أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٥ تموز من كل عام

١
عز الدين المناصرة وقصيدة المقاومة
عادل الاسطة
في مقال لعز الدين المناصرة عنوانه " الحداثة الشعرية الفلسطينية : نقد انطباعي بلا معرفة ونقد بنيوي بلا ذوق " أعاد نشره في كتاب " هامش النص الشعري " ١٩٩٨ يرى أنه يمكن تقسيم القصيدة الفلسطينية إلى ثلاثة أنواع هي :
- قصيدة الأونروا
- قصيدة المقاومة
- قصيدة العولمة .
ويفسر الاختلاف بينها ، فالأولى ما كتب عن حياة اللجوء بعد النكبة ، والثانية عن القصائد التي كتبت مع انطلاقة المقاومة الفلسطينية والثالثة هي تلك التي تستنسخ الشعر العالمي وتكتب على غراره وقد بدأت تبرز في ٨٠ القرن العشرين .
ما يهمنا هنا هو الآراء التي كتبها المناصرة في قصيدة المقاومة وشعرائها وتلقي النقاد لها .
وهنا أتوقف أمام الآراء الآتية :
- هل قصيدة المقاومة هي القصيدة التي كتبها شعراء الحزب الشيوعي في الأرض المحتلة فقط ؟
لا يرى المناصرة ذلك ،
وعليه فإنه يرفض حصر شعر المقاومة في شعر الشمال الفلسطيني ( درويش والقاسم وزياد وجبران ) ف :
- ماذا عن شعراء لم ينتموا في الأرض المحتلة إلى الحزب الشيوعي وكتبوا الشعر مثل راشد حسين مثلا ؟
هل يعد هؤلاء شعراء مقاومة ؟
( هنا أشير إلى أن هناك نقادا فلسطينيين مثل الدكتور حسني محمود لم يقتصر في دراسة قصيدة المقاومة على شعراء الحزب الشيوعي ، ففي كتابه " شعر المقاومة الفلسطينية " درس شعراء وطنيين غير شيوعيين منهم راشد حسين وخصص له كتابا كاملا ) .
و :
- ماذا عن الشعراء الفلسطينيين في المنفى الذين انتموا للثورة الفلسطينية وكتبوا الشعر مثل المناصرة نفسه وأحمد دحبور ومريد البرغوثي ومحمد القيسي وآخرين ؟
هل هؤلاء شعراء مقاومة أم أنهم ليسوا كذلك ؟
- مقولة الشاعر الأوحد أو الشاعران الأوحدان :
بعد اشتهار محمود درويش وسميح القاسم واعتبارهما الشاعرين الأوحدين ، وفي فترة لاحقة اعتبار درويش الشاعر الأوحد ، رفض المناصرة بشدة هذه المقولة التي حصرت شعر المقاومة الفلسطينية في شعر محمود درويش او في شعر درويش وسميح القاسم وتناست شعراء آخرين مهمين :
" إن فكرة البحث عن الشاعر الأوحد أو الشاعرين الأوحدين لشعب بكامله ينقص من قيمة ثقافة هذا الشعب " .
موقفه من تلقي النقاد لقصيدة المقاومة :
لا يقتصر المناصرة في كتابته عن قصيدة المقاومة على الكتابة عن مفهومه لها وعن أبرز شعرائها ، وإنما يخوض في تلقي النقاد لها ، وهنا نقرأ آراء تبدو متناقضة حقا .
في كتابه المذكور " هامش النص الشعري " ٢٠٠٢ نقرأ مقالة عنوانها " إشكالية النقد العربي الحديث " ادرج تحتها عنوان آخر هو " لا يقرأون النصوص وإنما يقرأون الشخوص " ،
في مقالته هذه يأتي المناصرة على النقد الأدبي العربي منذ الخمسينيات حتى أول الثمانينيات ويخلص إلى أن هذا النقد نقد :
" يركز على كل ما هو خارج النص من علوم إنسانية ... "
ولا يركز على النص وهذا لا يروق له ولهذا لم يعد يكترث للفكر النقدي لأنه يفتقد للمصداقية ، ويصل إلى الرأي الآتي :
" أقول هذا بعد أن قرأت كل هذا النقد الفكري بكافة اتجاهاته . لقد وصلت إلى حافة اليأس من النقاد العرب ، فالمعرفة لديهم مكرورة ومترجمة وليست لهم " .
وللسبب السابق يبدي رأيا يتكرر أحيانا وهو إن نقد الشاعر للشعر هو أفضل أنواع النقد " والسبب هو أن هناك أسرارا في النص الشعري لا تخفى على الشاعر " .
وانطلاقا من الرأي السابق نجده يكتب في نقد الشعر .
نقد نصي ، نقد غير نصي :
يرى عز الدين المناصرة أن النقد الذي تناول شعر المقاومة كان نقدا إعلاميا يركز على ما يحيط بالنص أكثر من تركيزه على النص نفسه .
هذا النقد لا يعجبه ، ولهذا يطالب النقاد بنقد نصي ، علما بأنه هو نفسه لم يختلف اختلافا كليا وجذريا عن النقاد الذين ينتقد دراساتهم .
في كتابه الذي يدعو فيه إلى نقد نصي " هامش النص الشعري ، مقاربات نقدية في الشعر والشعراء والشعريات " ٢٠٠٢ يدرج دراسات عديدة له تناول فيها شعراء فلسطينيين وعربا وعالميين وظف فيها ما يحيط بالنص الشعري ، وقد اختار لها عنوانا هو " خارج النص : الشاعر والسيرة الذاتية " .
موقف المناصرة من الدراسات العربية النقدية التي تناولت قصيدة المقاومة :
- يتوقف المناصرة توقفا عابرا أمام أبرز الدراسات العربية التي تناولت شعراء المقاومة ويبدي رأيه في منهج أصحابها :
" بل وقع النقد في الخلط بين السيرة الذاتية للشاعر ( المقاومة ) وبين نصوص الشاعر ( درجة الشاعرية ) كما فعل غسان كنفاني ويوسف الخطيب ورجاء النقاش وعبد الرحمن ياغي وعومل شعر المقاومة التاريخي كحالة إيديولوجية سلبا وايجابا ( كنفاني والنقاش ساهما في الشرح الإنشائي للأيديولوجيا ) و ( الخطيب القومي وشكري اليساري حاورا الأيديولوجيا ولم يحاورا النصوص " .
وحتى تاريخ كتابة " المقال " ١٩٩٨ يقول المناصرة إنه :
" لم يقرأ كتابا نقديا واحدا عن الشعر الفلسطيني الحديث يقرأ تعددية المنظور وتعددية الأشكال في الشعر الفلسطيني الحديث بقراءة النصوص فقط ، من خلال العلامات الأساسية في الشعر بعيدا عن تقليد المقاومة الشعرية والعولمة بالتقليد ، وبعيدا عن ظاهرة شعراء الأرشيف ، أو أسلوب تعداد أسماء شعرية مثل شعراء الأرض المحتلة " .
من المؤكد إن المرء ليسأل إن كان المناصرة قرأ حقا الكتب كلها التي صدرت حتى تاريخ كتابة المقال ( ١٩٩٨ ) .
وربما ما يجدر الالتفات إليه هو :
- إن النقاد الذين كتبوا كانوا أبناء زمانهم ، وأظن أن هذا لا يخفى على الشاعر المناصرة نفسه الذي كتب بعض مجموعاته الأولى في زمن شاعت فيه مصطلحات نقدية انطلق منها الشعراء والنقاد معا .
- إن المناصرة كتب ما كتب حول مفهومه الجديد بعد أن عاش في الجزائر واطلع على مناهج نقدية جديدة أخذت تشيع لم تكن معروفة في ٦٠ و٧٠ القرن العشرين .
وحين تناول المناصرة في إحدى مقالاته دواوين شعرية لشعراء جدد درس فيها " المطالع والخواتيم "( ١٩٨٩ ) إنما أفاد مما أخذ يشيع وينتشر في حينه ولم يكن مألوفا قبل ذلك ، ونظريات نقدية مثل البنيوية تركز على النقد النصي لم تعرف قبل بدايات الثمانينيات ، وإن نادى ميخائيل نعيمة في نقده بمحاكمة النصوص والحكم عليها لا محاكمة أصحابها .
- من يتابع بعض الكتب النقدية التي درس أصحابها شعر المقاومة الفلسطينية يلحظ أنهم لم يقصروا شعر المقاومة على شعراء الشمال الفلسطيني ، فغالي شكري في كتابه " أدب المقاومة " درس معين بسيسو وفدوى طوقان وعدهما شاعري مقاومة ونظر إلى شعراء الشمال الفلسطيني على أنهم شعراء احتجاج لا شعراء مقاومة .
- لم يشر المناصرة إلى كتاب شاكر النابلسي " مجنون التراب : دراسة في شعر وفكر محمود درويش " ١٩٨٧ وفيه يدرس نصوص درويش دراسات نصية إلى جانب دراسة حياة الشاعر .
- طبعا علينا ألا ننسى أن كتاب المناصرة صدر في ٢٠٠٢ وضم دراسات كتبت في ١٩٩٨ وبعد ٢٠٠٢ صدرت دراسات كثيرة ركزت على النص ولم تركز على صاحبه ، بل إن هناك كتبا صدرت قبل ١٩٩٨ ومنها كتاب نعيم عرايدي " البناء المجسم في طبيعة الشعر عند محمود درويش " ١٩٩١ وكتاب أحمد الزعبي " الشاعر الغاضب محمود درويش : دلالات اللغة وإشاراتها واحالاتها " ١٩٩٥ .
وأرى أن ما كتبه المناصرة حول شعر المقاومة ونقده وما قدمه من نقد تطبيقي يحتاج إلى مساءلة ، فالمناصرة يدعو إلى نقد نصي ويرفض النقد البنيوي متهما إياه بأنه نقد بلا ذوق ، فهل النقد النصي الذي يدعو إليه غير النقد النصي البنيوي ؟ هل يطلب منا أن نقرأ النصوص كما كان ميخائيل نعيمة يقرأها ؟ ونقد نعيمة هذا نقد انطباعي يرفضه المناصرة ولا يروق له .
٢
نحن وغزة :
كما لو أنني في غزة
أجلس الآن في شقتي أصغي إلى أخبار الجزيرة ومراسلها تامر المسحال يقابل لاجئي غزة المشردين من منازلهم والمقيمين في المدارس طلبا للأمان من غارات الطائرات اﻷسرائيلية .
كأنها هجرة جديدة أو كأنها نكبة متجددة على رأي مسنة يبدو أنها شهدت نكبة 1948.
"ما مر عام وغزة لا تشهد حربا " قالت مواطنة .
نحن هنا نحتفل بنتائج التوجيهي منذ الصباح . ألعاب نارية بوفرة . أنا كأنني في جبهة غزة . مفرقعات مفرقعات ، غير أني أتذكر المتنبي :
وتوهموا اللعب الوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان .
أخبار غزة تقلقنا ومفرقعات الناجحين والناجحان أيضا تقلقنا وأغلب الظن أنها مشتراة من المستوطنات اﻷسرائيلية .
نحن أيضا نكون أحيانا بائسين .
مبروك للناجحات والناجحين ولعنة الله على المفرقعين الضراطين .
٢٠١٤
٣
غزة أيضا :
كل ما في اﻷمر أنني نجحت مرة في التوجيهي وكنت الرابع في الضفة الغربية والتاسع على المملكة ذكورا .
كل ما أعرفه أنني لم أطلق المفرقعات ولا الضراط ولم أحتفل حتى بنجاحي . كأن اﻷمر لم يكن بعنيني .
كل ما في اﻷمر أن أبي سألني إن كان نجاحي مهما وعلاماتي جيدة .
أمي اﻷمية فرحت لي واقتصر الاحتفال على طبل وأغان داخل حدود بيتنا في المخيم .
كل ما في اﻷمر أن هذه المفرقعات عهر في عهر وقلة أدب أيضا .
الم يقرأوا راشد حسين :
" همهم أن تلد الزوجة مولودا ذكر
ليقولوا بنت أصيل مفتخر
وضعت طفلا ذكر
ليصير ابنهم راعي ذباب " .
حقا ما هو مستقبل أكثر الناجحين ؟
يا ناس اعقلوا ! فالمفرقعات تشترى من المستوطنات .
أبانا الذي في اﻷمن الوقائي ؟ كيف تنام والحرب على غزة ... الخ ... الخ
٢٠١٤
٤
غزة :
كل ما في اﻷمر أنني زرت غزة غير مرة . سرت في شوارعها ونمت مرة مرتين في بيوتها .
كل ما في اﻷمر أننا كنا نمزح مع عمتي رئيسة ونشبهها بجولدا مائير .
كل ما في اﻷمر أنني وأنا ذاهب ﻷحضر حفل زفاف ابنة عمي رأيت الفدائيين ليلا في الشوارع ورأيتهم في المنزل يتعقبون متعاونا والمسدس في يدهم وﻷجلهم كتب محمود درويش صمت من أجل غزة .
كل ما في اﻷمر أنني كتبت منذ يومين :
- لي أصدقاء هناك .
هل في الأمر شيء جديد ؟
كل ما في اﻷمر أنني أخبرت للتو أن منزل ابنة عمي الذي زرته يوم عرسها قد دمر منذ يومين وأن ابنة عمي نجت وابنها وزوجته وابنته ، فقد أنذروا لإخلاء المنزل .
كل ما في اﻷمر أن ثمة عائلة الآن في الحي الذي أقيم فيه تطبل وتزمر وتستمع إلى مطرب فرحا بنجاح ابنها أو ابنتها .
وكل ما في اﻷمر أن ما يحدث الآن حدث من قبل وكتبت في دفاتر اﻷيام عنه قبل سنوات .
