مِنَ الصعبِ أنْ أتحدَّثَ عن محمدِ محمودِ الفخراني بوصفِهِ مُجرَّدَ روائيٍّ، أو قاصٍّ، أو ناقدٍ، أو فنانٍ تشكيليٍّ؛ فالرجلُ، في تقديري، ظاهرةٌ ثقافيةٌ سكندريةٌ نادرةٌ، استطاعتْ أنْ تُحقِّقَ معادلةً قلَّ أنْ تتكرَّرَ، وهي الجمعُ بينَ غزارةِ المعرفةِ، وعمقِ الرؤيةِ، ورهافةِ الحسِّ، وثراءِ التجربةِ، مع تواضعِ العارفينَ الحقيقيينَ.
ولعلَّ الحديثَ عن الفخراني يجرُّني إلى قضيةٍ طالما شغلتني، وهي الفارقُ بينَ غزارةِ الإنتاجِ والتأنِّي في الكتابةِ. فهناكَ مَنْ يظنُّ أنَّ كثرةَ الأعمالِ دليلٌ على التسرعِ، بينما يرى آخرونَ أنَّ قلَّةَ الإنتاجِ مرادفةٌ للجودةِ. والحقيقةُ أنَّ المعيارَ ليسَ عددَ الكتبِ، وإنَّما قيمةُ ما يتركُهُ الكاتبُ في وجدانِ قارئِهِ وذاكرةِ الأدبِ. فكمْ مِنْ كاتبٍ ملأَ الدنيا كتبًا ثمَّ انطفأَ أثرُهُ، وكمْ مِنْ مُبدعٍ غزيرِ الإنتاجِ بقيتْ أعمالُهُ علاماتٍ مضيئةً في تاريخِ الأدبِ، كما فعلَ نجيبُ محفوظٍ.
وربما تؤدِّي المبالغةُ في إعادةِ كتابةِ العملِ، والإفراطُ في التنقيحِ والحذفِ والإضافةِ، إلى أنْ يفقدَ النصُّ عفويتَهُ وحرارتَهُ، ويتحوَّلَ إلى بناءٍ باردٍ يخلو مِنَ الروحِ. لذلكَ أؤمنُ بأنَّ لكلِّ شيءٍ حدًّا، وأنَّ الاعتدالَ هو الطريقُ الأمثلُ، فالإبداعُ الحقيقيُّ يجمعُ بينَ الصنعةِ والصدقِ، وبينَ الحرفيةِ والتلقائيةِ.
وحينَ أذكرُ محمدَ محمودَ الفخراني، فإنني أذكرُ مُبدعًا استطاعَ أنْ يُحقِّقَ هذهِ المعادلةَ الصعبةَ؛ فقد استوعبَ لا وعيُهُ خلاصةَ تاريخِ الفنِّ الإنسانيِّ، فخرجتْ كتاباتُهُ مثقلةً بالمعرفةِ، مشبعةً بالجمالِ، نابضةً بالإنسانِ، دونَ أنْ تفقدَ دفأَها أو عفويتَها أو صدقَها.
وتمثلُ مجموعتُهُ القصصيةُ «لمعُ السرابِ» نموذجًا باهرًا لقدراتِهِ السرديةِ؛ إذْ تتنوَّعُ فيها البنى الفنيةُ، وتتعدَّدُ طرائقُ السردِ، وتفيضُ شخصياتُها بصدقِ التجربةِ وعمقِ البوحِ، حتى تبدو امتدادًا لروحِ الكاتبِ نفسِهِ.
والحديثُ عن قامةٍ سكندريةٍ بقامةِ الفخراني ليسَ بالأمرِ اليسيرِ؛ فهو الروائيُّ، والقاصُّ، والناقدُ الكبيرُ، والفنانُ التشكيليُّ المتجاوزُ، الذي أثرى الحياةَ الثقافيةَ في الإسكندريةِ والعالمِ العربيِّ بإبداعٍ رفيعٍ، ونثرٍ عميقٍ، ورؤيةٍ إنسانيةٍ وفلسفيةٍ قلَّ نظيرُها.
