يتجدد الحديث عن الانتخابات الفلسطينية كلما دخل النظام السياسي الفلسطيني مرحلة من الانسداد أو فقدان الشرعية، حتى باتت الانتخابات تُقدَّم بوصفها الوصفة الجاهزة لكل أزمة. غير أن هذا التصور، على الرغم من أهميته الديمقراطية، يخفي سؤالاً أكثر عمقاً: هل تكمن الأزمة الفلسطينية فعلاً في غياب الانتخابات، أم في البنية السياسية التي يُراد للانتخابات أن تعيد إنتاجها؟
تكمن المشكلة في أن النقاش الفلسطيني ينطلق غالباً من افتراض غير مُساءل، وهو أن الانتخابات قادرة بذاتها على إنتاج الشرعية. غير أن الشرعية ليست مجرد نتاج لصندوق الاقتراع، بل هي نتاج العلاقة بين المجتمع، والمرجعية الوطنية، وطبيعة السلطة، وحدود السيادة، والمشروع السياسي الذي تمنحه الانتخابات تفويضاً للاستمرار أو التغيير. ومن هنا فإن الانتخابات، مهما بلغت درجة نزاهتها، لا تستطيع أن تنتج أكثر مما تسمح به البنية السياسية التي تجري داخلها.
لقد نشأت السلطة الفلسطينية في سياق مرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية. إلا أن المرحلة الانتقالية لم تنته، بل تحولت مع مرور الزمن إلى بنية سياسية مستقرة نسبياً، فأصبح الانتقال هو النظام نفسه، وأصبحت المؤسسات التي أنشئت لإدارة مرحلة مؤقتة تمارس وظائفها بوصفها مؤسسات دائمة. وفي هذا السياق، لم تعد الانتخابات أداة للانتقال إلى مرحلة جديدة، بل إحدى وسائل تجديد المؤسسات التي تنتمي إلى المرحلة نفسها.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية. فالسلطة التي تدعو إلى الانتخابات ليست سلطة تأسيسية أنشأها الشعب عبر عملية دستورية جامعة، وإنما سلطة نشأت ضمن اتفاق سياسي انتقالي وحدد هذا الاتفاق نطاق اختصاصها ووظيفتها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بشرعية نتائج الانتخابات، بل بشرعية الإطار الذي يضع قواعدها ويحدد مؤسساتها وحدودها. فمن يملك حق تعريف العملية السياسية؟ ومن يملك حق تحديد طبيعة النظام الذي يُطلب من الفلسطينيين تجديده انتخابياً؟
ويزداد هذا السؤال تعقيداً لأن الانتخابات الفلسطينية لا تجري في دولة ذات سيادة، بل في فضاء سياسي يخضع لقيود الاحتلال، ويتأثر بالاعتبارات الإقليمية والدولية، ويعمل ضمن منظومة مالية تعتمد بدرجات متفاوتة على التمويل الخارجي. وبذلك يصبح الفائز في الانتخابات قادراً على إدارة المؤسسة، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على إعادة تعريف وظيفتها أو تجاوز القيود البنيوية التي تحكمها.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود السلطة. فخلال العقود الماضية انتقل مركز الثقل السياسي تدريجياً من الإطار الوطني الجامع إلى مؤسسات السلطة، وتحول النقاش العام من سؤال تمثيل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته إلى سؤال إدارة السلطة في الأراضي الفلسطينية. وهكذا أصبحت الانتخابات تُناقش بوصفها وسيلة لتجديد شرعية السلطة، بينما تراجع النقاش حول المرجعية الوطنية التي تمنح هذه السلطة معناها، وحول العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة، وبين الداخل والشتات، وبين المشروع الوطني ومؤسساته.
لقد كشفت الحرب على غزة أن التحولات الكبرى في التاريخ الفلسطيني لا تبدأ عادة من المؤسسات، بل من المجتمع نفسه. فالمجتمع الفلسطيني ظل، في محطات مفصلية، منتجاً للفعل السياسي وللتحولات التاريخية، بينما جاءت المؤسسات لاحقاً لمحاولة استيعاب تلك التحولات أو تنظيمها. ومن هنا فإن الأزمة الراهنة لا تتمثل فقط في ضعف المؤسسات، بل في اتساع الفجوة بين مجتمع تغيرت أسئلته وأولوياته، وبين بنية سياسية ما زالت تعمل وفق منطق مرحلة تاريخية سابقة.