٢٠١٤
٥
خفة الكائنات غير المحتملة : (3)
الكائنات غير المحتملة تأتيك وتتذاكى . أحيانا تبدو طبيعية وبسيطة وأحيانا تتمنى لك ما تتمناه لنفسها ، فهي مؤمنة بوراثة ثقافة الآيمان . هل كانت تمثل دهرا ؟
تتذكر (محمد . ن .) خريج قسم لغة عربية من الجامعة اﻷردنية في 1975 .
تغرب محمد وعاد إلى قريته وعمل معلما في الحكومة .يزورك دائما . ترحب به وقد تطول الزيارة . هل تعلم من أبي الفتح اﻷسكندري شيئا ؟
وحين تطمئن إليه يطلب مبلغا من المال ليكمل القسط الجامعي لابنته . يأتي محمد بشاهد تعرفه فيقول لك الشاهد :
- أنا كفيل له .
وتعطي محمدا ما طلب . وبعدها لم تعد تراه .
مرة تلتقي به في شارع من شوارع المدينة . ومرة تغض الطرف ولا تسأله ، فقد يكون خجولا ويشعرك بأن الله لم يفرجها بعد .
قد ولكن .
مرة تذكره بالمبلغ فيقول لك بلا خجل :
- لا أريد أن أعيده .
تقول له :
- قالوا لي إنك نصاب ولم أصدق أنك نذل .
والحكاية تتكرر . يكررها غيره وقد يحاولون استغفالك . أحيانا تغض النظر وأنت تعرف مقدار نذالتهم .
كان أبي يكرر :
- أكل الرجال على الرجال دين وعلى اﻷنذال صدقة .
هل أكرر ماكان أبي يقوله أم..؟
وربما صام ( محمد ن. ) الشهر كله وربما قام الليل وربما أحيا ليلة القدر . وثمة كائنات غير محتملة .
٢٠١٥
٦
(حزيران الذي لا ينتهي ) 49 :
( أصيح بالخليج : يا خليج .يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى ،
فيرجع الصدى ، كأنه النشيج )
مع حرب تشرين التي اندلعت كنتيجة لحرب حزيران ، تغيرت الأحوال إلى حد بعيد . لم يعد العمل في فلسطين 1948 هو مصدر الرزق الوحيد لأهل الضفة الغربية . لقد ارتفعت أسعار النفط ، بسبب الحرب ، وانفتح سوق الخليج أمام الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبدأت الهجرات المؤقتة .
قبل الحرب كنت تسير في شوارع نابلس فتراها ، باستثناء يوم السبت ، شبه فارغة ، ذلك أن أكثر الرجال يذهبون مبكرا إلى أماكن عملهم في الداخل ، ولا يبقى إلا الطلاب وأصحاب المحلات التجارية والنساء .
كانت المدينة تنشط وتزدهر في ساعات محددة ، وأما بقية النهار فتهدأ فيها الحركة ، ويزداد الأمر في فصل الشتاء ، خلافا لفصل الصيف ، حيث العطلة الصيفية لطلاب المدارس .
من بداية أيلول حتى نهاية أيار تكون المدينة شبه فارغة ، ولا أقول مهجورة : هدوء في الشوارع وفي محلات البيع والشراء كلها تقريبا ، ويظل التجار ينتظرون الأعياد أو الإجازة الصيفية .
مع بداية العام 1974 تقريبا أخذ قسم من العمال يبحثون عن عمل في دول الخليج ، فباعوا الثلاجات والغسالات والتلفازات الإسرائيلية التي اشتروها ويمموا وجوههم شطر الدول الخليجية ، كما لو أنها ( الدوراردو ) التي ورد ذكرها في رواية ( فولتير ) " كنديد " وذكرها إميل حبيبي في روايته " المتشائل " .
في تلك الأيام بحث خريجو المعاهد ،ولم تكن سوى جامعة واحدة هي جامعة بير زيت ، عن فرص عمل في ليبيا والكويت والسعودية والإمارات ، وما من خريج إلا فكر في السفر ، بخاصة أن فرص الوظيفة في التربية والتعليم كانت شحيحة جدا ، لدرجة أن ضابط التربية الإسرائيلي أخذ يخترع فرص عمل مضحكة ، كأن يوظف الخريج نصف وظيفة ، وهناك، ممن أراد البقاء في أرضه ، من وافق على العمل بوظيفة نصف معلم ، ولكنه ، في النهاية ، وجد نفسه يغادر إلى الخليج ، ومن هؤلاء ابن عمي المرحوم زكي .
لقد قلبت الحرب الأمور رأسا على قدم ،فقبل اندلاعها ، وفي ذروة الإقبال على العمل في الداخل الفلسطيني ، أخذ بعض الفلسطينيين المقيمين في الأردن يطلبون من أهلهم أن يصدروا لهم تصريحا لزيارتهم ، وحين ينجح هؤلاء في إصدار التصريح ، ويأتي الراغبون ، يغدون عمالا في المصانع الإسرائيلية أو في ورش البناء أو في المناجر الكبيرة .
قبل أن تفتح أسواق الخليج ، أمام العمال والموظفين ، أصبح التعليم مدعاة للسخرية ، فأي عامل في الداخل يربح أضعاف ما يقبضه الموظف في نهاية الشهر ، وتدنت مكانة المعلم ، بل وأخذ الناس يتندرون على هذه المهنة ، وما عادوا يرددون بيت شوقي " قم للمعلم وفه التبجيلا " إلا في دروس الإنشاء التي يعطيها معلم بحكم العادة ليس أكثر . وربما أخذ الناس بما قاله ابراهيم طوقان في رده على شوقي " ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا "
وكرره الناس
" كاد المعلم أن يموت قتيلا " .
وشاعت حكاية غزاوي يسوق حماره ويخاطبه ، حين يعاكس : بعدين يا أستاذ .
كان صديقي محمود أذكى مني ، واشطر في الرياضيات والعلوم ، ولكنه كان مهملا ، فيم أخذت أنا بقول محمود درويش قبل أن يقوله : " والوحي حظ المهارة إذ تجتهد" . وقد ترك المدرسة وأخذ يعمل في شركة ( سوليل بونيه ) الإسرائيلية للبناء ، وتحسنت أحواله ، ولما انتهت الحرب يمم وجهه شطر السعودية ، وهناك ، كما يقول أهلنا ، قال له الكريم : خذ .
وغدا صاحبي ثريا جدا ، يلعب بالنقود ، كما يقولون ، لعبا . وكان أحيانا يسخر مني ومن تعليمي البائس ، فماذا ستفعل لي بضعة دنانير أو ليرات إسرائيلية في الشهر ، وكان هو ، أحيانا ، ينفق في اليوم الواحد ، قدر راتبي الشهري .
سافر أهل الضفة إلى الخليج وتحسنت أحوالهم ، وقليلون هم من صمدوا . وكنت ذكرت هذا وأتيت على قصيدة عقل وقصة أكرم هنية .