أمَّا روايتُهُ «بساطٌ من قلوبٍ وجباهٍ» فهي، في تقديري، واحدةٌ مِنْ روائعِ النثرِ العربيِّ الحديثِ، وقد استحقَّتْ فوزَها بالمركزِ الأولِ على مستوى جمهوريةِ مصرَ العربيةِ، بما تنطوي عليهِ مِنْ عمقٍ فكريٍّ، وثراءٍ تراثيٍّ، وبناءٍ فنيٍّ متماسكٍ، يؤكدُ فرادةَ موهبةِ صاحبِها.
وإذا كانتِ اللغةُ هي الإناءُ الذي يحتضنُ العملَ الأدبيَّ، فإنَّ الفخراني يطوفُ بنا في آنيةٍ مِنْ فضةٍ خالصةٍ، مرصعةٍ باللؤلؤِ والجواهرِ؛ لغةٌ آسرةٌ، شاعريةٌ، شفافةٌ، تأخذُ بمجامعِ القلوبِ، وتمنحُ المعنى أجنحةً مِنَ الضوءِ.
ولم يكتفِ الفخراني بإبداعِهِ الشخصيِّ، بل كتبَ عن معظمِ مُبدعي الإسكندريةِ في القصةِ والروايةِ، وأدارَ عشراتِ الندواتِ الكبرى، وأسهمَ في إثراءِ الحركةِ النقديةِ، وكتبَ عن دواوينِ الشعرِ بالفصحى والعاميةِ، حتى أصبحَ مرجعًا ثقافيًّا، وأستاذًا تتلمذَ على يديهِ كثيرونَ.
وأمامَ هذهِ الشعلةِ المتوهجةِ إبداعًا، وفنًّا، وثقافةً، وأخلاقًا، لا يسعُنا إلا أنْ ننحنيَ احترامًا وإعجابًا لهذا النموذجِ السكندريِّ الفريدِ، الذي تفوَّقَ على نفسِهِ خلقًا وإبداعًا، حتى غدا ظاهرةً ثقافيةً متفردةً في الثغرِ، بما يدعو إلى استحضارِ تجربةِ عباسِ محمودِ العقادِ وصالونِهِ الأدبيِّ العريقِ، حيثُ كانتِ القيمةُ دائمًا تسبقُ الكثرةَ.
وقد حصدتْ «لمعُ السرابِ» رحلةً إلى إيطاليا بعد فوزِها كأفضلِ مجموعةٍ قصصيةٍ، كما نالتْ جوائزَ نادي القصةِ، وجمعيةِ الأدباءِ، وجائزةَ إحسانِ عبدِ القدوسِ للآدابِ، وأثارتِ اهتمامَ عددٍ كبيرٍ مِنَ النقادِ والمبدعينَ، وفي مقدمتِهم الشاعرُ الكبيرُ مسعودُ شومانَ، والدكتورُ السعيدُ الورقيُّ، والدكتورُ الرماديُّ، والشاعرُ أحمدُ مباركٍ، الذين رأوا فيها نقلةً نوعيةً في مسارِ القصةِ السكندريةِ.
وجاءتْ هذهِ المجموعةُ في مرحلةٍ كانَ المشهدُ الأدبيُّ يشهدُ فيها اتساعَ آفاقِ الروايةِ، مقابلَ تراجعِ الاهتمامِ بالقصةِ القصيرةِ، حتى بدا كثيرٌ مِنَ القصاصينَ وكأنهم يلوذونَ بالصمتِ انتظارًا لعودةِ زمنِ القصِّ.
غيرَ أنَّ محمدَ محمودَ الفخراني ظلَّ يؤمنُ بالقصةِ القصيرةِ، ويمنحُها ما تستحقُّهُ مِنْ جهدٍ ورؤيةٍ، مقدمًا نموذجًا رفيعًا للاختزالِ الفنيِّ، محمولًا على جناحٍ لغويٍّ مشرقٍ، وروحٍ سرديةٍ عاليةٍ، نجحتْ في تحقيقِ المعادلةِ الأصعبِ؛ فلم تتحولْ نصوصُهُ إلى جثمانٍ مترهلٍ، بل ظلَّتْ عامرةً بالروحِ، نابضةً بالحياةِ.
وكأنَّ القصةَ عندَهُ هي الشقيقةُ الصغرى للروايةِ؛ تحملُ فرحَها ووجعَها، وتؤكدُ أنَّ الروحَ قد تتجسدُ، وأنَّ الجسدَ قد يتروحُ.
وصعدَ الفخراني بهذهِ المجموعةِ سلَّمَ الطائرةِ إلى إيطاليا، ممثلًا للأدبِ المصريِّ، برفقةِ نخبةٍ مِنْ كبارِ المبدعينَ.
ومن أبرزِ ما يميزُ تجربةَ الفخراني إفادتُهُ العميقةُ من التراثِ السرديِّ العربيِّ والإنسانيِّ، مع لغةٍ تتماهى مع بيئاتِها التاريخيةِ، والنفسيةِ، والاجتماعيةِ، وقدرةٍ لافتةٍ على التهجينِ الفنيِّ، والباروديا، وتفجيرِ السخريةِ، وهي خصائصُ جعلتْ كثيرًا من النقادِ يتعاملونَ مع نصوصِهِ بوصفِها نصوصًا ثريةً، عصيةً على القراءةِ السطحيةِ.
وبينَ رواياتِهِ، ومجموعاتِهِ القصصيةِ، ودراساتِهِ النقديةِ، وتجربتِهِ الثريةِ في الفنِّ التشكيليِّ، يقفُ القارئُ أمامَ مبدعٍ موسوعيٍّ حقيقيٍّ، يمتلكُ حساسيةَ الفنانِ، وتأملَ الفيلسوفِ، وبصيرةَ الناقدِ، وانفتاحَ المثقفِ الكبيرِ، مع اعتزازٍ راسخٍ بهويتِهِ العربيةِ.
ولطالما بدا لي الفخراني كجرَّاحٍ ماهرٍ، يمسكُ بمبضعٍ بالغِ الدقةِ، فيشقُّ جسدَ المجتمعِ بهدوءٍ، ويكشفُ أمراضَهُ دونَ ضجيجٍ، ويضعُ إصبعَهُ على مواطنِ الألمِ بلا مباشرةٍ فجَّةٍ، ولا غموضٍ مفتعلٍ. ولذلكَ استطاعَ أنْ يصنعَ لنفسِهِ مكانةً خاصةً، وأنْ يظلَّ أحدَ أهمِّ الأصواتِ السرديةِ والنقديةِ في الإسكندريةِ.
ولم تكنْ ندوةٌ أدبيةٌ ذاتُ شأنٍ في الإسكندريةِ تكادُ تخلو من حضورِهِ؛ ولم يكنِ السرديونَ وحدَهم يحرصونَ على الاستماعِ إليهِ، بل كانَ الشعراءُ، والنقادُ، والفنانونَ يجدونَ في حديثِهِ زادًا معرفيًّا وجماليًّا ثريًّا. وربما كانَ لصداقتِهِ العميقةِ بالشاعرِ الراحلِ أحمدِ مباركٍ أثرٌ واضحٌ في اتساعِ أفقِهِ النقديِّ، حتى غدا ناقدًا موسوعيًّا، إلى جانبِ كونِهِ روائيًّا، وقاصًّا، وفنانًا تشكيليًّا.
أما اليومَ، وبعدَ رحلةٍ طويلةٍ من العطاءِ، فقد آثرَ الفخراني العزلةَ. يكادُ لا يغادرُ بيتَهُ، ولا يطاردُ الأضواءَ، لأنها هي التي كانتْ دائمًا تطاردُهُ. يعيشُ مع فنجانِ قهوتِهِ، وبعضِ لفائفِ التبغِ، وذكرياتِ عمرٍ حافلٍ بالإبداعِ، زادَها رحيلُ رفيقِ الدربِ أحمدِ مباركٍ مسحةً من الحزنِ النبيلِ الذي يسكنُ روحَهُ.
وأستعيدُ، كلما التقيتُهُ، تلكَ الأيامَ الجميلةَ في مقهى بحبحَ بسيدي بشرٍ، حيثُ كانَ يلتفُّ حولَهُ مبدعو الإسكندريةِ وضيوفُها من مختلفِ محافظاتِ مصرَ والوطنِ العربيِّ؛ أحمدُ مباركٍ، وعبدُ الفتاحِ مرسي، وعبدُ النبيِّ كراويةَ، ومحمودُ عبدِ الصمدِ، وحميدةُ عبدِ اللهِ، ومحمدُ وهبةَ، وأبو نصيرٍ عثمانُ، ومحمدُ حمدي، وأشرفُ دسوقي، وعاطفُ الحدادِ، وضياءُ طمانَ، وكمالُ مهدي، وأحمدُ فراجٍ، وسميرُ حكيمٍ، وصلاحُ بكرٍ، ومحمدُ نظمي، ومحمدُ ياسينَ الفيلِ، وناجي عبدِ اللطيفِ، وغيرُهم كثيرٌ ممن صنعوا الذاكرةَ الثقافيةَ والإبداعيةَ لمدينةِ الإسكندريةِ.
ثم مضى الزمنُ... ورحلَ من رحلَ، وسافرَ من سافرَ، وانشغلَ من بقي بأعباءِ الحياةِ، وانفضَّ ذلكَ الجمعُ الذي كانَ يمنحُ المكانَ روحَهُ.
وبقي الفخراني...
كطائرِ الثغرِ الحزينِ...
نسرًا شامخًا يحلقُ في كبدِ السماءِ، وقد فقدَ سربَهُ، لكنه لم يفقدْ كبرياءَ التحليقِ.
ظلَّ وفيًّا للكلمةِ، وللفنِّ، وللجمالِ، وللإنسانِ، يحلقُ وحيدًا، لا يؤنسُهُ سوى قلمِهِ، وريشتِهِ، وذاكرةٍ عامرةٍ بالإبداعِ، وحزنٍ شفيفٍ لا يزيدُهُ إلا سموًّا.
سلامٌ على هذا المُبدعِ الكبيرِ، الذي أعطى للإسكندريةِ بعضًا مما تستحقُّهُ، وأعطى للأدبِ العربيِّ أكثرَ مما طلبَ لنفسِهِ، وسيبقى، ما بقيَ الأدبُ، واحدًا من أنقى أصواتِهِ، وأشدِّها إخلاصًا للجمالِ والحقِّ والإنسانِ.
ولعلَّ الحديثَ عن الفخراني يجرُّني إلى قضيةٍ طالما شغلتني، وهي الفارقُ بينَ غزارةِ الإنتاجِ والتأنِّي في الكتابةِ. فهناكَ مَنْ يظنُّ أنَّ كثرةَ الأعمالِ دليلٌ على التسرعِ، بينما يرى آخرونَ أنَّ قلَّةَ الإنتاجِ مرادفةٌ للجودةِ. والحقيقةُ أنَّ المعيارَ ليسَ عددَ الكتبِ، وإنَّما قيمةُ ما يتركُهُ الكاتبُ في وجدانِ قارئِهِ وذاكرةِ الأدبِ. فكمْ مِنْ كاتبٍ ملأَ الدنيا كتبًا ثمَّ انطفأَ أثرُهُ، وكمْ مِنْ مُبدعٍ غزيرِ الإنتاجِ بقيتْ أعمالُهُ علاماتٍ مضيئةً في تاريخِ الأدبِ، كما فعلَ نجيبُ محفوظٍ.
وربما تؤدِّي المبالغةُ في إعادةِ كتابةِ العملِ، والإفراطُ في التنقيحِ والحذفِ والإضافةِ، إلى أنْ يفقدَ النصُّ عفويتَهُ وحرارتَهُ، ويتحوَّلَ إلى بناءٍ باردٍ يخلو مِنَ الروحِ. لذلكَ أؤمنُ بأنَّ لكلِّ شيءٍ حدًّا، وأنَّ الاعتدالَ هو الطريقُ الأمثلُ، فالإبداعُ الحقيقيُّ يجمعُ بينَ الصنعةِ والصدقِ، وبينَ الحرفيةِ والتلقائيةِ.
وحينَ أذكرُ محمدَ محمودَ الفخراني، فإنني أذكرُ مُبدعًا استطاعَ أنْ يُحقِّقَ هذهِ المعادلةَ الصعبةَ؛ فقد استوعبَ لا وعيُهُ خلاصةَ تاريخِ الفنِّ الإنسانيِّ، فخرجتْ كتاباتُهُ مثقلةً بالمعرفةِ، مشبعةً بالجمالِ، نابضةً بالإنسانِ، دونَ أنْ تفقدَ دفأَها أو عفويتَها أو صدقَها.
وتمثلُ مجموعتُهُ القصصيةُ «لمعُ السرابِ» نموذجًا باهرًا لقدراتِهِ السرديةِ؛ إذْ تتنوَّعُ فيها البنى الفنيةُ، وتتعدَّدُ طرائقُ السردِ، وتفيضُ شخصياتُها بصدقِ التجربةِ وعمقِ البوحِ، حتى تبدو امتدادًا لروحِ الكاتبِ نفسِهِ.
والحديثُ عن قامةٍ سكندريةٍ بقامةِ الفخراني ليسَ بالأمرِ اليسيرِ؛ فهو الروائيُّ، والقاصُّ، والناقدُ الكبيرُ، والفنانُ التشكيليُّ المتجاوزُ، الذي أثرى الحياةَ الثقافيةَ في الإسكندريةِ والعالمِ العربيِّ بإبداعٍ رفيعٍ، ونثرٍ عميقٍ، ورؤيةٍ إنسانيةٍ وفلسفيةٍ قلَّ نظيرُها.
أمَّا روايتُهُ «بساطٌ من قلوبٍ وجباهٍ» فهي، في تقديري، واحدةٌ مِنْ روائعِ النثرِ العربيِّ الحديثِ، وقد استحقَّتْ فوزَها بالمركزِ الأولِ على مستوى جمهوريةِ مصرَ العربيةِ، بما تنطوي عليهِ مِنْ عمقٍ فكريٍّ، وثراءٍ تراثيٍّ، وبناءٍ فنيٍّ متماسكٍ، يؤكدُ فرادةَ موهبةِ صاحبِها.
وإذا كانتِ اللغةُ هي الإناءُ الذي يحتضنُ العملَ الأدبيَّ، فإنَّ الفخراني يطوفُ بنا في آنيةٍ مِنْ فضةٍ خالصةٍ، مرصعةٍ باللؤلؤِ والجواهرِ؛ لغةٌ آسرةٌ، شاعريةٌ، شفافةٌ، تأخذُ بمجامعِ القلوبِ، وتمنحُ المعنى أجنحةً مِنَ الضوءِ.
ولم يكتفِ الفخراني بإبداعِهِ الشخصيِّ، بل كتبَ عن معظمِ مُبدعي الإسكندريةِ في القصةِ والروايةِ، وأدارَ عشراتِ الندواتِ الكبرى، وأسهمَ في إثراءِ الحركةِ النقديةِ، وكتبَ عن دواوينِ الشعرِ بالفصحى والعاميةِ، حتى أصبحَ مرجعًا ثقافيًّا، وأستاذًا تتلمذَ على يديهِ كثيرونَ.
وأمامَ هذهِ الشعلةِ المتوهجةِ إبداعًا، وفنًّا، وثقافةً، وأخلاقًا، لا يسعُنا إلا أنْ ننحنيَ احترامًا وإعجابًا لهذا النموذجِ السكندريِّ الفريدِ، الذي تفوَّقَ على نفسِهِ خلقًا وإبداعًا، حتى غدا ظاهرةً ثقافيةً متفردةً في الثغرِ، بما يدعو إلى استحضارِ تجربةِ عباسِ محمودِ العقادِ وصالونِهِ الأدبيِّ العريقِ، حيثُ كانتِ القيمةُ دائمًا تسبقُ الكثرةَ.
