عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... اليوم العالمي للمعلم... عندما يعجز الزمن عن محو أثر المعلم.

كلما حل اليوم العالمي للمعلم، وجدتني أعود، من غير موعد، إلى اسم واحد ظل حاضرا في ذاكرتي وذاكرة أجيال عديدة من المغاربة: المعلم الكبير أحمد بوكماخ ، وكأنه يمثل كل المعلمين عبر التاريخ !!
وأنا بائع كتب، أمضيت عقودا بين الرفوف والكتب والقراء. شهدت أجيالا تأتي وأخرى ترحل، وأقلاما تلمع ثم تخفت، ومناهج تعليمية تتغير، ومقررات تستبدل بأخرى، وكتبا تظهر في الساحة ثم لا تلبث أن تغادرها.

FB_IMG_1791211508638.jpg

رأيت عشرات التجارب في تعليم العربية للناشئة، وكتب تجويد الخط، وطرائق مختلفة في تلقين الطفل أبجديات القراءة والكتابة. لكن وسط هذا كله، ظل اسم أحمد بوكماخ واقفا في مكانه، كأن الزمن مر من حوله ولم يستطع أن يزحزحه.
تغيرت المناهج، ودخلت التكنولوجيا إلى الفصل، وصارت الشاشات تنافس الكتاب، وتبدلت لغة التعليم ووسائله، ومع ذلك بقيت مؤلفات بوكماخ تجد طريقها إلى أيدي الآباء والأمهات والمعلمين والأطفال.

FB_IMG_1791211519491.jpg

ما الذي فعله هذا الرجل حتى كتب له كل هذا البقاء وشبه الخلود ؟
وأي روح وضعها في كتبه حتى استطاعت أن تعبر عقودا طويلة، دون أن تفقد دفئها أو قدرتها على الوصول إلى الطفل؟
ربما لأن بوكماخ كتب لروح الطفل وليس للمناهج فقط، ولعله لم ينظر إلى التعليم باعتباره حشدا للمعلومات، وإنما جعله رسالة مقدسة ،وحكاية وصورة وإيقاعا ورفقة جميلة في الطريق إلى المعرفة.
FB_IMG_1791211527564.jpg

لهذا بقيت كتبه أكثر من مقررات دراسية؛ صارت جزءا من ذاكرة الطفولة المغربية،و من رائحة المدرسة الأولى، و صوت المعلم المثالي ، و تلك اللحظة التي اكتشف فيها الطفل أن الحروف يمكن أن تكون عالما كاملا.
FB_IMG_1791211534460.jpg
وأنا الذي قضيت عمري أراقب حركة الكتب على الرفوف، أعرف أن بعضها تعيش بفضل المبيعات، وأخرى كتب لها الخلود بفضل الشهرة، لكن هناك كتبا من نوع آخر ، تلك التي تحيى لأن عصورا متعاقبة لا تزال تجد فيها شيئا منها ، وأحمد بوكماخ واحد من هؤلاء.
رحم الله معلما لم يكتف بأن يعلم أجيالا القراءة، لكنه ترك لهم كتبا ظل يقرأهم الزمن نفسه.
وصدق أحمد شوقي إذ قال : قم للمعلم وفه التبجيلا...كاد المعلم أن يكون رسولا.🤗🤗

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى