عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

من الطرائف الجميلة التي خبأها لي هذا اليوم، أن باحثا شدّ الرحال من مدينة الدار البيضاء، لا لشيء إلا ليقتفي أثر الحمّام في الذاكرة المغربية والعربية ؛ كان يحمل سؤالا علميا، ويبحث عن مراجع تروي حكاية مكان ظنه كثيرون مجرد فضاء للنظافة، بينما هو في الحقيقة صفحة نابضة من صفحات الحضارة.
جمعت له ما تيسر من الكتب، فكان بين يديه: "جماليات الحمامات في الحضارة العربية"، و"الحمامات بحاضرة مراكش"، و"جوانب من تاريخ الحمام المغربي"، و"الحمام في المغرب وبلدان أخرى" ؛ أخذ يقلب صفحاتها بعين الباحث، وكأنه يعيد فتح أبواب حمامات أغلقتها القرون.
وفي خضم الحديث، قفز إلى ذاكرتي رفيق الأسفار، الرحالة ابن بطوطة، الذي لم يكن يكتفي بوصف المدن وأسواقها ومساجدها، لكنه أيضا كان شديد الولع بالحمّامات، فما إن يحل ببلد حتى يسارع إلى ارتيادها، ثم يصفها في رحلته "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" بدقة لافتة، حتى غدت تلك المشاهد جزءا من ذاكرة المكان، لا تقل أهمية عن القصور والأسوار.
ما إن أخبرته بذلك، حتى تغيّر مسار بحثه قليلا؛ فامتدت يده إلى كتاب الرحلة، وقال مبتسما: "هذا شاهد لا ينبغي أن يغيب عن مكتبتي." عندها أدركت مرة أخرى، أن الكتاب لا يقود القارئ إلى الجواب فحسب لكن قد يرشده أيضا إلى كتب أخرى لم يكن ينوي لقاءها.
وهكذا، خرج الباحث يحمل بين يديه كتبا عن الحمّامات، ومعها رحلة ابن بطوطة وكأن أبواب الحمّامات القديمة فتحت له أيضا أبواب التاريخ ، و لم تفتح له على بخار الماء وحده، وأثبتت لي من جديد أن أجمل الاكتشافات في المكتبات هي تلك التي تبدأ بسؤال، وتنتهي برحلة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى