Jليست القيمة الحقيقية لأي حوار فكري في عدد الردود التي ينتجها، ولا في قدرة أحد أطرافه على إقناع الآخر، بل في الأسئلة الجديدة التي يفرضها على الوعي الجمعي. فالتاريخ لا يتقدم لأن الناس يتفقون، وإنما لأنه، في لحظات التحول الكبرى، يكتشف أن الأسئلة التي حكمت مرحلة كاملة لم تعد تكفي لفهم المرحلة التالية.
من هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى الحوار الذي دار في الأيام الأخيرة حول الانتخابات والعقد السياسي ومنظمة التحرير بوصفه خلافًا بين باحثين، أو اختلافًا في تقدير الأولويات، بل بوصفه علامة على انتقال أعمق داخل الفكر السياسي الفلسطيني نفسه؛ انتقال من محاولة إصلاح النظام السياسي القائم، إلى مساءلة الأسس التي قام عليها هذا النظام، والسياق التاريخي الذي منحه معناه.
وهذا، في تقديري، هو الحدث الحقيقي.
فالقضية لم تعد قضية انتخابات، ولا قضية قانون انتخابي، ولا حتى قضية منظمة التحرير بذاتها، وإنما قضية انتقال التاريخ نفسه إلى مرحلة جديدة، بينما ما تزال أجزاء واسعة من الفكر السياسي الفلسطيني تتحرك داخل خرائط مرحلة انتهت موضوعيًا، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة.
لقد عاش الفلسطينيون، منذ ستينيات القرن الماضي، داخل نموذج فكري واضح. كان المشروع الوطني يقوم على ثلاث ركائز متلازمة: شعب موحد، وحركة تحرر وطنية تقود هذا الشعب، ومنظمة تحرير تجسد وحدته السياسية والقانونية أمام العالم. وداخل هذا النموذج كانت كل الأسئلة تجد مكانها الطبيعي؛ المقاومة، والتمثيل، والانتخابات، والمؤسسات، وحتى الخلافات الداخلية.
لم يكن أحد يسأل آنذاك: من هي الجماعة السياسية الفلسطينية؟ لأن الإجابة كانت حاضرة في الوعي الوطني قبل أن تُكتب في الوثائق. ولم يكن أحد يشكك في أن منظمة التحرير هي التعبير المؤسسي عن هذا العقد الوطني، لأنها كانت بالفعل كذلك.
لكن التاريخ لا يبقى ساكنًا.
لقد جاءت التحولات الكبرى، من أوسلو إلى إنشاء السلطة الفلسطينية، ثم الانقسام، ثم التحولات الإقليمية، وأخيرًا حرب الإبادة، لتعيد ترتيب المجال السياسي الفلسطيني بصورة لم تعد تسمح بالإجابة القديمة نفسها.
وهنا تبدأ المشكلة.
فبينما تغيرت البيئة التي أنتجت الشرعية الفلسطينية، بقي جزء كبير من التفكير السياسي يتعامل مع الشرعية وكأنها معطى ثابت لا يتأثر بتغير السياقات.
وهنا بالضبط يظهر الفرق بين النقاشين.
فالدكتور محمد قاروط أبو رحمة ينطلق من سؤال الاستمرارية: كيف نجدد الشرعية التاريخية التي أنتجتها منظمة التحرير؟
أما الدكتورة غانية ملحيس فتنطلق من سؤال مختلف: هل ما تزال الشروط التي أنتجت تلك الشرعية قائمة كما كانت؟
والفرق بين السؤالين ليس لغويًا، بل فلسفيًا.
الأول يتحرك داخل التاريخ.
أما الثاني فيسأل إن كان التاريخ نفسه قد تغيّر.
ولذلك فإن الحوار لم يعد يدور حول الانتخابات، بل حول طبيعة اللحظة التاريخية الفلسطينية.
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الحقيقية لهذا النقاش.
لقد اعتاد الفكر السياسي الفلسطيني، طوال عقود، أن يناقش المؤسسات، لكنه نادرًا ما ناقش الشروط التي تجعل هذه المؤسسات ممكنة.
