كرة القدم د. دينا عبدالرحمن - الساحرة المستديرة... وطن آخر يجتمع فيه العالم

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُلعب على مستطيل أخضر، ولا مجرد منافسة رياضية تنتهي بإطلاق صافرة الحكم؛ بل غدت ظاهرة إنسانية تتجاوز حدود الملاعب، وتلامس أعماق النفس البشرية، حتى أصبحت إحدى أكثر اللغات قدرة على توحيد البشر، مهما اختلفت أوطانهم وأديانهم وثقافاتهم. ولعل السر الكامن وراء سحر كرة القدم أنها تمنح الإنسان، ولو لساعات قليلة، فرصة نادرة للهرب من ثقل الواقع إلى رحابة الحلم.
ففي عالم تتوالى فيه الحروب، وتتسع فيه الفجوة الاقتصادية، وتتزايد ضغوط الرأسمالية التي تحوّل الإنسان إلى آلة لا تكاد تتوقف عن الركض خلف لقمة العيش، يصبح البحث عن متنفس نفسي ضرورة لا ترفًا. هنا تتقدم كرة القدم لتؤدي دورًا يتجاوز حدود الرياضة، فتتحول إلى مساحة آمنة لتفريغ الانفعالات، واستعادة الإحساس بالحياة، وإحياء الأمل الذي تلتهمه تفاصيل الأيام القاسية.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن البطولات الكبرى مع حالات من الالتفاف الشعبي غير المسبوق؛ فالإنسان يحتاج دائمًا إلى قصة جماعية يؤمن بها، وإلى حلم يشترك فيه مع الملايين. ولهذا لا يشاهد الجمهور المباريات لمجرد متابعة أهداف أو مهارات فردية، بل لأنه يرى في فريقه صورةً رمزية لذاته، وانعكاسًا لهويته الوطنية، وانتصارًا معنويًا يعوض كثيرًا من الهزائم اليومية التي لا علاقة لها بالرياضة.
يفسر علم النفس هذا الارتباط العاطفي بما يُعرف بالهوية الجمعية؛ إذ يشعر الفرد بأنه جزء من كيان أكبر، فتذوب الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويصبح الجميع جمهورًا واحدًا يخفق قلبه بالإيقاع نفسه. لذلك تتبدل ملامح المدن أثناء المباريات الكبرى؛ تخفت الخلافات، وتتراجع لغة الاستقطاب، وتعلو لغة الانتماء. وفي لحظة تسجيل هدف، قد يبكي الغريب بين أحضان من لم يلتقِ به من قبل، لأن المشاعر المشتركة تمتلك قدرة استثنائية على إسقاط الحواجز بين البشر.
ولعل هذا ما يفسر الهوس العالمي بكرة القدم. فالناس لا يعشقون اللعبة وحدها، وإنما يعشقون ما تمنحه لهم من شعور بالانتصار، ومن قدرة على الحلم، ومن يقين بأن المستحيل قد يتحقق في تسعين دقيقة. إنها تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والأمل؛ فالفريق الذي يقاتل حتى اللحظة الأخيرة يوقظ داخل جمهوره الإيمان بأن الحياة نفسها تستحق المحاولة حتى النهاية.
وفي هذا السياق، جاء مونديال 2026 ليقدم نموذجًا بالغ الثراء لهذه الحالة النفسية والإنسانية. و استطاع المنتخب المصري، من خلال أدائه الاستثنائي وروحه القتالية، أن يوقظ داخل المصريين شعورًا ظل سنوات طويلة يبحث عن فرصة للظهور؛ شعور الفخر الجمعي، والثقة، والإيمان بالقدرة على منافسة الكبار. لم يكن الإنجاز الرياضي هو الحدث الأهم، بقدر ما كان الأثر النفسي الذي صنعه في وجدان شعب بأكمله.
لقد استعادت الشوارع المصرية حيويتها، وعادت الابتسامة إلى وجوه أنهكتها الأعباء الاقتصادية وضغوط الحياة. وفي المقاهي والمنازل والميادين اختفت، ولو مؤقتًا، الفوارق الطبقية والانتماءات الفكرية، واجتمع الجميع خلف علم واحد، وصوت واحد، وحلم واحد. كانت تلك اللحظات تذكيرًا بأن الشعوب، مهما أثقلتها الأزمات، لا تفقد قدرتها على الفرح إذا وجدت سببًا صادقًا يدعو إليه.
والأكثر لفتًا للانتباه أن هذه الحالة لم تتوقف عند الحدود المصرية، بل امتدت إلى العالم العربي بأسره. فقد رأى كثيرون في المنتخب المصري صورةً تمثلهم جميعًا، فانحازت المشاعر إلى الانتماء الثقافي والحضاري المشترك، أكثر من انحيازها إلى الحسابات الرياضية الضيقة. وعندما يشعر شعب بأن نجاح شقيقه هو امتداد لنجاحه، تتجسد الرياضة في أسمى صورها، باعتبارها جسرًا للهوية والتضامن.
ثم جاءت المباراة أمام الأرجنتين لتكشف جانبًا آخر من التأثير النفسي لكرة القدم، فحين يترسخ لدى الجماهير إحساس بأن العدالة لم تأخذ مجراها، تتحول المباراة من منافسة رياضية إلى قضية أخلاقية. وعند هذه النقطة لم تعد ردود الأفعال مرتبطة بنتيجة لقاء، وإنما ارتبطت بالدفاع عن قيمة إنسانية راسخة؛ هي عدالة المنافسة ونزاهتها.
ومن هنا يمكن فهم موجة التضامن الواسعة التي تجاوزت حدود الجغرافيا واللغة. فالتعاطف الذي شهدته مصر من جماهير عربية وأجنبية لم يكن مجرد انحياز لفريق خاسر، وإنما كان رفضًا لأي شعور بأن الجهد قد يُهزم أمام غياب الإنصاف. ولذلك امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل الدعم، وتصدرت الوسوم المناهضة للتمييز والعنصرية والفساد، وظهرت مبادرات فنية وأغانٍ ورسائل تضامن عكست إيمانًا عالميًا بأن الرياضة لا يمكن أن تؤدي رسالتها النبيلة إلا إذا اقترنت بالعدالة.

إن أكثر ما يلفت الانتباه في مثل هذه اللحظات أن الجماهير لا تدافع عن منتخب بعينه، وإنما تدافع عن فكرتها الخاصة عن العالم؛ عالم يتساوى فيه الجميع أمام القانون، ويُكافأ فيه الاجتهاد، وتُحسم فيه المنافسات بالموهبة والعرق لا بأي اعتبارات أخرى. ولهذا كان الغضب الشعبي، في جوهره، دفاعًا عن قيم تتجاوز كرة القدم نفسها.
وهكذا تثبت الساحرة المستديرة، مرة بعد أخرى، أنها ليست مجرد لعبة، بل مرآة تعكس ما يدور داخل المجتمعات من أحلام ومخاوف وآمال وإحباطات. إنها قادرة على أن تمنح الملايين جرعة من السعادة، وأن توحد شعوبًا فرقتها السياسة، وأن تذكر العالم بأن الانتماء لا يزال قادرًا على صناعة المعجزات، وأن العدالة، حتى إن غابت في مباراة، تظل مطلبًا إنسانيًا لا يسقط بالتقادم.
وربما لهذا السبب ستظل كرة القدم أكبر من مجرد بطولة، وأعمق من مجرد انتصار أو هزيمة؛ لأنها، في النهاية، الحكاية الوحيدة التي يستطيع ملايين البشر أن يعيشوها معًا في اللحظة نفسها، وأن يكتشفوا خلالها أن القلب الإنساني، مهما اختلفت الأوطان، لا يزال ينبض باللغة ذاتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى