( بوصفه شكلاً من أشكال السلطة، يكون الإخضاع متناقضا.ً أن تسيطر على المرء سلطة برانية عليه هو شكل مألوف ومؤلم تتخذه السلطة. لكن أن نجد أن ما يكون عليه " المرء"، تشكله الخاص بوصفه ذاتا،ً يعتمد بمعنى ما على تلك السلطة نفسها هو أمر مختلف تماما.ً لقد اعتدنا التفكير في السلطة بوصفها ما يضغط على الذات من الخارج، ما يخضعها، ما يحط من مكانتها، وينزلها إلى مرتبة أدنى هذا بالتأكيد توصيف منصف القسط يسير مما تمارسه السلطة. لكن إن فهمنا السلطة، وفقاً لفوكو، بوصفها مشكلة للذات أيضا،ً بوصفها توفّر الشرط المحدد لوجود الذات والمسار رغبتها، حينئذ لا تكون السلطة ببساطة ما نعارضه، وإنها ما نعتمد عليه بشدة أيضاً من أجل وجودنا وما نستره ونحفظه في الكينونات التي نكون عليها) جوديثباتلر الحياة النفسية للسلطة ص 10
نحو إبستمولوجيا لقراءة إنتاج الذات في الرواية
تحاول هذه الدراسة أن تفكر نظريا ومنهجيا بشكل مختلفعنالتصور الذي يرى الرواية موضوعًا لتطبيق نظرية جاهزة، كما درجت على ذلك الكثير من الأبحاث والدراسات العلمية الأكاديمية. لذلك تنطلق من فرضية إبستمولوجية تعتبر النص الروائي شريكًا في إنتاج المعرفة النقدية. فالرواية ليست مادة خامًا تنتظر المفاهيم كي تفسرها، إنها تمتلك قدرة خاصة على كشف مناطق من التجربة الإنسانية قد تعجز عنها الخطابات الفلسفية أو السوسيولوجية بصيغتها التجريدية.
ومن هذا المنطلق، لا تستدعي الدراسة ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وجوديثباتلر، وأنطونيو غرامشي بوصفهم سلطات تفسيرية، بل بوصفهم محاورين للنص. كما لا تتعامل مع مفاهيم السلطة، والهابيتوس، والإخضاع، والهيمنة باعتبارها مفاهيم منفصلة، وإنما تعيد تنظيمها داخل مسار واحد يصف كيفية تشكل الذات الإنسانية.
ويبدأ هذا المسار من سؤال الرغبة والاعتراف كما بلورته جوديثباتلر في كتابها التأسيسي " ذات من الرغبة"، حيث لا تظهر الذات باعتبارها جوهرًا سابقًا على العلاقات الاجتماعية، لكن بوصفها نتاجًا لحاجتها إلى الاعتراف. ثم ينتقل إلى مفهوم الإخضاع في " الحياة النفسية للسلطة: نظريات في الإخضاع"، الذي يبين أن الذات لا تُنتج خارج السلطة، وإنما من خلالها. بعد ذلك يوضح مفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو كيف تتحول هذه السلطة إلى استعدادات وممارسات تبدو طبيعية، بينما يكشف فوكو الكيفية التي تُدار بها الأجساد والرغبات والزمن عبر تقنيات دقيقة للانضباط. وأخيرًا يمنح مفهوم الهيمنة عند غرامشي لهذا المسار بعده التاريخي والثقافي، حين يفسر كيف تتحول هذه الآليات إلى حس مشترك يعيد إنتاج نفسه عبر القبول والرضا أكثر مما يعيد إنتاج نفسه عبر الإكراه.
إن أهمية هذا البناء النظري لا تكمن في جمع هذه المرجعيات، بل في إعادة تركيبها حول سؤال واحد: كيف تتشكل الذات حتى تصبح قادرة على الاعتقاد أن ما تمارسه بحرية هو في الوقت نفسه أثر لتاريخ طويل من الهيمنة؟
تفترض هذه الدراسة أن رواية حكم علينا الهوى لا تقدم الزواج بوصفه سببًا مباشرًا لمعاناة المرأة، ولا تكتفي بإدانة السلطة الأبوية بوصفها سلطة خارجية، وإنما تكشف أن الذات النسائية تتشكل منذ البداية داخل منظومة من الهيمنة الرمزية تجعل الامتثال يبدو اختيارًا شخصيًا، والطاعة فضيلة، وتأجيل الرغبة إنجازًا أخلاقيًا.
وانطلاقًا من هذا التصور، ترى الدراسة أن الرواية لا تروي فقط مسار تشكل ثلاث شخصيات نسائية، بل تفكك الآليات الثقافية التي تنتج الذوات، وتعيد تشكيلها، وتمنحها شعورًا بالحرية في الوقت الذي تستبطن فيه معايير السلطة. وبهذا تتحول الرواية إلى مختبر أدبي يكشف العلاقة المعقدة بين السلطة والذات، وبين الحرية والامتثال، وبين الحب والهيمنة، في أفق يتقاطع مع تصورات ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وجوديثباتلر، وأنطونيو غرامشي، دون أن يختزل النص في مجرد تطبيق لهذه المرجعيات النظرية.
وتقترح الدراسة أن رواية "حكم علينا الهوى" تقدم جوابًا أدبيًا عن هذا السؤال؛ فهي لا تكتفي بتمثيل السلطة، إنها تكشف سيرورة إنتاجها داخل اللغة، والذاكرة، والجسد، والرغبة، والحياة اليومية. ومن هنا يصبح السرد نفسه شكلاً من أشكال التفكير في السلطة، لا مجرد وسيلة لتمثيلها.
وانطلاقًا من هذا التصور، تقترح الدراسة مفهوم " سردنة الهيمنة" للدلالة على العملية التي يحول بها النص الروائي علاقات السلطة من بنى اجتماعية مجردة إلى خبرة ذاتية تُعاش وتُروى وتُراجع، بحيث يغدو فعل الحكي نفسه فعلًا نقديًا يكشف الكيفية التي تشكلت بها الذات داخل النظام الرمزي الذي كانت تعده طبيعيًا.
وبذلك تنتقل الدراسة من سؤال تمثيل الواقع إلى سؤال إنتاج المعرفة؛ إذ لا يعود الأدب شاهدًا على المجتمع فحسب، إنه يطمح الى أكثر من ذلك، حيث يصبح أحد الفضاءات التي يعاد داخلها التفكير في مفاهيم السلطة والهوية والحرية والاعتراف والهيمنة.
مقدمة
غالباً ما قُرئت الرواية النسائية العربية في ضوء ثنائية تكاد تبدو مستقرة في النقد الثقافي؛ فهي إما نص يقاوم السلطة الأبوية، أو خطاب يحتفي بتشكل الذات النسائية واستعادتها لحقها في الكلام والاختيار. غير أن هذا المنظور، على أهميته، يفترض ضمنياً وجود ذات سابقة على السلطة، ذات مستقلة تأتي البنية الاجتماعية لاحقاً لتقيد حركتها أو تحد من حريتها. أما رواية " حكم علينا الهوى" لربيعة ريحان فتدفع القارئ إلى مساءلة هذا الافتراض نفسه، لأنها لا تكتفي بتمثيل آثار السلطة في حياة النساء، حيث تكشف الكيفية التي تتشكل بها الذات النسائية داخل السلطة ومن خلالها.
لا تحضر السلطة في الرواية بوصفها جهازاً خارجياً للقمع، ولا باعتبارها إرادة فردية يجسدها الرجل وحده، وإنما تتبدى شبكةً معقدة من الخطابات والعادات والطقوس والتمثلات التي تنتج المعاني، وتحدد ما ينبغي أن تكون عليه المرأة، وما ينبغي أن تشعر به، وكيف تتكلم عن نفسها، وتعمل أيضاعلى كيف تفهم رغبتها وحريتها وأخلاقها. ولهذا تبدو الشخصيات وكأنها تختار مساراتها بإرادتها، غير أن اللغة التي تصوغ بها هذه الاختيارات ــ البطولة، الشرف، الاستحقاق، اللباقة، التضحية، الزوجة الصالحة ــ تكشف أن ما يبدو قراراً شخصياً إنما يتأسس على منظومة رمزية استقرت في الوعي حتى غدت جزءاً من تعريف الذات لنفسها.
من هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الرواية لا تروي صراعاً بين المرأة والرجل بقدر ما تفضح الآليات الثقافية التي تُنتج الطرفين معاً داخل نظام رمزي واحد. فالرجال أنفسهم ليسوا خارج هذه المنظومة؛ إنهم، مثل النساء، يتحركون داخل شبكة من الإلزامات الاجتماعية التي تحدد معنى الرجولة بقدر ما تحدد معنى الأنوثة. ولهذا لا يكون الزوج أو الأب أو الأم مجرد شخصيات روائية. إن الأمر يتعلقبمواقع رمزية تتقاطع فيها السلطة مع الثقافة والتربية والذاكرة الاجتماعية.
وتقتضي مقاربة هذا التعقيد تجاوز القراءة السوسيولوجية المباشرة أو النسوية التي تحصر الهيمنة في ثنائية الرجل/المرأة، نحو قراءة ثقافية تستفيد من ثلاثة تصورات فلسفية متكاملة. فمن ميشيل فوكو تستعير الدراسة مفهوم السلطة بوصفها قوة منتجة للذوات لا مجرد جهاز للقمع، ومن بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي والهابيتوس لفهم الكيفية التي تتحول بها الأعراف إلى بداهات اجتماعية يعيد الأفراد إنتاجها دون وعي، ومن جوديثباتلر مفهوم الإخضاعالذي يبين أن الذات لا توجد قبل السلطة، وإنما تتكون عبر استبطان المعايير التي تخضعها.
غير أن استدعاء هذه المرجعيات لا يروم إخضاع الرواية لسلطة النظرية، وإنما إقامة حوار نقدي معها؛ إذ تنطلق الدراسة من فرضية أن النص الأدبي لا يمثل الواقع بصورة مباشرة كما روجت لذلك الكثير من الكتابات، بما في ذلك المقاربات الماركسية المؤمنة جهلا بمفهوم الانعكاس. فالإبداع و من ضمنه الشكل الروائييسعى إلى أن ينتج معرفة خاصة به، قادرة أحياناً على مساءلة المفاهيم النظرية نفسها وإعادة اختبارها. ومن ثم فإن السؤال المركزي لا يتمثل في كيفية حضور السلطة داخل الرواية.إنه سؤال مهووسوممسوس بالكيفية التي تجعل بها الرواية السلطة مرئية بعد أن تكون قد استقرت في اللغة والوجدان والممارسة اليومية، حتى غدا الامتثال لها يُعاش بوصفه حرية، والطاعة بطولة، والصمت حكمة، والتضحية دليلاً على النضج الأخلاقي.
هكذا تسعى هذه الدراسة إلى الانتقال من سؤال: كيف قاومت المرأة السلطة؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف تشكلت المرأة ــ والرجل معاً ــ داخل السلطة؟ وكيف تجعل الرواية من هذا التشكل موضوعاً للتفكير الجمالي والثقافي؟ وهو سؤال يفتح النص على أفق يتجاوز التوثيق الاجتماعي، ليجعله مساءلة أدبية وفلسفية عميقة لمسألة إنتاج الذات داخل النظام الرمزي.
أولاً: التربية بوصفها التقنية الأولى لإنتاج الذات
لا تبدأ السلطة في رواية " حكم علينا الهوى"عند لحظة الزواج، ولا عند دخول المرأة إلى الفضاء الأسري، إنها تسبق ذلك بكثير؛ حيث تبدأ منذ الطفولة، حين تتحول التربية إلى آلية دقيقة لإنتاج الذوات قبل أن تصبح وسيلة لتقويمها. ولذلك لا تقدم الرواية التربية باعتبارها عملية تعليم بريئة، وإنما بوصفها تقنية ثقافية تصوغ علاقة الفرد بنفسه وبجسده وبالعالم من حوله. ومن هنا فإن الذات النسائية لا تدخل الرواية بوصفها ذاتاً مكتملة تتعرض لاحقاً للهيمنة، لكنباعتبارها ذاتاً تتكون تدريجياً داخل منظومة من الخطابات والقيم التي تحدد منذ البداية ما ينبغي أن تكونه المرأة.
ويختزل اعتراف الساردة هذه العملية بقولها: لقد تلقينا نحن الثلاثة تلك التربية التي أثمرت فينا ولم يستطع أي أحد زحزحتنا عنها قيد أنملة(ص 174). وتكشف هذه العبارة أن التربية لم تنتج معرفة أو سلوكاً عابراً، لقد أنتجت بنية داخلية مستقرة، حتى إن الساردة تصفها بثمار نضجت واستقرت في أعماق الشخصية. إن فعل "أثمرت"لا يحيل إلى الإكراه، وإنما إلى النمو الطبيعي، وكأن القيم التي غرستها الأسرة لم تعد تُدرك باعتبارها قيوداً، فقد أصبحت جزءاً من طبيعة الذات نفسها. وهنا تكمن فاعلية السلطة؛ فهي تبلغ أقصى درجاتها عندما تنجح في إخفاء نفسها، فتبدو القيم الاجتماعية وكأنها خصائص طبيعية للفرد.
ومن هذا المنظور، تبدو التربية أقرب إلى ما يسميه ميشيل فوكو تقنيات إنتاج الذات؛ فالسلطة لا تنتظر ظهور الذات لتفرض عليها أوامرها، إنهاتشارك منذ البداية في تشكيلها، عبر جملة من الممارسات اليومية التي تبدو بسيطة: النصيحة، والتوجيه، والرقابة، والثواب، والعقاب، والحديث المتكرر عن الشرف والسمعة والحياء. إنها ممارسات لا تعتمد على العنف المباشر، لكنها تنحت الجسد والوجدان والخيال حتى يغدو الفرد قادراً على مراقبة نفسه دون حاجة إلى رقيب خارجي.
غير أن الرواية تضيف إلى هذا التصور بعداً آخر، إذ تكشف أن هذه التربية لا تكتفي بإنتاج الطاعة، وإنما تنتج أيضاً شعوراً بالرضا عنها. ويتجلى ذلك في قول الساردة: لقد كنا بطلات ونحن نقمع رغبتنا القوية في الجنس، وذلك كان أحد إنجازاتنا المرموقة(ص 174). فاللافت في هذه العبارة أن الساردة لا تصف تجربة قمعية، وإنما تستعير معجم البطولة والإنجاز لتوصيف فعل الحرمان. وهنا تنقلب العلاقة التقليدية بين السلطة والخضوع؛ فالسلطة لا تفرض الانضباط بوصفه تضحية، فهي تعيد تعريفه باعتباره نجاحاً أخلاقياً يستحق الاعتراف.
