كرة القدم سعيد ناشيد - المسألة الدينية لدى منتخبات شمال إفريقيا لكرة القدم.. (بين الإيمان العاقل والإيمان الجاهل

من حيث المبدأ لا يطرح المشهد أي مشكلة: لاعبٌ يسجّل هدفا ثم يهوي ساجدا على العشب، ويلتحق به زملاؤه واحدا تلو الآخر؛ حافلةُ منتخب تتجه نحو الملعب وفي مكبّراتها تلاوة مرتّلة؛ حلقةُ دعاء في غرفة الملابس قبل صافرة البداية، بأيادٍ مرفوعة وعيون مغمضة. هذه الصور تتكرّر لدى منتخبات شمال إفريقيا حتى صارت جزءا من هويتها البصرية، تماما كألوان القميص. لكنّ السؤال الجدير بالوقوف عنده هو: ماذا تفعل هذه العاطفة الدينية بلاعب يخوض تسعين دقيقة لا ترحم، تسعين دقيقة تطلب منه شيئا نادرا وثمينا اسمه التركيز؟
والجواب الصادق: إنها قد تفعل الشيء ونقيضه.
في وجهها الأول، العاطفة الدينية حليفٌ للتركيز؛ فالطقس الذي يسبق المباراة (دعاء قصير مثلا) قد يمنح الجسدَ إيقاعا مطمئنّا، ويقول للجهاز العصبي المتوتّر: الأمور في نصابها. غير أنّ العاطفة نفسها قد تصير عبئًا، إذ قد يقول اللاعب في لاوعيه: «أنا مؤمن، إذن أستحقّ الفوز». وهنا تثير كلُّ هجمة ضائعة قلقا لاهوتيا صغيرا: لماذا لم يُستجَب لنا؟ ويصير كلُّ هدف يتلقّاه فريقُه عتابا مبطَّنا. وبدل أن يعود ذهنُه إلى الكرة، يعلق في مداولات تتعلّق بالغيب.
وهناك مسألة أخرى: الحماس الديني الذي يُشعَل جماعيا في غرفة الملابس ـ(خطبة مؤثّرة، دعاء صاخب...) قد يشعل لهبًا حقيقيا، لكنه لهبٌ يشتعل بسرعة لينطفئ فجأة. فكم رأينا لاعبا يدخل كالإعصار، يضغط بعض الوقت، ثم يذبل حين يصمد الخصم؛ لأنّ ما كان يحرّكه انفعالٌ مستعار لا طاقةٌ مهضومة. والتسعون دقيقة أطول من أيّ خطبة.
الفيصل إذن ليس في الإيمان ذاته (فنجوم كبار في العالم يستعينون بالإيمان على نحو هادئ وعميق) بل في كيفية استيعاب هذا الإيمان. فالإيمان ليس شيئا واحدا يُعطى جاهزا للجميع؛ إنه مادة خام يصوغ منها كلُّ واحد علاقته الخاصة. لاعبٌ يؤوّل التوكّل بوصفه تحرّرا من هاجس النتيجة سيجد فيه صفاءً وحضورًا، وآخر يؤوّله بوصفه وعدًا بالنصر سيجد فيه، عند أول انتكاسة، خيبةً تشوّش عليه ما تبقّى من المباراة، والمباريات الباقية. ذلك أنّ العمل الحقيقي يجري في وجدان كلّ لاعب على نحو حرّ ومستقلّ، وبقدر ما يستطيع أن يقرأ إيمانه القراءةَ التي تحمي انتباهه بدل أن تبدّده.
ولهذا فإنّ التحفيز الديني، حين يُمارَس عشوائيا وجماعيا بل غوغائيا أحيانا، كأنه جرعةً واحدة للجميع بالنبرة نفسها وفي التوقيت نفسه، فإنه يخطئ جوهر المسألة. فالحساسية الدينية فردية بطبيعتها: ما يُطمئن هذا اللاعب قد يشحن ذاك بتوتّر إضافي، وما يلهب حماس الشابّ المثقل بالخوف أو الذنب قد يترك زميله الفاتر باردا أو منقبضا. والحماس الجماعي الذي لم يهضمه كلُّ فرد على طريقته، ولم يمرّ عبر مصفاة خبرته الخاصة، يظلّ طلاءً سريع الزوال؛ أمّا الذي هُضم فرديا (ببطء، وعمق، ووفق وجدان صاحبه) فيتحوّل من انفعال عابر إلى قوة هادئة تدوم. وهذا ما نرجوه مستقبلا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى