عيد ج#كثيرون هم الذين يسألونني كيف تعلمت العزف، وهل مررت من معهد للموسيقى، ومن علمني الناي، وكيف بدأت علاقتي بالآلات الموسيقية. ولعلهم يتخيلون صباي بين قاعات مكيفة، وسبورات تحمل المدرجات الموسيقية، ودفاتر النوتة، ودروس الصولفيج، ومقامات الموسيقى وايقاعاتها. والحقيقة ان اول قاعة موسيقية دخلتها كانت حقلا مفتوحا، واول استاذ جلست امامه كان الصمت، وأول نوتة قرأتها كانت تلك التي تكتبها الريح في اعواد القصب على ضفة النهر.
كنت صغيرا حين بدأت اتقمص حياة الرعاة. لم تكن لي اغنام كثيرة، فقد كنت أرافق قطيعا صغيرا من الخرفان لا يتجاوز خمسة في اغلب الاحيان، وكانت تلك الخراف الصغيرة تكفيني كي اشعر انني صاحب مهنة عظيمة. كنت امنح كل خروف اسما، ثم اكرره حتى يألفه، وما ان اناديه حتى يرفع رأسه من بين العشب ويهرول نحوي. كنت اركض خلفها في الحقل، ثم اجلس بعيدا عنها حين يتعب جسدي، واتأملها وهي تنحني فوق العشب في سكينة عجيبة، فيما كان النهار ينساب فوق القرية ببطء، كأنه لا يعرف ان وراء الجبال ساعات اخرى تنتظرنا.
ومن بين تلك الساعات الطويلة ولد الناي.
كان القصب ينمو على ضفاف النهر بكثرة، طويلا ومستقيما، وفي جوفه فراغ غامض كنت اجهل سره. قطعت قصبة ذات يوم، وحملتها معي، وراودتني فكرة ان اجعل منها آلة تصدر صوتا. لم اكن اعرف شيئا عن صناعة الناي، ولا عن الحساب الدقيق للمسافات بين ثقوبه، ولا عن علاقة طول العمود الهوائي بدرجة النغمة، ولا عن تلك اللغة التي سيأتي علم الموسيقى لاحقا ليمنحها اسماءها. كان لدي فقط سمع طفل وعناده، ونار صغيرة، وسفود، وقصبة اريد ان اجعلها تتكلم...
ثقبتها بالنار، ونفخت فيها، فخرج صوت خشن كأنه احتجاج القصبة على ما فعلت بها. عدت اليها مرة اخرى، وثقبتها من جديد، وجربت اصابعي، وبدلت مواضعها، وكنت كلما خرج صوت مختلف شعرت انني اقترب من شيء لا اعرف اسمه. كان الامر شبيها باكتشاف سر صغير في الطبيعة؛ اضع اصبعي هنا فيتغير الصوت، ارفعه فيرتفع النغم، اطيل النفس فيستقيم، واضغط عليه فيختنق. كانت اذني تقوم مقام المعلم، وكانت المحاولة تقوم مقام الدرس.
وحين بلغت الثامنة او التاسعة تقريبا، كان قد صار لدي ناي حقيقي في نظري، وان كان قد خرج من قصبة لا تساوي شيئا في عيون الكبار. كنت اجلس وسط الحقل وانفخ فيه، فتلتفت الخرفان نحوي، ثم تقترب، ثم تبدأ بالقفز حولي. كنت اواصل العزف وهي تعبث بي، تقفز فوق ظهري وتدور حول رأسي، وكنت اضحك حتى يكاد الناي يسقط من يدي. ربما لم تكن تعرف شيئا عن الموسيقى، وربما كان صوتي يثير فضولها، لكنني كنت مقتنعا ان لدي جمهورا صغيرا يحب معزوفاتي.
ثم جربت الكمان.