ناقش المجالس، ولم يناقش الجماعة السياسية.
ناقش الشرعية، ولم يناقش مصدرها.
ناقش الانتخابات، ولم يناقش من يحدد الهيئة الناخبة.
ناقش القيادة، ولم يناقش طبيعة المرحلة التي تتحرك فيها هذه القيادة.
أما اليوم، فإن هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا.
لقد فرضها الواقع نفسه.
فحين تصبح غزة مهددة بالإلغاء، والضفة بإعادة الهندسة، والشتات خارج دوائر القرار، وفلسطينيو الداخل داخل منظومة قانونية مختلفة، لم يعد سؤال التمثيل مجرد سؤال تنظيمي، بل أصبح سؤالًا يتعلق بطبيعة الجماعة الوطنية نفسها.
ولهذا فإن الانتقال من سؤال الانتخابات إلى سؤال العقد السياسي ليس انتقالًا من الديمقراطية إلى التنظير، كما يظن البعض، بل انتقال من سؤال الوسيلة إلى سؤال الأساس.
لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا القفز فوق التراكم التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية.
فالشرعية ليست مجرد نصوص، لكنها أيضًا ليست مجرد ذاكرة.
إن منظمة التحرير لم تصبح ممثلًا شرعيًا بقرار إداري، وإنما لأنها استطاعت، في لحظة تاريخية معينة، أن تجسد الإرادة الوطنية الفلسطينية.
وهذا الإنجاز لا يجوز إنكاره.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تحويلها إلى حقيقة أبدية لا يطالها الزمن.
فالشرعية التاريخية لا تُلغى، لكنها لا تُغني عن التجديد.
والتجديد لا يعني الهدم، لكنه لا يعني الاكتفاء بالاستدعاء الرمزي للماضي أيضًا.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
كيف نحافظ على الشرعية التاريخية دون أن نحولها إلى بديل عن الشرعية الحاضرة؟
وكيف نجدد المؤسسات دون أن نفقد العقد الذي منحها معناها؟
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي لم يعد بالإمكان تأجيله.
إن القيمة الفكرية لهذا السجال تكمن في أنه كشف أن الفكر السياسي الفلسطيني بدأ يغادر مرحلة إدارة الأزمة، ويدخل تدريجيًا مرحلة مساءلة النموذج نفسه.
وهذه ليست ظاهرة معزولة.
فمنذ أكثر من ثلاث سنوات، بدأت تظهر كتابات فلسطينية نقدية تحاول إعادة النظر في المفاهيم المؤسسة: الحامل السياسي، والعقد السياسي، والمعمار السياسي، والمجال العام، والشرعية، والذاكرة، ووظيفة السلطة، ووظيفة منظمة التحرير، والعلاقة بين المقاومة والسياسة.
وليس لأن النخب رغبت في إنتاج لغة جديدة، بل لأن البنية التي أنتجت اللغة القديمة نفسها دخلت مرحلة التفكك، ولم تعد قادرة على تفسير الوقائع التي نشأت بعدها.
ولم تكن هذه الكتابات تبحث عن لغة مختلفة لمجرد الاختلاف، بل كانت تستجيب لتحول تاريخي لم تعد اللغة القديمة وحدها قادرة على تفسيره.
لقد كان واضحًا أن أدوات التحليل التي تشكلت في سياق مرحلة أوسلو لم تعد قادرة على تفسير ما بعد السابع من أكتوبر.
ولعل السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يكن الحدث الذي أنشأ هذه الأسئلة، بقدر ما كان الحدث الذي جعل تجاهلها مستحيلاً. فقد كشف أن البنية السياسية التي نشأت لإدارة مرحلة تاريخية معينة أصبحت عاجزة عن تفسير مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة لم يعد يجري فيها التفاوض على حدود السلطة، بل على تعريف فلسطين نفسها، وحدود شعبها، وموقعها في الإقليم والعالم. ومن هنا، لم يعد السؤال الفلسطيني سؤالًا مؤسساتيًا فحسب، بل عاد ليصبح سؤالًا تأسيسيًا يتعلق بطبيعة المشروع الوطني ذاته.
وكان واضحًا أيضًا أن المفاهيم التي صيغت لإدارة مرحلة انتقالية أصبحت عاجزة عن تفسير لحظة يعاد فيها تشكيل فلسطين نفسها.
ومن هنا جاءت الحاجة إلى مفاهيم جديدة.
لا لأنها أكثر حداثة، بل لأنها أكثر قدرة على تفسير الواقع.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر ليس الهزيمة العسكرية، بل أن يصبح وعيها السياسي أبطأ من حركة التاريخ.
فحين يتغير الواقع بينما تبقى المفاهيم ثابتة، تبدأ السياسة بفقدان قدرتها على تفسير العالم.
وعندما تفقد السياسة قدرتها على التفسير، تفقد تدريجيًا قدرتها على الفعل.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من كان أكثر إقناعًا في هذا الحوار؟
بل سؤال آخر أكثر أهمية:
هل بدأ الفكر السياسي الفلسطيني يدخل بالفعل مرحلة جديدة من إنتاج المعرفة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما نحتاجه ليس الانتصار لرأي على آخر، بل حماية هذا المجال النقدي نفسه.
لأن الأمم لا تتجدد فقط بتغيير مؤسساتها، وإنما بتجديد الأسئلة التي تطرحها على نفسها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لكل ما جرى.
فالقيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في الدفاع عن الانتخابات أو العقد السياسي أو منظمة التحرير، وإنما في أنه أعاد السياسة الفلسطينية إلى مكانها الطبيعي: مكان التفكير في الشروط المؤسسة، لا الاكتفاء بإدارة النتائج.
وربما تكون هذه هي البداية الفعلية لمدرسة فلسطينية نقدية جديدة؛ مدرسة لا تنطلق من الرغبة في نقض التاريخ، ولا من الاكتفاء بتكراره، بل من محاولة فهم اللحظة التي يقف عندها الفلسطيني اليوم، وهو يواجه مشروعًا استعماريًا يعيد تشكيل نفسه، وعالمًا يعيد تشكيل معاييره، وقضيةً لم تعد تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى أدوات جديدة للفهم.
وليست هذه المدرسة تيارًا حزبيًا جديدًا، ولا مشروعًا لتنظيم سياسي موازٍ، ولا دعوة إلى القطيعة مع التاريخ الوطني الفلسطيني، بل محاولة لإعادة تأسيس التفكير السياسي نفسه. فهي لا تبدأ بالسؤال: من يحكم؟ بل بالسؤال: ما الذي يجعل الحكم ممكنًا؟ ولا تبدأ بالمؤسسات، بل بالشروط التي تمنح المؤسسات معناها. وهي لا تستبدل التاريخ بالنظرية، بل تقرأ التاريخ بوصفه عملية مفتوحة لا بوصفه نصًا مكتملًا. ولذلك فهي لا تنطلق من رفض التجربة الوطنية الفلسطينية، بل من الإيمان بأن حماية هذه التجربة لا تكون بتجميدها، وإنما بتمكينها من إنتاج أدوات جديدة لفهم واقع لم يعد يشبه الواقع الذي وُلدت فيه .
فربما لا يكون السؤال الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم هو: كيف نختلف حول الانتخابات؟ ولا: كيف نجدد المؤسسات؟ بل سؤال أبسط وأكثر خطورة: هل ما زلنا نفكر في فلسطين باللغة التي وُلدت قبل أن تتغير فلسطين نفسها؟
فحين تتغير الوقائع، ولا تتغير المفاهيم، تصبح السياسة سجينة ذاكرتها، ويصبح الماضي مرجعًا للحاضر، بدل أن يكون خبرةً تساعد على صناعة المستقبل. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في أنه قدّم أجوبة نهائية، بل في أنه أعاد إلى الفكر الفلسطيني حقه في أن يطرح أسئلة جديدة.
فالتاريخ لا يبدأ عندما تتغير الوقائع، بل عندما تمتلك الشعوب الشجاعة لتغيير الطريقة التي تفكر بها في تلك الوقائع.
من هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى الحوار الذي دار في الأيام الأخيرة حول الانتخابات والعقد السياسي ومنظمة التحرير بوصفه خلافًا بين باحثين، أو اختلافًا في تقدير الأولويات، بل بوصفه علامة على انتقال أعمق داخل الفكر السياسي الفلسطيني نفسه؛ انتقال من محاولة إصلاح النظام السياسي القائم، إلى مساءلة الأسس التي قام عليها هذا النظام، والسياق التاريخي الذي منحه معناه.
وهذا، في تقديري، هو الحدث الحقيقي.
فالقضية لم تعد قضية انتخابات، ولا قضية قانون انتخابي، ولا حتى قضية منظمة التحرير بذاتها، وإنما قضية انتقال التاريخ نفسه إلى مرحلة جديدة، بينما ما تزال أجزاء واسعة من الفكر السياسي الفلسطيني تتحرك داخل خرائط مرحلة انتهت موضوعيًا، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة.
لقد عاش الفلسطينيون، منذ ستينيات القرن الماضي، داخل نموذج فكري واضح. كان المشروع الوطني يقوم على ثلاث ركائز متلازمة: شعب موحد، وحركة تحرر وطنية تقود هذا الشعب، ومنظمة تحرير تجسد وحدته السياسية والقانونية أمام العالم. وداخل هذا النموذج كانت كل الأسئلة تجد مكانها الطبيعي؛ المقاومة، والتمثيل، والانتخابات، والمؤسسات، وحتى الخلافات الداخلية.
لم يكن أحد يسأل آنذاك: من هي الجماعة السياسية الفلسطينية؟ لأن الإجابة كانت حاضرة في الوعي الوطني قبل أن تُكتب في الوثائق. ولم يكن أحد يشكك في أن منظمة التحرير هي التعبير المؤسسي عن هذا العقد الوطني، لأنها كانت بالفعل كذلك.
لكن التاريخ لا يبقى ساكنًا.
لقد جاءت التحولات الكبرى، من أوسلو إلى إنشاء السلطة الفلسطينية، ثم الانقسام، ثم التحولات الإقليمية، وأخيرًا حرب الإبادة، لتعيد ترتيب المجال السياسي الفلسطيني بصورة لم تعد تسمح بالإجابة القديمة نفسها.
وهنا تبدأ المشكلة.
فبينما تغيرت البيئة التي أنتجت الشرعية الفلسطينية، بقي جزء كبير من التفكير السياسي يتعامل مع الشرعية وكأنها معطى ثابت لا يتأثر بتغير السياقات.
وهنا بالضبط يظهر الفرق بين النقاشين.
فالدكتور محمد قاروط أبو رحمة ينطلق من سؤال الاستمرارية: كيف نجدد الشرعية التاريخية التي أنتجتها منظمة التحرير؟
أما الدكتورة غانية ملحيس فتنطلق من سؤال مختلف: هل ما تزال الشروط التي أنتجت تلك الشرعية قائمة كما كانت؟
والفرق بين السؤالين ليس لغويًا، بل فلسفيًا.
الأول يتحرك داخل التاريخ.
أما الثاني فيسأل إن كان التاريخ نفسه قد تغيّر.
ولذلك فإن الحوار لم يعد يدور حول الانتخابات، بل حول طبيعة اللحظة التاريخية الفلسطينية.
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الحقيقية لهذا النقاش.
لقد اعتاد الفكر السياسي الفلسطيني، طوال عقود، أن يناقش المؤسسات، لكنه نادرًا ما ناقش الشروط التي تجعل هذه المؤسسات ممكنة.
ناقش المجالس، ولم يناقش الجماعة السياسية.
ناقش الشرعية، ولم يناقش مصدرها.
ناقش الانتخابات، ولم يناقش من يحدد الهيئة الناخبة.
ناقش القيادة، ولم يناقش طبيعة المرحلة التي تتحرك فيها هذه القيادة.
أما اليوم، فإن هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا.
لقد فرضها الواقع نفسه.
فحين تصبح غزة مهددة بالإلغاء، والضفة بإعادة الهندسة، والشتات خارج دوائر القرار، وفلسطينيو الداخل داخل منظومة قانونية مختلفة، لم يعد سؤال التمثيل مجرد سؤال تنظيمي، بل أصبح سؤالًا يتعلق بطبيعة الجماعة الوطنية نفسها.
ولهذا فإن الانتقال من سؤال الانتخابات إلى سؤال العقد السياسي ليس انتقالًا من الديمقراطية إلى التنظير، كما يظن البعض، بل انتقال من سؤال الوسيلة إلى سؤال الأساس.
لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا القفز فوق التراكم التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية.
فالشرعية ليست مجرد نصوص، لكنها أيضًا ليست مجرد ذاكرة.
إن منظمة التحرير لم تصبح ممثلًا شرعيًا بقرار إداري، وإنما لأنها استطاعت، في لحظة تاريخية معينة، أن تجسد الإرادة الوطنية الفلسطينية.
وهذا الإنجاز لا يجوز إنكاره.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني تحويلها إلى حقيقة أبدية لا يطالها الزمن.
فالشرعية التاريخية لا تُلغى، لكنها لا تُغني عن التجديد.
والتجديد لا يعني الهدم، لكنه لا يعني الاكتفاء بالاستدعاء الرمزي للماضي أيضًا.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
كيف نحافظ على الشرعية التاريخية دون أن نحولها إلى بديل عن الشرعية الحاضرة؟
وكيف نجدد المؤسسات دون أن نفقد العقد الذي منحها معناها؟
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي لم يعد بالإمكان تأجيله.
إن القيمة الفكرية لهذا السجال تكمن في أنه كشف أن الفكر السياسي الفلسطيني بدأ يغادر مرحلة إدارة الأزمة، ويدخل تدريجيًا مرحلة مساءلة النموذج نفسه.
وهذه ليست ظاهرة معزولة.
فمنذ أكثر من ثلاث سنوات، بدأت تظهر كتابات فلسطينية نقدية تحاول إعادة النظر في المفاهيم المؤسسة: الحامل السياسي، والعقد السياسي، والمعمار السياسي، والمجال العام، والشرعية، والذاكرة، ووظيفة السلطة، ووظيفة منظمة التحرير، والعلاقة بين المقاومة والسياسة.
وليس لأن النخب رغبت في إنتاج لغة جديدة، بل لأن البنية التي أنتجت اللغة القديمة نفسها دخلت مرحلة التفكك، ولم تعد قادرة على تفسير الوقائع التي نشأت بعدها.
ولم تكن هذه الكتابات تبحث عن لغة مختلفة لمجرد الاختلاف، بل كانت تستجيب لتحول تاريخي لم تعد اللغة القديمة وحدها قادرة على تفسيره.
لقد كان واضحًا أن أدوات التحليل التي تشكلت في سياق مرحلة أوسلو لم تعد قادرة على تفسير ما بعد السابع من أكتوبر.
ولعل السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يكن الحدث الذي أنشأ هذه الأسئلة، بقدر ما كان الحدث الذي جعل تجاهلها مستحيلاً. فقد كشف أن البنية السياسية التي نشأت لإدارة مرحلة تاريخية معينة أصبحت عاجزة عن تفسير مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة لم يعد يجري فيها التفاوض على حدود السلطة، بل على تعريف فلسطين نفسها، وحدود شعبها، وموقعها في الإقليم والعالم. ومن هنا، لم يعد السؤال الفلسطيني سؤالًا مؤسساتيًا فحسب، بل عاد ليصبح سؤالًا تأسيسيًا يتعلق بطبيعة المشروع الوطني ذاته.