وقد حصدتْ «لمعُ السرابِ» رحلةً إلى إيطاليا بعد فوزِها كأفضلِ مجموعةٍ قصصيةٍ، كما نالتْ جوائزَ نادي القصةِ، وجمعيةِ الأدباءِ، وجائزةَ إحسانِ عبدِ القدوسِ للآدابِ، وأثارتِ اهتمامَ عددٍ كبيرٍ مِنَ النقادِ والمبدعينَ، وفي مقدمتِهم الشاعرُ الكبيرُ مسعودُ شومانَ، والدكتورُ السعيدُ الورقيُّ، والدكتورُ الرماديُّ، والشاعرُ أحمدُ مباركٍ، الذين رأوا فيها نقلةً نوعيةً في مسارِ القصةِ السكندريةِ.
وجاءتْ هذهِ المجموعةُ في مرحلةٍ كانَ المشهدُ الأدبيُّ يشهدُ فيها اتساعَ آفاقِ الروايةِ، مقابلَ تراجعِ الاهتمامِ بالقصةِ القصيرةِ، حتى بدا كثيرٌ مِنَ القصاصينَ وكأنهم يلوذونَ بالصمتِ انتظارًا لعودةِ زمنِ القصِّ.
غيرَ أنَّ محمدَ محمودَ الفخراني ظلَّ يؤمنُ بالقصةِ القصيرةِ، ويمنحُها ما تستحقُّهُ مِنْ جهدٍ ورؤيةٍ، مقدمًا نموذجًا رفيعًا للاختزالِ الفنيِّ، محمولًا على جناحٍ لغويٍّ مشرقٍ، وروحٍ سرديةٍ عاليةٍ، نجحتْ في تحقيقِ المعادلةِ الأصعبِ؛ فلم تتحولْ نصوصُهُ إلى جثمانٍ مترهلٍ، بل ظلَّتْ عامرةً بالروحِ، نابضةً بالحياةِ.
وكأنَّ القصةَ عندَهُ هي الشقيقةُ الصغرى للروايةِ؛ تحملُ فرحَها ووجعَها، وتؤكدُ أنَّ الروحَ قد تتجسدُ، وأنَّ الجسدَ قد يتروحُ.
وصعدَ الفخراني بهذهِ المجموعةِ سلَّمَ الطائرةِ إلى إيطاليا، ممثلًا للأدبِ المصريِّ، برفقةِ نخبةٍ مِنْ كبارِ المبدعينَ.
ومن أبرزِ ما يميزُ تجربةَ الفخراني إفادتُهُ العميقةُ من التراثِ السرديِّ العربيِّ والإنسانيِّ، مع لغةٍ تتماهى مع بيئاتِها التاريخيةِ، والنفسيةِ، والاجتماعيةِ، وقدرةٍ لافتةٍ على التهجينِ الفنيِّ، والباروديا، وتفجيرِ السخريةِ، وهي خصائصُ جعلتْ كثيرًا من النقادِ يتعاملونَ مع نصوصِهِ بوصفِها نصوصًا ثريةً، عصيةً على القراءةِ السطحيةِ.
وبينَ رواياتِهِ، ومجموعاتِهِ القصصيةِ، ودراساتِهِ النقديةِ، وتجربتِهِ الثريةِ في الفنِّ التشكيليِّ، يقفُ القارئُ أمامَ مبدعٍ موسوعيٍّ حقيقيٍّ، يمتلكُ حساسيةَ الفنانِ، وتأملَ الفيلسوفِ، وبصيرةَ الناقدِ، وانفتاحَ المثقفِ الكبيرِ، مع اعتزازٍ راسخٍ بهويتِهِ العربيةِ.
ولطالما بدا لي الفخراني كجرَّاحٍ ماهرٍ، يمسكُ بمبضعٍ بالغِ الدقةِ، فيشقُّ جسدَ المجتمعِ بهدوءٍ، ويكشفُ أمراضَهُ دونَ ضجيجٍ، ويضعُ إصبعَهُ على مواطنِ الألمِ بلا مباشرةٍ فجَّةٍ، ولا غموضٍ مفتعلٍ. ولذلكَ استطاعَ أنْ يصنعَ لنفسِهِ مكانةً خاصةً، وأنْ يظلَّ أحدَ أهمِّ الأصواتِ السرديةِ والنقديةِ في الإسكندريةِ.