كتب هنية في 1981قصة قصيرة عنوانها " مؤتمر فعاليات القرية يصدر نداء هاما " وظف فيها الخيال واللامعقول لمحاربة فكرة الهجرة . الأجنة ترفض الخروج من أرحام الأمهات إلا إذا عاد الآباء ،وهكذا اجتمع مؤتمر فعاليات القرية ليقول للمهاجرين : عودوا .
وفي تلك الأيام ،في الصيف ، كنت ترى الدشاديش البيض منتشرة في نابلس وفي المخيم ، علامة على الثراء وسعة اليد .
اما أنا فكنت أسافر إلى الجامعة وأعود إلى الضفة .
في بداية أيلول ، بعد الثامنة صباحا ، حيث يذهب الطلاب إلى مدارسهم ، كنت أعاني من الفراغ . لقد غادر أيضا أصدقائي المعلمون الذين زاروا الضفة خلال إجازاتهم .
كما لو أن المدينة مدينة النحاس يصفر فيها الريح ، ولم تكن تزدهر ، وتنشط فيها الحركة ، إلا في ساعات محددة ، ولأنني اشتريت ديوان " أنشودة المطر " للسياب ، فقد كنت أكرر : " يا خليج ، يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى " وكنت اقرأ بشغف كبير قصيدة " غريب على الخليج " مع أنني لم أكن مغتربا خارج البلاد.كأنني اغتربت من خلال اغتراب أصدقائي الذين كان علي أن انتظرهم عاما ، ليعودوا فنجتمع من جديد في المقهى على ورق الشدة .
15/7/2016
٧
الروائي وبطله : راشد حسين بين الدراسة والرواية
بقلم : عادل الاسطة
للناقد السوري جورج طرابيشي كتاب عنوانه " الروائي وبطله : مقاربة اللاشعور في الرواية العربية ".( 1995 ) يدرس فيه روايتين ؛ واحدة لحنا مينة ، والثانية لربيع مبارك ، وما يهم هو التقديم الذي كتبه الناقد " حول التحليل النفسي للبطل الروائي " . وفيه يرى طرابيشي أن لاشعور البطل الروائي مستقل عن لاشعور الكاتب ، ويذهب إلى أن البطل الروائي ليس نسخة طبق الأصل عن الروائي . وكما أن الشخصيات الروائية ، لتحظى بصفة الحياة ، من المفروض أن تكون من لحم ودم ، أفليس المفروض فيها أن تكون من أعصاب ؟
ويرى طرابيشي بأن تحليله لشخصية البطل الروائي لا تعني بالضرورة تحليله لشخصية الروائي ، إذ لو كانت هناك مطابقة بينهما ، لما كانت هناك ضرورة لكتابه أصلا . واعتمادا على هذا درس كثيرا من النصوص الروائية العربية ، ومنها نص حنا مينة ورواية ربيع مبارك .
البقية الأحد في الأيام الفلسطينية
17 / 7/ 2016
٨
حول ترجماتي :
في 1992 أخذت أنقل بعض الدراسات من الألمانية إلى العربية وركزت على ما يخص أدبنا .
كان علي أن أتمثل المكتوب وأن أعود إلى الأصول لأنقلها كما هي ، لا لأترجمها عن الترجمة ؛ لأنني لو ترجمتها لكانت سيريالية - أي والله .
مرة ترجم المرحوم سلمان ناطور عن العبرية نصا لاميل حبيبي ، - النص مكتوب بالعربية ومترجم إلى العبرية - . كانت الترجمة بالصلاة على النبي . ولا ضرورة لذكر ما حل بسلمان بعد أن كتبت عن ترجمته وقرأت سهام داوود كتابتي والنص المترجم وقارنته باصله العربي .
15/ 7 / 2017
٩
لم أكتف بالترجمة . كنت أراجع المسودة الأخيرة شخصيا إلا مرة واحدة اعتمدت فيها على عادل سمارة فصدرت بالصلاة على النبي ولم أصمت فقد طلبت منه أن ينشر التصويبات في عدد لاحق .
ماذا فعل فتحي البس بكتابي سؤال الهوية ؟
للكتابة بقية.
١٠
في ترجمة هالة العوري كتاب هيليل كوهين " جيش الظل " ص 163 تكتب المترجمة في الفقرة نفسها " في قرية عنبتة القريبة من القدس ...... في قرية عناتا القريبة من القدس " .
عنبتا بالقرب من نابلس
وعناتا بالقرب من القدس .
وفي صفحة أخرى تورد عناتا على النحو الآتي : " عنتة " .
سؤالي :
- أين يقع وادي جيزيل ؟ ( سأبحث عن وادي الغزال ) - قرب القدس Gazelle valley
( اكتشفت انه وادي الغزال قرب القدس وترجمت المؤلفة Gazelle جيزيل ) . في ص 213 من ترجمة هالة " وادي جيزيل " .
15/ 7 / 2017
١١
عن غزة :
ذكرني ما يجري في غزة بقصيدة مبكرة جدا لمحمود درويش 1964 عنوانها "عن انسان" ومنها:
وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى،
وقالوا:" أنت قاتل"
أخذوا طعامه، والملابس، والبيارق
ورموه في زنزانة الموتى،
وقالوا:"أنت سارق"
طردوه من كل المرافيء،
أخذوا حبيبته الصغيرة ،
ثم قالوا: "أنت لاجيء"
******
كل شيء تأتي به الأيام من غزة غير مفاجيء : الحرب والمسيرات والموت بالمئات .كل شيء كل شيء ، ولا حل لمشاكل غزة على ما يبدو إلا بالعودة إلى الأوضاع الطبيعية قبل 1948 وهذا مستحيل على ما يبدو .
****
في وضع غزة المبكي المحزن المأساوي العبثي قد يتذكر المرء شمشون وهد المعبد عليه وعلى أعدائه .
هل نغني مع أم كلثوم :"وعاوزنا نرجع زي زمان/ قل للزمان ارجع يا زمان" .
شر البلية ما يضحك ،ونحن نعيش شر البلية.
15/ 7 /2018
١٢
الست كورونا : في زمن الجوائح يصبح عداد الحساب مختلفا ( ٢٢ )
مع أنه كان يفترض ان يكون يوم أمس ، الثلاثاء ، يوم إغلاق شامل للسيطرة على " الكورونا " ومحاصرتها والحد من انتشارها ، لأنها عدت وباء ، إلا أن سكان نابلس لم يلتزموا بأوامر الحكومة .
المدينة فتح مواطنوها محلاتهم وباعوا واشتروا ولو قليلا ، ف "الريحة ولا العدم " كما يقول المثل ، والجلوس في المتجر أو الدكان خير من الجلوس في البيت ونق سكانه وفتح دفاترهم القديمة والجديدة .
أبو حسين تساءل مندهشا عن سبب الغيرة بين سكان المدن دون مراعاة الظروف الخاصة المختلفة لكل مدينة . نابلس تتساءل :
- لماذا لم يفرض الإغلاق الشامل على طولكرم ؟
وعندما تسير على خطى طولكرم تتساءل الخليل :
- لماذا كسرت نابلس الحصار ؟
" ولولا الغيرة ما حبلت الأميرة " .