وكان واضحًا أيضًا أن المفاهيم التي صيغت لإدارة مرحلة انتقالية أصبحت عاجزة عن تفسير لحظة يعاد فيها تشكيل فلسطين نفسها.
ومن هنا جاءت الحاجة إلى مفاهيم جديدة.
لا لأنها أكثر حداثة، بل لأنها أكثر قدرة على تفسير الواقع.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر ليس الهزيمة العسكرية، بل أن يصبح وعيها السياسي أبطأ من حركة التاريخ.
فحين يتغير الواقع بينما تبقى المفاهيم ثابتة، تبدأ السياسة بفقدان قدرتها على تفسير العالم.
وعندما تفقد السياسة قدرتها على التفسير، تفقد تدريجيًا قدرتها على الفعل.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من كان أكثر إقناعًا في هذا الحوار؟
بل سؤال آخر أكثر أهمية:
هل بدأ الفكر السياسي الفلسطيني يدخل بالفعل مرحلة جديدة من إنتاج المعرفة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما نحتاجه ليس الانتصار لرأي على آخر، بل حماية هذا المجال النقدي نفسه.
لأن الأمم لا تتجدد فقط بتغيير مؤسساتها، وإنما بتجديد الأسئلة التي تطرحها على نفسها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لكل ما جرى.
فالقيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في الدفاع عن الانتخابات أو العقد السياسي أو منظمة التحرير، وإنما في أنه أعاد السياسة الفلسطينية إلى مكانها الطبيعي: مكان التفكير في الشروط المؤسسة، لا الاكتفاء بإدارة النتائج.
وربما تكون هذه هي البداية الفعلية لمدرسة فلسطينية نقدية جديدة؛ مدرسة لا تنطلق من الرغبة في نقض التاريخ، ولا من الاكتفاء بتكراره، بل من محاولة فهم اللحظة التي يقف عندها الفلسطيني اليوم، وهو يواجه مشروعًا استعماريًا يعيد تشكيل نفسه، وعالمًا يعيد تشكيل معاييره، وقضيةً لم تعد تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى أدوات جديدة للفهم.
وليست هذه المدرسة تيارًا حزبيًا جديدًا، ولا مشروعًا لتنظيم سياسي موازٍ، ولا دعوة إلى القطيعة مع التاريخ الوطني الفلسطيني، بل محاولة لإعادة تأسيس التفكير السياسي نفسه. فهي لا تبدأ بالسؤال: من يحكم؟ بل بالسؤال: ما الذي يجعل الحكم ممكنًا؟ ولا تبدأ بالمؤسسات، بل بالشروط التي تمنح المؤسسات معناها. وهي لا تستبدل التاريخ بالنظرية، بل تقرأ التاريخ بوصفه عملية مفتوحة لا بوصفه نصًا مكتملًا. ولذلك فهي لا تنطلق من رفض التجربة الوطنية الفلسطينية، بل من الإيمان بأن حماية هذه التجربة لا تكون بتجميدها، وإنما بتمكينها من إنتاج أدوات جديدة لفهم واقع لم يعد يشبه الواقع الذي وُلدت فيه .
فربما لا يكون السؤال الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم هو: كيف نختلف حول الانتخابات؟ ولا: كيف نجدد المؤسسات؟ بل سؤال أبسط وأكثر خطورة: هل ما زلنا نفكر في فلسطين باللغة التي وُلدت قبل أن تتغير فلسطين نفسها؟
فحين تتغير الوقائع، ولا تتغير المفاهيم، تصبح السياسة سجينة ذاكرتها، ويصبح الماضي مرجعًا للحاضر، بدل أن يكون خبرةً تساعد على صناعة المستقبل. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في أنه قدّم أجوبة نهائية، بل في أنه أعاد إلى الفكر الفلسطيني حقه في أن يطرح أسئلة جديدة.
فالتاريخ لا يبدأ عندما تتغير الوقائع، بل عندما تمتلك الشعوب الشجاعة لتغيير الطريقة التي تفكر بها في تلك الوقائع.