ولم تكنْ ندوةٌ أدبيةٌ ذاتُ شأنٍ في الإسكندريةِ تكادُ تخلو من حضورِهِ؛ ولم يكنِ السرديونَ وحدَهم يحرصونَ على الاستماعِ إليهِ، بل كانَ الشعراءُ، والنقادُ، والفنانونَ يجدونَ في حديثِهِ زادًا معرفيًّا وجماليًّا ثريًّا. وربما كانَ لصداقتِهِ العميقةِ بالشاعرِ الراحلِ أحمدِ مباركٍ أثرٌ واضحٌ في اتساعِ أفقِهِ النقديِّ، حتى غدا ناقدًا موسوعيًّا، إلى جانبِ كونِهِ روائيًّا، وقاصًّا، وفنانًا تشكيليًّا.
أما اليومَ، وبعدَ رحلةٍ طويلةٍ من العطاءِ، فقد آثرَ الفخراني العزلةَ. يكادُ لا يغادرُ بيتَهُ، ولا يطاردُ الأضواءَ، لأنها هي التي كانتْ دائمًا تطاردُهُ. يعيشُ مع فنجانِ قهوتِهِ، وبعضِ لفائفِ التبغِ، وذكرياتِ عمرٍ حافلٍ بالإبداعِ، زادَها رحيلُ رفيقِ الدربِ أحمدِ مباركٍ مسحةً من الحزنِ النبيلِ الذي يسكنُ روحَهُ.
وأستعيدُ، كلما التقيتُهُ، تلكَ الأيامَ الجميلةَ في مقهى بحبحَ بسيدي بشرٍ، حيثُ كانَ يلتفُّ حولَهُ مبدعو الإسكندريةِ وضيوفُها من مختلفِ محافظاتِ مصرَ والوطنِ العربيِّ؛ أحمدُ مباركٍ، وعبدُ الفتاحِ مرسي، وعبدُ النبيِّ كراويةَ، ومحمودُ عبدِ الصمدِ، وحميدةُ عبدِ اللهِ، ومحمدُ وهبةَ، وأبو نصيرٍ عثمانُ، ومحمدُ حمدي، وأشرفُ دسوقي، وعاطفُ الحدادِ، وضياءُ طمانَ، وكمالُ مهدي، وأحمدُ فراجٍ، وسميرُ حكيمٍ، وصلاحُ بكرٍ، ومحمدُ نظمي، ومحمدُ ياسينَ الفيلِ، وناجي عبدِ اللطيفِ، وغيرُهم كثيرٌ ممن صنعوا الذاكرةَ الثقافيةَ والإبداعيةَ لمدينةِ الإسكندريةِ.
ثم مضى الزمنُ... ورحلَ من رحلَ، وسافرَ من سافرَ، وانشغلَ من بقي بأعباءِ الحياةِ، وانفضَّ ذلكَ الجمعُ الذي كانَ يمنحُ المكانَ روحَهُ.
وبقي الفخراني...
كطائرِ الثغرِ الحزينِ...
نسرًا شامخًا يحلقُ في كبدِ السماءِ، وقد فقدَ سربَهُ، لكنه لم يفقدْ كبرياءَ التحليقِ.
ظلَّ وفيًّا للكلمةِ، وللفنِّ، وللجمالِ، وللإنسانِ، يحلقُ وحيدًا، لا يؤنسُهُ سوى قلمِهِ، وريشتِهِ، وذاكرةٍ عامرةٍ بالإبداعِ، وحزنٍ شفيفٍ لا يزيدُهُ إلا سموًّا.
سلامٌ على هذا المُبدعِ الكبيرِ، الذي أعطى للإسكندريةِ بعضًا مما تستحقُّهُ، وأعطى للأدبِ العربيِّ أكثرَ مما طلبَ لنفسِهِ، وسيبقى، ما بقيَ الأدبُ، واحدًا من أنقى أصواتِهِ، وأشدِّها إخلاصًا للجمالِ والحقِّ والإنسانِ.