كانت علبة الزيوت المعدنية، بعد ان فرغت من محتواها، تتحول في مخيلة طفل الى شيء آخر. ربطتها بلوح خشبي، وثبت عليها اسلاكا رقيقة، وظللت اجرب حتى صار لها صوت. كان كمانا فقيرا، مصنوعا من اشياء لا علاقة لها في ظاهرها بالموسيقى، لكنه كان بالنسبة الي امتدادا لذلك الفضول الاول الذي جعلني ارى في القصبة نايا. كنت يومها انظر الى الاشياء بعين مختلفة؛ كل شيء يمكن ان يخفي داخله صوتا، وكل قطعة مهملة يمكن ان تكون بداية اختراع صغير.
ثم اتسعت القرية امامي.
كنت كلما تحسن عزفي اصعد الى التلة في المساء، حين تخف حركة النهار وتبدأ الظلال في الزحف على الحقول. اجلس هناك، والقرية تحت قدمي، والجبال من حولها، ثم اضع الناي على فمي. كانت الجبال تحيط بالقرية مثل ذراع عجوز تضم حفيدها بحنان، وكان صوتي الصغير يخرج من بين يدي، يصعد قليلا ثم يضيع في الهواء، قبل ان يعود الي من بعيد في صورة صدى.
كنت اجهل يومها ان الجبال تستطيع ان تعيد الصوت، ولم اكن اعرف شيئا عن انعكاس الموجات الصوتية، لكنني كنت اشعر انني لا اعزف وحدي. كنت ارسل نغمة الى الجبل، فيعيدها الي، كأن بيني وبينه حديثا سريا لا يفهمه احد.
ولم يلبث اهل القرية ان عرفوا موعد ذلك الحديث.
كان يكفي ان يبدأ الناي فوق التلة حتى تفتح بعض الابواب، وتخرج النساء والرجال الى امام المنازل، ويحملون حصائرهم، ويجلسون في الظل. كان بعضهم يأتي بدافع الفضول، ثم يبقى حتى النهاية. وكانت المعزوفة الصغيرة التي تخرج من فم طفل لم يتجاوز العاشرة تكبر كلما مرت بين الجبال، حتى تصل الى البيوت في اسفل التلة.
لم اكن اعزف لهم موسيقى كبيرة بالمعنى الذي يمكن ان يفهمه المتخصصون، لكنني كنت اعزف بفرح كبير. كنت اجرب ما تعلمته في الحقل، وما حفظته باذني، وما صنعته من محاولاتي. وكانت نظرات اهل القرية وهي تتجه نحوي تمنح تلك الاصوات قيمة اكبر مما تستطيع النوتة ان تمنحها لطفل في ذلك العمر.
هناك، فوق تلك التلة، بدأت افهم شيئا عن الموسيقى لم اجده في الكتب بعد ذلك بالبساطة نفسها. الموسيقى تحتاج الى اذن تصغي قبل ان تحتاج الى يد تعزف. تحتاج الى زمن طويل حتى تستقر النغمة في الجسد. تحتاج الى تكرار حتى يصبح الاصبع عارفا بطريقه قبل ان يفكر العقل فيه. وربما لهذا بقيت بعض الالحان القديمة في ذاكرتي الى اليوم؛ لانها لم تدخل رأسي من ورقة، لقد دخلت اليه من الريح والحقول وصوت الماء والجبال.
كانت القرية في تلك السنوات تترك لنا فسحة واسعة كي نجرب. لم تكن الاشياء تصلنا مكتملة، فكنا نكملها بخيالنا. كنت اصنع من القصب نايا، ومن علبة الزيت كمانا، ومن التلة مسرحا، ومن الخرفان جمهورا، ومن المساء موعدا للحفل. ولم يكن في الامر غرابة بالنسبة الي؛ كانت هذه هي الطريقة التي كنا نعيش بها.
وحين يسألونني اليوم اين تعلمت العزف، اتذكر كل ذلك قبل ان اتذكر اسم اي معهد او كتاب. اتذكر طفلا صغيرا يركض خلف خمسة خرفان في حقل واسع، ثم يجلس بينها وينفخ في قصبة مثقوبة بالنار، فتلتفت اليه الخراف، ويعود الصوت من الجبال، وتفتح ابواب القرية واحدا بعد اخر.
ربما لم اكن اعرف يومها انني اتعلم الموسيقى.
كنت اعيشها فقط.
وكان ذلك اجمل.
كنت صغيرا حين بدأت اتقمص حياة الرعاة. لم تكن لي اغنام كثيرة، فقد كنت أرافق قطيعا صغيرا من الخرفان لا يتجاوز خمسة في اغلب الاحيان، وكانت تلك الخراف الصغيرة تكفيني كي اشعر انني صاحب مهنة عظيمة. كنت امنح كل خروف اسما، ثم اكرره حتى يألفه، وما ان اناديه حتى يرفع رأسه من بين العشب ويهرول نحوي. كنت اركض خلفها في الحقل، ثم اجلس بعيدا عنها حين يتعب جسدي، واتأملها وهي تنحني فوق العشب في سكينة عجيبة، فيما كان النهار ينساب فوق القرية ببطء، كأنه لا يعرف ان وراء الجبال ساعات اخرى تنتظرنا.
ومن بين تلك الساعات الطويلة ولد الناي.
كان القصب ينمو على ضفاف النهر بكثرة، طويلا ومستقيما، وفي جوفه فراغ غامض كنت اجهل سره. قطعت قصبة ذات يوم، وحملتها معي، وراودتني فكرة ان اجعل منها آلة تصدر صوتا. لم اكن اعرف شيئا عن صناعة الناي، ولا عن الحساب الدقيق للمسافات بين ثقوبه، ولا عن علاقة طول العمود الهوائي بدرجة النغمة، ولا عن تلك اللغة التي سيأتي علم الموسيقى لاحقا ليمنحها اسماءها. كان لدي فقط سمع طفل وعناده، ونار صغيرة، وسفود، وقصبة اريد ان اجعلها تتكلم...
ثقبتها بالنار، ونفخت فيها، فخرج صوت خشن كأنه احتجاج القصبة على ما فعلت بها. عدت اليها مرة اخرى، وثقبتها من جديد، وجربت اصابعي، وبدلت مواضعها، وكنت كلما خرج صوت مختلف شعرت انني اقترب من شيء لا اعرف اسمه. كان الامر شبيها باكتشاف سر صغير في الطبيعة؛ اضع اصبعي هنا فيتغير الصوت، ارفعه فيرتفع النغم، اطيل النفس فيستقيم، واضغط عليه فيختنق. كانت اذني تقوم مقام المعلم، وكانت المحاولة تقوم مقام الدرس.
وحين بلغت الثامنة او التاسعة تقريبا، كان قد صار لدي ناي حقيقي في نظري، وان كان قد خرج من قصبة لا تساوي شيئا في عيون الكبار. كنت اجلس وسط الحقل وانفخ فيه، فتلتفت الخرفان نحوي، ثم تقترب، ثم تبدأ بالقفز حولي. كنت اواصل العزف وهي تعبث بي، تقفز فوق ظهري وتدور حول رأسي، وكنت اضحك حتى يكاد الناي يسقط من يدي. ربما لم تكن تعرف شيئا عن الموسيقى، وربما كان صوتي يثير فضولها، لكنني كنت مقتنعا ان لدي جمهورا صغيرا يحب معزوفاتي.
ثم جربت الكمان.
كانت علبة الزيوت المعدنية، بعد ان فرغت من محتواها، تتحول في مخيلة طفل الى شيء آخر. ربطتها بلوح خشبي، وثبت عليها اسلاكا رقيقة، وظللت اجرب حتى صار لها صوت. كان كمانا فقيرا، مصنوعا من اشياء لا علاقة لها في ظاهرها بالموسيقى، لكنه كان بالنسبة الي امتدادا لذلك الفضول الاول الذي جعلني ارى في القصبة نايا. كنت يومها انظر الى الاشياء بعين مختلفة؛ كل شيء يمكن ان يخفي داخله صوتا، وكل قطعة مهملة يمكن ان تكون بداية اختراع صغير.
ثم اتسعت القرية امامي.
كنت كلما تحسن عزفي اصعد الى التلة في المساء، حين تخف حركة النهار وتبدأ الظلال في الزحف على الحقول. اجلس هناك، والقرية تحت قدمي، والجبال من حولها، ثم اضع الناي على فمي. كانت الجبال تحيط بالقرية مثل ذراع عجوز تضم حفيدها بحنان، وكان صوتي الصغير يخرج من بين يدي، يصعد قليلا ثم يضيع في الهواء، قبل ان يعود الي من بعيد في صورة صدى.
كنت اجهل يومها ان الجبال تستطيع ان تعيد الصوت، ولم اكن اعرف شيئا عن انعكاس الموجات الصوتية، لكنني كنت اشعر انني لا اعزف وحدي. كنت ارسل نغمة الى الجبل، فيعيدها الي، كأن بيني وبينه حديثا سريا لا يفهمه احد.
ولم يلبث اهل القرية ان عرفوا موعد ذلك الحديث.
كان يكفي ان يبدأ الناي فوق التلة حتى تفتح بعض الابواب، وتخرج النساء والرجال الى امام المنازل، ويحملون حصائرهم، ويجلسون في الظل. كان بعضهم يأتي بدافع الفضول، ثم يبقى حتى النهاية. وكانت المعزوفة الصغيرة التي تخرج من فم طفل لم يتجاوز العاشرة تكبر كلما مرت بين الجبال، حتى تصل الى البيوت في اسفل التلة.
لم اكن اعزف لهم موسيقى كبيرة بالمعنى الذي يمكن ان يفهمه المتخصصون، لكنني كنت اعزف بفرح كبير. كنت اجرب ما تعلمته في الحقل، وما حفظته باذني، وما صنعته من محاولاتي. وكانت نظرات اهل القرية وهي تتجه نحوي تمنح تلك الاصوات قيمة اكبر مما تستطيع النوتة ان تمنحها لطفل في ذلك العمر.
هناك، فوق تلك التلة، بدأت افهم شيئا عن الموسيقى لم اجده في الكتب بعد ذلك بالبساطة نفسها. الموسيقى تحتاج الى اذن تصغي قبل ان تحتاج الى يد تعزف. تحتاج الى زمن طويل حتى تستقر النغمة في الجسد. تحتاج الى تكرار حتى يصبح الاصبع عارفا بطريقه قبل ان يفكر العقل فيه. وربما لهذا بقيت بعض الالحان القديمة في ذاكرتي الى اليوم؛ لانها لم تدخل رأسي من ورقة، لقد دخلت اليه من الريح والحقول وصوت الماء والجبال.
كانت القرية في تلك السنوات تترك لنا فسحة واسعة كي نجرب. لم تكن الاشياء تصلنا مكتملة، فكنا نكملها بخيالنا. كنت اصنع من القصب نايا، ومن علبة الزيت كمانا، ومن التلة مسرحا، ومن الخرفان جمهورا، ومن المساء موعدا للحفل. ولم يكن في الامر غرابة بالنسبة الي؛ كانت هذه هي الطريقة التي كنا نعيش بها.
وحين يسألونني اليوم اين تعلمت العزف، اتذكر كل ذلك قبل ان اتذكر اسم اي معهد او كتاب. اتذكر طفلا صغيرا يركض خلف خمسة خرفان في حقل واسع، ثم يجلس بينها وينفخ في قصبة مثقوبة بالنار، فتلتفت اليه الخراف، ويعود الصوت من الجبال، وتفتح ابواب القرية واحدا بعد اخر.
ربما لم اكن اعرف يومها انني اتعلم الموسيقى.
كنت اعيشها فقط.
وكان ذلك اجمل.