الأسواق تقول إن الإغلاق كان " فشنك " - يعني " فالصو " ويعني " فش إغلاق " ، ومؤخرة حمودة تغلبت على الإمساك ، فخرج الناس من بيوتهم وساروا في الأسواق وانتشروا في الأرض .
وأنا جالس على الشرفة في شقتي كان البائع المتجول ينادي من سيارته :
- الكورونا تشدد الحصار والتلاوي يرخص الأسعار . كيلو الجبنة بعشرة ومرتبان اللبن بخمسة وشوال البصل بعشرة .
وصارت كلمة "شوال " و" شوالات " تذكر بكيس الخيش الذي عرفناه في بداية الاحتلال ١٩٦٧ وب " كيس الخيش " الذي كتب عنه اميل حبيبي في روايته " المتشائل " .
وأنا عائد إلى المساكن الشعبية قلت للسائق حتى لا ينتظر طويلا :
- أنا أدفع أجرة راكبين فانطلق .
في فترة الحجر الصحي الأول لم تسمح السلطة لسواقي السيارات بأن يقلوا أكثر من راكبين ، فاضطر السواقون إلى رفع أجرة الراكب ، وعندما عادت الأمور إلى طبيعتها وسمح لهم بأن يقلوا أربعة ركاب عادت الأجرة كما كانت في السابق ، وعندما أصر السائق على رفع الأجرة شرحت له أنه سيأخذ أجرة أربعة ركاب . لماذا لم أدفع له ما طلب وأغض النظر ، فأوضاع السواقين وسيارات العمومي بالويل ؟
أحيانا يرتكب المرء حماقات عديدة ، وغالبا ما أدفع للسواقين ما يطلبون كأن أعطيه 10 شواكل وأقول له اخصم ما تريد ، وسلوكي هذا جعل بعض الركاب يلومونني بحجة أنني أشجع على الاستغلال ، فإذا كنت أملك المال فإن غيري لا يملكه ؟
سبحانك وأنت لا تسأل عما تفعل :
- لماذا جعلت لأحد الأخوين 99 نعجة وللثاني نعجة واحدة ؟
هل يعد فشل التجربة الاشتراكية خير جواب على سؤالي ؟
لقد اعترف إخوة يوسف بما فعلوا فغفر لهم . ترى ماذا كان سيفعل لو تمادوا في إنكارهم ، وأنا لست يوسف ، ومرة كتبت قصة عنوانها " لماذا كنت يوسف ؟ من قال إني كنت يوسف ؟ "
في زمن الكورونا نحصي الإصابات وعدد الموتى ، وفي الحرب نحصي عدد الطائرات والصواريخ والقتلى والجرحى والأسرى ، وفي الحالات كلها نحصي عدد الشيكات المرتجعة والخسائر الاقتصادية .
١٥ تموز ٢٠٢٠
١٣
يحيى السنوار ١٠ :
أدب مخيم أم أدب مقاومة أم أدب سجن ؟
لم أدرج فيما كتبته أمس رواية " الشوك والقرنفل " تحت مسمى " أدب المخيم " . لقد تساءلت إن كانت تدرج تحت مسمى أدب مقاومة أو أدب السجن .
الصديق الدكتور Isam M Shihada أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعات غزة رأى أنها أقرب إلى " أدب المخيم " وفكرت في الأمر .
غالبا ما توقفنا ونحن ندرس أدب المخيم أمام أعمال مثل :
- أم سعد والقميص المسروق والصغير يذهب إلى المخيم لغسان كنفاني
- العشاق لرشاد أبو شاور ، وفيما بعد روايته " الحب وليالي البوم "
- الطوق لغريب عسقلاني
- الجبل لا يأتي لزكي العيلة
- عين المرآة لليانة بدر
- مخمل لحزامة حبايب
- حليب التين لسامية عيسى
- حياة معلقة والحاجة كريستينا ومشاة لا يعبرون الطريق لعاطف أبو سيف
وأعمال أخرى لا تحضرني الآن منها بعض روايات إبراهيم نصرالله وبعض روايات يحيى يخلف .
وإذا ما قارن المرء بين الأعمال المذكورة سابقا وبين " الشوك والقرنفل " فسوف ينحاز بلا تردد إلى اعتبارها رواية مقاومة بالدرجة الأولى ، وبما أنها تأتي على الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال ، وتتخذ من غزة والخليل مكانا لها ، بعد حرب حزيران حتى العام ٢٠٠٣ تقريبا ، فسوف يحضر المخيم والسجن فيها ، ولسوف تتقاطع الموضوعات الثلاثة معا لا شك . إن التركيبة السكانية لمدينة غزة كما هو معروف تتكون من سكان المدينة الأصليين ومن جموع اللاجئين الفلسطينيين الذين أقاموا في المخيمات وشكلوا مع مرور الأيام أغلبية السكان .
هل رصد السيد يحيى السنوار في روايته حياة المخيم أكثر مما رصد عمليات المقاومة ؟
القسم الأول من الرواية يأتي على حياة المخيم من خلال الحديث عن أسرة السارد أحمد إبراهيم الصالح ، ولكن أحمد لا يستفيض في السرد عن أهل المخيم وعن المكان وشوارعه والمناطق التي انحدر منها السكان وعاداتهم وتقاليدهم و ... و ... .
وأكاد أجزم أن ما كان في ذهن المؤلف وهو يكتب الرواية هو رصد نشوء المقاومة الإسلامية وبطولاتها أكثر من رصد حياة اللاجئين في المخيمات ، فهو لم يكتب رواية مكان قدر ما كتب رواية تيار مقاوم في صعوده واشتداده .
لا نقرأ في الرواية عن أحياء المخيم وكيفية تشكله بناء على الأماكن التي هجر الفلسطينيون وطردوا منها وشكل العلاقة فيما بينهم ، ولم نقرأ عن أصولهم الريفية أو المدنية وانصهارها في البيئة الجديدة - أي بيئة المخيم ، ولم نقرأ الكثير عن علاقة سكان المخيم بسكان مدينة غزة الأصليين والتآلف أو التنافر بين البيئتين أو عن التخيلات والتصورات المتبادلة ومدى مشاركة كل طرف مثلا في المقاومة .
وبعد الانتهاء من قراءة الرواية لا يبقى عالقا في الذاكرة إلا شخصية إبراهيم ودوره في تشكيل نواة لخلايا مقاومة إسلامية ومساهمته في الفعل المقاوم ورصد السارد رصدا شبه توثيقي للعمليات المسلحة التي قامت بها الحركة الإسلامية بشقيها ؛ حماس والجهاد الإسلامي .
وإذا جاز الحديث عن أدب إسلامي فإن الرواية واحدة من أعمال أدبية بدأت تنتشر في العقدين الأخيرين ليس إلا ، إذ لم نقرأ في الأدبيات الفلسطينية من قبل نماذج أدبية يسود فيها الخطاب الإسلامي ويعلو . فقط في العقدين الأخيرين صرنا نقرأ أدبا يمكن وصفه بالأدب الإسلامي أو أدب المقاومة الإسلامية ، ولقد ظل الأدب الفلسطيني لعقود كثيرة خلوا من هذا ، فالأعمال الأدبية الفلسطينية ذات الخطاب الإسلامي حتى نهاية القرن العشرين ظلت شبه نادرة .
وإن كانت ذاكرتي لا تخونني فإن أبرز نص كتب من قبل هو مسرحية برهان الدين العبوشي " وطن الشهيد " ١٩٤٧ تقريبا .
الآن بدأت الأصوات ذات التوجه الإسلامي تقوى وتكثر ، وغالبا ما كان طلابي في مساق الأدب الفلسطيني يسألونني السؤال الآتي :
- لماذا لا تدرس إلا الأدباء الفلسطينيين ذوي التوجه الوطني واليساري ؟ لماذا لا تدرسنا نصوصا لأدباء إسلاميين ؟
وكنت أجيبهم بما تضيئه الكتابة السابقة .
وربما ما يستحق أن يشار إليه هنا هو تفاعل القراء مع هذه الكتابات وتوضيحهم لأمور معينة وقضايا لهم فيها رأي تضيء جوانب معينة خفيت عني أو صلتهم بها أكثر وأعمق من صلتي بها .
بقي أن نعرف من هو حسن الأخ الأكبر لإبراهيم فهذا أحد أهم مفاتيح شخصيته ، ولعل الله يطيل في عمري وعمر السيد يحيى السنوار فاوجه إليه السؤالين :
- من هو حسن ؟
و
- ما مقدار تجسد شخصيتك في شخصية
١٥ تموز ٢٠٢١ .
١٤
فتاة نابلس ٢٤ :
لقاء الهاربين من نابلس في دبي :
سعى أمير نحو الخلاص الفردي فكان مثل أبطال رواية غسان كنفاني " رجال في الشمس " ولقي المصير نفسه فمات في دبي ، في فنادقها لا في شمسها اللاهبة ، وكان مآل عائشة الدجاني لندن .
قبل أن يقرأ المرء عن الأمر الغامض الذي ألم بالفندق الذي مات فيه أمير ، يلتقي أمير بعائشة بالصدفة ، وهذه الصدفة ستقود إلى الموت .
عندما كان أمير في المطعم مع كاترينا وفيونا كان هناك طعام عشاء ثان ، دعا عائشة إليه أحد الاثنين المكلفة هي بمراقبتهما ، وهناك يتم اللقاء العابر الذي يدخل الريبة والشك إلى قلب عائشة وليلى المسؤولة عنها ، وبعد أن يلتقي أمير وعائشة ويتحدثان عن سبب وجودهما في دبي يبوح لها أمير بأمر صفقة تهريب الأموال وغسيلها ، لتنقله بدورها إلى ليلى والمخابرات الإيرانية .
تطلب ليلى من عائشة أن تواصل علاقتها بأمير لتحصل على مزيد من المعلومات ، فتذهب إلى شقته وبعد أن يتناولا العشاء ويشربا الخمر يلتحمان معا ، وفي الساعة الثانية عشرة والربع تغادر عائشة لتتم تصفية أمير في شقته في الفندق . وفي اليوم التالي يهرب عشرون أوروبيا من دبي كان أمير يعمل معهم في البنك وترحل زوجة اللبناني رشيد وأولاده . ( العرب دفعوا ثمن اللعبة )
لم تحب عائشة الدجاني أمير ولم تكن تفكر فيه ولم يكن يعني لها شيئا .
في ٩ / ٤ / ٢٠١٨ أعلن في دبي عن مقتل رجل الأعمال النابلسي المقيم في الخليج والولايات المتحدة الأمريكية ناصر دواني عن اثنين وخمسين عاما في ظروف غامضة ، وكان أعزب غير متزوج . هل استوحى DEAN DILLEY شخصية أمير من ناصر الدواني ؟
لم يكن أمير في الفراش ذلك الشاب النابلسي الخجول . لقد كان على عكس ما ظنته عائشة التي رأت أنها قللت من شأنه وهو ما رأته أيضا FIONA وأمه . الثلاثة قللن من شأنه ثم اكتشفن غير ذلك .
من أين اكتسب أمير ثقافته الجنسية ؟ ومن أين تعلمت عائشة كيف تتعامل مع الرجال ؟
كانت عالية طالبة الكيمياء في جامعة نابلس عملت في المستوطنة وصارت تقص عن الجنس على مسامع زملائها ومنهم أمير فاستحضر وهو ينام مع عائشة كلامها وطبقه كما لو أنه تلميذ قامت بتدريبه ، وأما عائشة فكانت تتردد في نابلس على محل آنسة من عائلة القاسم ، محل ترددت عليه أفضل نساء نابلس وتعلمن من الآنسة القاسم كيف يتعاملن مع الرجال .
جمعت عائشة الدجاني المال ، كما جمعه أبو الخيزران في رواية كنفاني ، لتعيش في لندن ونسيت أمير فلم يكن يعني لها شيئا .
الشخوص النابلسيون كلهم ، في الرواية ، بحثوا عن حلول فردية فكان مصيرهم الموت أو الضياع أو الانتظار ، ولعل قصة هالة أم أمير تستحق أن يكتب عنها !
١٥ / ٧ / ٢٠٢٣
الله يستر الآن هناك صوت إطلاق نار في المساكن الشعبية الشرقية في نابلس أو تفجير .
١٥
فتاة نابلس بين النص الموازي والمتن : من كتب كلمة الغلاف ؟
يخيل إلي أن ( DEAN DILLEY ) كاتب الرواية ليس هو كاتب الفقرة التي أدرجت على صفحة الغلاف الأخيرة . لماذا ؟
نقرأ في الفقرة :
" An ambitious young woman with a fierce intellect, recruited from her privileged but empty life in the ancient city of Nablus "
" شابة طموحة بذكاء حاد جندت لميزتها ولكن لحياتها الفارغة في البلدة القديمة من نابلس "
ولا نقرأ في الرواية أنها من البلدة القديمة . صحيح أنها درست في جامعة نابلس ، ولكنها تتردد على محل آنسة من عائلة القاسم يقع في رفيديا حيث تتمشى أيضا امها وتلتقي فيه بهالة الممرضة التي عالجتها . إنهما تسيران في شارع رفيديا وحين تفترقان تذهب هالة إلى عملها في المشفى ، وأرجح أنه مشفى رفيديا الحكومي الذي وصف بالرواية بأنه مشفى الشهداء ، وكما ذكرت لا يوجد في نابلس مشفى بهذا الاسم ولعله اسم مخترع تحسبا . يوجد في نابلس مشفى مجمع الشهداء الطبي العسكري . عدا ما سبق فإن عائشة الدجاني فتاة من أسرة نابلسية ثرية ، فهل ما زالت بعض الأسر الثرية تقيم في البلدة القديمة ؟ ( قبل مجيء السلطة وفي الانتفاضة الأولى انتشرت إشاعات حول محل ولكنه لم يكن يقع في شارع رفيديا ) .
ربما قصد الكاتب أن نابلس ككل هي مدينة قديمة . هنا تصبح ملاحظتي عديمة الجدوى .
عموما إن الرواية ليست بالدرجة الأولى رواية مكان . تذكر الأماكن والشوارع في مدينة نابلس ، ولكن لا يركز السارد على وصفها وصفا تفصيليا .
أتمنى أن تجد الرواية صدى لها بين أساتذة قسم اللغة الإنجليزية ، فلعلهم يقدمون لها قراءات للقاريء الإنجليزي الذي كتبت بلغته يبدون فيها رأيهم .
كما كتبت من قبل ، فإن الرواية مهمة لدارسي مرايا الذات والآخر في الأدب ولدارسي الأدب المقارن .
١٦
غزة ( ٢٨٣ ) :
ثمة رائحة فاسدة في مملكة الدنمرك
فيم يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي مجازره في أنحاء قطاع غزة كله ، بدأت الاختلافات في رؤى أبناء القطاع إزاء ما جرى ويجري تطفو في وسائل التواصل الاجتماعي . صار صوت الاحتجاج والنقد يعلو ، وهذا لم يكن بهذا المقدار في الأشهر الأولى .
أمس لفت نظري ما كتبته د. هيا فريج في صفحتها . ظلت هيا مصرة على الصمود والبقاء في قطاع غزة رافضة حتى التفكير في الرحيل ، لكنها بعد حادثة أمين عابد صارت تعبر عن ندمها وأخذت تفكر بالخروج .
وأمس لفت نظري ولفت نظري ولفت نظري ... كما لو أن القضية صارت ، لدى قسم منا ، بين قطاع غزة والضفة الغربية والأردن . الاتهامات والتشاؤم و ... و ... .
أمس وطيلة الليل صرت أفكر في التوقف عن كتابة اليوميات ، ومنذ أيام قليلة كتبت عن نهايات تشبه نهاية الانتفاضة الأولى و ... .
منذ مساء أمس وأنا أردد أسطرا من مقطع شعري لمحمود درويش ورد في " حالة حصار " هو :
" واقفون هنا . قاعدون هنا . دائمون هنا
خالدون هنا . ولنا هدف واحد واحد :
أن نكون .
ومن بعده نحن مختلفون على كل شيء :
على صورة العلم الوطني
[ ستحسن صنعا لو اخترت يا
شعبي الحي رمز الحمار البسيط ]
ومختلفون على كلمات النشيد الجديد
[ ستحسن صنعا لو اخترت أغنية من زواج الحمام ]
ومختلفون على واجبات النساء
[ ستحسن صنعا لو اخترت سيدة لرئاسة أجهزة الأمن ]
مختلفون على كل شيء . لنا هدف واحد :
أن نكون ..
ومن بعده يجد المرء متسعا لاختيار الهدف " .
عديدون من أبناء قطاع غزة ، حتى ممن تبنوا طروحات غسان كنفاني في رواياته ، آثروا البحث عن خلاص فردي وهاجروا ، وهناك عديدون صاروا يطرحون فكرة " القضية عامة والحل فردي " .
هل سأتوقف عن كتابة اليوميات ، خوفا من أن تصبح " ليل غزة الطويل " فينالني منها ما نالني من " ليل الضفة الطويل " أم أكرر مع ( غونتر غراس ) :
- لماذا أصمت ؟
وقد كتبت تحت عنوان :
" الصمت عار "
مقتبسا من الشاعر اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح ؟
في ١٥ تموز ٢٠٠٦ رحل أبي وفي ١٥ تموز ٢٠١١ رحلت أمي ، وغالبا ما صرت أردد عبارة أبو قيس في رواية كنفاني " رجال في الشمس " عن موت الأستاذ سليم ودفنه في قريته قبل سقوطها بليلة واحدة :
"- يا إلهي أتوجد نعمة إلهية أكثر من هذي ! "
١٥ / ٧ / ٢٠٢٤
١٧
فجر ٢١ / ٧ / ٢٠٢٤
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
نهايات الانتفاضة الأولى : ما أشبه الليلة بالبارحة
عادل الأسطة
هل أكرر مقولة " ما أشبه الليلة بالبارحة " ؟
في ٧٠ القرن ٢٠ قرأت كتاب مارون عبود عن بديع الزمان الهمذاني ، وفيه شبه حال العرب في القرن ٢٠ بحالهم في القرن ٤ الهجري واستهل كتابته بالمثل المذكور .
تشبيه القرن ٢٠ بالقرن ٤ الهجري كثر في أثناء استحضار المتنبي أيضا ، وقد تجسد في قصيدة محمود درويش " رحلة المتنبي إلى مصر " ( ١٩٧٩ ) حيث عبر عن تجربته من خلال تجربة الأول ، بل وفي مطولته " مديح الظل العالي " ، فقول المتنبي :
" وسوى الروم خلف ظهرك روم " حضر فيها " عرب أطاعوا رومهم / عرب وباعوا روحهم " .
ومع أن بيننا وبين نهاية الانتفاضة الأولى فترة زمانية لا تصل إلى الألف عام ، فجيلي شهود على الأولى ، إلا أننا يمكن أن نستعير " ما أشبه الليلة بالبارحة " ونحن نتابع ما يجري ، في الأشهر الأخيرة للحرب ، في غزة ، ونقارنها بنهايات الانتفاضة الأولى ، وهي نهايات جعلتني يومها أكتب بعفوية كاملة نص " ليل الضفة الطويل " الذي أبرز للانتفاضة صورة سلبية مختلفة كليا عن صورتها في سنواتها الأولى .
في السنوات الأولى كان المجتمع الفلسطيني متماسكا متعاطفا متراصا وكانت فصائله السياسية متكاتفة تنسق فيما بينها بقيادة موحدة ، وقد تحدث عن هذا أبناؤه بفخر واعتزاز ، وهذا ما لم يرق للإسرائيليين ، فقرروا تمزيق النسيج الاجتماعي وضرب الفصائل ببعضها ، لتشتيت جهودها والعمل على تفكيكها ، ونجحوا بحيث صارت الانتفاضة تتآكل وتتناحر فصائلها فيما بينها . صار الفصيل عدو الفصيل وانشقت فصائل ولم تتفق كثير منها حتى على تحديد يوم إضراب ، ما جعل من هذا موضع تندر وسخرية عبرت عن استخفاف بعض أبناء الشعب بقياداتهم التي افتخروا فيها .
في الأشهر الأولى لحرب ٧ أكتوبر كان الفلسطينيون ينتظرون خطابات أبو عبيدة بالدقيقة واللحظة ويحرصون على عدم تفويتها ، وكانوا يثقون بكل ما يرد فيها ويبتهجون ، وأبعد من ذلك فقد اهتم بها أساتذة جامعيون ودرسوها وحللوها معجبين بأسلوبها ، وبلغ الأمر بقسم منهم أن اقترحوها موضوعا لكتابة اطروحة ماجستير تدرس جمالياتها اللغوية وفصاحتها ، ونادرا ما سمعنا سخرية منها أو تندرا عليها . في تلك الفترة لم يكن أبناء غزة ينتقدون الأوضاع الداخلية التي تعبر عن امتعاض ما مما يجري ، فاللحظة لا تسمح ، وأذكر أنني وأنا أقرأ يوميات عاطف ابوسيف التي كتبها من قلب مخيم جبالبا ومن خيام رفح ، لاحظت غياب أي انتقاد للوضع الداخلي ، ما جعلني اسأله عن سبب عدم تعرضه لجدل ما ، بين أهل غزة ، حول الحرب ؛ جدل يظهر وجهات نظر متباينة مختلفة . هل يتجادل الغزيون فيما بينهم ، وهم يتعرضون للقصف والتدمير والإبادة والتهجير ؟ هل يتجادلون عن جدوى ما حدث ؟ وهل أصابت حماس فيما قامت به أم أخطأت ؟ وكانت إجابته أن الوقت الآن غير مناسب للكتابة في هذا .
ويستطيع من يتابع صفحات التواصل الاجتماعي لأبناء غزة أن يلاحظ أن أكثرهم ، في بداية الحرب ، لم يكن يدون يومياته أو يكتب ، ولهم أعذارهم في ذلك . هناك من فوجيء من أهوال الحرب ، وهناك من دمر بيته وارتقى وأسرته تحت أنقاضه ، وهناك من فقد مكتبته ووجد نفسه في خيمة أو في ضيافة أسرة في منزل مكتظ بالبشر ، وهناك من انقطعت عنه الكهرباء والنت ووسائل الاتصالات ، وهناك من تساءل عن جدوى الكتابة في ظل المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة ، ولكنهم منذ ثلاثة أشهر عادوا يكتبون ، وصار قسم منهم يصور معاناته ومعاناة الناس ويحتج ويتذمر ، وأخذ قسم آخر يتساءل عن صواب ما أقدمت عليه حماس وخطئه ، وذهب عديدون إلى تحميلها سبب ما يمر الناس به ، وبلغت الشكوى مبلغها حين شعر بعض الغزيين بالإحباط من قسم من أهل الضفة الغربية ممن واصلوا حياتهم كأن لا شيء يحدث في غزة أو أن ما يحدث لا يعنيهم ، ولم يكن غريبا أن نقرأ في صفحة مخيم النصيرات :
" خمسة مليون فلسطيني ندل بتفرج علينا من تسع شهور "
( ١٤ / ٧ / ٢٠٢٤ )
بل وتواصل أيضا الهجوم على الأمة الإسلامية :
- " وينكم يا أمة المليار فردة كندرة !؟ " نحن في غزة نباد .. نعم نعم نحن نباد فماذا أنتم فاعلون " ( ١٤ / ٧ / ٢٠٢٤ ) .
في نهاية الانتفاضة الأولى صار الأطفال والشباب الذين رموا الجنود بالحجارة يتابعون الفتيات الفلسطينيات ممن يرتدين بنطال الستريتش ليرشوهن بماء النار ، وصاروا يفتشون السيارات القادمة من الأغوار ليبحثوا إن كان فيها زجاجات بيرة أو خمر ، وقبل يومين كتب ناشط نابلسي :
"بعرف واحد مليونير ، لما بده يشتري جاجتين كل أسبوع ببعت الشغيل تاعه يجيب عروض أسعار من بياعين الجاج بسوق البصل وسوق الحدادين وشارع النصر " ( ١٤ / ٧ / ٢٠٢٤ )
فتذكرت ، وأنا أقرأ التعليقات ، فدوى طوقان وسيرتها وما كتبته عن أهل نابلس وسخريتهم ، وتساءلت :
- هل يحدث شيء في غزة ؟!
( الاثنين والثلاثاء والأربعاء ١٥ و ١٦ و١٧ / ٧ / ٢٠٢٤ .
مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ٢١ / ٧ / ٢٠٢٤ )
١٨
غزة 648 :
مواجهة الواقع القاسي بالسخرية :
على الرغم من قسوة الواقع في قطاع غزة ، وعلى الرغم من جريان الدم البشري يوميا ، حتى ليبدو القطاع تحول إلى مسلخ بشري بما تعنيه كلمة " مسلخ " فكل يوم يقارب عدد المرتقين / القتلى / الشهداء يقارب المائة ، وفي بعض الأيام يقارب المائة والعشرين ، وعلى الرغم من استخدام جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يملك من أسلحة حديثة ؛ جوية وبحرية وبرية ، وعلى الرغم من عودته إلى كتابه المقدس يستمد منه أسماء المعارك تبركا ، وعلى الرغم من أن الوزراء ورئيسهم يتبركون بحائط مبكاهم ، كما يزعمون ، وعلى الرغم مما يزعمه ( بنيامين نتنياهو ) من نصر حاسم ، فإن هذا كله لم يفقد بعض أبناء غزة روح السخرية التي تقول لنا إنهم لم يتحطموا كليا .
في بعض صفحات أمس بدت روح السخرية لافتة .
أمس كتب نتنياهو :
" زوجتي ثم أنا نرسل من أعماق قلوبنا تعازينا لعائلات الجنود ال 3 القتلى .
جنودنا قاتلوا بإصرار لا حدود له من أجل دحر حما س وإعادة الأسرى " ( صفحة مؤمن مقداد )
وأمس قرأنا في صفحة ناشط غزاوي :
حكومة سارة نتنياهو تتمرجح
و
شباب زي الورد راحوا عشان محن نتنياهو وسارة .
عاد هما شباب زي ال ..
و
الشباب اليوم صهروا عربات جدعون ، حتى جدعون نفسه لقوا نصه والنص الثاني تبخر ( إشارة إلى تمزق جثة جندي إسرائيلي )
وعن تراجع إسرائيل عن خرائط تجيز لها البقاء في القطاع مساحة ٢ كم مربع :
ولا 2 كيلو ولا أوقية : بدنا كل رفح يا أولاد التيييييت
و
نتنياهو طلع على شجرة اسمها الاستيلاء على كل رفح ؛
وكل يومين بنزلوه عن الشجرة شوية ، نتنياهو يحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من التنازلات ، من حماس باختلاق فجوات في المفاوضات ..
عالعموم حيطلع من كل رفح بس ما يطلعلنا على شجرة جديدة وهات ونزلوه وعاد
و
هاض كيف حيشيعوه بكرا ..
حيقولوا يتم الآن تشييع فخذة ديفيد إلى مثواه الأخير مثلا ( إشارة إلى الجندي الإسرائيلي القتيل الذي عثروا على جزء من جسده ) ..
أبو أحمد سمور .
١٥ / ٧ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى