعبة التي يطحن فيها الغلاء غالبية الناس.
لكن، من أسف، بعض الأزواج لا يلتفتن إلى أهمية (التقدير) في حياة الزوجة حتى تحافظ على صحتها النفسية وعافيتها الجسدية، بل بعض الأزواج لا يتوقفون عن كيل النقد لزوجاتهن وأبنائهن، وهو أمر شديد القسوة، لأن أي انتقاد للمرأة بشكل فج يعمل على زعزعة ثقتها بنفسها، ويجعلها عرضة لاضطرابات نفسية متنوعة ومعقدة،
فالمرأة كائن رقيق لا يثمر روحها إلا بالكلمة الحلوة (الروح مذكر وليس مؤنث، فقد جاء في القرآن الكريم – نزل به الروح الأمين -سورة الشعراء – الآية 193).
أذكر أن حكى لي أحد الشباب واقعة ذات دلالة تتلخص في الآتي: إنه رأى شقيقته الكبرى تعد السلطة في المطبخ، فاحتج لأن قطع الفلفل الأخضر أكبر مما ينبغي من وجهة نظره، وطلب منها أن تحولها إلى قطع أصغر، فما كان من شقيقته إلا أن تركت ما بيدها على الفور وغادرت المطبخ قائلة له بضيق: (اعمل السلطة أنت كما يحلو لك).
تعجب الشاب وسألني، فقلت له: إن الحق مع شقيقتك تمامًا تمامًا تمامًا، فلا يصح أن تبدي احتجاجًا على ما تقوم به، لأنها تنجز هذا العمل دون أي مقابل مالي، ومن ثم يحق لها أن تنال الإشادة والتقدير لما تقوم به، لا اللوم أو الاعتراض!
الأمر نفسه ينبغي أن يتم مع الزوجة التي تخلص في إنجاز مهام بيتها على الرغم من أنها قد تكون موظفة تشقى خارج المنزل نحو 10 ساعات يوميًا، الأمر الذي يستوجب أن تربح من زوجها الكلام الطيب الجميل الذي يشيد بجهدها ومهارتها ورعايتها للأسرة.
إذن الظفر بالتقدير رغبة إنسانية مشروعة، لا يفسدها إلا ثلاثة أشياء:
1- الإلحاح المستمر في انتزاع التقدير من الآخرين لدرجة تصل إلى حد (التسول).
2- أن يكتب المرء أو يتحدث بيقين مطلق، ظنا منه أن هذا (اليقين) سينتزع الإعجاب والحفاوة ممن يقرأون أو يسمعون. علمًا بأنني أظن أنه لا يوجد (يقين مطلق) إذا تعلق الأمر بالآراء والأفكار والمعتقدات.
ولعلك تلحظ، على سبيل المثال، العدد الكبير من المعتقدات الدينية السماوية والأرضية المستقرة في كوكب الأرض، وكل أصحاب معتقد يظنون أن السماء معهم هم فقط، وأنهم هم فقط أصحاب الرأي السديد حول السماء والأرض والحياة والموت والبعث إلى أخره.
3- الاستغلال السيء لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث نرى أن الكثير من الناس يضعون البوستات والصور والآراء بشكل مكثف بحثا عن (اللايكات) وكلمات الإعجاب وعبارات الحفاوة (أي بحثا عن التقدير)، حتى لو كان ما ينشرونه في وسائل التواصل الاجتماعي بالغ التواضع، شحيح التأثير!
أجل... الفوز بالتقدير حق مشروع، ولكن الحصيف من ينتزع هذا الفوز بذكاء وكياسة.


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى