كلما سمعت أو قرأت مصطلح البلدي، لا بمفهومه الثقافي أو الاجتماعي، وإنما بمفهومه الإداري، تذكرت أبيات الشاعر محمد السراج بن إبراهيم وهو يهجو المطعم البلدي، بعدما اضطر إلى المبيت فيه أثناء زيارته لمدينة طنجة إبان الحماية الفرنسية، فقال:
إن كان في كل أرضٍ ما تُشان به
فإن طنجةً فيها المطعمُ البلدي
أخلاقُ أبنائها كالمسك في أَرَجٍ
بعكسِ أخلاقِ ربِّ المطعمِ البلدي
كما تذكرت الشاعر الكبير بيرم التونسي، شاعر العامية وفنان الشعب، حين صبَّ سخريته على المجلس البلدي، فقال:
قد أوقع القلبَ في الأشجان والكمدِ
هوى حبيبٍ يُسمى المجلسَ البلدي
أمشي وأكتم أنفاسي مخافةَ أن
يعدَّها عاملٌ للمجلس البلدي
إذا الرغيفُ أتى فالنصفُ آكله
والنصفُ أتركه للمجلس البلدي
يا بائعَ الفجلِ بالمليمِ واحدةً
كم للعيالِ وكم للمجلس البلدي
ولم تكن سخرية بيرم تمر بلا ثمن؛ فقد أمر الملك فؤاد بنفيه من مصر إلى موطنه الأصلي تونس.
أما صاحب المطعم البلدي، فلم يجد أمام هجاء شاعر مراكش، الذي أبدع في وصف الذباب والبراغيث وبقِّ الفندق، إلا أن يمازحه قائلاً:
فهزني كصديقٍ يداعبني
وقال: تلك جيوشُ المطعمِ البلدي
فأجابه الشاعر:
فقلتُ: عفوًا، فما لي من ملاحظةٍ
وإني معجبٌ بالمطعمِ البلدي
ينسى الفتى كلَّ مقدورٍ يمرُّ به
إلا مبيتَ الفتى بالمطعمِ البلدي
وأحسب أن أبناء الجديدة، هم أيضاً أخلاقهم كالمسك في أرج كما قال الشاعر، لو قرأوا هذه الأبيات اليوم، لما احتاجوا إلا إلى تعديل بسيط: استبدال كلمة المطعم بكلمة المجلس، واسم طنجة باسم الجديدة، لتولد قصيدة جديدة لا تحتاج إلى شاعر، بل إلى شاهد.
أما أنا، فسأكتفي بأن أختم ببيت آخر لمحمد السراج بن إبراهيم من قصيدته الجمعية الخيرية، وكأنه كُتب ليصل، بعد كل هذه العقود، إلى كل مسؤول يمر بجانب حفرة فلا يراها، أو بجوار حديقة فلا يفتقدها، أو أمام مواطن فلا يسمعه:
هذا الضعيفُ أمامكم مسترحمًا
يرجو النوالَ، فهل لديكم نوالُ؟
فعساك تشفقُ من أليمِ عذابه
وإذا فعلتَ، فربُّنا فعّالُ
رحم الله شاعر الحمراء والبهجة، ورحم الله بيرم التونسي، ورحم كل قلم جعل من السخرية مرآةً للإصلاح، لا مطرقةً للهدم.
ويبقى السؤال:
هل تخشى بعض المجالس البلدية قصيدةً ساخرة أكثر مما تخشى حفرةً في الطريق، أو كومةً من النفايات، أو حديقةً ذابلة، أو رصيفًا متهالكًا؟
إن كان في كل أرضٍ ما تُشان به
فإن طنجةً فيها المطعمُ البلدي
أخلاقُ أبنائها كالمسك في أَرَجٍ
بعكسِ أخلاقِ ربِّ المطعمِ البلدي
كما تذكرت الشاعر الكبير بيرم التونسي، شاعر العامية وفنان الشعب، حين صبَّ سخريته على المجلس البلدي، فقال:
قد أوقع القلبَ في الأشجان والكمدِ
هوى حبيبٍ يُسمى المجلسَ البلدي
أمشي وأكتم أنفاسي مخافةَ أن
يعدَّها عاملٌ للمجلس البلدي
إذا الرغيفُ أتى فالنصفُ آكله
والنصفُ أتركه للمجلس البلدي
يا بائعَ الفجلِ بالمليمِ واحدةً
كم للعيالِ وكم للمجلس البلدي
ولم تكن سخرية بيرم تمر بلا ثمن؛ فقد أمر الملك فؤاد بنفيه من مصر إلى موطنه الأصلي تونس.
أما صاحب المطعم البلدي، فلم يجد أمام هجاء شاعر مراكش، الذي أبدع في وصف الذباب والبراغيث وبقِّ الفندق، إلا أن يمازحه قائلاً:
فهزني كصديقٍ يداعبني
وقال: تلك جيوشُ المطعمِ البلدي
فأجابه الشاعر:
فقلتُ: عفوًا، فما لي من ملاحظةٍ
وإني معجبٌ بالمطعمِ البلدي
ينسى الفتى كلَّ مقدورٍ يمرُّ به
إلا مبيتَ الفتى بالمطعمِ البلدي
وأحسب أن أبناء الجديدة، هم أيضاً أخلاقهم كالمسك في أرج كما قال الشاعر، لو قرأوا هذه الأبيات اليوم، لما احتاجوا إلا إلى تعديل بسيط: استبدال كلمة المطعم بكلمة المجلس، واسم طنجة باسم الجديدة، لتولد قصيدة جديدة لا تحتاج إلى شاعر، بل إلى شاهد.
أما أنا، فسأكتفي بأن أختم ببيت آخر لمحمد السراج بن إبراهيم من قصيدته الجمعية الخيرية، وكأنه كُتب ليصل، بعد كل هذه العقود، إلى كل مسؤول يمر بجانب حفرة فلا يراها، أو بجوار حديقة فلا يفتقدها، أو أمام مواطن فلا يسمعه:
هذا الضعيفُ أمامكم مسترحمًا
يرجو النوالَ، فهل لديكم نوالُ؟
فعساك تشفقُ من أليمِ عذابه
وإذا فعلتَ، فربُّنا فعّالُ
رحم الله شاعر الحمراء والبهجة، ورحم الله بيرم التونسي، ورحم كل قلم جعل من السخرية مرآةً للإصلاح، لا مطرقةً للهدم.
ويبقى السؤال:
هل تخشى بعض المجالس البلدية قصيدةً ساخرة أكثر مما تخشى حفرةً في الطريق، أو كومةً من النفايات، أو حديقةً ذابلة، أو رصيفًا متهالكًا؟