ولهذا فإن اختزال النقاش في إجراء الانتخابات أو تأجيلها يعني اختزال الأزمة ذاتها. فالسؤال الفلسطيني اليوم لم يعد: من يفوز في الانتخابات؟ بل: أي نظام سياسي ستمنحه الانتخابات شرعية؟ وأي مشروع وطني ستعبر عنه المؤسسات المنتخبة؟ وهل ما زالت البنية السياسية القائمة قادرة على حمل التحولات التي فرضتها الحرب، أم أنها أصبحت تدير مرحلة انتهت شروطها التاريخية؟
إن قيمة الانتخابات لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، ولا بنسبة المشاركة، وإنما بقدرتها على أن تكون جزءاً من عملية سياسية أوسع تعيد بناء المرجعية الوطنية، وتحدد العلاقة بين مؤسسات الشعب الفلسطيني المختلفة، وتعيد تعريف المشروع الوطني في ضوء التحولات التاريخية الراهنة. فالانتخابات تستطيع أن تمنح شرعية ديمقراطية، لكنها لا تستطيع، وحدها، أن تؤسس مرجعية وطنية أو أن تعيد بناء جماعة سياسية تعاني انقساماً في التمثيل والوظيفة والاختصاص.
ومن هنا، فإن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى انتخابات فحسب، بل إلى لحظة تأسيس سياسي تعيد للشعب الفلسطيني، بكل مكوناته، دوره بوصفه صاحب السلطة التأسيسية، لا مجرد ناخب داخل بنية سياسية قائمة. فالانتخابات تبلغ ذروة معناها عندما تأتي تتويجاً لعملية تأسيس وطني، لا بديلاً عنها. وما لم يُحسم السؤال المتعلق بمن يملك حق تعريف المشروع الوطني، وبأي مؤسسات يُعبَّر عنه، ستظل الانتخابات قادرة على تجديد الإدارة، لكنها ستظل عاجزة عن إعادة تأسيس السياسة.
وعليه، فإن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني لا يتوقف على موعد الانتخابات المقبلة بقدر ما يتوقف على القدرة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة التأسيس؛ من البحث عن شرعية مؤسسات قائمة إلى إعادة بناء المرجعية التي تمنح هذه المؤسسات معناها؛ ومن السؤال عن هوية الحاكم إلى السؤال الأسبق: ما النظام السياسي الذي يريد الفلسطينيون أن يؤسسوه، ومن يملك حق تأسيسه؟
تكمن المشكلة في أن النقاش الفلسطيني ينطلق غالباً من افتراض غير مُساءل، وهو أن الانتخابات قادرة بذاتها على إنتاج الشرعية. غير أن الشرعية ليست مجرد نتاج لصندوق الاقتراع، بل هي نتاج العلاقة بين المجتمع، والمرجعية الوطنية، وطبيعة السلطة، وحدود السيادة، والمشروع السياسي الذي تمنحه الانتخابات تفويضاً للاستمرار أو التغيير. ومن هنا فإن الانتخابات، مهما بلغت درجة نزاهتها، لا تستطيع أن تنتج أكثر مما تسمح به البنية السياسية التي تجري داخلها.
لقد نشأت السلطة الفلسطينية في سياق مرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية. إلا أن المرحلة الانتقالية لم تنته، بل تحولت مع مرور الزمن إلى بنية سياسية مستقرة نسبياً، فأصبح الانتقال هو النظام نفسه، وأصبحت المؤسسات التي أنشئت لإدارة مرحلة مؤقتة تمارس وظائفها بوصفها مؤسسات دائمة. وفي هذا السياق، لم تعد الانتخابات أداة للانتقال إلى مرحلة جديدة، بل إحدى وسائل تجديد المؤسسات التي تنتمي إلى المرحلة نفسها.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية. فالسلطة التي تدعو إلى الانتخابات ليست سلطة تأسيسية أنشأها الشعب عبر عملية دستورية جامعة، وإنما سلطة نشأت ضمن اتفاق سياسي انتقالي وحدد هذا الاتفاق نطاق اختصاصها ووظيفتها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بشرعية نتائج الانتخابات، بل بشرعية الإطار الذي يضع قواعدها ويحدد مؤسساتها وحدودها. فمن يملك حق تعريف العملية السياسية؟ ومن يملك حق تحديد طبيعة النظام الذي يُطلب من الفلسطينيين تجديده انتخابياً؟
ويزداد هذا السؤال تعقيداً لأن الانتخابات الفلسطينية لا تجري في دولة ذات سيادة، بل في فضاء سياسي يخضع لقيود الاحتلال، ويتأثر بالاعتبارات الإقليمية والدولية، ويعمل ضمن منظومة مالية تعتمد بدرجات متفاوتة على التمويل الخارجي. وبذلك يصبح الفائز في الانتخابات قادراً على إدارة المؤسسة، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على إعادة تعريف وظيفتها أو تجاوز القيود البنيوية التي تحكمها.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود السلطة. فخلال العقود الماضية انتقل مركز الثقل السياسي تدريجياً من الإطار الوطني الجامع إلى مؤسسات السلطة، وتحول النقاش العام من سؤال تمثيل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته إلى سؤال إدارة السلطة في الأراضي الفلسطينية. وهكذا أصبحت الانتخابات تُناقش بوصفها وسيلة لتجديد شرعية السلطة، بينما تراجع النقاش حول المرجعية الوطنية التي تمنح هذه السلطة معناها، وحول العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة، وبين الداخل والشتات، وبين المشروع الوطني ومؤسساته.
لقد كشفت الحرب على غزة أن التحولات الكبرى في التاريخ الفلسطيني لا تبدأ عادة من المؤسسات، بل من المجتمع نفسه. فالمجتمع الفلسطيني ظل، في محطات مفصلية، منتجاً للفعل السياسي وللتحولات التاريخية، بينما جاءت المؤسسات لاحقاً لمحاولة استيعاب تلك التحولات أو تنظيمها. ومن هنا فإن الأزمة الراهنة لا تتمثل فقط في ضعف المؤسسات، بل في اتساع الفجوة بين مجتمع تغيرت أسئلته وأولوياته، وبين بنية سياسية ما زالت تعمل وفق منطق مرحلة تاريخية سابقة.
ولهذا فإن اختزال النقاش في إجراء الانتخابات أو تأجيلها يعني اختزال الأزمة ذاتها. فالسؤال الفلسطيني اليوم لم يعد: من يفوز في الانتخابات؟ بل: أي نظام سياسي ستمنحه الانتخابات شرعية؟ وأي مشروع وطني ستعبر عنه المؤسسات المنتخبة؟ وهل ما زالت البنية السياسية القائمة قادرة على حمل التحولات التي فرضتها الحرب، أم أنها أصبحت تدير مرحلة انتهت شروطها التاريخية؟
إن قيمة الانتخابات لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، ولا بنسبة المشاركة، وإنما بقدرتها على أن تكون جزءاً من عملية سياسية أوسع تعيد بناء المرجعية الوطنية، وتحدد العلاقة بين مؤسسات الشعب الفلسطيني المختلفة، وتعيد تعريف المشروع الوطني في ضوء التحولات التاريخية الراهنة. فالانتخابات تستطيع أن تمنح شرعية ديمقراطية، لكنها لا تستطيع، وحدها، أن تؤسس مرجعية وطنية أو أن تعيد بناء جماعة سياسية تعاني انقساماً في التمثيل والوظيفة والاختصاص.
ومن هنا، فإن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى انتخابات فحسب، بل إلى لحظة تأسيس سياسي تعيد للشعب الفلسطيني، بكل مكوناته، دوره بوصفه صاحب السلطة التأسيسية، لا مجرد ناخب داخل بنية سياسية قائمة. فالانتخابات تبلغ ذروة معناها عندما تأتي تتويجاً لعملية تأسيس وطني، لا بديلاً عنها. وما لم يُحسم السؤال المتعلق بمن يملك حق تعريف المشروع الوطني، وبأي مؤسسات يُعبَّر عنه، ستظل الانتخابات قادرة على تجديد الإدارة، لكنها ستظل عاجزة عن إعادة تأسيس السياسة.
وعليه، فإن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني لا يتوقف على موعد الانتخابات المقبلة بقدر ما يتوقف على القدرة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة التأسيس؛ من البحث عن شرعية مؤسسات قائمة إلى إعادة بناء المرجعية التي تمنح هذه المؤسسات معناها؛ ومن السؤال عن هوية الحاكم إلى السؤال الأسبق: ما النظام السياسي الذي يريد الفلسطينيون أن يؤسسوه، ومن يملك حق تأسيسه؟