تبعا لهذا الفهم والتحليل النقدي، يمكننا أن نلاحظ مدىالتقاء الرواية مع تصور بيير بورديو للعنف الرمزي. فالمجتمع لا يكتفي بفرض قواعد السلوك، إنه يمنح الممتثلين لها رأسمالاً رمزياً، يتمثل في الاحترام والسمعة والاعتراف الاجتماعي. فالمرأة التي تؤجل رغبتها، وتصمت، وتلتزم بصورة «الفتاة المهذبة»، لا تخسر شيئا بمنطق الجماعة. وهذا ما يجعلها تربح مكانة أخلاقية داخل الجماعة. وهذا الاعتراف هو الذي يجعل السلطة قابلة للاستمرار، لأنها لا تعاقب الخارجين عن النظام فحسب، إنها أيضا تكافئ المندمجين فيه، فيتحول الامتثال إلى استثمار رمزي أكثر منه استجابة للإكراه.
وتفسر جوديثباتلر هذه المفارقة من زاوية أكثر عمقاً؛ فالذات لا تُخضع رغم إرادتها فقط، وإنما تتشكل من خلال هذا الخضوع نفسه. فقول الساردة" كنا بطلات" لا يعبر عن تقييم لاحق، بقدر ما يعبر عن هوية تشكلت داخل خطاب يربط الأنوثة بالشرف، والعفة بالاستحقاق، وضبط الجسد بالنضج الأخلاقي. وبذلك لا تعود البطولة وصفاً لفعل قامت به الشخصية، وإنما تصبح اسماً للذات التي تعلمت أن ترى نفسها من خلال المعايير التي أنتجتها الثقافة.
ولا تقف الرواية عند حدود تشكل الذات، إنها تكشف كذلك أن هذه التربية لا تصنع النساء وحدهن، وإنما تصنع الرجال أيضاً. ولهذا يبدو الأب في أكثر من موضع أسير المنظومة نفسها التي يفرضها على أسرته، كما في قول الساردة: مساكين هؤلاء الآباء، إنهم يقعون صرعى بين أن يرضونا أو يرضوا الأجداد(ص 183). فالسلطة هنا لا تصدر عن الأب بصفته فرداً، إنها تمر عبره بوصفه حلقة في سلسلة طويلة من الإرث الثقافي. حيث يخضع لما يورثه في الوقت نفسه. وهو ما يجعل الرواية تتجاوز ثنائية الجلاد والضحية، لتكشف أن الجميع يتحرك داخل نظام رمزي سابق عليهم جميعاً.
بناء على هذه المعطيات يمكن القول إن الرواية تؤسس منذ صفحاتها الأولى لفكرة سترافقها حتى النهاية، وهي أن التربية ليست مرحلة تمهيدية تسبق الحياة الاجتماعية، إنها أيضا اللحظة التي يُعاد فيها إنتاج المجتمع داخل الأفراد، بحيث تصبح السلطة جزءاً من ضمائرهم، ويغدو الامتثال لها تعبيراً عن هويتهم لا عن خوفهم منها. ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية للشخصيات؛ فالصراع الذي ستعيشه لاحقاً ليس صراعاً مع سلطة خارجية قهرية فقط، لكنه صراع أخطر من ذلك، إنه مع ذات سبق أن صاغتها تلك السلطة من الداخل.
ثانياً: الجسد المؤجل: انضباط الرغبة بين زمن الطبيعة وزمن الثقافة
إذا كانت التربية في الرواية تمثل الآلية الأولى التي تُنتج الذات، فإن الجسد يمثل المجال الذي تصبح فيه هذه السلطة مرئية. غير أن الرواية لا تقدم الجسد بوصفه موضوعاً للشهوة أو الحب، وإنما بوصفه ساحة يتصارع داخلها نظامان مختلفان: نظام الطبيعة الذي يجعل الرغبة جزءاً من الحياة، ونظام الثقافة الذي لا يلغي هذه الرغبة، لكنه يعيد تنظيمها وتأجيلها وإخضاعها لمنطق الشرعية الاجتماعية. ومن هنا فإن القضية الأساسية في الرواية ليست وجود الرغبة أو غيابها، وإنما السؤال: من يملك الحق في تحديد الزمن المشروع للرغبة؟
يتجسد هذا الصراع في العبارة التي تشكل، في تقديري، إحدى أكثر العبارات كثافة في الرواية: لقد كنا بطلات ونحن نقمع رغبتنا القوية في الجنس، وذلك كان أحد إنجازاتنا المرموقة(ص 174). فاللافت هنا أن الساردة لا تنكر وجود الرغبة، إنها تؤكد قوتها. حيث الرغبة حاضرة بقوة، لكنها لا تُعاش بوصفها تجربة إنسانية طبيعية، وإنما بوصفها مادة ينبغي إخضاعها وإدارتها. ولهذا لا تحتفي الشخصية بقدرتها على الحب، وإنما بقدرتها على تأجيله، ولا تفخر بحيوية الجسد، وإنما بقدرتها على الانتصار عليه. وهذا ما يسميه مصطفى حجازي هدر الرغبة، من خلال، التحكم القهري في الذات.
ومن هذا المنظور، لا يبدو الانضباط نفياً للرغبة، بقدر ما هو إعادة تنظيم لزمنها. فالثقافة لا تقول للمرأة: لا ترغبي، وإنما تقول لها: ليس الآن. وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من التأجيلات المتعاقبة، حيث يصبح الجسد مشروعاً مؤجلاً باستمرار، ينتظر اللحظة التي تمنحه فيها المؤسسة الاجتماعية حق الوجود. إن السلطة هنا لا تصادر الجسد، لكنها تستولي على زمنه، فتحدد متى يحق له أن يرغب، ومتى يجب عليه أن يصمت، ومتى يصبح التعبير عن الرغبة فضيلة، ومتى يغدو عاراً.
ويكشف اعتراف لينا هذا التوتر بوضوح حين تقول: إنني محتشدة بالرغبة كما لا يمكن أن تتصوري(ص 178). تأتي هذه الجملة لتقوض الصورة المثالية التي أنتجتها التربية؛ فالجسد الذي تعلم الصمت لم يفقد رغبته، وإنما أخفاها. ولهذا يبدو الاعتراف هنا لحظة استعادة للصوت الذي حاول الخطاب الأخلاقي إسكاتَه. غير أن اللافت أن هذا الاعتراف لا يفضي إلى التحرر، إنه يبقى محصوراً في دائرة الكلام، بينما يستمر النظام الاجتماعي في التحكم بالفعل. وهنا تكشف الرواية المفارقة التي أشار إليها ميشيل فوكو حين بين أن السلطة لا تقمع الخطاب عن الجنس، لكنها تدفع إلى إنتاجه داخل شروط محددة تظل هي المتحكمة فيها.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في المشهد الذي تتأمل فيه الساردة طيور السنونو: التزمت الصمت لبرهة أرقب كتلة طيور السنونو الضخمة وهي تحلق باتجاهنا لتنعطف في اللحظة الأخيرة في أداء بارع عائدة إلى الخلف، حركة لا أشبع من النظر إليها، رقصات هوائية يقال إنها لجذب الأزواج أو لتقديم الهدايا...ص 176
ولا يبدو هذا المشهد فاصلاً وصفياً داخل السرد، حيث له دلالات عميقةتمثل لحظة تأمل كثيفة تختزل الصراع الذي تعيشه الشخصيات. فالسنونو لا يحضر بوصفه رمزاً رومانسياً للحرية، وإنما بوصفه صورة لجسد يتحرك وفق إيقاع الطبيعة، قبل أن تتدخل الثقافة لتنظم حركته. فالطيور تبحث عن الأزواج، لكنها تفعل ذلك عبر رقصها وغريزتها وإيقاعها الطبيعي، بينما تدخل الشخصيات النسائية إلى مؤسسة الزواج محملة بشبكة معقدة من الطقوس والواجبات والضغوط العائلية والتصورات الأخلاقية. ومن ثم تقيم الرواية مقابلة دقيقة بين طبيعة تجعل الاقتران امتداداً للحياة، وثقافة تحوله إلى منظومة من الضبط والانضباط.
غير أن المفارقة الأكثر عمقاً تكمن في أن الساردة نفسها لا تستطيع أن تنظر إلى الطيور خارج الثقافة؛ فهي لا تكتفي بوصف حركتها، إنها أيضا تضيف مباشرة: يقال إنها لجذب الأزواج.إن الطبيعة هنا لا تظهر بوصفها معطى خاماً، وإنما بوصفها موضوعاً أُعيد تأويله وفق المخيال الاجتماعي. حتى الطيور أصبحت تُقرأ بلغة الزواج. وهذا يكشف أن الهابيتوس، بتعبير بورديو، لا يكتفي بتنظيم الممارسة فقط، فهو يعمل على تنظيم الإدراك ذاته، بحيث تغدو الثقافة وسيطاً لا يمكن تجاوزه حتى في تأمل العالم الطبيعي.
ومن جهة أخرى، يكشف ترتيب المشهد عن مفارقة لافتة؛ فالساردة تصمت أولاً، ثم تتأمل الطيور، ثم تعود إلى الحديث عن الزواج. وكأن النص يفتح، للحظة قصيرة، نافذة على إمكان آخر للوجود، قبل أن يغلقها ويعيد الشخصيات إلى الزمن الاجتماعي الذي ينتظرها. ولهذا يبدو مشهد السنونو أشبه بعتبة تفصل بين عالمين: عالم الإمكان الذي تمثله الحركة الحرة للطيور، وعالم الضرورة الذي تمثله المؤسسة الزوجية.
وتزداد هذه الدلالة وضوحاً إذا قورن هذا المشهد بقول سارة لاحقاً: صرت عبدة... أوقفت آلية أحاسيسي... أنا الآن مجرد روبو(ص 177). فالمقابلة بين السنونو والروبوت ليست مصادفة سردية، إنها تكشف انتقال الجسد من فضاء الحركة الحرة إلى فضاء البرمجة الاجتماعية. فالسنونو يرقص لأنه كائن حي، أما الروبوت فيتحرك لأنه ينفذ برنامجاً سبق أن وضعه غيره. وبهذا تنتقل الرواية من استعارة الطائر إلى استعارة الآلة، لتجسد المسافة التي تفصل الجسد الطبيعي عن الجسد الذي أعادت السلطة تشكيله.
ولا يعني ذلك أن الرواية تحتفي بالطبيعة في مقابل الثقافة، أو تدعو إلى العودة إلى حالة غريزية مفترضة، وإنما تكشف أن ما يُقدَّم بوصفه اختياراً شخصياً، هو في كثير من الأحيان نتيجة تنظيم طويل للرغبة ولزمنها. فالجسد لا يفقد رغبته، لكنه يتعلم كيف يؤجلها، وكيف يبرر هذا التأجيل، وأيضا كيف يفتخر به. وهنا تلتقي الرؤية السردية مع تصور جوديثباتلر؛ فالذات لا تُبنى رغم هذا الانضباط، لكنها تتشكل من خلاله، حتى يصبح تأجيل الرغبة جزءاً من تعريفها الأخلاقي لنفسها.
وهكذا لا تعود الرغبة في الرواية نقيضاً للسلطة، وإنما المجال الذي تظهر فيه فاعلية السلطة بأوضح صورها؛ إذ لا تنتصر لأنها تمنع الجسد من الكلام، بقدر ما أن انتصارهايتمثل في كونها تعلمه متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يعتبر صمته بطولة تستحق الاعتزاز. ومن هنا فإن الرواية لا تحكي قصة جسد مقموع. إنها قصة جسد تعلم أن يؤجل نفسه، حتى صار التأجيل جزءاً من هويته.
ثالثاً: الحياة اليومية بوصفها مختبرًا لإعادة إنتاج السلطة
إذا كانت التربية قد هيأت الذوات للامتثال، وإذا كان الجسد قد تعلم تأجيل رغباته انتظارًا للحظة المشروعة، فإن الزواج لا يمثل في الرواية نهاية هذا المسار، إنه بدايته الفعلية. فمنذ انتقال الشخصيات إلى بيت الزوجية، لا تعود السلطة خطابًا أخلاقيًا مجردًا، وإنما تتحول إلى ممارسة يومية تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة، حتى تغدو الأعمال المنزلية، وطريقة الكلام، وتقسيم الوقت، وإدارة المكان، وسائل لإعادة إنتاج النظام الرمزي الذي أُعدّت له الشخصيات منذ طفولتها. ومن ثم لا يظهر الزواج باعتباره مؤسسة قانونية أو دينية فحسب، فهو أيضا يشتغل بوصفه الفضاء الذي تتحول فيه القيم المستبطنة إلى ممارسات متكررة، بحيث يصبح اليومي هو المجال الحقيقي لاشتغال السلطة.
تكشف لينا هذا التحول حين تصف حياتها بعد الزواج بمرارة قائلة إنها، إضافة إلى عملها في الشركة، أصبحت " غاسلة مواعين، وماسحة بلاط، وطباخة تعد اللحم والسمك والدجاج والفاصوليا، وتفرم الثوم والبصل، كما أنها منظفة لعيون فرن الغاز والتواليت" (ص 200–201). ولا تكمن أهمية هذا المقطع في تعداد الأعمال المنزلية، وإنما في الطريقة التي يحول بها السرد هذه التفاصيل إلى لغة تكشف منطق السلطة. فالرواية لا تقول إن الزوج يمنع زوجته من العمل، ولكن الأخطر من ذلك تكشف أن استقلالها الاقتصادي لم يؤد إلى إعادة توزيع المسؤوليات، وإنما أدى إلى مضاعفة أعبائها. وهكذا لا تلغي الحداثة التقسيم التقليدي للعمل، فهي تضيف إليه طبقة جديدة من الواجبات، لتجد المرأة نفسها تؤدي وظيفتين كاملتين في زمن واحد.
ومن منظور فوكو، لا تبدو هذه الأعمال مجرد أعباء منزلية، إنها أيضا تدخل ضمن ما يمكن تسميته بالسياسة الدقيقة للجسد؛ إذ لا تعمل السلطة هنا عبر الأوامر الكبرى، وإنما عبر تنظيم الإيقاع اليومي للحياة. فالسؤال لم يعد: من يملك السلطة؟ بل: كيف يُستهلك وقت المرأة؟ وكيف يُوزَّع جهدها؟ وكيف يتحول جسدها إلى أداة لإدامة النظام الأسري؟ إن الرواية لا تقدم الجسد بوصفه موضوعًا للرغبة فقط، كما رأينا في المحور السابق، وإنما بوصفه أيضًا جسدًا عاملاً، يُستنزف في خدمة الآخرين حتى يصبح التعب والقهر والهدر ذاته جزءًا من تعريف الأنوثة.
غير أن الرواية لا تكتفي بوصف هذا الاستنزاف، فهي تحفر عميقا في الأمر الواقعلتكشف آلية تطبيعه. تقول الساردة: أما الآن في بيت الزوجية فلا مجال للانزواء في غرفنا وإغلاق الباب خلفنا بالمفتاح. إنها مسؤوليات وقعت على رؤوسنا فجأة، أما الأزواج فمهما تنازلوا وخاضوا فيها كانوا يتصرفون بغطرسة(ص 204). إن الانتقال من الغرفة الخاصة إلى فضاء المسؤوليات ليس انتقالًا مكانيًا فحسب، بل هو انتقال من ذات كانت تمتلك جزءًا من زمنها إلى ذات أصبح زمنها ملكًا للواجبات. أما مشاركة الأزواج في بعض الأعمال فلا تؤدي إلى تقويض اللامساواة، لأن هذه المشاركة نفسها تُقدَّم باعتبارها تنازلًا، لا حقًا أو واجبًا مشتركًا. ومن هنا تظل السلطة الذكورية حاضرة حتى عندما تبدو وكأنها تنسحب.
وتزداد هذه السلطة رسوخًا حين تنتقل من مستوى الأفعال إلى مستوى اللغة. فالأم لا تنصح ابنتها بحسن المعاملة فقط، فهي تورطهافي طاحونة إعادةالإنتاج،كنموذج كامل للأنوثة حين تقول: كم أنت قبيحة يا ابنتي، لماذا تخاطبين طارق بتلك الطريقة؟ عيب... الرجل يحب المرأة اللطيفة، لا تحرجي زوجك بالصراخ(ص 210). لا يتعلق الأمر هنا بأخلاق التخاطب، وإنما بإنتاج خطاب يجعل من اللطف الأنثوي واجبًا، ومن الصمت فضيلة، ومن كبح الغضب شرطًا لاستمرار العلاقة. وبهذا تنتقل السلطة من تنظيم الجسد إلى تنظيم الصوت؛ إذ لا يعود المطلوب أن تقوم المرأة بعمل معين فقط، فهي مطالبة أن تؤديه بالنبرة المناسبة، والابتسامة المناسبة، والكلمات المناسبة.
وتكشف الأم، من خلال اعترافها: أبوك محاور؟ أليس هو من دفعني إلى ترك عملي في البريد؟... كان يجب أن أقبل وإلا كنا قد انتهينا كأسرة(ص 211)، أن هذا الخطاب ليس نابعًا من اقتناع بسيط، لكنه من خبرة طويلة مع نظام اجتماعي جعل التضحية تبدو الثمن الطبيعي لاستمرار الأسرة. وهنا يظهر ما يسميه بورديو العنف الرمزي في أوضح صوره؛ فالهيمنة لا تُفرض بالقوة، حيث إنها تمرر عبر تحويلها إلى حكمة اجتماعية تتناقلها النساء أنفسهن، حتى تصبح الأم، وهي ضحية لهذا النظام، إحدى أهم مؤسساته الناطقة.
أما لينا فتكشف استمرار هذا النظام في العلاقة الزوجية حين تقول عن زوجها: كل مرة ينبهها على أنه هو الرجل وهي المرأة(ص 220). إن هذه العبارة ليست مجرد تأكيد للفروق البيولوجية، إنها إعلان متكرر عن موقع رمزي يمنح الرجل حق تعريف العلاقة وحدودها. فالذكورة هنا وصفً، لمن يقرأ سطح الكلام. أما المعني بخبايا اشتغال القهر، يدرك أن الأمر يتعلقبسلطة رمزية تستمد مشروعيتها من تاريخ طويل من التنشئة الاجتماعية. ولذلك لا يحتاج الزوج إلى تبرير تفوقه؛ يكفي أن يذكّر بأنه "الرجل"، حتى يستدعي نسقًا ثقافيًا كاملًا يمنحه الشرعية.
وتبلغ الرواية ذروة وعيها النقدي في الحوار الذي تديره سوسن حين تقول: من اللازم حضور التربية وليس الشعارات»، ثم تضيف: «من شب على شيء شاب عليه... إنها الثقافة نفسها، المطبخ يحط من قدر الرجال(ص 233–234). هنا يغادر السرد مستوى الشكوى الفردية ليصل إلى تشخيص البنية الثقافية المنتجة لهذه الممارسات. فالمشكلة ليست في امتناع رجل بعينه عن دخول المطبخ، إنها تمتد عميقا في منظومة رمزية جعلت العمل المنزلي علامة على نقص الرجولة، وجعلت خدمة البيت امتدادًا طبيعيًا لأنوثة المرأة. وهكذا تكشف الرواية أن الحياة اليومية ليست مجالًا محايدًا، فهي المسرح و المختبر الذي يعاد فيه إنتاج الهابيتوس جيلاً بعد جيل.
ومن ثم، فإن الزواج في "حكم علينا الهوى" لا يفشل لأنه يخلو من الحب، ولا لأنه يقوم على العنف الصريح، إنه ينهار ويتفكك لأنه يستوعب الحب نفسه داخل نظام من الواجبات اليومية، يعيد توزيع السلطة، من خلال تفاصيل تبدو عادية إلى درجة أنها تكاد تفلت من الانتباه. وهنا تكمن براعة الرواية؛ إذ تجعل القارئ يدرك أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُمارس في لحظات الصدام، وإنما تلك التي تستقر في إيقاع الحياة اليومية حتى تغدو غير مرئية، ويغدو الامتثال لها جزءًا من معنى الحياة نفسها.
رابعاً: من مقاومة السلطة إلى إعادة بناء الذات: حدود التحرر داخل الرواية
إذا كانت الرواية قد كشفت، في مراحلها السابقة، كيف تتسلل السلطة إلى التربية والجسد والحياة اليومية، فإنها لا تتوقف عند تصوير الشخصيات بوصفها خاضعة لهذه المنظومة، فهي تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل تستطيع الذات أن تتحرر بمجرد رفض المؤسسة التي مارست عليها السلطة؟ أم أن آثار السلطة تستمر داخلها حتى بعد لحظة التمرد؟
هنا تكمن أهمية التحول الذي تعرفه الشخصيات النسائية في الرواية؛ فهي لا تنتقل ببساطة من الخضوع إلى الحرية، وإنما تمر بتجربة وعي مؤلمة تكتشف خلالها أن الصورة التي صنعتها عن الحب والزواج والذات كانت هي الأخرى مشروطة بمنظومة ثقافية سابقة عليها.
تقدم شخصية سوسن مثالاً واضحاً على هذا التعقيد. فهي تقول: لم يكن لدي شيء شخصي عن الزواج، وإلا لما أقدمت على قبول طارق بعد أن تبين لي أن العمل في إدارة شركة الماء والكهرباء هو قدري، وأن الطريق ذهاباً وإياباً إلى بيت والدي كان روتينياً يومياً لبضعة أسابيع أتاحت له أن يراني بالاستقامة الصارمة التي كنت عليها وسيري حرّة بين الشوارعص 239.
تكشف هذه العبارة أن اختيار الزواج لم يكن نتيجة حاجة إلى الرجل أو بحث عن حماية اجتماعية، إنه جاء بعد أن تشكلت لدى سوسن صورة عن ذات مستقلة في المجال العام. فهي امرأة تعمل، تتحرك في المدينة، وتمتلك إيقاعاً خاصاً لحياتها. غير أن المفارقة أن هذا الاستقلال نفسه يصبح مدخلاً إلى علاقة جديدة؛ إذ لا يرى طارق فيها مشروع ذات مستقلة، وإنما يرى صورة جمالية يريد امتلاكها.
وتؤكد الرواية هذا المعنى حين تصف نظرة طارق إليها:
فالسير خلفي في شارع كنيدي المظلل بالشجر ثم عبر الطريق الفرعي حيث الفيلات، إنما هو انجذاب إلى جمالي وتضاريسي، قامتي الفارهة، ساقي المنحوتتين، نهدي المكورين، شعري الغجري السائب... كل ذلك كان قد أثاره .ص 240.
تكشف هذه الفقرة عن لحظة انتقال دقيقة؛ فالمرأة التي كانت تتحرك في المدينة بوصفها ذاتاً مستقلة تتحول في عين الآخر إلى موضوع للنظر والرغبة. وهنا يمكن استدعاء فوكو؛ فالجسد لا يصبح مجالاً للسلطة فقط عبر المنع، ولكن أيضاً عبر طريقة رؤيته وتصنيفه وإنتاج معناه. إن نظرة الآخر لا تكتفي برؤية الجسد، إنها تعيد تشكيل موقعه داخل علاقة القوة.
غير أن الرواية لا تجعل الرجل وحده مسؤولاً عن هذا التحول، فهي تكشف أيضاً اشتراك المخيال العاطفي للنساء في إنتاج الوهم. تقول لينا:
نولد حرات إلى أن نتزوج.ص 242.
هذه العبارة القصيرة تحمل مفارقة مركزية؛ فهي لا تعني أن الزواج هو مصدر القيد الوحيد، فهي تكشف أن الثقافة نفسها قسمت حياة المرأة إلى مرحلتين: مرحلة حرية مؤقتة، ثم مرحلة دخول إلى مؤسسة تعيد تعريف وجودها. فالزواج لا يظهر هنا كحادث خارجي، إنه كحد فاصل بين شكلين من الذات.
وتعبر سارة عن الوهم الرومانسي الذي سبق التجربة الزوجية بقولها:
ظلِلنا نتصور أن العاطفة غير المشروطة تحتفظ بالحب طازجاً بعيداً عن تخوم الفراق، لعلها الرومانسية وقلة الخبرة هي ما جعلتنا حالمات، وفي أذهاننا صورة عن الزوج الجنتلمان الذي رأس ماله طباعه الهادئة وأساليبه المهذبةص 244.
تكشف هذه العبارة عن نوع آخر من السلطة: سلطة الخيال الثقافي الذي رسخته القيم الاجتماعية الثقافية عبر التنشئة المجتمعية. فالشخصيات لم تدخل الزواج فقط تحت ضغط العائلة أو المجتمع، إنها دخلته أيضاً تحت تأثير سرديات الحب الرومانسي التي صنعت صورة مثالية عن الرجل والعلاقة الزوجية. وهنا تتقاطع الرواية مع باتلر؛ فالذات لا تُخضع فقط عبر القوانين الصريحة، وإنما عبر الصور والمعايير التي تجعلها ترغب في أشكال معينة من الحياة وتعتبرها تحقيقاً لذاتها.
لكن انهيار الوهم لا يؤدي فوراً إلى التحرر، لكنه يفتح جرحاً وجودياً. فعندما تقول الساردة:
جاءت حكاية التفكير في الطلاق كمنغص حاد. كانت سوسن أسبق من لينا في المطالبة به تلك هي المفاجأة. ص 245
فإن الطلاق لا يظهر كقرار بسيط، فهو زلزال يصيب صورة الذات التي بنتها الشخصيات عبر سنوات. فالمشكلة ليست فقط فقدان الزوج، وإنما فقدان المعنى الذي ارتبط بالزواج بوصفه اكتمالاً للأنوثة.
وتبلغ هذه المأساة ذروتها في اعتراف سوسن:
صديقتك محرومة... حافظت على نفسي عذراء لأجل لا شيء. ليتني عشت حياتي بالطول والعرض. ماذا حصل للبنات اللائي كن أكثر تحرراً؟ هن المستفيدات على كل حال. ص 258
هذه العبارة عميقة جدا؛ لأنها تعيد قراءة الماضي كله من منظور الحاضر. فالفضيلة التي كانت تُقدَّم سابقاً بوصفها إنجازاً أخلاقياً تتحول الآن إلى إحساس بالخسارة. وهنا تظهر المفارقة الباتلرية بوضوح: الذات التي كانت ترى انضباطها اختياراً أخلاقياً، تكتشف لاحقاً أن هذا الاختيار كان مشكلاً داخل نظام من القيم سبقها.
وتضيف الساردة:
كنت أسيرة أفكار سخيفة، مكبلة بالمحاذير. ص 258.
لكن أهمية هذه الجملة أنها لا تلقي المسؤولية على الآخرين فقط؛ فالشخصية تعترف بأن جزءاً من القيد كان قد استقر داخلها. وهذا هو جوهر العنف الرمزي عند بورديو: أن يصبح النظام الاجتماعي قادراً على إنتاج أشكال من الوعي ترى القيود بوصفها اختيارات شخصية.
ولهذا فإن قضية الجنس في الرواية لا تحضر بوصفها قضية جسدية فقط، إنها تشتغل بوصفها مجالاً تتصارع فيه الثقافة مع الرغبة. تقول الساردة:
ليس من السهل الحديث عن الجنس أن نخوض فيه بكامل الصراحة والوضوح شيء ما يقف حاجزا بيننا وبينه حتى تخيلاتنا الايروتيكية كنا نستهلكها باحتشام شديد على العكس من بعض الرجال الذين يتباهون بعنترياتهم أمام بعضهم البعض مافعلوه وما لم يفعلوه أصلا مدعين الخزعبلات. ص 263
فالسلطة هنا لا تمنع الفعل فقط، فهي تمنع اللغة نفسها. إنها تجعل الحديث عن الرغبة محاطاً بالخجل والرقابة، في حين تسمح للرجال، كما تشير الرواية، بتحويل الجنس إلى مجال للتفاخر والاستعراض. وهكذا تكشف الرواية عن عدم تكافؤ رمزي في علاقة الجنس بالكلام؛ فالمرأة مطالبة بالصمت، والرجل يمنح نفسه حق الرواية والادعاء.
لكن النهاية لا تقدم الطلاق بوصفه خلاصاً كاملاً. فالشخصيات تغادر الزواج، لكنها لا تغادر بسهولة آثار التجربة. تقول الساردة:
طلقت لينا وبعدها سوسن بفارق أيام... جرجرت كل منهما حقيبتها وراحت إلى سكن آخر، مغادرتين حياتهما الجديدة التي لم تطل كثيراً، تاركتين كل شيء وراءهما: الحب والشغف وخاتم الزواج وهدايا العرس الرفيعة، بعد أن استنفدتهما العداوة والصراعص 369
إن صورة جر الحقيبة تحمل دلالة رمزية عميقة؛ فالخروج من المؤسسة لا يتم بخفة المنتصر، لكنه يتم بثقل التجربة. إنهما تتركان الأشياء المادية، لكنهما تحملان آثار الصراع في الذاكرة والجسد والوعي.
ولهذا تأتي عبارة سارة في النهاية:
جميل ألا تكون هنالك أحقاد على الجنس الآخر، لا تحرقي أعصابك بالكره، فالحدائق ملأى بالأزهار مثلما هي أيضاً ملأى بالنباتات الغريبةص 386.
لا تنتهي الرواية إلى خطاب انتقامي ضد الرجل، لأن القضية أعمق من خصومة بين جنسين. إن ما تكشفه هو أن المشكلة تكمن في النظام الرمزي، الذي ينتج صوراً مشوهة للرجولة والأنوثة معاً. فالحديقة التي تضم الأزهار والنباتات الغريبة استعارة عن عالم بشري معقد، لا يمكن اختزاله في ثنائية الخير والشر.
ومن ثم فإن المقاومة في الرواية ليست تحرراً نهائياً من السلطة، إنها محاولة مستمرة لإعادة بناء الذات بعد اكتشاف أن السلطة لم تكن خارجها فقط، وإنما كانت تسكن لغتها وأحلامها وتصوراتها عن الحب والنجاح والاكتمال. وهذا ما يجعل الرواية تتجاوز خطاب الاحتجاج المباشر نحو سؤال أكثر عمقاً: كيف تستطيع الذات أن تعيد اختراع نفسها، بعد أن تكتشف أن جزءاً مما اعتبرته اختياراً كان نتيجة تاريخ طويل من التشكيل الثقافي؟
خامساً: من الهيمنة إلى التحرر: صعوبة بناء ذات خارج النظام الرمزي السائد
تكشف رواية " حكم علينا الهوى" أن التحرر من علاقات الهيمنة لا يتحقق بمجرد رفض مظاهرها الخارجية، لأن الهيمنة لا تستقر فقط في المؤسسات والقوانين، إنها تتغلغل في الوعي واللغة والخيال وأنماط الرغبة نفسها. ومن هنا تقترب الرواية من مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي؛ حيث لا تقوم السيطرة الثقافية على الإكراه وحده، وإنما على إنتاج توافق اجتماعي ثقافي معياري، يجعل قيم الجماعة المهيمنة تبدو طبيعية وعقلانية ومقبولة.
وهذا ما يفسر لماذا لا تستطيع الشخصيات النسائية في الرواية أن تنتقل بسهولة من موقع الخضوع إلى موقع الحرية. فالمشكلة ليست في وجود سلطة خارجية يمكن الفرار منها، فهي كامنة في أن هذه السلطة أصبحت جزءاً من تكوين الذات نفسها. لقد تعلمت الشخصيات منذ البداية أن ترى الزواج باعتباره اكتمالاً، والعفة باعتبارها قيمة، والتضحية باعتبارها علامة على النضج، ولذلك فإن انهيار هذه التصورات لا يؤدي فقط إلى رفض المؤسسة وحدها، لكن أيضايولد أزمة في تعريف الذات ذاتها.
ومن هنا تصبح عبارة لينا: نولد حرات إلى أن نتزوج(ص 242) أكثر من مجرد شكوى من الزواج؛ إنها تكشف عن منطق ثقافي كامل، يقسم حياة المرأة إلى مرحلة حرية مؤقتة، تسبق دخولها في نظام يعيد تشكيل وجودها. غير أن الرواية لا تقدم هذه الحرية السابقة للزواج بوصفها حرية مكتملة، لأن الشخصية نفسها كانت قد تشكلت داخل منظومة من القيم التي تحدد مسبقاً ما ينبغي أن تريده وما ينبغي أن ترفضه.
وهنا يظهر البعد الغرامشي بوضوح؛ فالهيمنة لا تنجح لأنها تمنع البدائل فقط، إنها تعمل على إيقاف التفكير، الى درجة تجعل البديل صعب التخيل، وضمن المستحيل التفكير فيه. فالشخصيات لم تكن تحلم بالخروج من النظام، فقد كانت تحلم بتحقيق أفضل نسخة منه: الزوج الحنون، الحب الأبدي، الأسرة المتوازنة. ولذلك فإن الصدمة التي تصيبها بعد الزواج ليست فقط اكتشاف عيوب الرجل، وإنما اكتشاف هشاشة النموذج الثقافي الذي علقت عليه معنى السعادة.
وتتجسد هذه المفارقة في تجربة سارة حين تقول إنهن كن يتصورن "أن العاطفة غير المشروطة تحتفظ بالحب طازجاً بعيداً عن تخوم الفراق"، وإن صورة الزوج لديهن كانت صورة الجنتلمان الذي رأس ماله طباعه الهادئة وأساليبه المهذبة(ص 244). فالرواية هنا لا تنتقد الرجال فقط، إنها أيضا تنتقد كذلك الصناعة الثقافية التي أنتجت صورة مثالية عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وجعلت النساء يرغبن في نموذج لم يكن موجوداً إلا داخل المخيال الاجتماعي.
ولهذا فإن الطلاق، رغم كونه فعل مقاومة، لا يمثل نهاية الهيمنة. إنه يمثل لحظة كشف. فحين تقول سوسن: كنت أسيرة أفكار سخيفة، مكبلة بالمحاذير(ص 258)، فهي لا تعترف فقط بخضوعها للآخر، فهي تكتشف أن جزءاً من السجن كان قد أصبح جزءاً من وعيها. وهذه هي النقطة التي تجعل الرواية أكثر تعقيداً من خطاب تحرري بسيط؛ فالتحرر الحقيقي لا يعني مغادرة المكان فقط، إنه أكثر من ذلك، عمل جذري يرمي بشكل نقدي ونقضي الى إعادة بناء العلاقة مع الذات والرغبة والآخر.
ومن منظور غرامشي، فإن تجاوز الهيمنة يحتاج إلى بناء ما يمكن تسميته بـ"العلاقات المضادة". وهذا يعني إنتاج تصورات وممارسات بديلة لا تكتفي برفض النظام القائم، لكنها تقدم أشكالاً جديدة للعيش والتفاعل. وهذا البعد حاضر ضمنياً في الرواية؛ إذ إن الشخصيات لا تبحث فقط عن الانفصال عن الرجال، إن هدفها هو البحث عن إمكانية تأسيس علاقة مختلفة تقوم على الاعتراف المتبادل وتقاسم المسؤوليات والتحرر من الأدوار الجندرية الجامدة.
ولهذا فإن نهاية الرواية لا تسقط في خطاب الكراهية أو الانتقام. فقول سارة: جميل ألا تكون هنالك أحقاد على الجنس الآخر، لا تحرقي أعصابك بالكره، فالحدائق ملأى بالأزهار مثلما هي أيضاً ملأى بالنباتات الغريبة .(ص 386) يحمل وعياً يتجاوز الصراع الثنائي بين الرجل والمرأة. فالمشكلة ليست في وجود جنس مذنب وآخر بريء، وإنما في النظام الثقافي الاجتماعي الذي ينتج علاقات غير متكافئة ويعيد توزيع الأدوار والسلطة والامتيازات على أساس النوع الاجتماعي.
وبذلك تصل الرواية إلى نتيجة فلسفية عميقة: إن التحرر ليس خروجاً من علاقة معينة، إنه إعادة تشكيل لشروط إنتاج الذات نفسها. فالمرأة لا تتحرر فقط عندما ترفض سلطة الزوج أو الأسرة، وإنما عندما تعيد بناء وعيها بجسدها ورغباتها وقيمتها بعيداً عن المعايير التي صاغتها الهيمنة. ومن هنا يصبح الصراع الحقيقي في الرواية ليس بين المرأة والرجل، إنه بين نمط ثقافي موروث يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه، وإمكان إنساني جديد يحاول أن يجد لغته الخاصة.
خاتمة: الرواية بوصفها كشفاً لمأزق الذات بين الحرية والهيمنة
تكشف رواية "حكم علينا الهوى" أن مأساة الشخصيات النسائية لا تكمن في دخولها مؤسسة الزواج فقط، ولا في اكتشافها حدود العلاقة الزوجية، إنها في لحظة أكثر عمقاً وتعقيداً: لحظة اكتشاف أن الذات نفسها ليست كياناً مستقلاً تماماً عن الشروط الثقافية التي صنعتها. فالشخصيات لم تدخل الزواج باعتبارها ضحايا سلطة خارجية فقط، لكنها دخلته محملة بصور وأحلام وقيم تشكلت داخل النظام الرمزي ذاته الذي سيعيد لاحقاً إنتاج التوترات التي ستعاني منها.
ومن هنا تتجاوز الرواية ثنائية بسيطة تقوم على مواجهة المرأة والرجل، أو الحرية والقمع، لتكشف أن السلطة الأكثر فاعلية ليست تلك التي تمنع الإنسان من تحقيق رغباته فقط، إنها تلك التي تشاركه في إنتاج رغباته وتحديد معنى نجاحه وسعادته واكتماله. فالمرأة لا تُخضع فقط حين تُجبر على الصمت أو التضحية، لكن ذلك يحدث أيضاً وبشكل حاسم، حين تتعلم أن ترى صمتها فضيلة، وتضحيتها بطولة، وتأجيل رغبتها إنجازاً أخلاقياً.
ولهذا فإن العبارة التي تقول فيها الساردة: لقد كنا بطلات ونحن نقمع رغبتنا، تختصر المشروع العميق للرواية؛ لأنها تكشف لحظة التقاء الحرية بالهيمنة. فالشخصية لا تشعر بأنها مقيدة، لكنها تشعر بأنها تحقق ذاتها من خلال المعايير التي صنعتها الثقافة. وهنا يلتقي البعد الروائي بالأسئلة الفلسفية الكبرى التي أثارتها تصورات فوكو وبورديو وباتلروغرامشي حول العلاقة بين الذات والسلطة؛ فالإنسان لا يعيش داخل السلطة فقط، لكنه يحمل آثارها في لغته وخياله وتصوراته عن نفسه وعن الآخرين.
غير أن قوة الرواية لا تأتي من كشف الهيمنة فقط، فقوتها تتمثل في رفضها تقديم التحرر بوصفه لحظة نهائية وبسيطة. فالطلاق، في نهاية التجربة، لا يظهر انتصاراً كاملاً، كما أن الزواج لا يظهر هزيمة مطلقة. إن ما يحدث هو اكتشاف مؤلم لحاجة الذات إلى إعادة بناء نفسها بعد انهيار الصور التي كانت تمنحها معنى وجودها. ولذلك فإن التحرر الحقيقي لا يتمثل في مغادرة علاقة أو مؤسسة، وإنما في القدرة على إنتاج علاقة جديدة بالذات والرغبة والآخر.
وهنا تكمن القيمة الفنية للرواية؛ فهي لا تحول الشخصيات إلى رموز لأفكار مسبقة، ولا تجعلها مجرد أصوات احتجاج، إنها تتركها في منطقة التوتر الإنساني حيث تتجاور الرغبة والخوف، الحب والخيبة، الحلم والواقع. فالشخصيات لا تخسر لأنها أحبت، ولا لأنها حلمت، لكن لأنها وجدت نفسها داخل عالم لم يكن الحب فيه منفصلاً عن شبكة واسعة من التصورات الاجتماعية الثقافية الجندرية التي تحدد مسبقاً معنى أن تكون أو تصبح امرأة أو رجلاً، كما تقول سيمون ديبوفوار: "المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك"
إن الإبداع الروائي، في هذا المستوى، لا يعمل بوصفه مرآة للمجتمع فقط، لكنه أيضا بوصفه أداة لكشف ما لا نراه داخل عاداتنا اليومية. إنه يجعل المألوف غريباً، والعادي سؤالاً، والبسيط معقداً. ولذلك فإن تفاصيل تبدو صغيرة في الرواية ــ كأعمال البيت، أو طريقة الكلام، أو نظرة الزوج، أو صمت المرأة، أو حتى تأمل طيور السنونو ــ تتحول إلى علامات تكشف البنية العميقة للعالم الاجتماعي.
ومن هنا يمكن القول إن " حكم علينا الهوى" ليست رواية عن فشل تجربة عاطفية أو عن صدام بين الجنسين، إنها رواية عن صعوبة امتلاك الذات داخل عالم يشارك في تشكيلها قبل أن تعي نفسها. إنها تطرح السؤال الأكثر إلحاحاً في تجربة الإنسان الحديث: كيف يمكن أن نكون أحراراً إذا كانت بعض أكثر رغباتنا وقناعاتنا قد تشكلت داخل أنظمة لم نخترها؟
وهنا تتجلى وظيفة الأدب الكبرى: ليس أن يمنحنا صورة عن الواقع فقط، لكنه معنيبأن يكشف المسافة الخفية بين ما نعتقد أنه اختيار شخصي، وما هو أثر لتاريخ طويل من القيم والخطابات والسلطات. فالرواية لا تقدم وعداً بالتحرر الكامل، لكنها تمنح ما هو أكثر أهمية: وعي اللحظة التي تبدأ فيها الذات باكتشاف الشروط التي صنعتها، وبالتالي تبدأ إمكان إعادة صنع نفسها.
إن أهمية رواية حكم علينا الهوى لا تكمن في أنها تمثل المجتمع المغربي أو تعكس أوضاع المرأة، إن أهميتها النوعية تتجلى في أنها تنتج معرفة سردية بالهيمنة؛ معرفة لا تكتفي بوصف السلطة، وإنما تكشف الكيفية التي تتحول بها السلطة إلى ذاكرة، وإلى لغة، وإلى رغبة، وإلى قصة ترويها الذات عن نفسها. ومن هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الأدب موضوعًا للنظرية، فهو يصبح شريكًا في إنتاجها.
إن ما تكشفه رواية حكم علينا الهوى ليس فقط أن السلطة تُخضع النساء، ولكن أيضا بشكل حاسم وجذري تسعى الى تفكيك الآليات الرهيبةللنظام الثقافي الاجتماعي الذي يعيد تنظيم الرغبة نفسها، بحيث يصبح الاعتراف الاجتماعي أهم من الرغبة الذاتية. ومن ثم فإن مأساة الشخصيات لا تكمن في أن المجتمع منعها من أن تكون حرة، ولكن في أنها تعلمت أن ترى حريتها من خلال عيون المجتمع. وهنا تتحول الرواية إلى تأمل فلسفي في إحدى أعقد قضايا الحداثة: كيف يمكن للذات أن تطلب الاعتراف من النظام نفسه الذي ينتج خضوعها؟
المراجع
لقد اعتمدنا على مجموعة من الكتب في إنجاز هذه الدراسة من بينها:
- جوديثبتلرذات من الرغبة: تبصّراتهيغلية في فرنسا القرن العشرين ترجمة نور حريري دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع 2024
• باتلر، جوديث. الحياة النفسية للسلطة: نظريات في الإخضاع. ترجمة: نور حريري. دار نينوى 2021
• بورديو، بيير. الهيمنة الذكورية. ترجمة: سلمان قعفراني. المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2009.
• بورديو، بيير. أسئلة في علم الاجتماع. ترجمة: إبراهيم فتحي. دار العالم الثالث 1995
• فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة: علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990.
• فوكو، ميشيل. تاريخ الجنسانية، إرادة المعرفة. ترجمة: سلمان حرفوش .دار التنوير ط : الاولى 2017
• غرامشي، أنطونيو. دفاتر السجن (مختارات). ترجمة: فواز طرابلسي. بيروت: دار الفارابي.
• ربيعة ريحان"حكم علينا الهوى". دار العين للنشر الطبعة الثانية 2026
نحو إبستمولوجيا لقراءة إنتاج الذات في الرواية
تحاول هذه الدراسة أن تفكر نظريا ومنهجيا بشكل مختلفعنالتصور الذي يرى الرواية موضوعًا لتطبيق نظرية جاهزة، كما درجت على ذلك الكثير من الأبحاث والدراسات العلمية الأكاديمية. لذلك تنطلق من فرضية إبستمولوجية تعتبر النص الروائي شريكًا في إنتاج المعرفة النقدية. فالرواية ليست مادة خامًا تنتظر المفاهيم كي تفسرها، إنها تمتلك قدرة خاصة على كشف مناطق من التجربة الإنسانية قد تعجز عنها الخطابات الفلسفية أو السوسيولوجية بصيغتها التجريدية.
ومن هذا المنطلق، لا تستدعي الدراسة ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وجوديثباتلر، وأنطونيو غرامشي بوصفهم سلطات تفسيرية، بل بوصفهم محاورين للنص. كما لا تتعامل مع مفاهيم السلطة، والهابيتوس، والإخضاع، والهيمنة باعتبارها مفاهيم منفصلة، وإنما تعيد تنظيمها داخل مسار واحد يصف كيفية تشكل الذات الإنسانية.
ويبدأ هذا المسار من سؤال الرغبة والاعتراف كما بلورته جوديثباتلر في كتابها التأسيسي " ذات من الرغبة"، حيث لا تظهر الذات باعتبارها جوهرًا سابقًا على العلاقات الاجتماعية، لكن بوصفها نتاجًا لحاجتها إلى الاعتراف. ثم ينتقل إلى مفهوم الإخضاع في " الحياة النفسية للسلطة: نظريات في الإخضاع"، الذي يبين أن الذات لا تُنتج خارج السلطة، وإنما من خلالها. بعد ذلك يوضح مفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو كيف تتحول هذه السلطة إلى استعدادات وممارسات تبدو طبيعية، بينما يكشف فوكو الكيفية التي تُدار بها الأجساد والرغبات والزمن عبر تقنيات دقيقة للانضباط. وأخيرًا يمنح مفهوم الهيمنة عند غرامشي لهذا المسار بعده التاريخي والثقافي، حين يفسر كيف تتحول هذه الآليات إلى حس مشترك يعيد إنتاج نفسه عبر القبول والرضا أكثر مما يعيد إنتاج نفسه عبر الإكراه.
إن أهمية هذا البناء النظري لا تكمن في جمع هذه المرجعيات، بل في إعادة تركيبها حول سؤال واحد: كيف تتشكل الذات حتى تصبح قادرة على الاعتقاد أن ما تمارسه بحرية هو في الوقت نفسه أثر لتاريخ طويل من الهيمنة؟
تفترض هذه الدراسة أن رواية حكم علينا الهوى لا تقدم الزواج بوصفه سببًا مباشرًا لمعاناة المرأة، ولا تكتفي بإدانة السلطة الأبوية بوصفها سلطة خارجية، وإنما تكشف أن الذات النسائية تتشكل منذ البداية داخل منظومة من الهيمنة الرمزية تجعل الامتثال يبدو اختيارًا شخصيًا، والطاعة فضيلة، وتأجيل الرغبة إنجازًا أخلاقيًا.
وانطلاقًا من هذا التصور، ترى الدراسة أن الرواية لا تروي فقط مسار تشكل ثلاث شخصيات نسائية، بل تفكك الآليات الثقافية التي تنتج الذوات، وتعيد تشكيلها، وتمنحها شعورًا بالحرية في الوقت الذي تستبطن فيه معايير السلطة. وبهذا تتحول الرواية إلى مختبر أدبي يكشف العلاقة المعقدة بين السلطة والذات، وبين الحرية والامتثال، وبين الحب والهيمنة، في أفق يتقاطع مع تصورات ميشيل فوكو، وبيير بورديو، وجوديثباتلر، وأنطونيو غرامشي، دون أن يختزل النص في مجرد تطبيق لهذه المرجعيات النظرية.
وتقترح الدراسة أن رواية "حكم علينا الهوى" تقدم جوابًا أدبيًا عن هذا السؤال؛ فهي لا تكتفي بتمثيل السلطة، إنها تكشف سيرورة إنتاجها داخل اللغة، والذاكرة، والجسد، والرغبة، والحياة اليومية. ومن هنا يصبح السرد نفسه شكلاً من أشكال التفكير في السلطة، لا مجرد وسيلة لتمثيلها.
وانطلاقًا من هذا التصور، تقترح الدراسة مفهوم " سردنة الهيمنة" للدلالة على العملية التي يحول بها النص الروائي علاقات السلطة من بنى اجتماعية مجردة إلى خبرة ذاتية تُعاش وتُروى وتُراجع، بحيث يغدو فعل الحكي نفسه فعلًا نقديًا يكشف الكيفية التي تشكلت بها الذات داخل النظام الرمزي الذي كانت تعده طبيعيًا.
وبذلك تنتقل الدراسة من سؤال تمثيل الواقع إلى سؤال إنتاج المعرفة؛ إذ لا يعود الأدب شاهدًا على المجتمع فحسب، إنه يطمح الى أكثر من ذلك، حيث يصبح أحد الفضاءات التي يعاد داخلها التفكير في مفاهيم السلطة والهوية والحرية والاعتراف والهيمنة.
مقدمة
غالباً ما قُرئت الرواية النسائية العربية في ضوء ثنائية تكاد تبدو مستقرة في النقد الثقافي؛ فهي إما نص يقاوم السلطة الأبوية، أو خطاب يحتفي بتشكل الذات النسائية واستعادتها لحقها في الكلام والاختيار. غير أن هذا المنظور، على أهميته، يفترض ضمنياً وجود ذات سابقة على السلطة، ذات مستقلة تأتي البنية الاجتماعية لاحقاً لتقيد حركتها أو تحد من حريتها. أما رواية " حكم علينا الهوى" لربيعة ريحان فتدفع القارئ إلى مساءلة هذا الافتراض نفسه، لأنها لا تكتفي بتمثيل آثار السلطة في حياة النساء، حيث تكشف الكيفية التي تتشكل بها الذات النسائية داخل السلطة ومن خلالها.
لا تحضر السلطة في الرواية بوصفها جهازاً خارجياً للقمع، ولا باعتبارها إرادة فردية يجسدها الرجل وحده، وإنما تتبدى شبكةً معقدة من الخطابات والعادات والطقوس والتمثلات التي تنتج المعاني، وتحدد ما ينبغي أن تكون عليه المرأة، وما ينبغي أن تشعر به، وكيف تتكلم عن نفسها، وتعمل أيضاعلى كيف تفهم رغبتها وحريتها وأخلاقها. ولهذا تبدو الشخصيات وكأنها تختار مساراتها بإرادتها، غير أن اللغة التي تصوغ بها هذه الاختيارات ــ البطولة، الشرف، الاستحقاق، اللباقة، التضحية، الزوجة الصالحة ــ تكشف أن ما يبدو قراراً شخصياً إنما يتأسس على منظومة رمزية استقرت في الوعي حتى غدت جزءاً من تعريف الذات لنفسها.
من هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الرواية لا تروي صراعاً بين المرأة والرجل بقدر ما تفضح الآليات الثقافية التي تُنتج الطرفين معاً داخل نظام رمزي واحد. فالرجال أنفسهم ليسوا خارج هذه المنظومة؛ إنهم، مثل النساء، يتحركون داخل شبكة من الإلزامات الاجتماعية التي تحدد معنى الرجولة بقدر ما تحدد معنى الأنوثة. ولهذا لا يكون الزوج أو الأب أو الأم مجرد شخصيات روائية. إن الأمر يتعلقبمواقع رمزية تتقاطع فيها السلطة مع الثقافة والتربية والذاكرة الاجتماعية.
وتقتضي مقاربة هذا التعقيد تجاوز القراءة السوسيولوجية المباشرة أو النسوية التي تحصر الهيمنة في ثنائية الرجل/المرأة، نحو قراءة ثقافية تستفيد من ثلاثة تصورات فلسفية متكاملة. فمن ميشيل فوكو تستعير الدراسة مفهوم السلطة بوصفها قوة منتجة للذوات لا مجرد جهاز للقمع، ومن بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي والهابيتوس لفهم الكيفية التي تتحول بها الأعراف إلى بداهات اجتماعية يعيد الأفراد إنتاجها دون وعي، ومن جوديثباتلر مفهوم الإخضاعالذي يبين أن الذات لا توجد قبل السلطة، وإنما تتكون عبر استبطان المعايير التي تخضعها.
غير أن استدعاء هذه المرجعيات لا يروم إخضاع الرواية لسلطة النظرية، وإنما إقامة حوار نقدي معها؛ إذ تنطلق الدراسة من فرضية أن النص الأدبي لا يمثل الواقع بصورة مباشرة كما روجت لذلك الكثير من الكتابات، بما في ذلك المقاربات الماركسية المؤمنة جهلا بمفهوم الانعكاس. فالإبداع و من ضمنه الشكل الروائييسعى إلى أن ينتج معرفة خاصة به، قادرة أحياناً على مساءلة المفاهيم النظرية نفسها وإعادة اختبارها. ومن ثم فإن السؤال المركزي لا يتمثل في كيفية حضور السلطة داخل الرواية.إنه سؤال مهووسوممسوس بالكيفية التي تجعل بها الرواية السلطة مرئية بعد أن تكون قد استقرت في اللغة والوجدان والممارسة اليومية، حتى غدا الامتثال لها يُعاش بوصفه حرية، والطاعة بطولة، والصمت حكمة، والتضحية دليلاً على النضج الأخلاقي.
هكذا تسعى هذه الدراسة إلى الانتقال من سؤال: كيف قاومت المرأة السلطة؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف تشكلت المرأة ــ والرجل معاً ــ داخل السلطة؟ وكيف تجعل الرواية من هذا التشكل موضوعاً للتفكير الجمالي والثقافي؟ وهو سؤال يفتح النص على أفق يتجاوز التوثيق الاجتماعي، ليجعله مساءلة أدبية وفلسفية عميقة لمسألة إنتاج الذات داخل النظام الرمزي.
أولاً: التربية بوصفها التقنية الأولى لإنتاج الذات
لا تبدأ السلطة في رواية " حكم علينا الهوى"عند لحظة الزواج، ولا عند دخول المرأة إلى الفضاء الأسري، إنها تسبق ذلك بكثير؛ حيث تبدأ منذ الطفولة، حين تتحول التربية إلى آلية دقيقة لإنتاج الذوات قبل أن تصبح وسيلة لتقويمها. ولذلك لا تقدم الرواية التربية باعتبارها عملية تعليم بريئة، وإنما بوصفها تقنية ثقافية تصوغ علاقة الفرد بنفسه وبجسده وبالعالم من حوله. ومن هنا فإن الذات النسائية لا تدخل الرواية بوصفها ذاتاً مكتملة تتعرض لاحقاً للهيمنة، لكنباعتبارها ذاتاً تتكون تدريجياً داخل منظومة من الخطابات والقيم التي تحدد منذ البداية ما ينبغي أن تكونه المرأة.
ويختزل اعتراف الساردة هذه العملية بقولها: لقد تلقينا نحن الثلاثة تلك التربية التي أثمرت فينا ولم يستطع أي أحد زحزحتنا عنها قيد أنملة(ص 174). وتكشف هذه العبارة أن التربية لم تنتج معرفة أو سلوكاً عابراً، لقد أنتجت بنية داخلية مستقرة، حتى إن الساردة تصفها بثمار نضجت واستقرت في أعماق الشخصية. إن فعل "أثمرت"لا يحيل إلى الإكراه، وإنما إلى النمو الطبيعي، وكأن القيم التي غرستها الأسرة لم تعد تُدرك باعتبارها قيوداً، فقد أصبحت جزءاً من طبيعة الذات نفسها. وهنا تكمن فاعلية السلطة؛ فهي تبلغ أقصى درجاتها عندما تنجح في إخفاء نفسها، فتبدو القيم الاجتماعية وكأنها خصائص طبيعية للفرد.
ومن هذا المنظور، تبدو التربية أقرب إلى ما يسميه ميشيل فوكو تقنيات إنتاج الذات؛ فالسلطة لا تنتظر ظهور الذات لتفرض عليها أوامرها، إنهاتشارك منذ البداية في تشكيلها، عبر جملة من الممارسات اليومية التي تبدو بسيطة: النصيحة، والتوجيه، والرقابة، والثواب، والعقاب، والحديث المتكرر عن الشرف والسمعة والحياء. إنها ممارسات لا تعتمد على العنف المباشر، لكنها تنحت الجسد والوجدان والخيال حتى يغدو الفرد قادراً على مراقبة نفسه دون حاجة إلى رقيب خارجي.
غير أن الرواية تضيف إلى هذا التصور بعداً آخر، إذ تكشف أن هذه التربية لا تكتفي بإنتاج الطاعة، وإنما تنتج أيضاً شعوراً بالرضا عنها. ويتجلى ذلك في قول الساردة: لقد كنا بطلات ونحن نقمع رغبتنا القوية في الجنس، وذلك كان أحد إنجازاتنا المرموقة(ص 174). فاللافت في هذه العبارة أن الساردة لا تصف تجربة قمعية، وإنما تستعير معجم البطولة والإنجاز لتوصيف فعل الحرمان. وهنا تنقلب العلاقة التقليدية بين السلطة والخضوع؛ فالسلطة لا تفرض الانضباط بوصفه تضحية، فهي تعيد تعريفه باعتباره نجاحاً أخلاقياً يستحق الاعتراف.
تبعا لهذا الفهم والتحليل النقدي، يمكننا أن نلاحظ مدىالتقاء الرواية مع تصور بيير بورديو للعنف الرمزي. فالمجتمع لا يكتفي بفرض قواعد السلوك، إنه يمنح الممتثلين لها رأسمالاً رمزياً، يتمثل في الاحترام والسمعة والاعتراف الاجتماعي. فالمرأة التي تؤجل رغبتها، وتصمت، وتلتزم بصورة «الفتاة المهذبة»، لا تخسر شيئا بمنطق الجماعة. وهذا ما يجعلها تربح مكانة أخلاقية داخل الجماعة. وهذا الاعتراف هو الذي يجعل السلطة قابلة للاستمرار، لأنها لا تعاقب الخارجين عن النظام فحسب، إنها أيضا تكافئ المندمجين فيه، فيتحول الامتثال إلى استثمار رمزي أكثر منه استجابة للإكراه.
وتفسر جوديثباتلر هذه المفارقة من زاوية أكثر عمقاً؛ فالذات لا تُخضع رغم إرادتها فقط، وإنما تتشكل من خلال هذا الخضوع نفسه. فقول الساردة" كنا بطلات" لا يعبر عن تقييم لاحق، بقدر ما يعبر عن هوية تشكلت داخل خطاب يربط الأنوثة بالشرف، والعفة بالاستحقاق، وضبط الجسد بالنضج الأخلاقي. وبذلك لا تعود البطولة وصفاً لفعل قامت به الشخصية، وإنما تصبح اسماً للذات التي تعلمت أن ترى نفسها من خلال المعايير التي أنتجتها الثقافة.
ولا تقف الرواية عند حدود تشكل الذات، إنها تكشف كذلك أن هذه التربية لا تصنع النساء وحدهن، وإنما تصنع الرجال أيضاً. ولهذا يبدو الأب في أكثر من موضع أسير المنظومة نفسها التي يفرضها على أسرته، كما في قول الساردة: مساكين هؤلاء الآباء، إنهم يقعون صرعى بين أن يرضونا أو يرضوا الأجداد(ص 183). فالسلطة هنا لا تصدر عن الأب بصفته فرداً، إنها تمر عبره بوصفه حلقة في سلسلة طويلة من الإرث الثقافي. حيث يخضع لما يورثه في الوقت نفسه. وهو ما يجعل الرواية تتجاوز ثنائية الجلاد والضحية، لتكشف أن الجميع يتحرك داخل نظام رمزي سابق عليهم جميعاً.
بناء على هذه المعطيات يمكن القول إن الرواية تؤسس منذ صفحاتها الأولى لفكرة سترافقها حتى النهاية، وهي أن التربية ليست مرحلة تمهيدية تسبق الحياة الاجتماعية، إنها أيضا اللحظة التي يُعاد فيها إنتاج المجتمع داخل الأفراد، بحيث تصبح السلطة جزءاً من ضمائرهم، ويغدو الامتثال لها تعبيراً عن هويتهم لا عن خوفهم منها. ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية للشخصيات؛ فالصراع الذي ستعيشه لاحقاً ليس صراعاً مع سلطة خارجية قهرية فقط، لكنه صراع أخطر من ذلك، إنه مع ذات سبق أن صاغتها تلك السلطة من الداخل.
ثانياً: الجسد المؤجل: انضباط الرغبة بين زمن الطبيعة وزمن الثقافة
إذا كانت التربية في الرواية تمثل الآلية الأولى التي تُنتج الذات، فإن الجسد يمثل المجال الذي تصبح فيه هذه السلطة مرئية. غير أن الرواية لا تقدم الجسد بوصفه موضوعاً للشهوة أو الحب، وإنما بوصفه ساحة يتصارع داخلها نظامان مختلفان: نظام الطبيعة الذي يجعل الرغبة جزءاً من الحياة، ونظام الثقافة الذي لا يلغي هذه الرغبة، لكنه يعيد تنظيمها وتأجيلها وإخضاعها لمنطق الشرعية الاجتماعية. ومن هنا فإن القضية الأساسية في الرواية ليست وجود الرغبة أو غيابها، وإنما السؤال: من يملك الحق في تحديد الزمن المشروع للرغبة؟
يتجسد هذا الصراع في العبارة التي تشكل، في تقديري، إحدى أكثر العبارات كثافة في الرواية: لقد كنا بطلات ونحن نقمع رغبتنا القوية في الجنس، وذلك كان أحد إنجازاتنا المرموقة(ص 174). فاللافت هنا أن الساردة لا تنكر وجود الرغبة، إنها تؤكد قوتها. حيث الرغبة حاضرة بقوة، لكنها لا تُعاش بوصفها تجربة إنسانية طبيعية، وإنما بوصفها مادة ينبغي إخضاعها وإدارتها. ولهذا لا تحتفي الشخصية بقدرتها على الحب، وإنما بقدرتها على تأجيله، ولا تفخر بحيوية الجسد، وإنما بقدرتها على الانتصار عليه. وهذا ما يسميه مصطفى حجازي هدر الرغبة، من خلال، التحكم القهري في الذات.
ومن هذا المنظور، لا يبدو الانضباط نفياً للرغبة، بقدر ما هو إعادة تنظيم لزمنها. فالثقافة لا تقول للمرأة: لا ترغبي، وإنما تقول لها: ليس الآن. وهكذا تتحول الحياة إلى سلسلة من التأجيلات المتعاقبة، حيث يصبح الجسد مشروعاً مؤجلاً باستمرار، ينتظر اللحظة التي تمنحه فيها المؤسسة الاجتماعية حق الوجود. إن السلطة هنا لا تصادر الجسد، لكنها تستولي على زمنه، فتحدد متى يحق له أن يرغب، ومتى يجب عليه أن يصمت، ومتى يصبح التعبير عن الرغبة فضيلة، ومتى يغدو عاراً.
ويكشف اعتراف لينا هذا التوتر بوضوح حين تقول: إنني محتشدة بالرغبة كما لا يمكن أن تتصوري(ص 178). تأتي هذه الجملة لتقوض الصورة المثالية التي أنتجتها التربية؛ فالجسد الذي تعلم الصمت لم يفقد رغبته، وإنما أخفاها. ولهذا يبدو الاعتراف هنا لحظة استعادة للصوت الذي حاول الخطاب الأخلاقي إسكاتَه. غير أن اللافت أن هذا الاعتراف لا يفضي إلى التحرر، إنه يبقى محصوراً في دائرة الكلام، بينما يستمر النظام الاجتماعي في التحكم بالفعل. وهنا تكشف الرواية المفارقة التي أشار إليها ميشيل فوكو حين بين أن السلطة لا تقمع الخطاب عن الجنس، لكنها تدفع إلى إنتاجه داخل شروط محددة تظل هي المتحكمة فيها.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في المشهد الذي تتأمل فيه الساردة طيور السنونو: التزمت الصمت لبرهة أرقب كتلة طيور السنونو الضخمة وهي تحلق باتجاهنا لتنعطف في اللحظة الأخيرة في أداء بارع عائدة إلى الخلف، حركة لا أشبع من النظر إليها، رقصات هوائية يقال إنها لجذب الأزواج أو لتقديم الهدايا...ص 176
ولا يبدو هذا المشهد فاصلاً وصفياً داخل السرد، حيث له دلالات عميقةتمثل لحظة تأمل كثيفة تختزل الصراع الذي تعيشه الشخصيات. فالسنونو لا يحضر بوصفه رمزاً رومانسياً للحرية، وإنما بوصفه صورة لجسد يتحرك وفق إيقاع الطبيعة، قبل أن تتدخل الثقافة لتنظم حركته. فالطيور تبحث عن الأزواج، لكنها تفعل ذلك عبر رقصها وغريزتها وإيقاعها الطبيعي، بينما تدخل الشخصيات النسائية إلى مؤسسة الزواج محملة بشبكة معقدة من الطقوس والواجبات والضغوط العائلية والتصورات الأخلاقية. ومن ثم تقيم الرواية مقابلة دقيقة بين طبيعة تجعل الاقتران امتداداً للحياة، وثقافة تحوله إلى منظومة من الضبط والانضباط.
غير أن المفارقة الأكثر عمقاً تكمن في أن الساردة نفسها لا تستطيع أن تنظر إلى الطيور خارج الثقافة؛ فهي لا تكتفي بوصف حركتها، إنها أيضا تضيف مباشرة: يقال إنها لجذب الأزواج.إن الطبيعة هنا لا تظهر بوصفها معطى خاماً، وإنما بوصفها موضوعاً أُعيد تأويله وفق المخيال الاجتماعي. حتى الطيور أصبحت تُقرأ بلغة الزواج. وهذا يكشف أن الهابيتوس، بتعبير بورديو، لا يكتفي بتنظيم الممارسة فقط، فهو يعمل على تنظيم الإدراك ذاته، بحيث تغدو الثقافة وسيطاً لا يمكن تجاوزه حتى في تأمل العالم الطبيعي.
ومن جهة أخرى، يكشف ترتيب المشهد عن مفارقة لافتة؛ فالساردة تصمت أولاً، ثم تتأمل الطيور، ثم تعود إلى الحديث عن الزواج. وكأن النص يفتح، للحظة قصيرة، نافذة على إمكان آخر للوجود، قبل أن يغلقها ويعيد الشخصيات إلى الزمن الاجتماعي الذي ينتظرها. ولهذا يبدو مشهد السنونو أشبه بعتبة تفصل بين عالمين: عالم الإمكان الذي تمثله الحركة الحرة للطيور، وعالم الضرورة الذي تمثله المؤسسة الزوجية.
وتزداد هذه الدلالة وضوحاً إذا قورن هذا المشهد بقول سارة لاحقاً: صرت عبدة... أوقفت آلية أحاسيسي... أنا الآن مجرد روبو(ص 177). فالمقابلة بين السنونو والروبوت ليست مصادفة سردية، إنها تكشف انتقال الجسد من فضاء الحركة الحرة إلى فضاء البرمجة الاجتماعية. فالسنونو يرقص لأنه كائن حي، أما الروبوت فيتحرك لأنه ينفذ برنامجاً سبق أن وضعه غيره. وبهذا تنتقل الرواية من استعارة الطائر إلى استعارة الآلة، لتجسد المسافة التي تفصل الجسد الطبيعي عن الجسد الذي أعادت السلطة تشكيله.
ولا يعني ذلك أن الرواية تحتفي بالطبيعة في مقابل الثقافة، أو تدعو إلى العودة إلى حالة غريزية مفترضة، وإنما تكشف أن ما يُقدَّم بوصفه اختياراً شخصياً، هو في كثير من الأحيان نتيجة تنظيم طويل للرغبة ولزمنها. فالجسد لا يفقد رغبته، لكنه يتعلم كيف يؤجلها، وكيف يبرر هذا التأجيل، وأيضا كيف يفتخر به. وهنا تلتقي الرؤية السردية مع تصور جوديثباتلر؛ فالذات لا تُبنى رغم هذا الانضباط، لكنها تتشكل من خلاله، حتى يصبح تأجيل الرغبة جزءاً من تعريفها الأخلاقي لنفسها.
وهكذا لا تعود الرغبة في الرواية نقيضاً للسلطة، وإنما المجال الذي تظهر فيه فاعلية السلطة بأوضح صورها؛ إذ لا تنتصر لأنها تمنع الجسد من الكلام، بقدر ما أن انتصارهايتمثل في كونها تعلمه متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يعتبر صمته بطولة تستحق الاعتزاز. ومن هنا فإن الرواية لا تحكي قصة جسد مقموع. إنها قصة جسد تعلم أن يؤجل نفسه، حتى صار التأجيل جزءاً من هويته.
ثالثاً: الحياة اليومية بوصفها مختبرًا لإعادة إنتاج السلطة
إذا كانت التربية قد هيأت الذوات للامتثال، وإذا كان الجسد قد تعلم تأجيل رغباته انتظارًا للحظة المشروعة، فإن الزواج لا يمثل في الرواية نهاية هذا المسار، إنه بدايته الفعلية. فمنذ انتقال الشخصيات إلى بيت الزوجية، لا تعود السلطة خطابًا أخلاقيًا مجردًا، وإنما تتحول إلى ممارسة يومية تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة، حتى تغدو الأعمال المنزلية، وطريقة الكلام، وتقسيم الوقت، وإدارة المكان، وسائل لإعادة إنتاج النظام الرمزي الذي أُعدّت له الشخصيات منذ طفولتها. ومن ثم لا يظهر الزواج باعتباره مؤسسة قانونية أو دينية فحسب، فهو أيضا يشتغل بوصفه الفضاء الذي تتحول فيه القيم المستبطنة إلى ممارسات متكررة، بحيث يصبح اليومي هو المجال الحقيقي لاشتغال السلطة.
تكشف لينا هذا التحول حين تصف حياتها بعد الزواج بمرارة قائلة إنها، إضافة إلى عملها في الشركة، أصبحت " غاسلة مواعين، وماسحة بلاط، وطباخة تعد اللحم والسمك والدجاج والفاصوليا، وتفرم الثوم والبصل، كما أنها منظفة لعيون فرن الغاز والتواليت" (ص 200–201). ولا تكمن أهمية هذا المقطع في تعداد الأعمال المنزلية، وإنما في الطريقة التي يحول بها السرد هذه التفاصيل إلى لغة تكشف منطق السلطة. فالرواية لا تقول إن الزوج يمنع زوجته من العمل، ولكن الأخطر من ذلك تكشف أن استقلالها الاقتصادي لم يؤد إلى إعادة توزيع المسؤوليات، وإنما أدى إلى مضاعفة أعبائها. وهكذا لا تلغي الحداثة التقسيم التقليدي للعمل، فهي تضيف إليه طبقة جديدة من الواجبات، لتجد المرأة نفسها تؤدي وظيفتين كاملتين في زمن واحد.
ومن منظور فوكو، لا تبدو هذه الأعمال مجرد أعباء منزلية، إنها أيضا تدخل ضمن ما يمكن تسميته بالسياسة الدقيقة للجسد؛ إذ لا تعمل السلطة هنا عبر الأوامر الكبرى، وإنما عبر تنظيم الإيقاع اليومي للحياة. فالسؤال لم يعد: من يملك السلطة؟ بل: كيف يُستهلك وقت المرأة؟ وكيف يُوزَّع جهدها؟ وكيف يتحول جسدها إلى أداة لإدامة النظام الأسري؟ إن الرواية لا تقدم الجسد بوصفه موضوعًا للرغبة فقط، كما رأينا في المحور السابق، وإنما بوصفه أيضًا جسدًا عاملاً، يُستنزف في خدمة الآخرين حتى يصبح التعب والقهر والهدر ذاته جزءًا من تعريف الأنوثة.
غير أن الرواية لا تكتفي بوصف هذا الاستنزاف، فهي تحفر عميقا في الأمر الواقعلتكشف آلية تطبيعه. تقول الساردة: أما الآن في بيت الزوجية فلا مجال للانزواء في غرفنا وإغلاق الباب خلفنا بالمفتاح. إنها مسؤوليات وقعت على رؤوسنا فجأة، أما الأزواج فمهما تنازلوا وخاضوا فيها كانوا يتصرفون بغطرسة(ص 204). إن الانتقال من الغرفة الخاصة إلى فضاء المسؤوليات ليس انتقالًا مكانيًا فحسب، بل هو انتقال من ذات كانت تمتلك جزءًا من زمنها إلى ذات أصبح زمنها ملكًا للواجبات. أما مشاركة الأزواج في بعض الأعمال فلا تؤدي إلى تقويض اللامساواة، لأن هذه المشاركة نفسها تُقدَّم باعتبارها تنازلًا، لا حقًا أو واجبًا مشتركًا. ومن هنا تظل السلطة الذكورية حاضرة حتى عندما تبدو وكأنها تنسحب.
وتزداد هذه السلطة رسوخًا حين تنتقل من مستوى الأفعال إلى مستوى اللغة. فالأم لا تنصح ابنتها بحسن المعاملة فقط، فهي تورطهافي طاحونة إعادةالإنتاج،كنموذج كامل للأنوثة حين تقول: كم أنت قبيحة يا ابنتي، لماذا تخاطبين طارق بتلك الطريقة؟ عيب... الرجل يحب المرأة اللطيفة، لا تحرجي زوجك بالصراخ(ص 210). لا يتعلق الأمر هنا بأخلاق التخاطب، وإنما بإنتاج خطاب يجعل من اللطف الأنثوي واجبًا، ومن الصمت فضيلة، ومن كبح الغضب شرطًا لاستمرار العلاقة. وبهذا تنتقل السلطة من تنظيم الجسد إلى تنظيم الصوت؛ إذ لا يعود المطلوب أن تقوم المرأة بعمل معين فقط، فهي مطالبة أن تؤديه بالنبرة المناسبة، والابتسامة المناسبة، والكلمات المناسبة.
وتكشف الأم، من خلال اعترافها: أبوك محاور؟ أليس هو من دفعني إلى ترك عملي في البريد؟... كان يجب أن أقبل وإلا كنا قد انتهينا كأسرة(ص 211)، أن هذا الخطاب ليس نابعًا من اقتناع بسيط، لكنه من خبرة طويلة مع نظام اجتماعي جعل التضحية تبدو الثمن الطبيعي لاستمرار الأسرة. وهنا يظهر ما يسميه بورديو العنف الرمزي في أوضح صوره؛ فالهيمنة لا تُفرض بالقوة، حيث إنها تمرر عبر تحويلها إلى حكمة اجتماعية تتناقلها النساء أنفسهن، حتى تصبح الأم، وهي ضحية لهذا النظام، إحدى أهم مؤسساته الناطقة.
أما لينا فتكشف استمرار هذا النظام في العلاقة الزوجية حين تقول عن زوجها: كل مرة ينبهها على أنه هو الرجل وهي المرأة(ص 220). إن هذه العبارة ليست مجرد تأكيد للفروق البيولوجية، إنها إعلان متكرر عن موقع رمزي يمنح الرجل حق تعريف العلاقة وحدودها. فالذكورة هنا وصفً، لمن يقرأ سطح الكلام. أما المعني بخبايا اشتغال القهر، يدرك أن الأمر يتعلقبسلطة رمزية تستمد مشروعيتها من تاريخ طويل من التنشئة الاجتماعية. ولذلك لا يحتاج الزوج إلى تبرير تفوقه؛ يكفي أن يذكّر بأنه "الرجل"، حتى يستدعي نسقًا ثقافيًا كاملًا يمنحه الشرعية.
وتبلغ الرواية ذروة وعيها النقدي في الحوار الذي تديره سوسن حين تقول: من اللازم حضور التربية وليس الشعارات»، ثم تضيف: «من شب على شيء شاب عليه... إنها الثقافة نفسها، المطبخ يحط من قدر الرجال(ص 233–234). هنا يغادر السرد مستوى الشكوى الفردية ليصل إلى تشخيص البنية الثقافية المنتجة لهذه الممارسات. فالمشكلة ليست في امتناع رجل بعينه عن دخول المطبخ، إنها تمتد عميقا في منظومة رمزية جعلت العمل المنزلي علامة على نقص الرجولة، وجعلت خدمة البيت امتدادًا طبيعيًا لأنوثة المرأة. وهكذا تكشف الرواية أن الحياة اليومية ليست مجالًا محايدًا، فهي المسرح و المختبر الذي يعاد فيه إنتاج الهابيتوس جيلاً بعد جيل.
ومن ثم، فإن الزواج في "حكم علينا الهوى" لا يفشل لأنه يخلو من الحب، ولا لأنه يقوم على العنف الصريح، إنه ينهار ويتفكك لأنه يستوعب الحب نفسه داخل نظام من الواجبات اليومية، يعيد توزيع السلطة، من خلال تفاصيل تبدو عادية إلى درجة أنها تكاد تفلت من الانتباه. وهنا تكمن براعة الرواية؛ إذ تجعل القارئ يدرك أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُمارس في لحظات الصدام، وإنما تلك التي تستقر في إيقاع الحياة اليومية حتى تغدو غير مرئية، ويغدو الامتثال لها جزءًا من معنى الحياة نفسها.
رابعاً: من مقاومة السلطة إلى إعادة بناء الذات: حدود التحرر داخل الرواية
إذا كانت الرواية قد كشفت، في مراحلها السابقة، كيف تتسلل السلطة إلى التربية والجسد والحياة اليومية، فإنها لا تتوقف عند تصوير الشخصيات بوصفها خاضعة لهذه المنظومة، فهي تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل تستطيع الذات أن تتحرر بمجرد رفض المؤسسة التي مارست عليها السلطة؟ أم أن آثار السلطة تستمر داخلها حتى بعد لحظة التمرد؟
هنا تكمن أهمية التحول الذي تعرفه الشخصيات النسائية في الرواية؛ فهي لا تنتقل ببساطة من الخضوع إلى الحرية، وإنما تمر بتجربة وعي مؤلمة تكتشف خلالها أن الصورة التي صنعتها عن الحب والزواج والذات كانت هي الأخرى مشروطة بمنظومة ثقافية سابقة عليها.
تقدم شخصية سوسن مثالاً واضحاً على هذا التعقيد. فهي تقول: لم يكن لدي شيء شخصي عن الزواج، وإلا لما أقدمت على قبول طارق بعد أن تبين لي أن العمل في إدارة شركة الماء والكهرباء هو قدري، وأن الطريق ذهاباً وإياباً إلى بيت والدي كان روتينياً يومياً لبضعة أسابيع أتاحت له أن يراني بالاستقامة الصارمة التي كنت عليها وسيري حرّة بين الشوارعص 239.
تكشف هذه العبارة أن اختيار الزواج لم يكن نتيجة حاجة إلى الرجل أو بحث عن حماية اجتماعية، إنه جاء بعد أن تشكلت لدى سوسن صورة عن ذات مستقلة في المجال العام. فهي امرأة تعمل، تتحرك في المدينة، وتمتلك إيقاعاً خاصاً لحياتها. غير أن المفارقة أن هذا الاستقلال نفسه يصبح مدخلاً إلى علاقة جديدة؛ إذ لا يرى طارق فيها مشروع ذات مستقلة، وإنما يرى صورة جمالية يريد امتلاكها.
وتؤكد الرواية هذا المعنى حين تصف نظرة طارق إليها:
فالسير خلفي في شارع كنيدي المظلل بالشجر ثم عبر الطريق الفرعي حيث الفيلات، إنما هو انجذاب إلى جمالي وتضاريسي، قامتي الفارهة، ساقي المنحوتتين، نهدي المكورين، شعري الغجري السائب... كل ذلك كان قد أثاره .ص 240.
تكشف هذه الفقرة عن لحظة انتقال دقيقة؛ فالمرأة التي كانت تتحرك في المدينة بوصفها ذاتاً مستقلة تتحول في عين الآخر إلى موضوع للنظر والرغبة. وهنا يمكن استدعاء فوكو؛ فالجسد لا يصبح مجالاً للسلطة فقط عبر المنع، ولكن أيضاً عبر طريقة رؤيته وتصنيفه وإنتاج معناه. إن نظرة الآخر لا تكتفي برؤية الجسد، إنها تعيد تشكيل موقعه داخل علاقة القوة.
غير أن الرواية لا تجعل الرجل وحده مسؤولاً عن هذا التحول، فهي تكشف أيضاً اشتراك المخيال العاطفي للنساء في إنتاج الوهم. تقول لينا:
نولد حرات إلى أن نتزوج.ص 242.
هذه العبارة القصيرة تحمل مفارقة مركزية؛ فهي لا تعني أن الزواج هو مصدر القيد الوحيد، فهي تكشف أن الثقافة نفسها قسمت حياة المرأة إلى مرحلتين: مرحلة حرية مؤقتة، ثم مرحلة دخول إلى مؤسسة تعيد تعريف وجودها. فالزواج لا يظهر هنا كحادث خارجي، إنه كحد فاصل بين شكلين من الذات.
وتعبر سارة عن الوهم الرومانسي الذي سبق التجربة الزوجية بقولها:
ظلِلنا نتصور أن العاطفة غير المشروطة تحتفظ بالحب طازجاً بعيداً عن تخوم الفراق، لعلها الرومانسية وقلة الخبرة هي ما جعلتنا حالمات، وفي أذهاننا صورة عن الزوج الجنتلمان الذي رأس ماله طباعه الهادئة وأساليبه المهذبةص 244.
تكشف هذه العبارة عن نوع آخر من السلطة: سلطة الخيال الثقافي الذي رسخته القيم الاجتماعية الثقافية عبر التنشئة المجتمعية. فالشخصيات لم تدخل الزواج فقط تحت ضغط العائلة أو المجتمع، إنها دخلته أيضاً تحت تأثير سرديات الحب الرومانسي التي صنعت صورة مثالية عن الرجل والعلاقة الزوجية. وهنا تتقاطع الرواية مع باتلر؛ فالذات لا تُخضع فقط عبر القوانين الصريحة، وإنما عبر الصور والمعايير التي تجعلها ترغب في أشكال معينة من الحياة وتعتبرها تحقيقاً لذاتها.
لكن انهيار الوهم لا يؤدي فوراً إلى التحرر، لكنه يفتح جرحاً وجودياً. فعندما تقول الساردة:
جاءت حكاية التفكير في الطلاق كمنغص حاد. كانت سوسن أسبق من لينا في المطالبة به تلك هي المفاجأة. ص 245
فإن الطلاق لا يظهر كقرار بسيط، فهو زلزال يصيب صورة الذات التي بنتها الشخصيات عبر سنوات. فالمشكلة ليست فقط فقدان الزوج، وإنما فقدان المعنى الذي ارتبط بالزواج بوصفه اكتمالاً للأنوثة.
وتبلغ هذه المأساة ذروتها في اعتراف سوسن:
صديقتك محرومة... حافظت على نفسي عذراء لأجل لا شيء. ليتني عشت حياتي بالطول والعرض. ماذا حصل للبنات اللائي كن أكثر تحرراً؟ هن المستفيدات على كل حال. ص 258
هذه العبارة عميقة جدا؛ لأنها تعيد قراءة الماضي كله من منظور الحاضر. فالفضيلة التي كانت تُقدَّم سابقاً بوصفها إنجازاً أخلاقياً تتحول الآن إلى إحساس بالخسارة. وهنا تظهر المفارقة الباتلرية بوضوح: الذات التي كانت ترى انضباطها اختياراً أخلاقياً، تكتشف لاحقاً أن هذا الاختيار كان مشكلاً داخل نظام من القيم سبقها.
وتضيف الساردة:
كنت أسيرة أفكار سخيفة، مكبلة بالمحاذير. ص 258.
لكن أهمية هذه الجملة أنها لا تلقي المسؤولية على الآخرين فقط؛ فالشخصية تعترف بأن جزءاً من القيد كان قد استقر داخلها. وهذا هو جوهر العنف الرمزي عند بورديو: أن يصبح النظام الاجتماعي قادراً على إنتاج أشكال من الوعي ترى القيود بوصفها اختيارات شخصية.
ولهذا فإن قضية الجنس في الرواية لا تحضر بوصفها قضية جسدية فقط، إنها تشتغل بوصفها مجالاً تتصارع فيه الثقافة مع الرغبة. تقول الساردة:
ليس من السهل الحديث عن الجنس أن نخوض فيه بكامل الصراحة والوضوح شيء ما يقف حاجزا بيننا وبينه حتى تخيلاتنا الايروتيكية كنا نستهلكها باحتشام شديد على العكس من بعض الرجال الذين يتباهون بعنترياتهم أمام بعضهم البعض مافعلوه وما لم يفعلوه أصلا مدعين الخزعبلات. ص 263
فالسلطة هنا لا تمنع الفعل فقط، فهي تمنع اللغة نفسها. إنها تجعل الحديث عن الرغبة محاطاً بالخجل والرقابة، في حين تسمح للرجال، كما تشير الرواية، بتحويل الجنس إلى مجال للتفاخر والاستعراض. وهكذا تكشف الرواية عن عدم تكافؤ رمزي في علاقة الجنس بالكلام؛ فالمرأة مطالبة بالصمت، والرجل يمنح نفسه حق الرواية والادعاء.
لكن النهاية لا تقدم الطلاق بوصفه خلاصاً كاملاً. فالشخصيات تغادر الزواج، لكنها لا تغادر بسهولة آثار التجربة. تقول الساردة:
طلقت لينا وبعدها سوسن بفارق أيام... جرجرت كل منهما حقيبتها وراحت إلى سكن آخر، مغادرتين حياتهما الجديدة التي لم تطل كثيراً، تاركتين كل شيء وراءهما: الحب والشغف وخاتم الزواج وهدايا العرس الرفيعة، بعد أن استنفدتهما العداوة والصراعص 369
إن صورة جر الحقيبة تحمل دلالة رمزية عميقة؛ فالخروج من المؤسسة لا يتم بخفة المنتصر، لكنه يتم بثقل التجربة. إنهما تتركان الأشياء المادية، لكنهما تحملان آثار الصراع في الذاكرة والجسد والوعي.
ولهذا تأتي عبارة سارة في النهاية:
جميل ألا تكون هنالك أحقاد على الجنس الآخر، لا تحرقي أعصابك بالكره، فالحدائق ملأى بالأزهار مثلما هي أيضاً ملأى بالنباتات الغريبةص 386.
لا تنتهي الرواية إلى خطاب انتقامي ضد الرجل، لأن القضية أعمق من خصومة بين جنسين. إن ما تكشفه هو أن المشكلة تكمن في النظام الرمزي، الذي ينتج صوراً مشوهة للرجولة والأنوثة معاً. فالحديقة التي تضم الأزهار والنباتات الغريبة استعارة عن عالم بشري معقد، لا يمكن اختزاله في ثنائية الخير والشر.
ومن ثم فإن المقاومة في الرواية ليست تحرراً نهائياً من السلطة، إنها محاولة مستمرة لإعادة بناء الذات بعد اكتشاف أن السلطة لم تكن خارجها فقط، وإنما كانت تسكن لغتها وأحلامها وتصوراتها عن الحب والنجاح والاكتمال. وهذا ما يجعل الرواية تتجاوز خطاب الاحتجاج المباشر نحو سؤال أكثر عمقاً: كيف تستطيع الذات أن تعيد اختراع نفسها، بعد أن تكتشف أن جزءاً مما اعتبرته اختياراً كان نتيجة تاريخ طويل من التشكيل الثقافي؟
خامساً: من الهيمنة إلى التحرر: صعوبة بناء ذات خارج النظام الرمزي السائد
تكشف رواية " حكم علينا الهوى" أن التحرر من علاقات الهيمنة لا يتحقق بمجرد رفض مظاهرها الخارجية، لأن الهيمنة لا تستقر فقط في المؤسسات والقوانين، إنها تتغلغل في الوعي واللغة والخيال وأنماط الرغبة نفسها. ومن هنا تقترب الرواية من مفهوم الهيمنة عند أنطونيو غرامشي؛ حيث لا تقوم السيطرة الثقافية على الإكراه وحده، وإنما على إنتاج توافق اجتماعي ثقافي معياري، يجعل قيم الجماعة المهيمنة تبدو طبيعية وعقلانية ومقبولة.
وهذا ما يفسر لماذا لا تستطيع الشخصيات النسائية في الرواية أن تنتقل بسهولة من موقع الخضوع إلى موقع الحرية. فالمشكلة ليست في وجود سلطة خارجية يمكن الفرار منها، فهي كامنة في أن هذه السلطة أصبحت جزءاً من تكوين الذات نفسها. لقد تعلمت الشخصيات منذ البداية أن ترى الزواج باعتباره اكتمالاً، والعفة باعتبارها قيمة، والتضحية باعتبارها علامة على النضج، ولذلك فإن انهيار هذه التصورات لا يؤدي فقط إلى رفض المؤسسة وحدها، لكن أيضايولد أزمة في تعريف الذات ذاتها.
ومن هنا تصبح عبارة لينا: نولد حرات إلى أن نتزوج(ص 242) أكثر من مجرد شكوى من الزواج؛ إنها تكشف عن منطق ثقافي كامل، يقسم حياة المرأة إلى مرحلة حرية مؤقتة، تسبق دخولها في نظام يعيد تشكيل وجودها. غير أن الرواية لا تقدم هذه الحرية السابقة للزواج بوصفها حرية مكتملة، لأن الشخصية نفسها كانت قد تشكلت داخل منظومة من القيم التي تحدد مسبقاً ما ينبغي أن تريده وما ينبغي أن ترفضه.
وهنا يظهر البعد الغرامشي بوضوح؛ فالهيمنة لا تنجح لأنها تمنع البدائل فقط، إنها تعمل على إيقاف التفكير، الى درجة تجعل البديل صعب التخيل، وضمن المستحيل التفكير فيه. فالشخصيات لم تكن تحلم بالخروج من النظام، فقد كانت تحلم بتحقيق أفضل نسخة منه: الزوج الحنون، الحب الأبدي، الأسرة المتوازنة. ولذلك فإن الصدمة التي تصيبها بعد الزواج ليست فقط اكتشاف عيوب الرجل، وإنما اكتشاف هشاشة النموذج الثقافي الذي علقت عليه معنى السعادة.
وتتجسد هذه المفارقة في تجربة سارة حين تقول إنهن كن يتصورن "أن العاطفة غير المشروطة تحتفظ بالحب طازجاً بعيداً عن تخوم الفراق"، وإن صورة الزوج لديهن كانت صورة الجنتلمان الذي رأس ماله طباعه الهادئة وأساليبه المهذبة(ص 244). فالرواية هنا لا تنتقد الرجال فقط، إنها أيضا تنتقد كذلك الصناعة الثقافية التي أنتجت صورة مثالية عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وجعلت النساء يرغبن في نموذج لم يكن موجوداً إلا داخل المخيال الاجتماعي.
ولهذا فإن الطلاق، رغم كونه فعل مقاومة، لا يمثل نهاية الهيمنة. إنه يمثل لحظة كشف. فحين تقول سوسن: كنت أسيرة أفكار سخيفة، مكبلة بالمحاذير(ص 258)، فهي لا تعترف فقط بخضوعها للآخر، فهي تكتشف أن جزءاً من السجن كان قد أصبح جزءاً من وعيها. وهذه هي النقطة التي تجعل الرواية أكثر تعقيداً من خطاب تحرري بسيط؛ فالتحرر الحقيقي لا يعني مغادرة المكان فقط، إنه أكثر من ذلك، عمل جذري يرمي بشكل نقدي ونقضي الى إعادة بناء العلاقة مع الذات والرغبة والآخر.
ومن منظور غرامشي، فإن تجاوز الهيمنة يحتاج إلى بناء ما يمكن تسميته بـ"العلاقات المضادة". وهذا يعني إنتاج تصورات وممارسات بديلة لا تكتفي برفض النظام القائم، لكنها تقدم أشكالاً جديدة للعيش والتفاعل. وهذا البعد حاضر ضمنياً في الرواية؛ إذ إن الشخصيات لا تبحث فقط عن الانفصال عن الرجال، إن هدفها هو البحث عن إمكانية تأسيس علاقة مختلفة تقوم على الاعتراف المتبادل وتقاسم المسؤوليات والتحرر من الأدوار الجندرية الجامدة.
ولهذا فإن نهاية الرواية لا تسقط في خطاب الكراهية أو الانتقام. فقول سارة: جميل ألا تكون هنالك أحقاد على الجنس الآخر، لا تحرقي أعصابك بالكره، فالحدائق ملأى بالأزهار مثلما هي أيضاً ملأى بالنباتات الغريبة .(ص 386) يحمل وعياً يتجاوز الصراع الثنائي بين الرجل والمرأة. فالمشكلة ليست في وجود جنس مذنب وآخر بريء، وإنما في النظام الثقافي الاجتماعي الذي ينتج علاقات غير متكافئة ويعيد توزيع الأدوار والسلطة والامتيازات على أساس النوع الاجتماعي.
وبذلك تصل الرواية إلى نتيجة فلسفية عميقة: إن التحرر ليس خروجاً من علاقة معينة، إنه إعادة تشكيل لشروط إنتاج الذات نفسها. فالمرأة لا تتحرر فقط عندما ترفض سلطة الزوج أو الأسرة، وإنما عندما تعيد بناء وعيها بجسدها ورغباتها وقيمتها بعيداً عن المعايير التي صاغتها الهيمنة. ومن هنا يصبح الصراع الحقيقي في الرواية ليس بين المرأة والرجل، إنه بين نمط ثقافي موروث يسعى إلى إعادة إنتاج نفسه، وإمكان إنساني جديد يحاول أن يجد لغته الخاصة.
خاتمة: الرواية بوصفها كشفاً لمأزق الذات بين الحرية والهيمنة
تكشف رواية "حكم علينا الهوى" أن مأساة الشخصيات النسائية لا تكمن في دخولها مؤسسة الزواج فقط، ولا في اكتشافها حدود العلاقة الزوجية، إنها في لحظة أكثر عمقاً وتعقيداً: لحظة اكتشاف أن الذات نفسها ليست كياناً مستقلاً تماماً عن الشروط الثقافية التي صنعتها. فالشخصيات لم تدخل الزواج باعتبارها ضحايا سلطة خارجية فقط، لكنها دخلته محملة بصور وأحلام وقيم تشكلت داخل النظام الرمزي ذاته الذي سيعيد لاحقاً إنتاج التوترات التي ستعاني منها.
ومن هنا تتجاوز الرواية ثنائية بسيطة تقوم على مواجهة المرأة والرجل، أو الحرية والقمع، لتكشف أن السلطة الأكثر فاعلية ليست تلك التي تمنع الإنسان من تحقيق رغباته فقط، إنها تلك التي تشاركه في إنتاج رغباته وتحديد معنى نجاحه وسعادته واكتماله. فالمرأة لا تُخضع فقط حين تُجبر على الصمت أو التضحية، لكن ذلك يحدث أيضاً وبشكل حاسم، حين تتعلم أن ترى صمتها فضيلة، وتضحيتها بطولة، وتأجيل رغبتها إنجازاً أخلاقياً.
ولهذا فإن العبارة التي تقول فيها الساردة: لقد كنا بطلات ونحن نقمع رغبتنا، تختصر المشروع العميق للرواية؛ لأنها تكشف لحظة التقاء الحرية بالهيمنة. فالشخصية لا تشعر بأنها مقيدة، لكنها تشعر بأنها تحقق ذاتها من خلال المعايير التي صنعتها الثقافة. وهنا يلتقي البعد الروائي بالأسئلة الفلسفية الكبرى التي أثارتها تصورات فوكو وبورديو وباتلروغرامشي حول العلاقة بين الذات والسلطة؛ فالإنسان لا يعيش داخل السلطة فقط، لكنه يحمل آثارها في لغته وخياله وتصوراته عن نفسه وعن الآخرين.
غير أن قوة الرواية لا تأتي من كشف الهيمنة فقط، فقوتها تتمثل في رفضها تقديم التحرر بوصفه لحظة نهائية وبسيطة. فالطلاق، في نهاية التجربة، لا يظهر انتصاراً كاملاً، كما أن الزواج لا يظهر هزيمة مطلقة. إن ما يحدث هو اكتشاف مؤلم لحاجة الذات إلى إعادة بناء نفسها بعد انهيار الصور التي كانت تمنحها معنى وجودها. ولذلك فإن التحرر الحقيقي لا يتمثل في مغادرة علاقة أو مؤسسة، وإنما في القدرة على إنتاج علاقة جديدة بالذات والرغبة والآخر.
وهنا تكمن القيمة الفنية للرواية؛ فهي لا تحول الشخصيات إلى رموز لأفكار مسبقة، ولا تجعلها مجرد أصوات احتجاج، إنها تتركها في منطقة التوتر الإنساني حيث تتجاور الرغبة والخوف، الحب والخيبة، الحلم والواقع. فالشخصيات لا تخسر لأنها أحبت، ولا لأنها حلمت، لكن لأنها وجدت نفسها داخل عالم لم يكن الحب فيه منفصلاً عن شبكة واسعة من التصورات الاجتماعية الثقافية الجندرية التي تحدد مسبقاً معنى أن تكون أو تصبح امرأة أو رجلاً، كما تقول سيمون ديبوفوار: "المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك"
إن الإبداع الروائي، في هذا المستوى، لا يعمل بوصفه مرآة للمجتمع فقط، لكنه أيضا بوصفه أداة لكشف ما لا نراه داخل عاداتنا اليومية. إنه يجعل المألوف غريباً، والعادي سؤالاً، والبسيط معقداً. ولذلك فإن تفاصيل تبدو صغيرة في الرواية ــ كأعمال البيت، أو طريقة الكلام، أو نظرة الزوج، أو صمت المرأة، أو حتى تأمل طيور السنونو ــ تتحول إلى علامات تكشف البنية العميقة للعالم الاجتماعي.
ومن هنا يمكن القول إن " حكم علينا الهوى" ليست رواية عن فشل تجربة عاطفية أو عن صدام بين الجنسين، إنها رواية عن صعوبة امتلاك الذات داخل عالم يشارك في تشكيلها قبل أن تعي نفسها. إنها تطرح السؤال الأكثر إلحاحاً في تجربة الإنسان الحديث: كيف يمكن أن نكون أحراراً إذا كانت بعض أكثر رغباتنا وقناعاتنا قد تشكلت داخل أنظمة لم نخترها؟
وهنا تتجلى وظيفة الأدب الكبرى: ليس أن يمنحنا صورة عن الواقع فقط، لكنه معنيبأن يكشف المسافة الخفية بين ما نعتقد أنه اختيار شخصي، وما هو أثر لتاريخ طويل من القيم والخطابات والسلطات. فالرواية لا تقدم وعداً بالتحرر الكامل، لكنها تمنح ما هو أكثر أهمية: وعي اللحظة التي تبدأ فيها الذات باكتشاف الشروط التي صنعتها، وبالتالي تبدأ إمكان إعادة صنع نفسها.
إن أهمية رواية حكم علينا الهوى لا تكمن في أنها تمثل المجتمع المغربي أو تعكس أوضاع المرأة، إن أهميتها النوعية تتجلى في أنها تنتج معرفة سردية بالهيمنة؛ معرفة لا تكتفي بوصف السلطة، وإنما تكشف الكيفية التي تتحول بها السلطة إلى ذاكرة، وإلى لغة، وإلى رغبة، وإلى قصة ترويها الذات عن نفسها. ومن هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الأدب موضوعًا للنظرية، فهو يصبح شريكًا في إنتاجها.
إن ما تكشفه رواية حكم علينا الهوى ليس فقط أن السلطة تُخضع النساء، ولكن أيضا بشكل حاسم وجذري تسعى الى تفكيك الآليات الرهيبةللنظام الثقافي الاجتماعي الذي يعيد تنظيم الرغبة نفسها، بحيث يصبح الاعتراف الاجتماعي أهم من الرغبة الذاتية. ومن ثم فإن مأساة الشخصيات لا تكمن في أن المجتمع منعها من أن تكون حرة، ولكن في أنها تعلمت أن ترى حريتها من خلال عيون المجتمع. وهنا تتحول الرواية إلى تأمل فلسفي في إحدى أعقد قضايا الحداثة: كيف يمكن للذات أن تطلب الاعتراف من النظام نفسه الذي ينتج خضوعها؟
المراجع
لقد اعتمدنا على مجموعة من الكتب في إنجاز هذه الدراسة من بينها:
- جوديثبتلرذات من الرغبة: تبصّراتهيغلية في فرنسا القرن العشرين ترجمة نور حريري دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع 2024
• باتلر، جوديث. الحياة النفسية للسلطة: نظريات في الإخضاع. ترجمة: نور حريري. دار نينوى 2021
• بورديو، بيير. الهيمنة الذكورية. ترجمة: سلمان قعفراني. المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2009.
• بورديو، بيير. أسئلة في علم الاجتماع. ترجمة: إبراهيم فتحي. دار العالم الثالث 1995
• فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة: علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990.
• فوكو، ميشيل. تاريخ الجنسانية، إرادة المعرفة. ترجمة: سلمان حرفوش .دار التنوير ط : الاولى 2017
• غرامشي، أنطونيو. دفاتر السجن (مختارات). ترجمة: فواز طرابلسي. بيروت: دار الفارابي.
• ربيعة ريحان"حكم علينا الهوى". دار العين للنشر الطبعة الثانية 2026