سعيد گنيش - الصهيونية نقيض وجودي للشعوب العربية وليس فقط لشعب فلسطين... القسم الثالت والأخير

القسم الثالت والأخير

داخل البلدان العربية التي تحكمها طبقة الكومبرادور، وتتخذ وضعية السيطرة الطبقية على السلطة مدعومة من الامبريالية مقابل إعادة إنتاج بنية التبعية الموسعة، ونهب الثروات والانفتاح والتخلف والصهينة؛ فإن الوضع العام لقوى المعارضة قد تحول من المجابهة إلى اختيار القبول بالعمل تحت سقف الخطوط الحمراء والقبول بما هو سائد ، وتخلي القوى الماركسية عن مشروع التحرير والوحدة، والبعض أصبح متعاونا في اجتثاث الغضب الشعبي وتسويق ما يسمى بإيجابيات الانفتاح والتطبيع.
لا توجد داخل هذه البلدان تعددية حزبية حقيقية مستقلة عن السلطة، ولا توجد حريات سياسية ونقابية وإعلامية وثقافية وفكرية ومدنية، ولا ديمقراطية برلمانية أو انتخابات مستقلة ونزيهة.
أولا، لأن التبعية هي بنية اجتماعية واقتصادية للرأسمالية في البلدان العربية محددة تاريخيا ، تتناقض مع الديمقراطية حتى بمضمون بورجوازي وبالأحرى شعبي. إذ لا يمكن للقوى الامبريالية أن تسمح في بلد تبعي بممارسة اختيارات سيادية تتناقض مع مصالحها ومصالح شركاتها الاحتكارية، فهي من تحتكر وتصادر القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ولن تقبل طوعا بتقاسمه. و هي من يتسيد على الثروة و هي من يفرض توزيع الغنائم والمكاسب والمناصب. وتمنع التراكم الداخلي أساس التنمية بنهب الثروة والتبادل غير المتكافئ والانفتاح على أسواق محتكرة من شركاتها، وتكرس الاستغلال المضاعف للطبقات العاملة بفرض أجور متدنية.
تانيا ، القوى الامبريالية هي من سمحت منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي بتوسيع المشاركة في سلطة الكومبرادور من خلال توسيع قاعدتها الاجتماعية للعملاء الجدد؛ وذلك بإدماج زعماء الطوائف والاثنيات و قوى الدين السياسي، و الاعيان المحليين وناهبي المال العام وتجار المخدرات و تجار السوق السوداء والوسطاء الطفيليين..الخ، داخل مؤسسات "ديمقراطية الواجهة" لترعى انتخابات متحكم في نتائجها تماشيا مع بسط هيمنة عولمة الامبريالية .
تالثا ، لن يجد نفعا الرهان على تحركات ما يسمى بالمنظمات غير الحكومية في الغرب الرأسمالي لتغيير الواقع واستجلاب الدعم الديمقراطي من الخارج، لأنها جزء من بنية النظام الاستعماري وتتمول من الشركات الاحتكارية وتخدم أجنداتها. وقد عرت الوقائع المرتبطة "بالخريف العربي" أدوارها.
رابعا ، إن ما يسمى "بالمجتمع المدني"، أو لنقل تحديدا رؤساء و مديري مكاتب "الجمعيات المدنية" الذي يسمون أنفسهم بالشركاء . فدورهم الحقيقي هو إسهامهم في تحريف النضال الشعبي وتمييعه، والتعاون مع السلطات والعمالة للأجنبي، مقابل ما يقبضون من رواتب وتعويضات.
السائد في هذه الأوضاع أن المشكلة السياسية الرئيسية التي تعيق أي تغيير أو إصلاح جاد هي طبيعة الأنظمة الجاثمة، ولا سبيل للتخلص منها إلا عبر طريق النضال الشعبي بجميع الاشكال بمضمون وطني تحرري، على أساس برنامج يحدد الامبريالية الغربية كعدو داخلي ورئيسي، وأن سلطة الكومبرادور هي التمثيل الطبقي المحلي لسيطرتها.
داخل البلدان ذات التوجه القومي قبل إسقاطها بالغزو العسكري، فإن الأمر كان معقدا بسبب الإنجاز الموضوعي الذي حققته حكوماتها، على مستوى الاستقلال السياسي والتنموي، قياسا لما حصل على المستوى الوطني والقومي في تاريخنا المعاصر، لا سيما التجربة الناصرية والبعثية. فقد ناصبت السلطة داخل هذه البلدان العداء ضد أي نزوع شعبي مستقل نحو التعدد الحزبي والسياسي والنقابي وقامت بتقويضه، وكرست نظام الحزب الوحيد، وتسرطنت سلطة الأجهزة الأمنية القمعية والعسكر في جسد المجتمع والدولة. لأنها جاءت إلى الحكم في الغالب بالانقلاب العسكري والامني وتتوجس دوما من شعوبها. ولا يمكن أن تقطع مع المصعد أو السلم الذي أوصلها إلى الحكم.
مباشرة بعد انهيار الحليف السوفياتي، أصبحت هذه الأنظمة متأزمة بلا سند أو حليف، منكشفة أمام توحش الصهيوأمريكي وحصاره. رغم نهجها سياسات اقتصادية واجتماعية ليبرالية لفائدة الرأسمال الاحتكاري الأجنبي والمحلي للحفاظ على سلطتها وضرب المكتسبات الشعبية في التعليم والصحة والشغل وضرب استقرار أسعار المواد الحيوية والعملة. لكن بكذا اختيارات أجهزت فقط على ما تبقى لها من رصيد شعبي داعم وهيأت الشروط الاجتماعية والسياسية للسخط الشعبي ضدها.
إنه حصيلة وضع عام عربي هابط يزحف على بطنه من خيانة إلى خيانة لصالح سيطرة الأنظمة الكمبرادورية، التي تكرس تضخم الأجهزة الأمنية والمخابراتية وجعتلها القوة الضاربة لسحق أي تعبير سياسي ونقابي وتنظيمي واعلامي مستقل للطبقات الشعبية العاملة.
هذا التطابق في الأوضاع العربية على المستوى السياسي ومحنة الحريات الديمقراطية الأساسية أعطى فاعلية التنسيق والتكامل والتآخي بين الأجهزة الأمنية والقمعية للأنظمة العربية رغم تنابذها.
وعلى النقيض فإن الهوة سحيقة بين الأقطار العربية على مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي وتوزيع الثروة، وتدني أي تبادل وتعاون بيني إلى درجة الصفر. وهنا تبرز خطورة تعميق مشروع القطرية والتبعية والتفكيك الاستعماري، وجعل كل بلد عربي سوقا ملحقة بالقوى الاستعمارية وفق توزيع العمل الدولي الامبريالي. وهنا أيضا تكمن خطورة هذا المشروع في تهشيم الشعور القومي الوحدوي الكامن لدى الشعوب العربية العاملة . لتغدو التربة ملائمة في نمو النزعة الانعزالية والطائفية والاحساس بأن كل بلد عربي يشكل أمة لذاته. وأن قضية فلسطين المحتلة تبدو في المحصلة عند قوى المعارضة العربية "قضية تضامن إنساني".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى